الصلاة لها، كما سبق البحث في هذا مستوفًى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ (٢)، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ حجةٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) أي: قحطٌ.
وقوله: (هَلَكَ الْمَالُ) قال القرطبيّ ﵀: المراد المواشي، وأصل المال
стр. 10222
كلُّ ما يُتموَّل، وعُرْفه عند العرب الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: المال معروفٌ، ويُذكّر ويؤنّث، وهو المال، وهي المال، قال: والمال عند أهل البادية النَّعَم. انتهى (٢)، وهذا الإطلاق الأخير هو المراد هنا في الحديث، كما سبق بيانه.
وقوله: (وَجَاعَ الْعِيَالُ) بالكسر: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ (٣).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بمَعْنَاهُ) فاعل "ساق" ضمير إسحاق بن عبد الله؛ أي: ساق معنى حديث أنس ﵁ الماضي، ولم يسق لفظه.
وقوله: (فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ) وفي نسخة: "إلا انفرجت"؛ أي: تقطّع السحاب عنها، وزال.
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ) بفتح الجيم، وإسكان الواو، بعدها باءٌ موحّدة، وهي الْحُفْرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفُرجة في السحاب، قال النوويّ ﵀: معناه: تقطّع السحاب عن المدينة، وصار مستديراً حولها، وهي خاليةٌ منه. انتهى.
وقال الخطابيّ: المراد بالجوبة هنا التُّرْس، وضبطها الزين ابن الْمُنَيِّر تبعاً لغيره بنون بدل الموحَّدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خِلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صَحَّف. انتهى.
وقوله: (وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زُرُوعٌ لهم، فأضافه هنا إلى نفسه، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي قَنَاةُ"، وهذا صحيح على البدل، والأوّل صحيح، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يُقدّر فيه محذوفٌ، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي وادي قناة"، قاله النوويّ ﵀ (٤).
وقال في "الفتح": و"قَنَاةُ" بفتح القاف والنون الخفيفة: عَلَمٌ على أرض ذات مزارع، بناحية أُحُد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، قاله الحازميّ،
стр. 10223
وذكر محمد بن الحسن المخزوميّ في "أخبار المدينة" بإسناد له أن أوّل من سماه وادي قناة تُبَّعٌ اليمانيّ لَمّا قَدِم يَثْرِب قبل الإسلام، وفي رواية له: أن تُبَّعاً بَعَثَ رائداً ينظر إلى مزارع المدينة، فقال: نظرت، فإذا قَنَاةُ حَبّ ولا تِبْنَ، والْجُرُفُ حبّ وتبنٌ، والحرار -يعني: جمع حَرّة بمهملتين - لا حبّ ولا تبن. انتهى.
ووقع عند البخاريّ في "الجمعة" بلفظ: "وسال الوادي قناة"، وأُعرِب بالضم على البدل، على أن "قَناة" اسم الوادي، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، قال الحافظ ﵀: وقرأت بخط الرضيّ الشاطبيّ، قال: الفقهاءُ تقوله بالنصب والتنوين، يتوهمونه قَنَاةً من القَنَوَات، وليس كذلك. انتهى. وهذا الذي ذكره قد جَزَم به بعض الشُّرّاح، وقال: هو على التشبيه؛ أي: سال مثل القناة. انتهى (١).
وقوله: (وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ) بفتح الجيم، وإسكان الواو: هو المطر الغزير، وهذا يدلّ على أن المطر استمرّ فيما سوى المدينة، فقد يُشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: "هلكت الأموال، وانقطعت السبل" لم يرتفع الهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمرّ حول المدينة من الإكام، والظراب، وبطون الأودية، لا في الطرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثيرٌ، ولو كانت تُجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تُكِنّها، وتَرْعَى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال، قاله في "الفتح" (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس ﵁ هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال:
(٩٣٣) حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
стр. 10224
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبيّ ﷺ ، فبينا النبيّ ﷺ يخطب في يوم جمعة، قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها، حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابيّ، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله تَهَدّم البناء، وغَرِق المالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب، إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الْجَوْبة، وسال الوادي قناةُ شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية، إلا حَدَّث بالْجَوْد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثَّقَفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
стр. 10225
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ثَابِثٌ الْبُنَانِيُّ) هو ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، عن (٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا) هذا لا يعارض ما تقدّم من أن السائل رجل، أوأعرابيّ؛ لاحتمال أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، أو نُسب إليهم؛ لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه، وقد تقدّم تحقيق هذا.
