← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

معين: مسروق عن عائشة أحبّ إليك أو عروة؟ فلم يُخَيِّر، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان أحدَ أصحاب عبد الله الذين يُقرئون ويفتون. وقال ابن سعد: كان ثقةً وله أحاديث صالحة، مات سنة ثلاث وستين وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين، وقال هارون بن حاتم، عن الفَضْل بن عَمْرو: مات مسروق، وله ثلاث وستون سنة. ومناقبه كثيرةٌ: شُلَّت يد مسروق يوم القادسيّة، وأصابته آمّة، وقال أبو الضُّحَى عن مسروق: كان يقول: ما أُحب أنَّها - يعني الآمّة - ليست لي، لعلها لو لَمْ تكن لي كنت في بعض هذه الفتن، قال وكيع وغيره: لَمْ يتخلف مسروق عن حروب عليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ولّاه زياد على السلسلة، ومات بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين. وحَكَى عبد الحق عن ابن عبد البر، أنه قال: لَمْ يلق مسروق معاذًا، لكن تعقّبه ابنُ القطان، وقال: إنه لَمْ يجد ذلك في كلام ابن عبد البر، بل الموجود في كلامه أن الحديث الذي من رواية مسروق عن معاذ متصلٌ، وقال أبو الضُّحَى: سئل مسروق عن بيت شعر، فقال: أكره أن أَرَى في صحيفتي شعرًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا. ١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص ﵄ تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة لطريق عبد الله بن نمير، ومن سباعيّاته بالنسبة لطريق سفيان فهو أنزل بدرجة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، في أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بحفّاظ الكوفيين سوى زُهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة أيضًا للأخذ من أهلها. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق.

стр. 1052

٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد الفقهاء المشهورين بالفتوي، ويقال: ليس بين ولادة أبيه وولادته إلَّا أحد عشر عامًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ) مبتدأ بتقدير: أي أربع خصال، أو خصال أربعٌ، وخبره قوله: "من كنّ فيه"، ووقع في رواية النسائيّ: "أربعة" بالهاء، فيقدّر أربعة أمور (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) اسم فاعل من خلَصَ الماءُ من الكدر، من باب عقد: إذا صفا، ووصفه بالخلوص يعضد قول من قال: المراد بالنفاق العمليّ لا الإيمانيّ، أو النفاق العرفيّ لا الشرعيّ؛ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار، وأما كونه خالصًا فيه، فلأن الخصال التي تتمّ بها المخالفة بين السرّ والْعَلَن لا يزيد عليه، وقال ابن بطال: "خالصًا" معناه: خالصًا من هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها، وقال النوويّ: أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال، وقال أيضًا في شرحه للبخاريّ: حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة، وقال في "شرح مسلم": قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "وإذا ائتُمن خان"، يعني أنَّها أربعة، وقال الكرمانيّ: لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل، والحقّ أنَّها خمسة متغايرة عرفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا. ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن إما في الماليّات وهو إذا ائتُمن، وإما في غيرها، فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكّدة باليمين، فهو إذا عاهد أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال، فهو إذا حدّث. والحقّ أنَّها بالنظر إلى الحقيقة ثلاثٌ وإن كانت بحسب الظاهر خمسًا؛ لأن قوله: "وإذا عاهد غدر" داخل في قوله: "إذا ائتمن خان"، وقوله: "وإذا

стр. 1053

خاصم فجر" يندرج في الكذب في الحديث، قاله العينيّ رحمه الله تعالى (١). (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: هي الخصلة، جمعه خِلالٌ (٢) (مِنْهُنَّ) أي من الأربع (كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ) أي خصلة من خصال النفاق. [تنبيه]: "النفاق" لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل، والترك، وتتفاوت مراتبه، قاله في "الفتح" (٣). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قال ابن الأنباريّ: في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه سُمّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل في النَّفَق، وهو السَّرَبُ. [وثانيها]: أنه شُبّه باليربوع الذي له جُحْر، يقال له: القَاصِعَاءُ، وآخَرُ يقال له النافِقَاء، فإذا أُخذ عليه من أحدهما خَرَج من الآخر، وكذلك المنافق يخرُج من الإيمان من غير الوجه الذي يَدخُل فيه. [وثالثها]: أنه شُبّه باليربوع من جهة أن اليربوع يَخرِق في الأرض، حتى إذا قارب ظاهرها أرَقّ التراب، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج، فظاهر جُحْره تراب، وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر. انتهى (٤). (حَتَّى يَدَعَهَا) أي إلى أن يترك تلك الخصلة الذميمة. [تنبيه]: "يدع" مضارع وَدَعَ، قال الفيّوفي: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعَمَت النحاة أن العرب أماتت ماضي "يَدَعُ"، ومصدره، واسم الفاعل، لكن قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهيَنَّ

стр. 1054

أقوام عن وَدْعِهم الْجُمُعات": أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى (١). (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أتى بـ "إذا" الدالة على تحقق الوقوع، تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق. (وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) من الغَدْر وهو ترك الوفاء به، وفي "المجمل": الغدر: نقض العهد، وتركه، ويقال: أصله من الغدير، وهو الماء الذي يُغادره السيل: أي يتركه، يقال: غادرت الشيء: إذا تركته، فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد (٢) (وَإِذَا وَعَدَ) يقال: وَعَدَهُ وعدًا، يستعمل في الخير والشرّ، ويُعَدّى بنفسه وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشرّ، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر، وقالوا في الخير: وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشرّ: وعده وَعِيدًا، فالمصدر هو الفارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا، وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشرّ خاصّةً، والخلف في الوعد عند العرب كذبٌ وفي الوعيد كرمٌ، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ … لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وقال في "الفتح": قال صاحب"المحكم": يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وَعَدته، وفي الشر: أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في "نوادره": أوعدته خيرًا بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لَمْ يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. وأما الكذب في الحديث، فحَكَى ابن التين عن مالك: أنه سئل عمن جُرّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعله حَدَّث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ، وإنما يضر من حَدّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب. انتهى.

стр. 1055

(أَخْلَفَ) أي لَمْ يفعل ما وعد به. (وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة، وهي المجادلة (فَجَرَ) من الفُجُور، وهو الميل عن القصد، والشّقُّ، أي مال عن الحقّ وقال الباطلَ، أو شقّ ستر الديانة. وقال في "المفهم": "فَجَر": أي مال عن الحقّ، واحتال في ردّه وإبطاله، وقال الهرويّ: أصل الفجور: الميل عن القصد، وقد يكون الكذب. انتهى. وقال الطيبيّ: الفجور في اللغة الميل والشقّ، فهو إما ميلٌ عن القصد المستقيم، وإما شقّ سَتْر الديانة، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. انتهى (١). وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) استثناء من سياق الحديث، فإنه رواه من طريقين: طريق عبد الله بن نُمير، وطريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن الأعمش، فأشار إلى أنهما اتّفقا في سياق اللفظ إلَّا أن سفيان رواه بلفظ ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنَ النِّفَاقِ") بدل رواية ابن نمير بلفظ: ("وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ إلخ")، والخصلة والخلّة بمعنى واحد، قال في "القاموس": الْخَصْلَة - أي بفتح، فسكون -: الْخَلَّةُ، والفضيلة، والرَّذِيلة، أو قد غَلَبَ على الفضيلة، جمعه خِصَال - بالكسر -. انتهى، والمناسب هنا: معنى الرَّذِيلة. [تنبيه]: رواية سفيان التي أشار إليها هنا، هي التي أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ ﷺ قال: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كَذَب، كذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1056

