عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ) أباه (أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ) أي يُحدّث عبد الملك، ومن معه (هَؤُلَاءِ) إشارة إلى الجمل المَذكورة، من قوله: "لا يزني الزاني إلخ" (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه آخذًا عن أبي هريرة ﵁ (ثُمَّ يَقُولُ) أي أبو بكر بعد أن يُحدّثهم بهؤلاء (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (يُلْحِقُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإلحاق، أي يذكر (مَعَهُنَّ) أي مع هؤلاء، وقوله: ("وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) مفعول به لـ "يُلحق" محكيّ لقصد لفظه.
و"النَّهب": الأخذ على وجه العلانية، والقهر، والغلبة، و"النّهْبة" بالفتح مصدرٌ، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار مُتعلّقها الذي هو المال، والتوصيف برفع أبصار الناس لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته وحيائه، قاله السنديّ.
وقال في "الفتح": "النهبة" - بضم النون - هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ جهرًا وقهرًا، ووقع في رواية همام عند أحمد: "والذي نفس محمد بيده، لا يَنْتَهِبَنَّ أحدُكم نُهْبةً … " الحديث. قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: "النّهبةُ"، و"النهْبَى": اسم لما يُنتهب من المال: أي يؤخذ من غير قسمة ولا تقدير، ومنه سُمّيت الغنيمة: نُهْبَى، كما قال: "وأصبنا نَهْبَ إبل" متَفقٌ عليه: أي غنيمة إبل؛ لأنها تؤخذ من غير تقدير، تقول العرب: أنهب الرجل ماله، ونَهبُوه، وناهبوه. قاله الجوهريّ. انتهى.
[تنبيه]: ظاهر قوله: "وكان أبو هريرة يُلحق إلخ" أن قوله: "ولا ينتهب، إلى آخره"، ليس من كلام النبيّ ﷺ ، بل هو من كلام أبي هريرة ﵁ موقوف عليه، ولكن جاء في رواية أُخرى ما يدل على أنه من كلام النبيّ ﷺ .
وقد جمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك كلامًا حسنًا، فقال: رَوَى أبو نعيم في "مستخرجه على كتاب مسلم" رحمه الله تعالى، من حديث هَمّام بن منبه هذا الحديث، وفيه: "والذي نفسُ محمد بيده، لا ينتهب أحدكم"، وهذا مُصَرِّح برفعه إلى النبيّ ﷺ ، قال: ولم يستغن عن ذكر هذا، بأن البخاريّ رواه من حديث الليث بإسناده هذا الذي ذكره مسلم عنه معطوفًا فيه ذكر النهبة على ما بعد قوله: قال رسول الله ﷺ نسقًا، من غير
стр. 1017
فصل بقوله: وكان أبو هريرة يُلحِق معهنّ ذلك، وذلك مراد مسلم رحمه الله تعالى بقوله: واقتص الحديث يَذكُر مع ذكر النبهة، ولم يذكر "ذات شرف"، وإنما لم يكتف بهذا في الاستدلال على كون النهبة من كلام النبيّ ﷺ ؛ لأنه قد يُعَدُّ ذلك من قبل المدرج في الحديث، من كلام بعض رواته استدلالًا بقول من فَصَّلَ، فقال: "وكان أبو هريرة يُلحق معهن"، وما رواه أبو نعيم الحافظ يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال. وظهر بذلك أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن: "وكان أبو هريرة يُلحق معهن … " معناه: يلحقها روايةً عن رسول الله ﷺ لا من عند نفسه، وكأن أبا بكر خصها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها، ودليل ذلك ما تراه من رواية مسلم - رحمه الله تعالى - الحديث، من رواية يونس، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وابن المسيب، عن أبي هريرة، من غير ذكر النهبة.
ثم إن في رواية عقيل أن ابن شهاب، رَوَى ذكر النهبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه، وفي رواية يونس، عن عبد الملك بن أبي بكر عنه، فكأنه سمع ذلك من ابنه عنه، ثم سمعه منه نَفْسِه.
وأما ما ذكره مسلم من رواية "الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، عن ابن المسيّب وأبي سلمة، وأبي بكر جميعًا" مع ذكر النهبة، فكأنه إدراج من الأوزاعيّ، أو من الراوي عنه، ومن أنواع الْمُدْرَجِ أن يروي الحديث جماعة، ولأحدهم فيه زيادة يختصّ بها، فيُدرجها بعض الرواة على رواية الجميع من غير فصل وبيان، وذلك وغيره من أنواع المدرج مما يجوز (١) للراوي تعمّده، فافهم كلّ ذلك، والْحَظه، فإنه مما عَزَّ مُدْركه من هذا الشأن، انتهى كلام أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (٢)، والله تعالى أعلم.
(ذَاتَ شَرَفٍ) أي ذات قيمة، وقَدْر، ورِفْعة، قال القرطبيّ: والرواية
стр. 1018
الصحيحة بالشين المعجمة، وقد رواه الحربيّ: "سَرَف" بالسين المهملة، وقال: معناه: ذات مقدار كثير، ينكره الناس، كنَهْب الْفُسّاق في الفتن المالَ العظيم، مما يستعظمه الناس، بخلاف التمرة، والفلس، وما لا خطر له. انتهى (١).
وقال في "الفتح": "ذات شَرَف": أي ذات قدر، حيث يُشرف الناس لها ناظرين إليها، ولهذا وصفها بقوله: "يرفع الناس إليه فيها أبصارهم"، ولفظ "شَرَف" وقع في معظم الروايات في "الصحيحين"، وغيرهما بالشين المعجمة، وقيّدها بعض رواة مسلم بالمهملة، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي، وهي ترجع إلى التفسير الأول، قاله ابن الصلاح. انتهى (٢).
(يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ) أي ينظرون إليها ويستشرفونها، قال في "الفتح": هكذا وقع تقييده بذلك في النهبة دون السرقة، قال: وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من يَنْهَبُهم، ولا يقدرون على دفعه، ولو تضرّعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة، والاختلاس، فإنه يكون في خُفْية، والانتهاب أشدّ؛ لما فيه من مزيد الجراءة، وعدم المبالاة.
وقوله: (حِينَ يَنْتَهِبُهَا) ظرف متعلّق بـ "يرفع"، وقوله: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ") حال من فاعل "ينتهب"، وقد تقدّم معنى التقييد به قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٦/ ٢١٠ و ٢١١ و ٢١٢ و ٢١٣ و ٢١٤ و ٢١٥ و ٢١٦] (٥٧)، و (البخاريّ) في "المظالم والغصب" (٢٤٧٥) و"الأشربة" (٥٥٧٨) و"الحدود" (٦٧٧٢ و ٦٨١٠)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٩)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٢٥)، و (ابن ماجه) في "الفتن"
стр. 1019
(٢٩٣٦)، و (النسائيّ) في "كتاب قطع السارق" (٤٨٧٢ و ٤٨٧٣ و ٤٨٧٤) وفي "الأشربة" (٤٢/ ٥٩٦١ و ٥٦٦٢) وفي "الكبرى" (٧٣٥٤ و ٧٣٥٥ و ٧٣٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٣٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٧٤١٩ و ٨٦٧٩ و ٨٧٨١ و ٩٨٥٩)، و (الدارميّ) في "سننه" في "الأضاحي" (١٩١٠) و"الأشربة" (٢٥١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧ و ٣٨ و ٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩ و ٢٠٠ و ٢٠١ و ٢٠٢ و ٢٠٣ و ٢٠٤ و ٢٠٥ و ٢٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٥١٠ و ٥١١ و ٥١٢ و ٥١٣ و ٥١٤ و ٥١٥ و ٥١٦ و ٥١٧ و ٥١٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٣٠٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٦ و ٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٨٦) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، وأنها تنفي الاتّصاف به على وجه الكمال.
٢ - (ومنها): أن من زنى دخل في هذا الوعيد، سواء كان بِكرًا، أو مُحصَنًا، وسواء كان المزني بها أجنبية أو مَحْرَمًا، ولا شك أنه في حق المحرم أفحش، ومن المتزوج أعظم، ولا يدخل فيه ما يُطلق عليه اسم الزنا، من اللمس الْمُحَرَّم، وكذا التقبيل، والنظر؛ لأنها وإن سُمِّيت في عرف الشرع زنًا، فلا تدخل في ذلك؛ لأنها من الصغائر، كما قال العلماء ذلك في تفسير اللَّمَم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ الآية [النجم: ٣٢].