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "فقام إليه الناس … إلخ لا، وفي سائر الروايات عن أنس: "أن رجلاً"، و"جاء أعرابيّ"، فقيل: يَحْتَمل أن الرجل ابتدأ بالكلام، فشايعه الناس، فمرّة ذكر المبتدئ بالكلام، ومرّةً أخبر عن الجماعة، وقيل: يَحْتَمل أنه أراد بالناس الرجل الأعرابي المذكور، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، إنما قاله واحد، وهذا فيه بعد؛ لما جاء بعده. انتهى بتصرّف (١).
وقوله: (قَحَطَ الْمَطَرُ) بفتح القاف، والحاء المهملة، ويجوز كسرها؛ أي: أمسك (٢)، وقال الفيّوميّ ﵀: قَحَطَ المطرُ قَحْطاً، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى الفرّاءُ: قَحِطَ قَحَطاً، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطت الأرض، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مقاحيط، وأقحط الله الأرض بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطةٌ، وأقحط القومُ: أصابهم القحطُ، بالبناء للفاعل، والمفعول. انتهى (٣).
وقوله: (وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ) يعني: تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة، من اليبس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشجر، قاله في "العمدة" (٤).
وقوله: (وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ) ويُرْوَى "المواشي"، وهي الدوابّ والأنعام.
стр. 10226
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ثابت.
وقوله: (فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ) الفاعل ضمير السحابة؛ أي: زالت السحابة عن المدينة، وانقطع المطر عنها.
وقوله: (فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا) "تمطر" بالبناء للفاعل، وهو من أمطرت رباعيًّا، وَيحْتَمِل أن يكون من مَطَرت ثلاثيًّا، كما تقدم، والفاعل ضمير السحابة.
وقوله: (وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً) بالنصب على المفعوليّة.
وقوله: (وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ) الضمير للمدينة، و"الإكليل" بكسر الهمزة، وسكون الكاف: هو شيء دار بين جوانب الشيء، وقال النوويّ ﵀: "الإكليلُ" بكسر الهمؤة، قال أهل اللغة: هي العصابة، وتُطلق على كلّ محيط بالشيء. انتهى.
والمعنى: أن السحابة صارت كالدائرة حول الشيء، فصار كأن المدينة في مثل الدائرة.
[تنبيه]: هذه الرواية ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" المصنّف، فقال: (١٠٢١) حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدّثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان النبيّ ﷺ يخطب يوم جمعة، فقام الناس، فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قَحَط المطر، واحمرّت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله يُسقينا، فقال: "اللهم اسقنا" مرتين، وايم الله، ما نرى في السماء قَزَعَةً من سحاب، فنشأت سحابة، وأمطرت، ونَزَل عن المنبر، فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبيّ ﷺ يخطب صاحوا إليه: تَهَدَّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنّا، فتبسم النبيّ ﷺ ، ثم قال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فكُشِطت المدينة، فجَعَلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل. انتهى.
وقوله: "اسقنا" بوصل الهمزة، وقطعها.
وقوله: "مرتين" ظرف للقول، لا للسقي.
стр. 10227
وقوله: "وايمُ الله" الهمزة فيه همزة الوصل، وهو مختصر من "أيمن الله"، بحذف الهمزة، والنون، ويختصر أيضاً ثانياً، فيقال: "مُ الله"، بضم الميم، وكسرها. وإضافته إلى لفظ الجلالة واجبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوباً؛ أي: أيم الله قسمي، أو خبر لمحذوف كذلك؛ أي: قسمي أَيْمُ الله (١).
وقال الفيوميّ ﵀: "أَيْمُن" اسم مستعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفع "لَعَمْرُ الله"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من اليُمْنِ، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم. انتهى.
وقوله: "تكشَّطَت"؛ أي: تكشفت، يقال: كَشَطْتُ الْجُلَّ عن ظهر الفرس، والغطاءَ عن الشيء: إذا كشفته عنه، وفي رواية كريمة: "فَكُشِطَت" على صيغة المجهول، قاله في "العمدة" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: فَأَلَّفَ الله بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
стр. 10228
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير سليمان بن المغيرة.