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٧/ ٢١٧] (٥٨)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٥٤)، و"المظالم والغصب" (٢٤٥٩)، و"الجزية والموادعة" (٣١٧٨)، (وأبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٨)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣٢)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٢٠/ ٥٠٢٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٩٣ و ٥٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦٧٢٩ و ٦٨٢٥ و ٦٨٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٥٢٢ و ٥٢٣ و ٥٢٤ و ٥٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٤ و ٢٥٥)، و (الحاكم) في "معرفة علوم الحديث" (ص ١١) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٣٠ و ١٠/ ٧٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان خصال المنافق، وهي هذه الأربع. ٢ - (ومنها): التحذير عن الأخلاق الرَّذِيلة مثل هذه الخصال، فإنها تنافي مقتضى الإيمان، فإنه يقتضي أن يكون المؤمن صادقًا في حديثه، وفيًّا بوعده، مؤدّيًا ما ائتمن به، عادلًا في مخاصمته. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ في أن للمنافقين خصالًا أُخَر مذمومة، كما قد وصفهم الله تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فيَحْتَمِل أن يقال: إنما خُصّت تلك الخصال بالذكر؛ لأنَّها أظهر عليهم من غيرها، عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها التي يضرّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم دون غيرها من صفاتهم. والله تعالى أعلم. انتهى (١).

стр. 1057

٤ - (ومنها): أن هذه الخصال إذا وُجدت في مؤمن كان بها منافقًا نفاقًا عملتًا لا اعتقاديًّا بحيث يَخْرُج بها من الإسلام، ومهما كان الحال فيجب على العاقل أن يجتنبها؛ إذ ربما تجرّه إلى النفاق القلبيّ فيَخْسَر خسرانًا مبينًا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تأويل النفاق المذكور في هذا الحديث: قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث عَدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم الْمُجْمَع على عدم الحكم بكفره، قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. قال الحافظ: ومُحَصَّل هذا الجواب الحملُ في التسمية على المجاز: أي صاحب هذه الخصال، كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في قوله: "كان منافقًا خالصًا". وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه الخطابي غير مرضيّ عندي؛ إذ هو مخالف لظاهر النصّ، فإنه صريح في إرادة النفاق حقيقة، لكن النفاق مراتب، والمراد هنا النفاق العمليّ كما سبق في كلام القرطبيّ، فتنبّه. وذكر الخطّابيّ أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك، هو من اعتاد ذلك، وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بـ "إذا"، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال، والأَولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول مِنْ "حَدَّثَ" يدلُّ على العموم: أي إذا حدّث في كلّ شيء كَذَب فيه، أو يصير قاصرًا: أي إذا وَجَدَ ماهية التحدّث كَذَبَ.

стр. 1058

وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا. وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في "المنافق" للجنس، ومنهم من ادَّعَى أنَّها للعهد، فقال: إنه ورد في حقّ شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبيّ ﷺ ، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعيّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه القرطبيّ هو أن المراد بالنفاق نفاق العمل، واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل. قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد إخراجه الحديث: وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاقُ العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ . هكذا رُوي عن الحسن البصري شيء من هذا، أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب. انتهى كلام الترمذيّ. فتبيّن بهذا أن الأرجح حمل النفاق على النفاق العمليّ لا الاعتقاديّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان الجمع بين حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا، وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي: (اعلم): أنه عَدّ في هذا الحديث خصال المنافق أربعًا، وفي حديث أبي هريرة ﵁ التالي ثلاثًا، وقد تكلّم العلماء في وجه الجمع بينهما: فقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أنه ﷺ استجدّ له من العلم بحالهم ما لَمْ يكن عنده، فأما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدَّ الخصلة المذمومة، الدالّة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا

стр. 1059

أُضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﷺ ما يدلُّ على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث"، وكذا أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وإذا حُمِل اللفظ الأول - يعني: "علامة المنافق ثلاث" - على هذا لَمْ يَرِد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر. وقال القرطبيّ أيضًا، والنوويّ: حَصَلَ من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد في حديث أبي هريرة: الْخُلْف في الوعد، وفي حديث عبد الله: الغَدْر في المعاهدة والفُجُور في الخصومة. هذا بالنسبة لرواية البخاريّ، وأما في رواية مسلم والنسائيّ في حديث عبد الله بدل الْغَدْر في المعاهدة الخلف في الوعد، كما في حديث أبي هريرة، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يَتَّحِدُ، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحقّ والاحتيالُ في ردّه، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث. ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث: أنَّها مُنَبِّهَةٌ على ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فَنَبَّهَ على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف؛ لأن خلف الوعد لا يَقْدَحُ، إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا، ثم عَرَض له مانع، أو بدا له رأي، فهذا لَمْ توجد منه سورة النفاق، قاله الغزالي في "الإحياء". وفي الطبراني في حديث طويل، ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان ﵁: "إذا وَعَدَ، وهو يُحَدّث نفسه أنه يُخْلِف"، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أُجمِع على تركه، وهو عند أبي داود، والترمذيّ، من حديث زيد بن أرقم ﵁، مختصرًا، بلفظ: "إذا وَعَدَ الرجل أخاه، ومن نيته أن يَفِيَ له، فلم يَف، فلا إثم عليه"، انتهى كلام

стр. 1060

الحافظ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٨] (٥٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ، نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القاريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٤ - (أَبُو سُهَيْلٍ، نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقة [٤] (ت بعد الأربعين ومائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩. ٥ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أنس، أو أبو محمد، جدّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٥٩. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه يحيي، فتفرّد به هو وأبو داود، وروى عنه البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ في "مسند عليّ".

стр. 1061

٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، وبغْلان قرية من قرى بَلْخَ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: أبو سهيل، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ) أي علامته، وسُمّيت آية القرآن آيةً؛ لأنَّها علامة انقطاع كلام من كلام، فـ "آية" مبتدأ خبره قوله: (ثَلَاثٌ) أي ثلاث خصال. [فإن قيل]: "آية" مفرد، والظاهر يقتضي أن يقال: آيات المنافق ثلاث. [أجيب]: إما بأن يقال: إن كلَّا من الثلاث آية، حتى لو وُجدت خصلة واحدة يكون صاحبها منافقًا، أو أن يقال: كلّ من الثلاث آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة، فعلى الأول المراد منها جنس آية، وعلى الثاني معناه اجتماع هذه الثلاث، هكذا قال الكرمانيّ (١). (إِذَا حَدَّثَ) عبّر في الجمل الثلاث بـ "إذا"الدّالّة على تحقّق الوقوع تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق، قاله الطيبيّ، وقال الخطابيّ: كلمة "إذا" تقتضي تكرار الفعل، وقال الكرمانيّ بعد ذكر كلام الطيبيّ، والخطابيّ: الأولى أن يقال: حذف المفعول من حَدّث ونحوه دليل على العموم، أو الإطلاق، فكأنه قال: إذا حدّث في كلّ شيء كذب فيه، أو إذا أوجد ماهية التحديث كذب، ولا شكّ أن مثله منافق في الدين. انتهى. (كَذَبَ) أي أخبر بخلاف الواقع (وَإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) الوعد: هو الإخبار بإيصال الخير في المستقبل، وإخلافه ترك الوفاء به. [فإن قلت]: الجمل الشرطيّة بيان لثلاث، أو بدل، لكن لا يصحّ أن يقال: الآية إذا حدّث كذب، فما وجهه؟.