٣ - (ومنها): بيان تعظيم شأن السرقة، وأنها من الكبائر؛ لشدّة الوعيد فيها، وتعظيم شأن أخذ حق الغير بغير حق؛ لأنه ﷺ أقسم عليه، ولا يُقسِم إلا على إرادة تأكيد المقسم عليه.
قال الحافظ: وفيه أن من سرق قليلًا أو كثيرًا وكذا من انتهب، أنه يدخل في الوعيد، وفيه نظر، فقد شَرَط بعض العلماء، وهو لبعض الشافعيّة أيضًا في كون الغصب كبيرةً أن يكون المغصوب نصابًا، وكذا في السرقة، وإن كان بعضهم أَطْلَق فيها، فهو محمول على ما اشتَهَرَ أن وجوب القطع فيها متوقف على وجود النصاب، وإن كان سرقةُ ما دون النصاب حرامًا.
стр. 1020
٤ - (ومنها): أن فيه أن من شرب الخمر دخل في الوعيد المذكور، سواء كان المشروب كثيرًا أم قليلًا؛ لأن شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر، وإن كان ما يترتب على الشرب من المحذور من اختلال العقل أفحش من شرب ما لا يتغير معه العقل، وعلى القول الذي رجحه النووي من تأويل نفي الإيمان بنفي كماله، كما سيأتي، لا إشكال في شيء من ذلك؛ لأن لنقص الكمال مراتب، بعضها أقوى من بعض.
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال: إن الانتهاب كلَّه حرام، حتى فيما أَذِنَ مالكه، كالنِّثَار في العُرْس، ولكن صرح الحسن، والنخعي، وقتادة، فيما أخرجه ابن المنذر عنهم، بأن شرط التحريم أن يكون بغير إذن المالك، وقال أبو عبيدة: هو كما قالوا، وأما النُّهْبَةُ المختلَف فيها، فهو ما أذن فيه صاحبه، وأباحه، وغَرَضُه تساويهم، أو مقاربة التساوي، فإذا كان القويّ منهم يغلب الضعيف، ولم تَطِبْ نفس صاحبه بذلك، فهو مكروه، وقد ينتهي إلى التحريم، وقد صرّح المالكية والشافعية والجمهور بكراهيته، وممن كرهه من الصحابة أبو مسعود البدري ﵁، ومن التابعين النخعي وعكرمة، قال ابن المنذر: ولم يكرهوه من الجهة المذكورة، بل لكون الأخذ في مثل ذلك إنما يحصل لمن فيه فضل قوّة أو قلة حياء.
واحتج الحنفية، ومن وافقهم، بأنه ﷺ قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود، من حديث عبد الله بن قرظ: أن النبي ﷺ قال في البُدْن التي نحرها: "من شاء اقتطع"، واحتجوا أيضًا بحديث معاذ ﵁ رفعه: "إنما نهيتكم عن نُهْبَى العساكر، فأما العرسان (١) فلا … " الحديث، وهو حديث ضعيف في سنده ضعف، وانقطاع. قال ابن المنذر: هي حجة قوية، في جواز أخذ ما يُنثَر في العرس ونحوه؛ لأن المبيح لهم قد عَلِمَ اختلاف حالهم في الأخذ، كما علم النبي ﷺ ذلك، وأَذِن فيه في أخذ البدن التي نحرها، وليس فيها معنى، إلا وهو موجود في النثار.
стр. 1021
قال الحافظ: بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم، فإنهم كانوا الغاية في الوَرَع والإنصاف، وليس غيرهم في ذلك مثلهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي تعقّب به الحافظ كلام الإمام ابن المنذر رحمهما الله تعالى فيه نظر؛ لأنه لو كان المعنى الذي ذكره هو المبيحَ، لنبّه النبيّ ﷺ عليه، وقال: هذا لا يجوز إلا لمن كان على صفتكم، فلما أَطْلق، ولم يقيّده عَلِمنا أنه مباح، وقد مال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" إلى جوازه بإذن المالك، حيث قال في "كتاب المظالم": "باب النُّهْبَى بغير إذن صاحبه"، ثم أورد أحاديث النهي عن النُّهْبَى، فقد أفاد بتقييده الترجمة أن النهي إذا لم يأذن المالك، وإلا جاز.
والحاصل أن القول بجواز النُّهْبَى في العُرْس ونحوه هو الأرجح لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر أقوال أهل العلم في تأويل هذا الحديث:
لقد أجاد الحافظ رحمه الله تعالى في تلخيص أقوالهم، وتهذيبها في "الفتح"، فقال:
قال الطبري: اختَلَفَ الرواة في أداء لفظ هذا الحديث، وأنكر بعضهم أن يكون ﷺ قاله، ثم ذكر الاختلاف في تأويله، ومن أقوى ما يُحمَل على صرفه عن ظاهره، إيجاب الحدّ في الزنا، على أنحاء مختلفة، في حقّ الحر المحصن، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلَّفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفًا دلّ على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.
وقال النووي: اختَلَف العلماء في معنى هذا الحديث، والصحيح الذي قاله المحققون، أن معناه: لا يَفْعَل هذه المعاصي، وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تُطلَق على نفي الشيء والمراد نفي كماله، كما يقال: لا عِلْمَ
стр. 1022
إلا ما نَفَع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه لحديث أبي ذر ﵁ مرفوعًا: "من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق"، وحديثِ عبادة ﵁ الصحيح المشهور: "أنهم بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا … " الحديث، وفي آخره: "ومن فعل شيئًا من ذلك، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه"، فهذا مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ومع إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك، يَضطَرُّنا إلى تأويل الحديث ونظائرِه، وهو تأويل ظاهر سائغ في اللغة مُسْتَعْمَل فيها كثيرًا.
قال: وتأوَّله بعض العلماء على مَن فَعَل مُستحلًّا مع علمه بتحريمه.
وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري: معناه: يُنْزَع عنه اسم المدح الذي سَمَّى الله به أولياءه، فلا يقال في حقه: مؤمن، ويستحق اسم الذم، فيقال: سارق، وزانٍ، وفاجر، وفاسق.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يُنْزَع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع.
وعن المهلب: تُنْزَع منه بصيرته في طاعة الله.
وعن الزهري: أنه من المشكل الذي نُؤْمِن به، ونُمِرُّه كما جاء، ولا نتَعَرَّض لتأويله، قال: وهذه الأقوال محتملة، والصحيح ما قدمته.
قال: وقيل في معناه غير ما ذكرته، مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط فتركتها. انتهى ملخصًا.
وقد وَرَدَ في تأويله بالمستحلّ حديث مرفوع عن علي ﵁ عند الطبراني في "الصغير"، لكن في سنده راو كذَّبوه.
فمن الأقوال التي لم يذكرها: ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر: أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يَزْنِيَنَّ مؤمنٌ، ولا يَسْرِقَنَّ مؤمنٌ.
وقال الخطابي: كان بعضهم يروبه: "ولا يشرب" بكسر الباء على معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك.
стр. 1023
ورَدَّ بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى للتقييد بالظرف فائدة، فإن الزنا مَنْهِيٌّ عنه في جميع الملل وليس مختصًا بالمؤمنين.
قال الحافظ: وفي هذا الردّ نظر واضح لمن تأمله.
[ثانيها]: أن يكون بذلك منافقًا نفاق معصية لا نفاق كفر، حكاه ابن بطال عن الأوزاعي.
[ثالثها]: أن معنى نفي كونه مؤمنًا، أنه شابه الكافر في عمله، وموقعُ التشبيه أنه مثله في جواز قتله في تلك الحالة؛ ليَكُفَّ عن المعصية ولو أَدَّى إلى قتله، فإنه لو قُتِل في تلك الحالة كان دمه هَدَرًا، فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة، وهذا يُقَوّي ما تقدم من التقييد بحالة التلبس بالمعصية.