وقوله: (فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ السَّحَابِ) أي: جمع الله بين السحاب المتفرّق في نواحي السماء؛ ليُمطر عليهم.
وقوله: (وَمَكَثْنَا) بفتح الميم، والكاف، وتُضمّ، يقال: مكث مَكْثاً، من باب قتل: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، وَمَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُب قُرْباً، فهو قريبٌ لغة، وقرأ السبعة ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ومكثنا" هكذا ضبطناه، وكذا هو في نسخ بلادنا، ومعناه ظاهرٌ، وذكر القاضي فيه أنه رُوي في نسخ بلادهم على ثلاثة أوجه، ليس منها هذا، ففي رواية لهم: "وبَلَّتْنَا"، ومعناه: أمطرتنا، قال الأزهريّ: يقال: بَلَّ السحابُ بالمطر بَلًّا، والبلل المطر، ويقال: انْهَلَّت أيضاً، وفي رواية لهم: "ومَلَتْنَا" بالميم مخففة اللام، قال القاضي: ولعلّ معناه: أوسعتنا مطراً، وفي رواية: "ملأتنا" بالهمز. انتهى (٢).
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ) أي: القويّ.
وقوله: (تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه "تهمّه" بوجهين: فتح التاء مع ضم الهاء، وضم التاء مع كسر الهاء، يقال: همه الشيءُ، وأهمه؛ أي: اهتمّ له، ومنهم من يقول: هَمّه: أذابه، وأهمه: غَمّه. انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: والهمّ: الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قتل مثله. انتهى (٣).
وقوله: "أن يأتي أهله" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: في إتيان أهله.
والمعنى: أن كثرة المطر حالت دون وصولهم إلى بيوتهم، حتى اهتمّ
стр. 10229
القويّ - ومن باب أولى الضعيف - كيف يصل إلى أهله، وفي رواية ابن خزيمة: "حتى أهمّ الشابّ القريب الدار الرجوعُ إلى أهله"؛ أي: فضلاً عن العجوز، وبعيد الدار، وفي رواية للبخاريّ: "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا".
[تنبيه]: رواية سليمان بن المغيرة، عن ثابت هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٢٦٠٤) حدّثنا بَهْزٌ، وحدّثنا حجاج، قالا: حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: قال أنس: إني لقاعد عند المنبر يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب؛ إذ قال بعض أهل المسجد يا رسول الله، حُبِس المطرُ، هَلَكت المواشي، ادع الله أن يسقينا، قال أنس: فرفع يديه رسول الله ﷺ ، وما أرى في السماء من سحاب، فأُلِّف بين السحاب، قال حجاج: فألَّف اللهُ بين السحاب، فَوَأَلْنا، قال حجاج: سعينا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، فمُطرنا سبعاً، وخرج رسول الله ﷺ يخطب في الجمعة المقبلة؛ إذ قال بعض أهل المسجد: يا رسول الله، تهدمت البيوت، حُبِس السُّفّار، ادع الله أن يرفعها عنّا، قال: فرفع يديه، فقال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، قال: فتقَوَّر ما فوق رأسنا منها، حتى كأنا في إكليل، يُمْطَرُ ما حولنا، ولا نُمْطَرُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي (١) أُسَامَةُ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ، كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى).
стр. 10230
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر السعديّ مولاهم، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
[تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: وقع عند العذري: "حدّثني سلمة" والصواب: "حدّثني أسامة"، وهو أسامة بن زيد الليثيّ، شيخ ابن وهب مشهورٌ. انتهى (١).
٤ - (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ويقال فيه: عبيد الله بن حفص، ولا يصحّ، صدوقٌ [٣] (خ م ت س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٤/ ١٤١٦.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ) فاعل "اقتصّ"، و"زاد" ضمير حفص بن عبيد الله.
وقوله: (يَتَمَزَّقُ) أي: يتفرّق.