стр. 1062

[أجيب]: بأن معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] على أحد التوجيهات، قاله الكرمانيّ. [فإن قلت]: الوعد تحديث خاصّ، في معنى عطفه على التحديث؟ إذ الخاصّ لا يخرج من العامّ، فتكون الآية اثنتين، لا ثلاث؟. [أجيب]: بأن مقابل الوعد الذي هو الإخلاف لما كان قد يكون فعلًا، والكذب الذي هو مقابل التحديث لا يكون فعلًا جعلا متغايرين؛ نظرًا إلى اعتبار تغاير مقابليهما، أو جُعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحديث على سبيل الادعاء؛ لزيادة قبحه، ونظيره عطف جبريل على الملائكة؛ تنبيهًا على زيادة شرفه، قال الشاعر [من الطويل]: فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ منْهُمْ … فإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ وإنما خُصّت الثلاث بالذكر؛ لأنَّها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السرّ الْعَلَن (١). (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بالبناء للمفعول، من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا، وذكر الكرمانيّ أن في بعض الروايات بتشديد التاء، وهو بقلب الهمزة الثانية منه واوًا، وإبدال الواو ياء، وإدغامها في الياء (خَانَ) من الخيانة، وهي التصرّف في الأمانة على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: هو أن يؤتمن الإنسان، فلا ينصح، وفي "الجامع" للقزّاز: خان فلان فلانًا يخونه خيانةً، وأصله النقص، وفي "المصباح": خان الرجل الأمانة يخونها خَوْنًا وخيانةً، ومخانةً، يتعدّى بنفسه، وخان العهد، وفيه، فهو خائن، وخائنة مبالغةٌ، وخائنة الأعين قيل: هي كسر الطرف بالإشارة الخفيّة، وقيل: هي النظرة الثانية عن تعمّد، وفرّقوا بين الخائن، والسارق، والغاصب بأن الخائن هو الذي خان ما جُعِل عليه أمينًا، والسارق من أخذ خُفْيةً من موضعٍ كان ممنوعًا من الوصول إليه، وربّما قيل: كلُّ سارق خائنٌ دون العكس، والغاصب من أخذ جِهَارًا معتمدًا على قوّته. انتهى (٢).

стр. 1063

وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: عدّ جماعة من العلماء هذا الحديث مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدّق بقلبه ولسانه، مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره، ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار. ثم قال: فلدفع الإشكال سبعة أوجه: لأن اللام إما للجنس، فهو إما على سبيل التشبيه، أو أن المراد الاعتياد، أو معناه الإنذار، وإما للعهد، إما من منافقي زمن الرسول ﷺ ، وإما من منافق خاصّ بشخص بعينه، أو المراد بالنفاق النفاق العمليّ، لا النفاق الإيمانيّ؛ إذ النفاق نوعان، وقال أيضًا: وأحسن الوجوه أن يقال: النفاق شرعيّ، وهو أن يُبطن الكفر ويُظهر الإسلام، وعرفيّ، وهو أن يكون سرّه خلاف علانيته، وهو المراد هنا - إن شاء الله تعالى -. ويُحكى أن رجلًا من البصرة قَدِمَ مكة حاجًّا، فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح، فقال: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لَمْ أتحرّج أن أقول له منافق، فقال له عطاء: إذا رجعت إلى الحسن، فقل له: إن عطاءً يقرئك السلام، ويقول لك: ما تقول في بني يعقوب ﵇ إخوة يوسف؛ إذ حدّثوا فكَذَبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتُمنوا فخانوا، أفكانوا منافقين؟ فلما قال هذا للحسن، سُرّ الحسن به، وقال: جزاك الله خيرًا، ثم قال لأصحابه: إذا سمعتم مني حديثًا، فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم، حَدِّثوا به العلماء، في كان منه صوابًا فحسنٌ، وإن كان غير ذلك رُدّوا عليّ جوابه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٧/ ٢١٨ و ٢١٩ و ٢٢٠ و ٢٢١] (٥٩)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٣٣)، و"الشهادات" (٢٦٨٢)، و"الوصايا"

стр. 1064

(٢٧٤٩)، و"الأدب" (٦٠٩٥)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣١)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٥٠٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٦ و ٣٥٧ و ٣٩٧ و ٥٣٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٢ و ٤٣ و ٤٤ و ٤٥ و ٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٧ و ٢٠٩ و ٢١٠ و ٢١١ و ٢١٢)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٥٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٥٢٧ و ٥٢٨ و ٥٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥ و ٣٦). وأما بقية مسائل الحديث من الفوائد، وغيرها فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩] ( … ) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦. ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة [٧]. روى عن زيد بن أسلم، وحميد الطويل، وإبراهيم، وموسى ابني عقبة، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن أبي عمرو، وجماعة.

стр. 1065

ورَوَى عنه عبد الله بن نافع الصائغ، وزياد بن يونس، وسعيد بن أبي مريم، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وعبيد بن ميمون، وجماعة. قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وقال ابن المديني: معروف، وقال النسائي: صالح، وقال أيضًا: مستقيم الحديث، وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (مولى الْحُرَقة) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الراء، وبالقاف: بطنٌ من جُهَينة (١). وقوله: (من علامات المنافق) فيه إشارة إلى قوله في الحديث الماضي: "آية المنافق ثلاث"، وكذا قوله: "أربع من كنّ فيه … إلخ" ليس للحصر، بل له علامات أخرى، ولكن هذه المذكورات أبرزها، وأشدّها ضررًا. وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو زُكَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ صَامَ، وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ) هو: عُقْبة بن مُكْرَم - بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء - ابنَ أفلح الْعَمّيّ، أبو عبد الملك الحافظ البصريّ، يقال: اسم والد أفلح: جَرَاد، ثقةٌ [١١]. رَوَى عن غُنْدَر، ويحيى القطان، وابن مهديّ، ووهب بن جرير، وابن

стр. 1066

أبي فُديك، وصفوان بن عيسى، وسعيد بن عامر، وأبي عامر الْعَقَديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وعبد الله بن أحمد، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي الدنيا، وعثمان بن خُرّزاذ، وابن أبي عاصم، والبزار، وغيرهم. قال الفضل بن زكريا: سمعت أبا عبد الله، وقال له ابنه عبد الله: قَدْ قَدِمَ رجلٌ من البصرة عنده كُتُبُ غُنْدَر - يعني عقبة بن مكرم - فقال أبو عبد الله: ما أعلم أحدًا كَتَبَ الكتب غيرنا، أخذنا من علي - يعني ابن المديني - كتبه، فكان انتخابًا، فأخذنا كتب الشيخ، فكنا ننسخها، وقال أبو داود: عقبة بن مكرم ثقة ثقة، من ثقات الناس، فوق بُندار في الثقة عندي، وقال النسائيّ: ثقة. قال ابن قانع: مات بالبصرة سنة (٢٤٣)، وفيها أَرّخه غيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٥) أو بعدها، أو قبلها بقليل. وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. [تنبيه]: (الْعَمّيّ) - بفتح العين المهملة، وتشديد الميم -: نسبة إلى بني الْعَمّ، بطن من تميم، قاله في "لب اللباب" (١). ٢ - (يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو زُكَيْرٍ) - بالتصغير - الْمُحَاربيّ الضرير، أبو محمد، المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ يُخطئ كثيرًا [٨]. رَوَى عن أبيه، وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، وربيعة، وعمرو بن أبي عمرو، والعلاء بن عبد الرَّحمن، ومحمد بن عجلان، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن صالح البغداديّ، ونعيم بن حماد، وعلي بن المدينيّ، وإسماعيل بن مسعود الْجَحْدريّ، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن سلام البيكنديّ، وعقبة بن مكرم العميّ، وهلال بن بشر البصري، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال عمرو بن عليّ:

стр. 1067

ليس بمتروك، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة، إلَّا حديثين، وقال أبو حاتم، يُكْتَب حديثه، وأورد له ابن عديّ أربعة أحاديث، وقال: عامة أحاديثه مستقيمة، إلَّا هذه الأحاديث، وقال الْعُقَيليّ: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل من غير تعمّد، لا يحتج به، وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ، وفي حديثه لِينٌ، قال: وقال الخليليّ: شيخ صالح. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف هذا الحديث فقط متابعةً، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة. [تنبيه]: (أبو زُكير) بضم الزاي، وفتح الكاف، وإسكان الياء، وبعدها راء، مصغّرًا، قال أبو الفضل الْفلَكيّ الحافظ: أبو زكير لقبٌ، وكنيته أبو محمد. انتهى (١). والعلاء سبق قريبًا. وقوله: (يحدّث بهذا الإسناد) الإشارة إلى قوله في السند الماضي: "عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ "، يعني أن يحيى بن محمد سمع العلاء بن عبد الرَّحمن يحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ … إلخ. وقوله: (وقال: آية المنافق إلخ) يعني أن محمد بن يحيى قال في روايته عن العلاء هذه: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاثٌ، وإن صام، وصلّى، وزعم أنه مسلم … إلخ" بدل قوله في الرواية الأولى: "من علامات المنافق ثلاثة … إلخ"، ولم أجد من ساق لفظ محمد بن يحيى عن العلاء، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وزعم أنه مسلم) أي وإن ادّعى بأنه متمسّك بأمور الإسلام، إلَّا أن فعله هذا يشهد عليه بأنه يبطن خلاف ما يُظهره؛ لأن حقيقة الإسلام هو الاستسلام، والانقياد لله تعالى بالطاعة ظاهرًا وباطنًا، فإذا ظهر على المسلم ما ينافي ذلك فقد كذّبه في دعواه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1068

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢١] ( … ) - (وحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ الْعَلَاء، ذَكَرَ فِيهِ: "وإِنْ صَامَ، وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ"). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ) الْقُشَيريّ، النَّسَويّ، الدَّقِيقيّ، قيل: اسم جده الحارث، والد بشر الحافي، وقيل: اسمه عبد الملك بن ذكوان بن يزيد بن محمد بن عبيد الله، ثقة عابدٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن جرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وزهير بن معاوية، وأبان العطار، ومالك، وأبي هلال الراسبيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وأبي الأشهب العُطَارديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، ورَوَى النسائيّ، عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو قُدَامة السَّرَخسيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن منيع، وأبو موسى، وعمرو بن علي الفلاس، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ يُعَدُّ من الأبدال، وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أحد ممن أجاب في المحنة، كأبي نَصْر التَّمّار، وقال الميمونيّ: صحّ عندي أن أحمد لَمْ يحضره لما مات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: ذُكِر أنه وُلد بعد قتل أبي مسلم بستة أشهر، ونزل بغداد، واتَّجَر بها في التمر، وكان ثقةً فاضلًا خَيِّرًا ورعًا، تُوُفي في أول يوم من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائتين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وقد ذهب بصره، وكذا أَرَّخ البغويّ وفاته. وذكر صاحب"الزهرة" أن مسلمًا رَوَى عنه أربعة أحاديث، وأن البخاري رَوَى عن رجل عنه، قال الحافظ: ولم نقف على ذلك في "الصحيح". انتهى.

стр. 1069

وقال الحافظ المزيّ: روى عنه مسلم حديث: "يقومون حتى يَبْلُغَ الرَّشْحُ أطراف آذانهم"، وما أظنه رَوَى عنه في "صحيحه" غيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ظنه الحافظ المزيّ يردّه هذا الحديث، وأما ما ذكره صاحب "الزهرة" من أن مسلمًا روى عنه أربعة أحاديث، فلا أظنه صحيحًا، بل له هذان الحديثان فقط، حديث الباب، وحديث (٢٨٦٢) (١): "يوم يقوم الناس لرب العالمين … "، والله تعالى أعلم. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نَصْر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيِّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالسين المهملة - ثقة (٢)، من كبار [١٠]. رَوَى عن مالك، ووهيب بن خالد، والحمادين، ويزيد بن زريع، وداود بن عبد الرَّحمن العطار، وابن أبي الزناد، وعبد الجبار بن الورد، والدَّرَاورديّ، ومعتمر بن سليمان، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائيّ عن زكريا السِّجْزيّ، وأحمد بن علي القاضي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو حبيب الْيَزَنيّ، وأحمد بن سنان القطان، وإبراهيم بن الجنيد، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. قال ابن معين: النَّرْسيّان (٣) ثقتان، وقال مرةً: لا بأس بهما، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال صالح بن محمد بن خِدَاش: صدوق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابنُ قانع، والدارقطنيّ، ومسلمة بن قاسم، والخليليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: مات في جمادى الآخرة سنة (٢٣٧)، وكذلك قال

стр. 1070

محمد بن عبد الله الحضرميّ، وغير واحد في السنة، وفي رواية عن الحضرميّ في سنة (٣٦). قال الحافظ متعقّبًا على هذا ما نصّه: قلت: الذي أَرَّخه الحضرميّ: سنة ستّ: عبدُ الأعلى، عن الإسماعيليّ، لا هذا. انتهى (١). أخرج له الجماعة، إلَّا الترمذيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) واسمه دينار بن عُذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥]. رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عكرمة، والشعبي، وزرارة بن أوفى، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وسماك بن حرب، وعاصم الأحول، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوري، ومسلمة بن علقمة، وابن جريجٍ، والحمادان، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو معاوية، وغيرهم. قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن، وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة ثقة، قال: وسئل عنه مرّة أخرى، فقال: مثل داود يُسأل عنه! وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء، وقال العجلي: بصري ثقة، جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا، وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، وقال ابن حبان: رَوَى عن أنس خمسة أحاديث، لَمْ يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلَّا أنه كان يَهِمُ إذا حدث من حفظه، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال الحاكم: لَمْ يصح سماعه من أنس، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعوف، وقرة، فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي

стр. 1071

من عاصم، وخالد الحذاء، وقال ابن خِرَاش: بصري ثقة، وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. وقال يزيد بن هارون، وغير واحد: مات سنة (١٣٩)، وقال علي ابن المديني، وغير واحد: مات سنة (٤٠)، وقيل: مات سنة (٤١). أخرجِ له البخاري في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن أبي حَزْن المخزوميّ المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن الْعَلَاءِ) يعني أن لفظ حديث أبي نصر التمار، وعبد الأعلى بن حماد مثل حديث شيخه يحيى بن محمد بن قيس، عن العلاء، عن أبيه. وقوله: (ذَكَرَ فِيهِ: "وَإِنْ صَامَ … إلخ") مؤكّد لما قبله؛ لأن حديث يحيى فيه ذلك أيضًا، فلا معنى للتنبيه عليه. [تنبيه]: رواية أبي نصر التمّار هذه أخرجها ابن حبّان في "صحيحه" (١/ ٤٩٠) فقال: (٢٥٧) أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد البربار، حدثنا أبو نصر التمّار، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وحبيب (١) عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كُنّ فيه، فهو منافق، وإن صام، وصلى، وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا ائتُمِن خان". وأما روايةُ عبد الأعلى بن حماد فقد أخرجها الحافظ ابن مندَهْ في "الإيمان" (٢/ ٦٠٦) فقال: (٥٣٠) أنبأ خيثمة بن سليمان، ثنا أبو قلابة، عبد الملك بن محمد الرقاشيّ، وأنبأ محمد بن سعد، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا محمد بن أيوب، ثنا أبو سلمة، وعلي بن عثمان (ع) وأنبأ أحمد بن عبيد الحمصيّ، ثنا