[رابعها]: معنى قوله: ليس بمؤمن: أي ليس بِمُسْتَحْضِرٍ في حالة تلبسه بالكبيرة جلالَ مَن آمن به، فهو كناية عن الغفلة، التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعَبَّرَ عن هذا ابنُ الجوزي بقوله: فإن المعصية تُذهله عن مراعاة الإيمان وهو تصديق القلب، فكأنه نَسِي مَن صَدَّق به، قال ذلك في تفسير نزع نور الإيمان، ولعل هذا هو مراد المهلب.
[خامسها]: معنى نفي الإيمان: نفي الأمان من عذاب الله؛ لأن الإيمان مشتق من الأمن.
[سادسها]: أن المراد به الزجر والتنفير، ولا يراد ظاهره، وقد أشار إلى ذلك الطيبى، فقال: يجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] يعني أن هذه الخصال ليست من صفات المؤمن لأنها منافية لحاله، فلا ينبغي أن يتصف بها.
[سابعها]: أنه يُسْلَب الإيمانَ حال تلبّسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، وهو ظاهر ما أسنده البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في باب "إثم الزُّنَاة" من "كتاب المحاربين" عن عكرمة عنه، بنحو حديث الباب، قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف يُنْزَع منه الإيمان؟ قال: هكذا، وشَبَّك بين أصابعه ثم أخرجها، فإذا تاب عاد إليه هكذا ثم شبّك بين أصابعه. وجاء مثل هذا مرفوعًا، أخرجه أبو داود، والحاكم بسند صحيح، من طريق سعيد
стр. 1024
المقبري، أنه سمع أبا هريرة ﵁ رفعه: "إذا زَنَى الرجلُ خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلَّة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان".
وأخرج الحاكم من طريق ابن حُجَيرة، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان كما يَخْلَع الإنسان القميص من رأسه" (١).
وأخرج الطبراني بسند جيّد، من رواية رجل من الصحابة لم يُسَمَّ رفعه: "من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه".
وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن رواحة ﵁: "مَثَلُ الإيمان مثل قميص، بينما أنت مُدبر عنه إذ لبسته، وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته".
قال ابن بطال: وبيان ذلك أن الإيمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين: أحدهما: قول، والآخر عمل، فإذا رَكِب المصدِّق كبيرة فارقه اسم الإيمان، فإذا كَفَّ عنها عاد له الاسم؛ لأنه في حال كفِّه عن الكبيرة، مجتنب بلسانه، ولسانه مصدّق عقد قلبه، وذلك معنى الإيمان.
قال الحافظ: وهذا القول قد يُلاقي ما أشار اليه النووي، فيما نقله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "يُنزع منه نور الإيمان"؛ لأنه يُحْمَل منه على أن المراد في هذه الأحاديث نور الإيمان، وهو عبارة عن فائدة التصديق، وثمرته، وهو العمل بمقتضاه، ويمكن ردّ هذا القول إلى القول الذي رجحه النووي، فقد قال ابن بطال في آخر كلامه، تبعًا للطبري: الصواب عندنا قول من قال: يزول عنه اسم الإيمان، الذي هو بمعنى المدح، إلى الاسم الذي بمعنى الذم، فيقال له: فاسق مثلًا، ولا خلاف أنه يُسَمَّى بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله، لفظًا واعتقادًا، لا عملًا، ومن ذلك الكف عن المحرَّمات.
قال الحافظ: وأظن ابن بطال تَلَقَّى ذلك من ابن حزم، فإنه قال: المعتمد
стр. 1025
عليه عند أهل السنة، أن الإيمان اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة، والكفّ عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذُكِر لم يختلّ اعتقاده ولا نطقه، بل اختلّت طاعته فقط، فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله، ممن اعتاد ذلك؛ لأنه يُخشَى عليه أن يُفْضِي به إلى الكفر، وهو كقوله: "ومن يَرتَع حول الحمى … " الحديث، أشار اليه الخطابي.
وقد أشار المازري إلى أن القول المصَحَّح هنا، مبني على قول مَن يرى أن الطاعات تسمى إيمانًا.
قال الحافظ: والعجب من النووي، كيف جزم بأن في التأويل المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثًا مرفوعًا، ثم صحح غيره، فلعله لم يَطَّلِع على صحته، وقد قدَّمتُ أنه يمكن ردّه إلى القول الذي صححه.
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياءُ، وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني حين يزني، وهو يستحي من الله؛ لأنه لو استحى منه وهو يَعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس بتشبيك أصابعه، ثم إخراجها منها، ثم إعادتها إليها، ويعضده حديث: "من استحى من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس، وما وعى، والبطن وما حوى" (١). انتهى.
قال الحافظ: وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولًا خارجًا عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة، وقد أشرتُ إلى بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن ردّ بعضها إلى بعض.
стр. 1026
قال المازري: هذه التأويلات تَدفع قول الخوارج، ومن وافقهم من الرافضة، أن مرتكب الكبيرة كافر مُخَلَّد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قولَ المعتزلة: إنه فاسق مخلد في النار، فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه، اندفعت حجتهم.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأهل السنّة والهدى جمعوا بين معاني الأحاديث، وقرّروها على أصولها، واستدلّوا من حديث أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق" على منع التخليد، ومن هذا الحديث على نقص الإيمان بالمعاصي، كما وردت مفسّرةً في أحاديث كثيرة وآيٍ من القرآن منيرة.
قال: وأشار بعض العلماء، إلى أن في الحديث تنبيهًا على جميع أنواع المعاصي، والتحذير منها، فَنَبّه بالزنا على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام، وبالخمر على جميع ما يَصُدُّ عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله، وترك توقيرهم، والحياء منهم، وعلى جمع الدنيا من غير وجهها. انتهى كلام القاضي عياض (١).
وقال القرطبي بعد أن ذكره مُلَخّصًا: وهذا لا يتمشى إلا مع المسامحة، والأولى أن يقال: إن الحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور، هي من أعظم أصول المفاسد، وأضدادها من أصول المصالح، وهي استباحة الفروج المحرَّمة، وما يؤدي إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقةَ بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق.
قال الحافظ: وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الأول، يشمل الكبائر والصغائر، وليست الصغائر مرادةً هنا لأنها تُكَفَّر باجتناب الكبائر، فلا يقع الوعيد عليها بمثل التشديد الذي في هذا الحديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن، واتّضح بما سبق أن أحسن
стр. 1027
التأويل هو ما نُقل عن حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وهو أنه يُنْزَع منه نور الإيمان، وقد أوضح كيفيّة نزعه لَمّا سأله عكرمة بأن شبّك أصابعه وأخرجها، ثم أعادها؛ لأنه وَرَد مرفوعًا، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، ولأنه تفسير صحابي وهو الراوي له، قال في "ألفية الأثر":
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
وقد صحّ، كما سبق حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان"، فلا تفسير أحسن من تفسير حديثه ﷺ بحديثه، قال الله : ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ [فاطر: ١٤]، و"صاحب البيت أدرى بما فيه"، والله تعالى أعلم.
ثم رأيت لشيخ الاسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى كلامًا نفيسًا على هذا الحديث، يؤيّد ما سبق ترجيحه، ودونك نصّه (مجموع الفتاوى ٧/ ٦٧٠):
سئل رحمه الله تعالى عن معنى حديث النبيّ ﷺ : "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان"؟ رواه الترمذيّ، وأبو داود، وهل يكون الزاني في حالة الزنا مؤمنًا أو غير مؤمن؟ وهل حَمَلَ الحديث على ظاهره أحد من الأئمة، أو أجمعوا على تأويله؟.
فأجاب: الحمد لله، الناس في الفاسق من أهل الملة مثل الزاني والسارق والشارب ونحوهم ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
[أحد الطرفين]: أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه، ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان، ثم من هؤلاء من يقول: هو كافر كاليهوديّ والنصراني وهو قول الخوارج، ومنهم من يقول: نُنَزِّله منزلةً بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر، وهم المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن أهل الكبائر يُخَلَّدون في النار، وأن أحدًا منهم لا يخرج منها، وهذا من مقالات أهل البدع التي دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فسماهم مؤمنين، وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على
стр. 1028
بعض، وقال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولو أعتق مذنبًا أجزأ عتقه بإجماع العلماء.
ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية: لا نُكَفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نُخرجه من الإسلام بعمل، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبيّ ﷺ ، ولم يحكم فيهم حُكْمَ مَن كفر، ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، بل جَلَد هذا، وقطع هذا، وهو في ذلك يستغفر لهم، ويقول: "لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم"، وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل.
[الطرف الثاني]: قول مَن يقول: إيمانهم باق كما كان لم ينقص؛ بناءً على أن الإيمان هو مجرد التصديق، والاعتقاد الجازم، وهو لم يتغير، وإنما نقصت شرائع الإسلام، وهذا قول المرجئة والجهمية ومَن سلك سبيلهم، وهو أيضًا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين، والتابعين لهم بإحسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] وقال: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال النبيّ ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وقال لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم" (١).
وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح.
فأما قول القلب: فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ .
ثم الناس في هذا على أقسام: منهم مَن صَدَّق به جملةً، ولم يَعْرِف
стр. 1029
التفصيل، ومنهم من صَدَّق جملةً وتفصيلًا، ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق، ومنهم من يَغْفُل عنه ويَذْهَل، ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور والإيمان، ومنهم من جزم به لدليلٍ، قد تعترض فيه شبهة، أو تقليدٍ جازمٍ، وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله تعالى ورسوله ﷺ وتعظيم الله ورسوله ﷺ ، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله، والإنا بة إليه، والإخلاص له، والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلُّها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجابَ العلة المعلولَ، ويتبع الاعتقادَ قولُ اللسان، ويتبع عملَ القلب الجوارحُ، من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك.
وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلَبُون الاسم على الإطلاق، ولا يُعطونه على الإطلاق، فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ويقال: ليس بمؤمن حقًّا، أو ليس بصادق الإيمان.
وكل كلام أُطلق في الكتاب والسنة، فلا بد أن يقترن به ما يبيّن المراد منه، والأحكامُ منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط، كجواز العتق في الكفارة، وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك، ومنها ما يترتب على أصله وفرعه، كاستحقاق الحمد والثواب، وغفران السيئات، ونحو ذلك.
إذا عرفت هذه القاعدة، فالذي في "الصحيح" قوله: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق، حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبة ذات شرف، يَرفَع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن"، والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة، وهي مفسرة للرواية المشهورة.
فقول السائل: هل حَمَلَ الحديث على ظاهره أحدٌ من الأئمة؟ لفظ مشترك، فإن عَنَى بذلك أن ظاهره أن الزاني يصير كافرًا، وأنه يُسْلَب الإيمان بالكلية، فلم يَحمِل الحديث على هذا أحدٌ من الأئمة، ولا هو أيضًا ظاهرُ الحديث؛ لأن قوله: "خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظُّلَّة" دليل على أن الايمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلَّة تُظَلِّل صاحبها، وهي متعلقة، ومرتبطة به نوعَ ارتباط.
стр. 1030
وأما إن عَنَى بظاهره ما هو المفهوم منه، كما سنفسره - إن شاء الله - فنعم، فإن عامة علماء السلف يُقِرُّون هذه الأحاديث، ويُمِرّونها كما جاءت، ويَكرهون أن تُتَأَوّل تأويلات تُخرجها عن مقصود رسول الله ﷺ ، وقد نُقِل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن سفيان، وأحمد بن حنبل، وجماعة كثيرة من العلماء رحمهم الله تعالى، ونَصَّ أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يُتَأَوَّل تأويلًا يخرجه عن ظاهره المقصود به، وقد تأوله الخطابيّ وغيره تأويلات مستكرهة، مثل قولهم: لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، أي ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك، وقولِهم: المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي، وإنما ساغ ذلك لِمَا بين حاله وحال من عُدِم الإيمان من المشابهة والمقاربة، وقولِهم: إنما عُدِم كمال الإيمان وتمامه، أو شرائعه وثمراته، ونحو ذلك، وكل هذه التأويلات لا يَخفى حالها على من أمعن النظر.
فالحق أن يقال: نفس التصديق المفرِّق بينه وبين الكافر لم يَعْدَمه، لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقًا بأن الله حَرَّم هذه الكبيرة، وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة، وأنه يَرَى الفاعلَ ويشاهده وهو مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعلَ، فلو تصور هذا حقَّ التصور لامتنع صدور الفعل منه، ومتى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد ثلاثة أشياء: إما إضطراب العقيدة بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه، وإنما مقصوده الزجر، كما تقوله المرجئة، أو أن هذا إنما يحرم على العامّة دون الخاصّة، كما يقوله الإباحية، أو نحو ذلك من العقائد التي تُخرج عن الملة، وإما الغفلة والذهول عن التحريم، وعظمةِ الربّ، وشدة بأسه، وإما فرط الشهوة، بحيث يقهر مقتضى الإيمان، ويمنعه موجبه، بحيث يصير الاعتقاد مغمورًا مقهورًا، كالعقل في النائم والسكران، وكالروح في النائم.
ومعلوم أن الإيمان الذي هو الإيمان ليس باقيًا كما كان؛ إذ ليس مستقرًّا ظاهرًا في القلب، واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيًا على حاله عاملًا عمله، وهو يُشبه من بعض الوجوه روح النائم، فإنه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فالنائم ميت من وجه حيّ من وجه، وكذلك السكران والْمُغْمَى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه.
стр. 1031
فإذا قال قائل: السكران ليس بعاقل، فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقًا، مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة؛ إذ عقله مستور، وعقل البهيمة معدوم، بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حال يَعْزُب فيها عقله ورأيه، وفي الأثر: إذا أراد الله نفاذَ قضائه وقدره، سَلَب ذوي العقول عقولهم، فإذا أنفذ قضاءه وقدره، رَدَّ عليهم عقولهم ليعتبروا، فالعقل الذي به يكون التكليف لم يُسْلَب، وإنما سُلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة.
كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يَعْدَم الإيمانَ الذي به يستحق أن لا يُخَلَّد في النار، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يَستحِق المناكحة والموارثة، لكن عَدِم الإيمانَ الذي به يَستحق النجاة من العذاب، ويَستحق به تكفير السيئات، وقبول الطاعات، وكرامة الله ومثوبته، وبه يَستحق أن يكون محمودًا مرضيًّا.
وهذا يُبَيِّن أن الحديث على ظاهره الذي يليق به، والله تعالى أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ.
وخلاصته أن المنفيّ هو كمال الايمان، لا أصل الإيمان، فمرتكب هذه الكبائر من الزنا والسرقة، والنهب، ونحوها مؤمن ناقص الإيمان، وهو حاصل ما تقدّم عن حبر الأمة وبحرها ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١] ( … ) - (وحَدَّثَيي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي … "، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِه، يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ النُّهْبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ "ذَاتَ شَرَفٍ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِلَّا النُّهْبَةَ).
стр. 1032
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١]،.
رَوَى عن أبيه، وابن وهب، وأسد بن موسى، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابنه محمد بن عبد الملك، وأبو حاتم، وأبو عبد الملك الْبُسْريّ، وأبو بكر بن أبي داود، وعبدان الأهوازي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: كان حديثيًّا فقيهًا عَسِرًا في الحديث ممتنعًا، قال: وتُوُفّي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم خمسين حديثًا (١).
٢ - (أَبُوهُ) هو: شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْمِيّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن أبيه وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح.
ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، ومحمد وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المرادي، وأحمد بن يحيى بن الوزير، وأبو الطاهر بن السَّرْح، ويونس بن عبد الأعلى المصريون، وأبو همام الوليد بن شجاع البغداديّ، وغيرهم.