وقوله: (كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى) قال النوويّ ﵀: هو بضم الميم، وبالمدّ، والواحدة مُلاءة بالضم والمد، وهي: الرَّيطة، كالْمِلْحفة، ولا خلاف أنه ممدود في الجمع والمفرد، ورأيت في كتاب القاضي قال: هو مقصور، وهو غلط من الناسخ، فإن كان من الأصل كذلك فهو خطأ يلا شكّ، ومعناه تشبيه تقطع السحاب، والجلائه بالملاءة المنشورة إذا طُوِيت. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشراً انضمّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوبٌ طُوِي عنها. انتهى (٣).
стр. 10231
[تنبيه]: رواية حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك ﵁ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٨٣) فقال:
(٢٠٢١) حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة، قالا: ثنا ابن وهب، حدّثني أسامة بن زيد، أن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، حدّثه أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، فادع الله أن يسقينا، قال: فأنشأت سحابة مثل رجل الطائر، أنا أنظر إليها، ثم انتشرت في السماء، ثم أمطرت، فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، وسقطت البيوت، فادع الله أن يكشفها عنّا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فرأيت السحاب يتمزق، كأنها الملاء حين تُطْوَى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّكَشُّفِ عِنْدَ أَوَّلِ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَالتَّعَوُّذِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الرِّيحِ، وَالْغَيْمِ، وَالْفَرَحِ بِالْمَطَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٣] (٨٩٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِثٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ (١)، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى").
стр. 10232
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) وفي نسخة: "عن أنس بن مالك" ﵁، وقوله: (قَالَ) قول جعفر بن سليمان الراوي عن ثابت؛ أي: قال ثابتٌ: (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) جملة حاليّة معترضة بين الفعل وفاعله، وهو قوله: (مَطَرٌ، قَالَ) أنس ﵁: (فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ) أي: كشف ﷺ ثوبه عن بعض بدنه (حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ) "من" تبعيضيّة؛ أي: أصاب بعض بدنه بعض المطر النازل من السماء (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟) أي: حسر ثوبك عن بعض بدنك (قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى") قال القرطبيّ ﵀؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه ﷺ تبرّكٌ بالمطر، واستشفاءٌ به؛ لأن الله تعالى قد سمّاه رحمةً، ومباركاً، وطَهُوراً، وجعله سبب الحياة، ومُبعداً عن العقوبة، ويُستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به. انتهى (١).
وأنشد بعضهم في معنى الحديث قوله:
تَضُوعُ أَرْوَاحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيَابِهِمُ … بَعْدَ الْقُدُومِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالدَّارِ
وقال السنوسيّ: وكما يُتبرّك به فلا يُمتهن باستعماله في النجاسات، كصبّه في مِرْحاضٍ، قال: واختار بعضهم استعمال ماء المطر دون ماء الآبار؛
стр. 10233
لهذا الحديث، والأطبّاء يقولون: إن أنفع المياه ما لم يُختزن، كاختزانه في المراجل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فلا يُمتهن … إلخ" مما لا دليل عليه، وكذا قوله: "واختار بعضهم … إلخ"؛ لأن هذا الحديث لا يدلّ عليه، وإنما يدلّ على التمطّر في أول نزول المطر، ولم يثبت أنه ﷺ كان يتكلّف للطهارة بماء المطر، بل كان يتطهّر غالباً بماء الآبار ونحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: معنى حديث عهد بربه؛ أي: بتكوين ربّه إياه، ومعناه أن المطر رحمةٌ، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيُتَبَرَّك بها، قال: وفي هذا الحديث دليلٌ لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته؛ ليناله المطر، واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه أن يسأله عنه؛ ليعلمه، فيعملَ به، ويُعَلِّمه غيره. انتهى.
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قال بعض أهل المعاني: معناه: حديث عهد بالكون بإرادة الرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [لأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ الآية [ق: ٩]، وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ الآية [الفرقان: ٤٨، ٤٩]، بخلاف ما أخبر به عنه فيما يقرب عهد كونه بإرادة الغضب والسخط وخوفه، وذلك عند هبوب الرياح، وطلوع السحاب حتى تُمطر، كما جاء في الحديث الآخر: "إنه إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل، وأدبر، فإذا أمطرت سُرّ به"، ويقول: "إني خشيتُ أن يكون عذاباً سُلّط على أمتي"، فقد خشي ﷺ أن تعمّهم عقوبة بذنوب العاصين منهم، ويقول إذا رأى المطر: "رحمة"، وقد ذكر مسلم أحاديث في هذا المعنى. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).