стр. 1072

أحمد بن علي بن سعيد، ثنا عبد الأعلى بن حماد، قالوا: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ مَن كُنّ فيه فهو منافق، وإن صام، وصلي، وزعم أنه مؤمن: إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٢٨ - (بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِر) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٢] (٦٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيَمان" ١/ ١٥٧. ٢ - (عُبَيْدُ اللهُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعَدَويّ الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ، أحد الفقهاء [٥]. رَوَىَ عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، ولها صحبة، وعن أبيه، وخاله، خُبَيب بن عبد الرَّحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابنه أبي بكر بن سالم، ونافع مولى ابن عمر، وابنه عمر بن نافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وابنه عبد الرَّحمن بن القاسم، وسعيد المقبريّ، وعبد الله بن دينار، وأبي الزناد، وعطاء بن أبي رباح، وثابت البناني، وغيرهم. وروى عنه أخوه عبد الله، وحميد الطويل، وهو من شيوخه، وأيوب السختياني، ومات قبله، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أكبر منه، وجرير بن حازم، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الله بن نمير، وأبو أسامة، وخلق كثير.

стр. 1073

قال عمرو بن عليّ: ذَكَرتُ ليحيى بن سعيد قولَ ابن مهديّ: إن مالكًا أثبت في نافع عن عبيد الله فغضب، وقال: هو أثبتُ من عبيد الله؟!، وقال أبو حاتم عن أحمد: عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مالك أحب إليك عن نافع، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يُفَضِّل، وقال جعفر الطيالسيّ: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله عن القاسم، عن عائشة، الذهب الْمُشَبَّك بالدُّرّ، فقلت: هو أحب إليك، أو الزهري عن عروة عن عائشة؟ قال: هو إليّ أحبّ، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحب إلي من مالك في حديث نافع، وقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: عبيد الله بن عمر من الثقات، وقال النسائيّ: ثقة ثبتٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة، وأشرف قريش فضلًا، وعلمًا، وعبادةً، وشرفًا، وحفظًا، وإتقانًا، وهكذا قال ابن حبّان، وزاد: أمه فاطمة بنت عمر بن عاصم بن عمر، وكذا ذكر ابن سعد في الطبقة الخامسة، قال: ولَمّا خَرَج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور، لَزِمَ عبيد الله ضَيْعَته، واعتزل، فلما قُتِل محمد رجع عبيد الله إلى المدينة، فمات بها سنة (٤٧)، وكان ثقةً كثير الحديث، حجّةً، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبتٌ مأمونٌ، ليس أحد أثبت في حديث نافع منه، وقال أبو نعيم الأصبهاني في الرواة عن الزهري: رَأَى أنسًا، وقال الحربيّ: لَمْ يدرك عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وقال ابن معين: لَمْ يسمع من ابن عمر، وقال: ثقةٌ، حافظٌ، مُتَّفَقٌ عليه. وقال الْهَيْثَم بن عديّ: مات سنة سبع وأربعين ومائة، وقال غيره: مات سنة (٤) أو (٤٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨٠) حديثًا. ٣ - (نَافِع) العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، ثقة ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣]. رَوَى عن مولاه، وأبي هريرة، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خَدِيج، وعائشة، وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، ونُبيه بن وهب العبدي، وخلق كثير.

стр. 1074

ورَوَى عنه أولاده: أبو عمر، وعمر، وعبد الله، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعبد ربه ويحيى ابنا سعيد الأنصاري، ويونس بن عبيد، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وميمون بن مِهْران، وابن عجلان، وأيوب السختياني، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقال بشر بن عُمَر عن مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره، وقال عبيد الله بن عمر: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع، وقال أيضًا: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن، وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟ فلم يُفَضِّل، قلت: فنافع أو عبد الله بن دينار؟، فقال: ثقات، ولم يُفَضِّل، وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة نبيل، وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك، ثم أيوب، فذكر جماعة، وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اختُلِف في نسبته، ولم يصح عندي فيه شيء، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نريد نافعًا مولى ابن عمر على اللحن فيأباه، قال أحمد: قال سفيان: فأَيُّ حديث أوثق من حديث نافع؟ وقال ابن أبي حاتم: رواية نافع، عن عائشة وحفصة مرسلة. وقال أبو زرعة: نافع عن عثمان مرسل، وقال أحمد بن حنبل: نافع عن عمر منقطع، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: كان نافع حافظًا ثبتًا له شأن، وهو أكبر من عكرمة عند أهل المدينة، وقال الخليلي: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، منهم من يُقَدّمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يُعرَف له خطأ في جميع ما رواه.

стр. 1075

قال يحيى بن بكير وآخرون: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال أبو عبيد: مات سنة تسع عشرة. ويقال: سنة عشرين، وقال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل: مات سنة تسع عشرة، وقال أبو عمر الضرير: مات سنة عشرين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣١٢) حديثًا. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرَّحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (ت ٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقون كوفيون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع. ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء، فعبيد الله، ونافغ، وابن عمر من الفقهاء المشهورين في عصرهم. ٦ - (ومنها): أن نافعًا أوثق من روى عن ابن عمر حتى قدّمه الإمام أحمد على سالم بن عبد الله بن عمر، ووافقه النسائيّ، والدارقطنيّ، وقدّم بعضهم عليه سالِمًا، وإلى هذا أشرت في "شافية الغُلل" بقولي: أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرِ … ابْنُهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ دُرِي وَاخْتَلَفَا فِي عَدَدٍ مِنَ الْخَبَرْ … فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ أَحَارَ مَنْ نَظَرْ سُئِلَ أَحْمَدُ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْ … كَذَاكَ عَنْ يَحْيَى أَتَاكَ يَا أُخَيْ وَمَالَ أَحْمَدُ لِوَقْفِ نَافِعِ … "فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ عَبْدًا" فَاسْمَعِ وَالنَّسَئِي وَالدَّارَقُطْنِي رَجَّحَا … وَقْفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَأَفْصَحَا "فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ" ثُمَّ "تَخْـ … ــــــــرُجُ"مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ نَارٌ تُزْعِجُ وَبَعْضُهُمْ زَادَ حَدِيثَ "النَّاسُ … كَإِبِلٍ مِائِهْ" فَذَا مِقْيَاسُ وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ قَوْلَ سَالِمِ … فِي رَفْعِهَا فَاحْفَظْهُ حِفْظَ فَاهِمِ ٧ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين

стр. 1076

السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثَّا، وهو أحد المفتين المشهورين في عصره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) أي نسبه إلى الكفر، ورماه به، فقال له: يا كافر (فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا") معناه عند بعض أهل اللغة: احتملها، وعند بعضهم معناه: رجع بها، أي رجع وبال الكفر على القائل إن لَمْ يكن المقول له كذلك. قال في "القاموس": باء بِذَنْبِهِ بَوْءًا، وبَوَاءَّ: احتمله، أو اعترف به. انتهى (١). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: معنى: "فقد باء بها" أي التزمها، ورجع بها، قال: ولا بدّ للرجوع والعود من الشيء، فإذا قال القائل لصاحبه: يا كافر، فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر منه مقتضاها، وإن كذب، واعتقد بُطلان دين الإسلام، رجعت هذه الكلمة الصادرة إلى القائل. انتهى (٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى"باء بها": أي رجع بإثمها، ولازم ذلك، قال الهرويّ: وأصل الْبَوْء: اللزوم، ومنه: "أبوء بنعمتك عليّ": أي أُقرّ بها، وألزمها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: إنّ باء في اللغة رجع بشرّ، والهاء في "بها" راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة، ونعني بهذا أن المقول له: يا كافر، إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا، فقد صدق القائل له ذلك، وذهب بها المقول له، وإن لَمْ يكن كذلك رجعت للقائل معرّة ذلك القول، وإثمه، و"أحدهما" هنا يعني به المقول له على كلّ وجه؛ لقوله: "إن كان كما قال"، وأما القائل، فهو المعنيّ بقوله: "وإلا رجعت عليه"، وبيانه بما في حديث أبي ذرّ ﵁ الذي قال فيه: "من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك، وإلا حار عليه"، أي

стр. 1077

على القائل، و"حار": رجع، ويعني بذلك وزر ذلك وإثمه. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٢٨/ ٢٢٢ و ٢٢٣] (٦٠)، و (البخاريّ) في "الأدب" (٦١٠٤)، و (أبو داود) في "السنة" (٤٦٨٧)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٣٧)، و (مالك) في "الموطأ" (٢/ ٩٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٨ و ٢٣ و ٦٠ و ١١٢ و ١١٣ و ١٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧ و ٤٨ و ٤٩ و ٥٠ و ٥١ و ٥٢ و ٥٣ و ٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٣ و ٢١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩ و ٢٥٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٥٢١ و ٥٩٤ و ٥٩٥ و ٥٩٦ و ٥٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥٥٠ و ٣٥٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حال المسلم إذا قال لأخيه المسلم: يا كافر، وهو أن يتحمّل إثم تكفيره إن لَمْ يكن كما قال. ٢ - (ومنها): وجوب حفظ اللسان عن قول الخنا والفحش. ٣ - (ومنها): وجوب احترام المسلم لأخيه المسلم، وعدم رميه بكلام بذيء، مثل الكفر، والفسق، والفجور. ٤ - (ومنها): عناية الشارع بالتنبيه والإرشاد إلى ما هو الأولى بالمسلم، وإبعاده عما يشين عرضه، ودينه. ٥ - (ومنها): أن رمي المسلم بالكفر من الذنوب الخطيرة، فيجب التوبة منها، واستحلال أخيه بتكذيب نفسه، وطلب المسامحة له في ذلك.

стр. 1078

٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": وهذا يقتضي أن من قال لآخَرَ: أنت فاسق، أو قال له: أنت كافر، فإن كان ليس كما قال، كان هو المستحقَّ للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال: لَمْ يرجع عليه شيء؛ لكونه صَدَقَ فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقًا، ولا كافرًا أن لا يكون آثمًا في صورة قوله له: أنت فاسقٌ، بل في هذه الصورة تفصيل، إن قَصَدَ نُصْحَه، أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك، ومَحْضَ أذاه لَمْ يجز؛ لأنه مأمور بالسَّتْر عليه، وتعليمه، وعِظَته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف؛ لأنه قد يكون سببًا لإغرائه، وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنَفَة، لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "فقد باء بها أحدهما": قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: في هذا الحديث إشكال من حيث إن المسلم الْمُصَدّق لا يَكْفُر عند أهل الحق بهذا وأمثاله، فمِن أهل العلم من حمله على المستحل لذلك، ومنهم من قال: معناه رَجَعَت عليه نقيصته لأخيه، إذا لَمْ يكن كما قال بكذبه عليه. وهذان الوجهان مباعدان لظاهر الحديث. ومنهم من حمله على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا يأباه كون الصحيح أن الخوارج لا يُكَفَّرون، وإن كُفِّرُوا فلا فرق في تكفيرهم بين أن يكون المقول له ذلك كافرًا، أو لا يكون. فأقول - والله أعلم -: إن لَمْ يكن أخوه كافرًا كما قال رجع عليه تكفيره، فليس الراجع إليه هو الكفر، بل التكفير، وذلك لأن أخاه إذا كان مؤمنًا، وقد جعله هو كافرًا، مع أن المؤمن ليس بكافر، إلَّا عند من هو كافر من يهوديّ أو نصراني أو غيرهما، فقد لَزِمَ من ذلك كونه مُكَفِّرًا لنفسه؛ ضرورةً لتكفيره من لا

стр. 1079

يُكَفِّره إلَّا كافر، ويكون الضمير في قوله: "فقد باء بها"، بوَصْمَة التكفير، ومَعَرَّته، أي إنها لاصقة بأَوْلاهما بها، وهو المقول له إن كان كما قيل، وإلا فالقائل. وهذا معنى صحيحٌ غير مباعد لظاهر الحديث، فإن يكن قد قاله أحد سَبَقَ فأحرى له، وإلا فهو مما تركه الأول للآخر - ولله الحمد كله، وهو أعلم. ثم أقول: يتجه فيه معنى آخرُ مُطَّرِد في سائر الأحاديث القاضية بالكفر فيما ليس في نفسه كفرًا، وهو أن ذلك يؤول به إلى الكفر، إذا لَمْ يتب توبة ماحية لِجُرْمه ذلك؛ إذ المعصية إذا فَحُشَت جَرَّت بشؤمها إلى الكفر، ولذلك شواهد، ووصفُ الشيء بما يؤول إليه سائغ شائع، من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، والله أعلم. وقد رَوَينا في بعض روايات هذا الحديث في مُستخَرَج أبي عوانة الإسفراييني الحافظ على كتاب مسلم: "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية أخرى: "أنه إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما". فهذا إن لَمْ يكن من عبارة بعض الرواة روايةً منه بالمعنى على ما فهمه، مع أنه ليس الأمر على ما فهمه، كما وقع في كثير من رواياتهم، فالوجه الأخير حينئذ هو الراجح المختار، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١). وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله ﷺ : "إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما": هذا الحديث مما عَدّه بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحقّ أنه لا يَكْفَر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر اعتقاد من غير بطلان دين الإسلام، وإذا عُرِف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: [أحدها]: أنه محمول على المستحلّ لذلك، وهذا يَكْفُر، فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا "حار عليه"، وهو معنى "رَجَعت عليه" أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد. [والوجه الثاني]: معناه رَجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره.

стр. 1080

[والثالث]: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض ﵀، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، كسائر أهل البدع. [والوجه الرابع]: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويُخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه الْمُخَرَّج على "صحيح مسلم": "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما". [والوجه الخامس]: معناه فقد رَجَع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كَفَّر نفسه، إما لأنه كَفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كَفر من لا يُكَفره إلَّا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام. انتهى كلام النوويّ (١). وقال في "الفتح": قال النوويّ: اختُلِف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر، إن كان مستحلًّا، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج؛ لأنهم يُكَفرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف؛ لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يُكَفَّرون ببدعتهم. قال الحافظ: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يُكَفِّر كثيرًا من الصحابة ﵃، ممن شَهِدَ له رسول الله ﷺ بالجنة، وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل. قال: والتحقيق أن الحديث سِيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فِرْقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به. وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر، كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها، وأصرّ عليها سوء الخاتمة.