قال ابن وهب: ما رأيت أفضل من شعيب بن الليث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: هو أحب إليك أو عبد الله بن عبد الحكم؟ فقال: شعيب أحلى حديثًا، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وكان من أهل الفضل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: كان ثقةً، فقيل له: سمع من أبيه؛ فقال: كان يقول: سمعت بعضًا وفاتني بعض، قال: وهذا من ثقته، فقيل له: سمعت أنت
стр. 1033
منه؟ فقال: قرئ عليه، وأنا حاضر، وذكره الخطيب في الرواة عن مالك، وقال أبو عوانة في "الحج" من "صحيحه": لم يكن شعيب يشرب الماء في السُّوق، يعني من مروءته. انتهى.
وقال يحيى بن بُكير: وُلد سنة خمس وثلاثين ومائة، ومات سنة تسع وتسعين ومائة، زاد غيره: ليومين بقيا من صفر، وقال ابن يونس: ليومين بقيا من رمضان، وقال ابن حبان: في آخر رمضان.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، الأيليّ، أبو خالد، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقة ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل "اقتَصَّ" ضمير عُقَيل بن خالد، أي ساق عُقيل الحديث بمثل لفظ يونس بن يزيد.
[تنبيه]: لفظُ حديث عُقيل هذا ساقه البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٢٤٧٥) حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبَةً يَرْفَع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله إلا النهبة.
وقوله: (يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ النُّهْبَةِ) كذا وقع في الرواية من غير هاء الضمير، فإمّا أن يقال: حذفها مع إرادتها لكونها فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أوْ حُصِرْ
وإما أن يُقرأ "يُذْكَرُ" بضم أوله وفتح الكاف، مبنيًّا للمفعول، والجملة في
стр. 1034
محلّ نصب على الحال، أي اقتصّ الحديث حال كونه مذكورًا مع ذكر النُّهْبَة (١).
وحاصل المعنى أن عُقيلًا ساق الحديث بمثل لفظ يونس مع ذكره في حديثه قوله: "ولا ينتهب نُهْبَةً يَرْفَع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ "ذَاتَ شَرَفٍ") يعني أن عُقيلًا مع أنه ذكر النهبة، إلا أنه لم يذكر في قوله: "ولا ينتهب نهبة" قوله "ذات شَرَف".
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَاب) هذا موصول بالإسناد الذي قبله، وهو إسناد عبد الملك بن شعيب، وليس معلّقًا، فتنبّه.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِلَّا النُّهْبَةَ) يعني أن سعيد بن المسيّب، وأبا سلمة حدثا ابن شهاب بمثل حديث أبي بكر بن عبد الرحمن المذكور ﵀ غير أنهما ليس في حديثهما ذكر النهبة، ولفظهما تقدّم للمصنّف في حديث أول الباب من طريق يونس، عن ابن شهاب، عنهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢] ( … ) - (وحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعيُّ، عَن الزُّهْرِيّ، عَن ابْنِ الْمُسَيِّب، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ النُّهْبَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: "ذَاتَ شَرَفٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) هو: محمد بن مِهْران - بكسر أوله، وسكون الهاء - الْجَمّال - بالجيم - أبو جعفر الرازيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠].
رَوَى عن عيسى بن يونس، وابن عُلَيّة، وحاتم بن إسماعيل، ومبشر بن
стр. 1035
إسماعيل، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز الدّرَاورديّ، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وهارون بن إسحاق الْهَمْدانيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن علي الأَبّار، وموسى بن هارون، وأبو العباس السَّرّاج، وآخرون.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي جعفر الجمّال، وإبراهيم بن موسى؟ فقال: كان أبو جعفر أوسع حديثًا، وكان إبراهيم أتقن، وقال أيضًا: سئل أبي عنه؛ فقال: صدوق، وقال أبو بكر الأعين: مشايخ خراسان ثلاثة: أولهم قتيبة، والثاني محمد بن مِهران، والثالث علي بن حُجْر، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مسلمة بن قاسم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: مات أول سنة تسع وثلاثين ومائتين أو قريبًا منه، وأرّخه ابن قانع سنة ثمان.
وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقون ذُكروا قريبًا.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يعني أن لفظ حديث الأوزاعيّ مثلُ لفظ حديث عُقيل.
وقوله: (وَذَكَرَ النُّهْبَةَ) يعني أن الأوزاعيّ ذكر قوله: "ولا ينتهب نُهبة … إلخ".
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: "ذَاتَ شَرَفٍ") يعني أن الأوزاعيّ رحمه الله تعالى مع أنه ذكر "ولا ينتهب نهبة إلخ" إلا أنه لم يذكر قوله: "ذات شرف".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال المصنّف رحمه الله تعالى: إن الأوزاعيّ لم يذكر في روايته "ذات شرف"، لكني لم أجد هذه الرواية.
стр. 1036
والحديث أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" ١/ ١٤٥، وأبو عوانة في "مسنده" ١/ ٢٩، وابن حبّان في "صحيحه" ١/ ٤١٤، وابنُ منده في "الإيمان" ٢/ ٥٩٥ من عدّة طرق عن الأوزاعيّ، وفيه ذكر "ذات شرف".
ولفظ أبي نعيم: "المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم" (١/ ١٤٥):
(٢٠١) من طريق محمد بن مِهْران الجمال شيخ المصنّف هنا قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن، ولا ينتهب نُهبة يرفع إليه المؤمنون فيها أبصارهم، وهو مؤمن".
ولفظ أبي عوانة (١/ ٢٩):
(٣٧) من طريق الوليد بن مزيد العذري قال: ثنا الأوزاعي: "لا يزني الزاني وهو حين يزني مؤمن، ولا يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذاتَ شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن".
ولفظ ابن حبان في "صحيحه" (١/ ٤١٤): من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: حدثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كلهم يحدثون عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن".
ولفظ ابن منده في "الإيمان" (٢/ ٥٩٥): من طريق أبي المغيرة عبد القدوس، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .
(ح) ومن طريق العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، ثنا
стр. 1037
الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ .
(ح) ومن طريق الوليد بن مسلم، ثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣] ( … ) - (وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِب، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة - الْهُذليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (٢٠٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٩/ ١٤١.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حنطب، وقيل: عبد الله بن المطلب بن حنطب، وقيل: عبد الله بن المطلب بن عبد الله بن حنطب الْمَخْزُوميُّ، أبو طالب المدنيّ القاضي، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وأخيه الحكم، وموسى بن عقبة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وصفوان بن سليم، وسهيل بن أبي صالح، وعبد الله بن الحسن، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن سعد، وأبو أويس، وسليمان بن بلال، وهم من
стр. 1038
أقرانه، وابن أبي فُدَيك، ومَعْن بن عيسى، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبو عامر العقديّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم.
قال ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال محمد بن المثنى: ما سمعت ابن مهديّ يحدث عنه، وقال الآجريّ عن أبي داود: لا أدري كيف حديثه؟ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو طالب، وأمه أم الفضل، من بني مخزوم، مات في ولاية أبي جعفر، وذكر في شيوخه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وذكره العُقيليّ في "الضعفاء"، وقال: لا يُتَابَع في حديثه عن الأعرج، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: شيخ مدني يُعْتَبر به، وأخوه يقاربه، وأبوهما ثقةٌ، وذكر له الزبير بن بكار في كتاب النسب ترجمة جَيِّدةً، وَصَفَه فيها بالجود، والمعرفة بالقضاء والحكم، وأنه وَلي قضاء المدينة في زمن المنصور ثم المهديّ، ووَلي قضاء مكة، قال: وأمه أم الفضل بنت كُليب بن جرير بن معاوية الخفاجية.
أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١٦٥٠): "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها … "، و (٢٠٠٣ (: "كلُّ مسكر خمر … "، و (٢٨١٨): "سدّدوا، وقاربوا، وأبشروا … ".
٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمِ) القرشي الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث المدنيّ الفقيه، ثَقةٌ مُفْتٍ عابدٌ، رُمي بالقدر [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وأبي بُسْرة الغفاري، وعبد الرحمن بن غنم، وأبي أمامة بن سهل، وابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه زيد بن أسلم، وابن المنكدر، وموسى بن عقبة، وهم من أقرانه، وابن جريج، ويزيد بن أبي حبيب، ومالك، والليث، وإسحاق بن إبراهيم المدني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، عابدًا، وقال علي ابن المديني عن سفيان: حدثني صفوان بن سليم، وكان ثقة، وقال علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هو أحب إلي من زيد بن أسلم، وذكر أبو بكر بن أبي الْخَصِيب:
стр. 1039
ذُكر صفوانُ بن سُليم عند أحمد، فقال: هذا رجلٌ يُستسقَى بحديثه، وَينزل القطر من السماء بذكره (١).