[فائدة]: قال الإمام ابن القيّم ﵀: الغيث مذكور في القرآن في عدة مواضع، وهو لذيذ الاسم على السمع، والمسمَّى على الروح والبدن، تبتهج الأسماع بذكره، والقلوب بوروده، وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها،
стр. 10234
وأعظمها بركةً، ولا سيما إذا كان من سحاب راعد، واجتمع في مستنقعات الجبال، وهوأرطب من سائر المياه؛ لأنه لم تَطُل مدته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها، ولم يخالطه جوهر يابس، ولذلك يتغير، وَيتَعَفَّن سريعاً للطافته، وسرعة انفعاله، وهل الغيث الربيعي ألطف من الشَّتَويّ، أو بالعكس؟ فيه قولان:
قال من رجّح الغيث الشتويّ: حرارة الشمس تكون حينئذ أقلّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه، والجو صافٍ، وهو خالٍ من الأبخرة الدخانية، والغبار المخالط للماء، وكلّ هذا يوجب لطفه، وصفاءه، وخلوّه من مخالط.
وقال من رجّح الربيعيّ: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقه الهواء، ولطافته، فيخفف بذلك الماء، وتقلّ أجزاؤه الأرضية، وتصادف وقت حياة النبات، والأشجار، وطيب الهواء. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٠٨٣] (٨٩٨)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥١٠٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٨٣٧)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٥٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٣ و ٢٦٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٤٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٢) و"الحلية" (٦/ ٢٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٥٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث قد تكلّم فيه الحافظ أبو الفضل بن
стр. 10235
عمّار ﵀، فقال: هذا حديث تفرّد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره، قال: وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المخلديّ، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره، وأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير، وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف. انتهى كلام أبي الفضل ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب عن مسلم ﵀ أن جعفراً وإن تكلّم فيه بحضهم، كابن المدينيّ، إلا أن كثيراً من الحفّاظ قوّوه، ومعظم كلام من تكلّم فيه إنما هو في تشيّعه، لا في روايته، فقد وثّقه ابن معين، وابن سعد، ووثقه أيضاً ابن المدينيّ في رواية، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن عديّ: ولجعفر حديثٌ صالح، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروفٌ بالتشيّع، وجمع الرقاق، وأرجوأنه لا بأس به، وقد روى أيضاً في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يجحب أن يُقبل حديثه. انتهى.
وقال ابن حبّان: كان من الثقات في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بخبره جائزٌ. انتهى.
وقال ابن شاهين في "المختَلَف فيهم": إنما تُكُلّم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه إلا ابن عمّار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف. انتهى.
وقال البزّار: لم نسمع أحداً يطعن عليه في الحديث، ولا في الخطأ فيه، إنما ذُكرت عنه شيعيّته، وأما حديثه فمستقيم. انتهى (٢).
стр. 10236
فقد تبيّن بما ذُكر أن جعفر بن سليمان ثقةٌ مستقيم الحديث، وأن المعظم الطعن فيه إنما هو في مذهبه.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح، كما هو رأي المصنّف ﵀ حيث أورده مورد الاحتجاج به، وكما سبق من توثيق الأئمة له، فالأرجح ما ذهب إليه المصنّف، فلا تلتفت إلى طعن أبي الفضل بن عمّار، وتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٤] (٨٩٩) - (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَاباً، سُلِّطَ عَلَى أُمَّتي"، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدَّةً، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات في أول (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) الميميّ مولاهم، أبو محمد، أوأبوأيّوب المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
стр. 10237
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) على المشهور (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵄، أم المؤمنين، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا عطاءً، فمكيّ، وشيخه، وإن كان بصريًّا، فقد سكن المدينة أيضاً.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) اسم أبيه أسلم، كما مرّ آنفاً (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) بالنصب على البدليّة (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ) "كان" هنا أن تكون تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ ﵀ في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمَ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها محذوف؛ أي: واقعاً، أو حاضراً.