стр. 1081

وأرجحُ من الجميع أن من قال ذلك لمن يَعْرِف منه الإسلام، ولم يَقُم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يَكْفُر بذلك، كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير، لا الكفر، فكأنه كَفَّر نفسه؛ لكونه كَفَّرَ من هو مثله، ومن لا يُكَفِّره إلَّا كافر، يعتقد بُطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: "وَجَبَ الكفر على أحدهما". وقال القرطبيّ: حيث جاء الكفر في لسان الشرع، فهو جَحْد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية، وقد وَرَد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم، وترك شكر المنعم، والقيام بحقه، ومنه قوله ﷺ : "يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير"، متّفقٌ عليه، قال: وقوله: "باء بها أحدهما": أي رجع بإثمها، ولازم ذلك، وأصل الْبَوْء اللزوم، ومنه: "أبوء بنعمتك": أي أُلْزمها نفسي، وأُقرّ بها، قال: والهاء في قوله: "بها" راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة. والحاصل أن المقول له إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا، فقد صَدَق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لَمْ يكن، رجعت للقائل مَعَرَّة ذلك القول وإثمه. قال الحافظ: كذا اقتصر على هذا التأويل في "رَجَعَ"، وهو من أعدل الأجوبة، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء ﵁ بسند جيّد رفعه: "إنّ العبد إذا لَعَنَ شيئًا، صَعِدت اللعنة إلى السماء، فتُغلَق أبواب السماء دونها، ثم تَهْبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لَمْ تَجِد مَسَاغًا رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان أهلًا، وإلا رَجَعت إلى قائلها"، وله شاهد عند أحمد، من حديث ابن مسعود ﵁ بسند حسن، وآخر عند أبي داود، والترمذيّ عن ابن عباس ﷺ ، ورواته ثقات، ولكنه أُعِلَّ بالإرسال. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو ما قاله القرطبيّ، كما أشار إليه الحافظ. وخلاصته أن رجوع الكفر إلى القائل إذا لَمْ يكن المقول له أهلًا لتلك الكلمة إنما هو رجوع معرّتها، وإثمها، لا رجوع نفس الكفر إليه بمعنى كونه يخرج بقوله

стр. 1082

من الإسلام، وقد سبق أن كثيرًا من النصوص التي وردت بلفظ الكفر محمولة على كفر دون كفر، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الإيمان" من صحيحه لذلك بابًا، فقال: "باب كفران العشير، وكفر بعد كفر"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، وفيه: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان"، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أنهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٣] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. وأما "يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ"، وهو النيسابوريّ، وَ"عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ"، وهو السعديّ المروزيّ، فقد تقدّما قبل ثلاثة أبواب. وأما "يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ"، وهو المقابريّ البغداديّ، وَ"قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ"، وهو الثقفيّ البغلانيّ، و"إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ"، وهو ابن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، فقد تقدّموا في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، تقدّمت هناك. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٧) من رباعيات الكتاب. وقوله: (أَيُّمَا امْرِئٍ) "أيّما" أداة شرط، أي: أيّ رجل (قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ) هكذا النسخ التي بين يَدَيّ بإثبات حرف النداء، والذي شرح عليه القرطبيّ بحذف "يا"، ولذا قال في شرحه: "صواب تقييده: كافرٌ" بالتنوين على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أنت كافرٌ، أو هو كافرٌ، وربّما قيّده بعضهم

стр. 1083

كافرُ بغير تنوين، فجعله منادى مفردًا، محذوفَ حرف النداء، وهذا خطأ؛ إذ لا يُحذف حرف النداء مع النكرات، ولا مع المبهمات، إلَّا فيما جرى مجرى المثل في نحو قولهم: "أَطْرِقْ كرَا" (١)، و"افتَدِ مخنوقُ" (٢)، وفي حديث موسى ﵇: "ثوبي حجر، ثوبي حجر"، متّفقٌ عليه، وهو قليل. انتهى. قال الجامع: وهذا الذي قاله القرطبيّ قد أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ قال القرطبيّ: وأصل الكفر التغطية والسترُ، ومنه سُمّي الزارع كافرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، أي الزارع، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: ........................ … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (٣) أي ستر وغطّي، والغمام السحاب، وأما الكفر الواقع في الشرع، فهو جَحْد المعلوم منه ضرورةً شرعيّةً، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعيّ، وقد جاء فيه الكفر بمعنى جَحْد المنعم، وترك الشرك على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله ﷺ للنساء: "يكفُرن الإحسان، ويكفرن العشير"، متفق عليه، أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن ها هنا صحّ أن يقال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وسيأتي لهذا مزيد بيان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٤).

стр. 1084

وقوله: (إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ) هذا تفصيل لقوله: "فقد باء بها أحدهما" يعني أن المقول له إن كان كافرًا كما رماه به القائل، فقد صدق قول القائل عليه، ورجعت الكلمة إليه بمعنى أنه تحقّق وثبت عليه معناها، وصدق المتكلّم بها. وقوله: (وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ) هي "إن" الشرطيّة أُدغمت في "لا" النافية، أي وإن لَمْ يكن المقول له كافرًا بالفعل، بل كان بريئًا منه، فقد رجعت الكلمة على القائل، بمعنى أن وبالها، وإثمها راجع عليه، فيستحقّ العقوبة بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٩ - (بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤] (٦١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنَ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّا كَفَرَ، وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ [النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْر، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٤ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكوان الْمُعلّم المُكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.

стр. 1085

٥ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٥٢. ٦ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، بعدها عين مهملة ساكنة، وبفتح الميم، وضمّها - البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٧ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) الدِّيليّ - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة - ويقال: الدُّؤَليُّ - بضم الدال، بعدها همزة مفتوحة - البصريُّ القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدَل بن يَعْمَر بن حِلْس بن نُفَاثة بن عَدِيّ بن الدّيل، ويقال: اسمه عمرو بن ظالم، ويقال: عُويمر بن ظُويلم، ويقال: عمرو بن عثمان، ويقال: عثمان بن عمرو، ثقة فاضلٌ مخضرم [٢]. رَوَى عن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، والزبير بن العوام، وأُبَيّ بن كعب، وأبي موسى، وابن عباس، وعمران بن حصين ﵁. ورَوَى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن يعمر، وعُمَر بن عبد الله، مولى غُفْرة، وسعيد بن عبد الرَّحمن بن رُقَيش. قال أبو حاتم: وَلي قضاء البصرة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وهو أول من تكلم في النحو، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان شاعرًا مُتَشَيِّعًا، وكان ثقةً في حديثه - إن شاء الله تعالى - وكان ابن عباس لَمّا خَرَج من البصرة استَخْلَف عليها أبا الأسود، فأقره عليّ، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، فقال: كان ذا دين، وعَقْل ولسان وبيان، وفَهْم وذَكَاء وحَزْم، وكان من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال الواقديّ: كان ممن أسلم على عهد النبيّ ﷺ ، وقاتل مع عليّ يوم الجمل، وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين، وغيره: مات في طاعون الجارف، سنة تسع وستين، وفيها أَرَّخه ابن أبي خيثمة، والمرزبانيّ، وزاد: وكان له يوم مات خمس وثمانون سنة، قال ابن أبي خيثمة: وأخبرنا المدائني: كان يقال: إن أبا الأسود مات قبل الطاعون، قال:

стр. 1086

وهذا أشبه؛ لأنّا لَمْ نسمع له في ذكرًا (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٤): "ما من عبد قال: لا إله إلَّا الله … "، و (٥٥٣): "عُرضت عليّ أعمال أمتي … "، و (٧٢٠): "يُصبح على كلّ سُلامى من أحدكم … "، و (١٠٠٦): "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون … "، و (١٠٥٠): "لو كان لابن آدم واديان من مال … "، و (٢٦٥٠): "بل شيء قُضي عليهم، ومضى فيهم … ". ٨ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ، قيل: اسمه جُنْدب بن جُنَادة بن قيس بن عمرو بن مُلَيل بن صُعَيْر بن حَرَام بن عَفّان، وقيل: اسمه بُرَير بن جُنَادة، وقيل: ابن جُندب، وقيل: ابن عِشْرَقة، وقيل: ابن جُندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسة السُّلَميّ لأمه. روى عن النبي ﷺ ، وعنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخالد بن وُهبان ابن خَالة أبي ذر، وقيل: وهبان بن امرأة أبي ذر، وقيل: ابن أخته، وزيد بن وهب الْجُهَنيّ، وخَرَشة بن الْحُرّ، وجُبير بن نُفير، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الصامت، وزيد بن ظبيان، وعبد الله بن شقيق، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن غَنْم، وقيس بن عُبَاد، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الديلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك التيمي، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سالم الجيشاني، وأبو مُرَاوح الغِفَاري، وزِرّ بن حُبَيش، ورِبْعي بن حِرَاش، وعبد الرَّحمن بن شِمَاسة الْمَهْريّ، وخلق كثير. وقصّة إسلامه في "الصحيحين"، ولفظ البخاريّ من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄ قال: لَمّا بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو

стр. 1087

بالشعر، فقال: ما شَفَيتني مما أردت، فتزوّد، وحمل شَنّةً له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ، ولا يعرفه، وكَرِه أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرأَه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل عليّ مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لِتُرشِدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حقّ، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري"، قال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه. ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدِم رسول الله ﷺ المدينة، ومضت بدر وأحدٌ، ولم تتهيّأ له الهجرة إلَّا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا. وأخرج أحمد في "مسنده" من طريق عِراك بن مالك قال: قال أبو ذر ﵁: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله ﷺ ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أقربكم مني يوم القيامة مَنْ خَرَج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه"، وإنه والله ما منكم من أحد إلَّا وقد تَشَبّثَ منها بشيء غيري. رجاله ثقات، إلَّا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عراكًا لَمْ يسمع من أبي ذرّ. وأخرج أحمد والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1088

"ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، من رجل أصدق لهجة من أبي ذر" (١). وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهما، قال أبو إسحاق عن هانئ بن هانيّ، عن علي ﵁: أبو ذر وِعاءٌ مُلِئَ علمًا أُوكِئ عليه، فلم يخرج منه شيء، وقال الآجري عن أبي داود: لَمْ يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. قال خليفة، وعمرو بن علي، وغير واحد: مات بالرَّبَذَة سنة اثنتين وثلاثين، زاد المدائني: وصلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده بيسير، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف، فهو سند نازل، لأن أعلى سنده رباعيّات، وأنزلها عُشاريّات. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن ابن بُرَيدة هنا هو عبد الله بن بُريدة، وليس هو سليمان بن بريدة أخاه، وهو وأخوه سليمان ثقتان، تابعيان، جليلان، وُلدا في بطن واحد، في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء، والصحيح أن سليمان مات، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ثم ولي أخوه عبد الله مكانه إلى أن مات سنة (١١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الْجِلّة يروي بعضهم عن بعض: ابن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوّلين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن أبا الأسود رحمه الله تعالى كان من عقلاء الرجال، وهو أول من وضع علم النحو بأمر عليّ ﵁.

стр. 1089

٥ - (ومنها): أن أبا ذرّ وأبا الأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لأبي ذرّ ﵁ (٥٧) حديثًا، ولأبي الأسود سبعة أحاديث فقط، كما بينته آنفًا. ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ذرّ غير هذا، وجملة من يُكنى بأبي الأسود ستة: أحدهم هذا المترجم هنا، والثاني: أبو الأسود السلمي، صحابيّ له حديث عند النسائيّ فقط، وقيل: الصواب أبو اليسر السلمي، والثالث: أبو الأسود المحاربيّ، مولى عمرو بن حُريث، قاضي الكوفة، واسمه سُويد، مقبول من الطبقة الخامسة، عند النسائيّ أيضًا، والرابع: أبو الأسود المراديّ، واسمه النضر بن عبد الجبار، عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والخامس: أبو الأسود والد سوادة، واسمه: مسلم بن مِخراق، عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجة، والسادس: يتيم عروة، محمد بن عبد الرَّحمن، من رجال الجماعة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ممن اشتهر بكنيته، حتى وقع اختلاف كثير في اسمه، واسم أبيه، وكان رابع أربعة في الإسلام، وقيل: خامس خمسة، ذو مناقب جمة ﵁، كما أسلفناه في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحِّ ﵁ (أَنَّهُ يسَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ) "من" زائدة، و"رجل" اسم "ليس"، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها (١) (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (لِغَيْرِ أَبِيهِ) أي انتسب إليه، واتخذه أبًا رغبةً عن أبيه، والجملة صفة "رجل"، وقوله: (وَهُوَ يَعْلَمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه عالِمًا أباه، وهذا التقييد لا بدّ منه، فإن الإثم إنما يكون في حقّ العالم بالشيء (إِلا كَفَرَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: فيه تأويلان:

стр. 1090

[أحدهما]: أنه في حقّ المستحلّ. [والثاني]: أنه كَفَرَ النعمة والإحسان، وحقَّ الله تعالى، وحَقَّ أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال ﷺ : "يَكْفُرْنَ"، ثم فسّره بكفرانهنّ الإحسان، وكفران العشير. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا - يعني الانتساب لغير الأب - إنما يفعله أهل الْجَفَاء والجهل والكبر؛ لخِسّة منصب الأب، ودناءته، فيَرَى الانتساب إليه عارًا، ونقصًا في حقّه، ولا شكّ في أن هذا مُحَرَّم، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًّا، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مُستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغةً وشرعًا على ما قرّرناه، ويحتمل أن يقال: أَطلق عليه ذلك؛ لأنه تشبّه بالكفّار، أهل الجاهليّة، أهلِ الكبر والأنَفَة، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (١). [تنبيه]: وقع في رواية أبي ذرّ الهرويّ لـ "صحيح البخاريّ" قوله: "إلَّا كفر بالله" بزيادة لفظ "بالله"، فقال في "الفتح": كذا وقع هنا "كَفَرَ بالله"، ولم يقع قوله: "بالله" في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك، فالمراد مَن استحلّ ذلك، مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما وَرَدَ على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فَعَلَ فِعْلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر. انتهى (٢). (وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التبرّي المطلق، فيبقى على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويُتأَوَّل في حقّ غير المستحلّ بأنه ليس على طريقة النبيّ ﷺ ، ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْمٌ، وطريقة أهل الدين العدلُ، وترك الظلم، ويكون هذا
следующие страницы →