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، من خيار عباد الله الصالحين، وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت مشهور بالعبادة، وقال مالك: كان صفوان يُصَلّي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقظ بالحر وبالبرد حتى يُصْبِح، وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان، ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد، وقال أبو غسان النَّهْديّ: سمعت ابن عيينة قال: حَلَفَ صفوان أن لا يَضَعَ جنبه بالأرض حتى يَلْقَى الله، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين سنة (٢)، وقال المفضل الغلابي: كان يَرَى القدر. وقال العجليّ: مدني رجلٌ صالحٌ. وقال ابنُ حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل المدينة وزُهّادهم، وقال الكناني: قلت لأبي حاتم: هل رأى صفوان أنسًا؟ قال: لا، ولا تصح روايته عن أنس، وقال أبو داود السجستاني: لم يَرَ أحدًا من الصحابة، إلا أبا أُمامة، وعبد الله بن بُسْر.
وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن محمد بن إسحاق: حدثني صفوان بن سليم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها أَرّخَ وفاته الواقديّ، وابنُ سعد، وخليفة، وأبو عبيد، وابن نمير، وغير واحد، منهم أبو حسان الزيادي، وزاد: وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال أبو عيسى الترمذي: مات سنة (٢٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١١٧): "إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير … "، و (٥٧٨): "سجد رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾
стр. 1040
[الانشقاق: ١]، و (٨٤٦): "الغسل يوم الجمعة واجب … "، و (٢٨٣١): "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف … ".
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ) زوج النبي ﷺ ، الهلالي مولاهم، أبو محمد المدنيّ القاصّ، وهو أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد الله بني يسار، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (١).
رَوَى عن معاذ بن جبل، وفي سماعه منه نظر، وعن أبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن الحكم السُّلَميّ، وأبي أيوب، وأبي قتادة، وأبي واقد الليثيّ، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهنيّ، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من أقرانه، ومحمد بن عمر بن عطاء، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، وهلال بن عليّ، وزيد بن أسلم، وشريك بن أبي نمر، ومحمد بن أبي حرملة، وغيرهم.
قال البخاري وابن سعد: سمع من ابن مسعود. وقال أبو حاتم: لم يسمع منه. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، سمع من أبي عبد الله الصنابحي. وأما مالك فقال: عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قَدِمَ الشام، فكان أهل الشام يَكْنُونه بأبي عبد الله، وقَدِم مصر فكان أهلها يَكنونه بأبي يسار، وكان صاحب قِصَص وعبادة وفضل، كان مولده سنة (١٩) ومات سنة (١٠٣) وكان موته بالإسكندرية انتهى.
ورَوَى الواقديّ أنه مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقال غيره: سنة (٩٤)، وقال ابن سعد: وهو أشبه، وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٠٣)، وهو ابن (٨٤) سنة، وجَزَم ابن يونس في "تاريخ مصر" بأنه تُوُفّي بالإسكندرية.
стр. 1041
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (١) الزهريّ، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وأمه أم كلثوم، وعمر، وعثمان، وسعيد بن زيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، والنعمان بن بشير، ومعاوية، وأم سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن أخيه، سعد بن إبراهيم، وابنه عبد الرحمن، وابن أبي مليكة، والزهري، وقتادة، وصفوان بن سليم، وغيرهم.
قال العجليّ، وأبو زرعة، وابن خِرَاش: ثقةٌ.
قال ابن سعد: رَوَى مالك، عن الزهريّ، عن حميد أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان، ثم يفطران، ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن حميد، قال: رأيت عمر وعئمان، قال الواقدي: وأثبتهما عندنا حديث مالك، وأن حميدًا لم يَرَ عمر، ولم يسمع منه شيئًا، وسِنُّهُ وموته يدلّ على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان ثقةً كثيرَ الحديث، تُوُفِّي سنة (٩٥) وهو ابن (٧٣) سنة، قال ابن سعد: وقد سمعت مَن يقول: إنه توفي سنة (١٠٥)، وهذا غلط.
قال الحافظ: هو قول الفلاس، وأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الحربي، وابن أبي عاصم، وخليفة بن خياط، ويعقوب بن سفيان.
وفي كتاب الكلاباذيّ: قال الذهلي: ثنا يحيى - يعني ابن معين - قال: مات سنة (١٠٥)، قال الحافظ: وإن صحّ ذلك على تقدير صحة ما ذُكِر من
стр. 1042
سنه، فروايته عن عمر منقطعة قطعًا، وكذا عن عثمان، وأبيه، والله أعلم، وقال أبو زرعة: حديثه عن أبي بكر وعليّ ﵄ مرسل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
[تنبيه]: لم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن هذا السند، بل أحاله على حديث الزهريّ، كما سيأتي في كلامه، وقد ساقه أبو نعيم، في "المسند المستخرج"، فقال (١/ ٢٠٢):
(٢٠٢) حدثنا أبو إسحاق، محمد بن سليمان بن إبراهيم الهاشميّ، ثنا أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا عبد العزيز بن المطلب، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذاتَ شَرَفٍ حين ينتهبها وهو مؤمن". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ … ] ( … ) - (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثّنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عمي في آخره فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 1043
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل بن سِيج اليمانيّ، أبو عُقبة الصَّنعانيّ الأبناويّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، ومعاوية، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير.
وروى عنه أخوه وهب بن منبه، وابن أخيه عَقِيل بن مَعْقِل بن منبه، وعلي بن الحسن بن أَتَش، ومعمر بن راشد.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الميموني عن أحمد: كان يغزو، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة، فسَمِع منه أحاديث، وهي نحو من أربعين ومائة حديث بإسناد واحد، وأدركه معمر، وقد كَبِرَ، وسَقَطَ حاجباه على عينيه، فقرأ عليه هَمّام حتى إذا مَلّ أخذ معمر، فقرأ الباقي، وكان عبد الرزاق لا يعرف ما قُرِئ عليه مما قرأ هو، وقال العجليّ: يمانيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن سعد: مات سنة إحدى وثلاثين - أي ومائة -، وقال البخاريّ: قال عليّ: سألت رجلًا قد لقي همام بن منبه: متى مات همام؟ فقال: مات سنة اثنتين، قال: وقال ابن عيينة: كنت أتوقع قدوم هَمّام عشر سنين، وقال ابن سعد، وخليفة، وابن حبان: مات سنة إحدى، أو اثنتين وثلاثين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
وأبو هريرة ﵁ تقدّم.
[تنبيه]: لم يسق المصنّف متن هذا الحديث، بل أحاله في كلامه الآتي على حديث الزهريّ، وقد ساقه الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه"، (١/ ١٤٦) فقال:
(٢٠٤) حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمد بن أبي السّريّ (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن سهل، ثنا سلمة بن شبيب، قالا: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن، ولا يزني زان وهو حين يزني مؤمن، ولا يشرب الخدود - يعني الخمر - وهو حين يشربها مؤمن، والذي نفس محمد بيده، لا ينتهب أحدكم نُهْبةً ذاتَ شَرَف يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حينئذ مؤمن، ولا يَغُلُّ أحدكم حين يَغُلُّ وهو مؤمن، فإياكم وإياكم"، لفظهما واحد. انتهى.
стр. 1044
وساقه ابن منده أيضًا في "الإيمان" (٢/ ٥٩٧) فقال:
(٥١٣) أنبأنا محمد بن الحسين، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني أحدكم وهو حين يزني مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة يرفع المسلمون أعينهم وهو مؤمن، ولا يَغُلُّ أحدكم وهو حين يَغُلّ مؤمن، فإياكم إياكم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ كُلُّ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءَ وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: "يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ"، وَفي حَدِيثِ هَمَّامٍ: "يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا، وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ"، وَزَادَ: "وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيَّ) هو: عبد العزيز بن محمد المدنيّ، صدوقٌ، يُحدث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وهِمَ [٥] (ت سنة بضع و ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهني مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
وأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ سبق قريبًا.
стр. 1045
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) اسم الإشارة يعود إلى صفوان، ومعمر، والعلاء؛ يعني لفظ أحاديث هؤلاء مثل لفظ حديث الزهريّ المتقدّم، وقد عرفته مما سقناه من طريق أبي نعيم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءَ، وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: "يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ") أما لفظ صفوان فقد سبق من رواية أبي نعيم، وأما لفظ العلاء، فقد أخرجه الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في "الإيمان" (٢/ ٥٩٨) فقال:
(٥١٦) أنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا إسماعيل بن جعفر (ع) وأنبأ محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الدّرَاوَرْديّ، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبةً حَين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". انتهى.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ) قد عرفت حديث همّام فيما سبق آنفًا مَن رواية أبي نعيم، وابن منده ("يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا) ولفظ ابن منده: "يرفع المسلمون أعينهم" (وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ"، وَزَادَ) أي همّام في روايته: ("وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ولفظ ابن منده: "ولا يغُلّ أحدكم وهو حين يغُلّ مؤمن".
وقوله: (يَغُلّ) بفتح الياء، وضمّ الغين المعجمة، وتشديد اللام ورفعها، من الغلول، وهو الخيانة، قاله النوويّ (١).
وقال الفيّوميّ: وغَلّ غُلُولًا مَن باب قعد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره، وقال ابن السّكّيت: لَمْ نسمع في المغنم إلَّا غَلّ ثلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطَق به. انتهى (٢).
стр. 1046
وقوله: (فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ") هكذا هو في الروايات "إياكم إياكم" مرتين، وكذا هو عند ابن منده في "الإيمان"، ووقع عند أبي نعيم: "فإياكم وإياكم" بواو العطف.
ومعناه: احذروا احذروا، يقال: إياك وفلانًا، أي احذره، ويقال: إياك، أي احذر، من غير ذكر فلان كما وقع هنا، قاله النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التركيب يُسمّى عند النحاة بالتحذير، ونظيره الإغراء، لكنه بدون لفظة "إيا"، قال في "الخلاصة":
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ "إِيّا" انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ"الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ" يَا ذَا السَّارِي
وَشَذَّ "إِيَّايَ" وَ"إِيَّاهُ" أَشَذْ … وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
وَكَمُحَذَرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ").
رجال هذا الإسناد ستة:
كلهم تقدّموا قبل بابين، و"ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ" هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، و "سُلَيْمَانُ" هو الأعمش، و"ذكوان" هو أبو صالح.
стр. 1047
وقوله: (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا منه ﷺ إرشاد لمن وقع في كبيرة أو كبائر إلى الطريق التي بها يتخلّص وهي التوبة، ومعنى كونها معروضةً: أي عَرَضَها الله تعالى على العباد، حيث أمرهم بها، وأوجبها عليهم، وأخبر عن نفسه أنه تعالى يقبلها، كلُّ ذلك فضلٌ من الله تعالى، ولُطْفٌ بالعبد؛ لِمَا عَلِمَ اللهُ تعالى من ضعفه عن مقاومة الحوامل على المخالفات التي هي النفس، والهوي، والشيطان الإنسيّ والجنّيّ، فلَمّا علم الله تعالى أنه يقع في المخالفات، رحمه بأن أرشده إلى التوبة، فعرضها عليه، وأوجبها، وأخبر بقبولها، وأيضًا فإنه يجب على النصحاء أن يَعرِضوها على أهل المعاصي، ويُعرِّفونهم بها، ويوجبونها عليهم، وبعقوبة الله تعالى لمن تركها، وذلك كلّه لطفٌ متّصلٌ إلى طلوع الشمس من مغربها، أو إلى أن يُغرغر العبد، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على قبول التوبة ما لَمْ يُغَرْغِر كما جاء في الحديث، وللتوبة ثلاثة أركان: أن يُقْلِع عن المعصية، ويَنْدَم على فعلها، وَيعْزِم أن لا يعود إليها، فإن تاب من ذنب، ثم عاد إليه لَمْ تبطل توبته، وإن تاب من ذنب وهو متلبس بآخر صحت توبته، هذا مذهب أهل الحقّ، وخالفت المعتزلة في المسألتين. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَوَّلَ الكتاب قال:
[٢١٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ، قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّاني … " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ).
رجال هذا الإسناد ستةٌ:
وكلهم تقدّموا قريبًا، و"سفيان" هو الثوريّ.
стр. 1048
وقوله: (رفعه) أي رفع أبو هريرة ﵁ الحديث إلى النبي ﷺ .
[فائدة]: إذا قيل في الحديث عند ذكر الصحابيّ: "يرفعه"، أو "رفعه"، كقوله هنا: "رفعه"، أو "رَفَعَ الحديث"، أو "يَنْمِيه"، أو "يبلغ به"، كقول ابن عباس ﵄: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشَرْطة مِحْجَم، وكَيَّة نار"، رفع الحديث، رواه البخاري، ورَوَى مالك في "الموطأ" عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يؤمرون أن يَضَعَ الرجلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، قال أبو حازم: لا أعلم إلَّا أنه يَنْمِي ذلك، وكحديث الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به: "الناسُ تَبعٌ لقريش"، أخرجاه، أو "رواية"، كحديث الأعرج، عن أبي هريرة روايةً: "تقاتلون قومًا صغار الأعين … " رواه البخاريّ، وما أشبه ذلك، فكلّه مرفوع، وإذا قيل عند ذكر التابعيّ: "يرفعه" أو نحوه فمرفوعٌ مرسل، أفاده في "تدريب الراوي" (١).
وقلت ناظمًا هذه القاعدة:
اعْلَمْ أَخِي قَاعِدَةً مُؤَسَّسَهْ … يَحْدُو لَهَا الْمَنْهُومُ لِلْمُؤَانَسَهْ
"رَفَعَهُ" "يَرْفَعُهُ" "يَبْلُغُ بِهْ" … "رِوَايَةً" "يَنْمِيهِ" رَفْعٌ فَانْتَبِهْ
إِذَا أَتَى مَعَ صَحَابِيٍّ وَإِنْ … مَعْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلٌ فَلْتَسْتَبِنْ
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ) فاعل "ذَكَر" ضمير سفيان، يعني أن سفيان الثوريّ ذكر الحديث بمثل ما ذكره شعبة.
[تنبيه]: رواية سفيان هذه ساقها الإمام أحمد، في "مسنده"، فقال:
(٨٥٤٠) حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة رفعه، قال: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يَسْرِق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعدُ". انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 1049
٢٧ - (بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧] (٥٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنا الْأَعْمَشُ (ع) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: "وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد ولد عبد الله بن نمير الذي قبله ذُكر قبل باب أيضًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في الباب الماضي.
٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ ثم البغداديّ المذكور قبل باب.
٦ - (وَكيعٌ) بن الجَرَّاح الكوفيّ المذكور قريبًا.
٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ (١) الكوفيّ ثقة [٣].
روى عن ابن عمر، والبراء، وأبي الأحوص، ومسروق، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش ومنصور، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي:
стр. 1050
ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العجليّ: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة، وأرّخه ابن قانع: سنة تسع وتسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٩ - (مَسْرُوق) بن الأجْدَع بن مالك بن أُمية بن عبد الله بن مُرْ بن سلمان، ويقال: سَلَامان بن مَعْمَر بن الحارث بن سَعْد بن عبد الله بن وداعة الْهَمْداني الْوَادِعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ، مخضرم [٢].
رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وخَبّاب بن الأَرَتّ، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، والمغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عَمْرو، ومعقل بن سنان، وعائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن أخيه محمد بن المنتشر بن الأجدع، وأبو وائل، وأبو الضُّحَى، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الرحمن بن مسعود، وأبو الشعثاء المحاربيّ، وعبد الله بن مُرّة الخارفيّ، ومكحول الشامي، وغيرهم.
قال الآجريّ عن أبي داود: كان عمرو بن معد يكرب خاله، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، وقال مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق: قال لي عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرَّحمن، وقال مالك بن مِغْوَل: سمعت أبا مُرّة قال: ما وَلَدت همدانية مثل مسروق، وقال الشعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه، وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يُعَلِّمون الناس السنة، وقال عبد الملك بن أبجر عن الشعبيّ: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء، وقال شعبة عن أبي إسحاق: حَجَّ مسروق، فلم يَنَمْ إلَّا ساجدًا، وقال أنس بن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تَوَرَّم قدماه، وقال أحمد بن حنبل عن ابن عيينة: بقي مسروقٌ بعد علقمة لا يُفَضَّل عليه أحد، وقال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا، صَلَّى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليًّا، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن
стр. 1051
معين: مسروق عن عائشة أحبّ إليك أو عروة؟ فلم يُخَيِّر، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان أحدَ أصحاب عبد الله الذين يُقرئون ويفتون.
وقال ابن سعد: كان ثقةً وله أحاديث صالحة، مات سنة ثلاث وستين وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين، وقال هارون بن حاتم، عن الفَضْل بن عَمْرو: مات مسروق، وله ثلاث وستون سنة.
ومناقبه كثيرةٌ: شُلَّت يد مسروق يوم القادسيّة، وأصابته آمّة، وقال أبو الضُّحَى عن مسروق: كان يقول: ما أُحب أنَّها - يعني الآمّة - ليست لي، لعلها لو لَمْ تكن لي كنت في بعض هذه الفتن، قال وكيع وغيره: لَمْ يتخلف مسروق عن حروب عليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ولّاه زياد على السلسلة، ومات بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين.
وحَكَى عبد الحق عن ابن عبد البر، أنه قال: لَمْ يلق مسروق معاذًا، لكن تعقّبه ابنُ القطان، وقال: إنه لَمْ يجد ذلك في كلام ابن عبد البر، بل الموجود في كلامه أن الحديث الذي من رواية مسروق عن معاذ متصلٌ، وقال أبو الضُّحَى: سئل مسروق عن بيت شعر، فقال: أكره أن أَرَى في صحيفتي شعرًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا.
١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص ﵄ تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة لطريق عبد الله بن نمير، ومن سباعيّاته بالنسبة لطريق سفيان فهو أنزل بدرجة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، في أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بحفّاظ الكوفيين سوى زُهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة أيضًا للأخذ من أهلها.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق.
стр. 1052
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد الفقهاء المشهورين بالفتوي، ويقال: ليس بين ولادة أبيه وولادته إلَّا أحد عشر عامًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ) مبتدأ بتقدير: أي أربع خصال، أو خصال أربعٌ، وخبره قوله: "من كنّ فيه"، ووقع في رواية النسائيّ: "أربعة" بالهاء، فيقدّر أربعة أمور (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) اسم فاعل من خلَصَ الماءُ من الكدر، من باب عقد: إذا صفا، ووصفه بالخلوص يعضد قول من قال: المراد بالنفاق العمليّ لا الإيمانيّ، أو النفاق العرفيّ لا الشرعيّ؛ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار، وأما كونه خالصًا فيه، فلأن الخصال التي تتمّ بها المخالفة بين السرّ والْعَلَن لا يزيد عليه، وقال ابن بطال: "خالصًا" معناه: خالصًا من هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها، وقال النوويّ: أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال، وقال أيضًا في شرحه للبخاريّ: حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة، وقال في "شرح مسلم": قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "وإذا ائتُمن خان"، يعني أنَّها أربعة، وقال الكرمانيّ: لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل، والحقّ أنَّها خمسة متغايرة عرفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا.
ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن إما في الماليّات وهو إذا ائتُمن، وإما في غيرها، فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكّدة باليمين، فهو إذا عاهد أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال، فهو إذا حدّث.
والحقّ أنَّها بالنظر إلى الحقيقة ثلاثٌ وإن كانت بحسب الظاهر خمسًا؛ لأن قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "إذا ائتمن خان"، وقوله: "وإذا
стр. 1053
خاصم فجر" يندرج في الكذب في الحديث، قاله العينيّ رحمه الله تعالى (١).
(وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: هي الخصلة، جمعه خِلالٌ (٢) (مِنْهُنَّ) أي من الأربع (كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ) أي خصلة من خصال النفاق.
[تنبيه]: "النفاق" لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل، والترك، وتتفاوت مراتبه، قاله في "الفتح" (٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قال ابن الأنباريّ: في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه سُمّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل في النَّفَق، وهو السَّرَبُ.
[وثانيها]: أنه شُبّه باليربوع الذي له جُحْر، يقال له: القَاصِعَاءُ، وآخَرُ يقال له النافِقَاء، فإذا أُخذ عليه من أحدهما خَرَج من الآخر، وكذلك المنافق يخرُج من الإيمان من غير الوجه الذي يَدخُل فيه.
[وثالثها]: أنه شُبّه باليربوع من جهة أن اليربوع يَخرِق في الأرض، حتى إذا قارب ظاهرها أرَقّ التراب، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج، فظاهر جُحْره تراب، وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر. انتهى (٤).
(حَتَّى يَدَعَهَا) أي إلى أن يترك تلك الخصلة الذميمة.
[تنبيه]: "يدع" مضارع وَدَعَ، قال الفيّوفي: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعَمَت النحاة أن العرب أماتت ماضي "يَدَعُ"، ومصدره، واسم الفاعل، لكن قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهيَنَّ
стр. 1054
أقوام عن وَدْعِهم الْجُمُعات": أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى (١).
(إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أتى بـ "إذا" الدالة على تحقق الوقوع، تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق. (وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) من الغَدْر وهو ترك الوفاء به، وفي "المجمل": الغدر: نقض العهد، وتركه، ويقال: أصله من الغدير، وهو الماء الذي يُغادره السيل: أي يتركه، يقال: غادرت الشيء: إذا تركته، فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد (٢) (وَإِذَا وَعَدَ) يقال: وَعَدَهُ وعدًا، يستعمل في الخير والشرّ، ويُعَدّى بنفسه وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشرّ، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر، وقالوا في الخير: وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشرّ: وعده وَعِيدًا، فالمصدر هو الفارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا، وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشرّ خاصّةً، والخلف في الوعد عند العرب كذبٌ وفي الوعيد كرمٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ … لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وقال في "الفتح": قال صاحب"المحكم": يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وَعَدته، وفي الشر: أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في "نوادره": أوعدته خيرًا بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لَمْ يترتب على ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث، فحَكَى ابن التين عن مالك: أنه سئل عمن جُرّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعله حَدَّث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ، وإنما يضر من حَدّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب. انتهى.
стр. 1055
(أَخْلَفَ) أي لَمْ يفعل ما وعد به.
(وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة، وهي المجادلة (فَجَرَ) من الفُجُور، وهو الميل عن القصد، والشّقُّ، أي مال عن الحقّ وقال الباطلَ، أو شقّ ستر الديانة.
وقال في "المفهم": "فَجَر": أي مال عن الحقّ، واحتال في ردّه وإبطاله، وقال الهرويّ: أصل الفجور: الميل عن القصد، وقد يكون الكذب. انتهى.
وقال الطيبيّ: الفجور في اللغة الميل والشقّ، فهو إما ميلٌ عن القصد المستقيم، وإما شقّ سَتْر الديانة، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. انتهى (١).
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) استثناء من سياق الحديث، فإنه رواه من طريقين: طريق عبد الله بن نُمير، وطريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن الأعمش، فأشار إلى أنهما اتّفقا في سياق اللفظ إلَّا أن سفيان رواه بلفظ ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنَ النِّفَاقِ") بدل رواية ابن نمير بلفظ: ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ إلخ")، والخصلة والخلّة بمعنى واحد، قال في "القاموس": الْخَصْلَة - أي بفتح، فسكون -: الْخَلَّةُ، والفضيلة، والرَّذِيلة، أو قد غَلَبَ على الفضيلة، جمعه خِصَال - بالكسر -. انتهى، والمناسب هنا: معنى الرَّذِيلة.
[تنبيه]: رواية سفيان التي أشار إليها هنا، هي التي أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ ﷺ قال: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كَذَب، كذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر".
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.