قال الفيّوميّ ﵀: و"الريح": مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تُذَكَّر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح، وهي الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنثة، لا علامةَ فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الأعصار، فإنه مذكر، وراح اليوم يروح رَوْحاً، من باب قال، وفي لغة من باب خاف: إذا اشتدت ريحه، فهو رائح، ويجوز القلب والإبدال، فيقال: رَاحٍ، كما قيل؛ هارٍ في هائرٍ، ويوم رِّيحٌ بالتشديد؛ أي: طيب الريح، وليلة رَيِّحة
стр. 10238
كذلك، وقيل: شديدُ الريح نقله المطرزي عن الفارسيّ. انتهى (١).
و"الغيْمُ": السحاب، الواحدة غَيْمة، وهو في الأصل مصدرٌ، من غامت السماءُ، من باب سار: إذا أَطْبق بها السحاب، وأغامت بالألف، وغَيَّمَت، وتغَيَّمت مثله، والغين بالنون لغة في الغيم، وغِينَتِ السماءُ باليناء للمفعول: غُطِّيت بِالغين، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢).
(عُرِفَ) بالبناء للمفعول (ذَلِكَ لم أي: أَثر يوم الريح والغيم (فِي وَجْهِهِ) ﷺ ، هو بمعنى قوله في الرواية التالية: "وإذا تخيّلت السماء تغيّر لونه"؛ يعني: أن أثر الخوف ظهر في وجهه ﷺ ؛ خوفاً من أن يحصل من تلك الريح أو الغيم ما فيه ضرر للناس (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: لا يستقوّ في حال واحد من شدّة الخوف (فَإذَا مَطَرَتْ) أي: نزل مطر السحاب، وقد سبق أن الصحيح جواز أن يقال: أمَطرت بالألف أيضاً (سُرَّ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي؛ استبشر، وفَرِح بذلك المطر (وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ) أي: ما سبق من تغيّر الوجه، وحصول الغمّ والكرب (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سبب ذلك، وفي رواية سليمان بن يسار، عنها الآتية: "فقالت: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا؛ رجاء أن يكون فيه مطرٌ، وأراك إذا رأيته عرَفتُ في وجهك الكراهية" (فَقَالَ) ﷺ : ("إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَاياً، سُلِّطَ) بالبناء للمفعول (عَلَى أُمَّتِي") قال القرطبي ﵀: يعني: على الْعُتَاة عليه، والعصاة له من أمته، وكان ﷺ لعظيم حلمه، ورأفته، وشفقته يرتجي لهم الفلاح، والرجوع إلى الحقّ، وهذا كما قال يوم أُحد: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، وقيل: خاف أن تعمّهم العقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أصحّ. انتهى (٣).
وفي رواية سليمان بن يسار المذكورة: "قالت: فقال: يا عائشة ما يُؤَمّنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا".
(وَيَقُولُ) ﷺ (إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ") خبر لمحذوف؛ أي: هذا رحمة
стр. 10239
من الله لعباده، ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل محذوف: اجعلها رحمة لا عذاباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٠٨٤ و ٢٠٨٥ و ٢٠٨٦] (٨٩٩)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٠٦) و"التفسير" (٤٨٢٩)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥٠٩٨)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٥٧)، و (ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٥٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٠٢ و ٢٥٠٦ و ٢٥٠٧ و ٢٥٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٢):
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الخوف من الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان أنه ينبغي الاستعداد بالمراقبة لله تعالى، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يُخاف بسببه.
стр. 10240
٣ - (ومنها): ما قيل: كان خوفه ﷺ أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف.
٤ - (ومنها): استحباب الفرح والسرور عند نزول المطر؛ لأنه رحمة مهداة من الله تعالى لعباده، فينبغي أن يُفرَح به، كما قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
٥ - (ومنها): أنه ينبغي أن يتذكّر الإنسان، ولا يذهل ما وقع في الأمم الخالية، ويحذر من الوقوع فيما وقعوا فيه من المعاصي؛ لئلا يصيبه مثل ما أصابهم.
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء عند هبوب الريح، لما في الرواية التالية.
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من كمال الشفقة، وشدّة الرأفة بأمته، كما وصفه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
[فإن قلت]: كيف يخشى ﷺ أن تُعَذّب أمته، وهو فيهم، وقد قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]؟.
[قلت]: أجاب ابن العربيّ ﵀ بأن الآية نزلت بعد هذه القصة، قال: ويتعيّن الحمل على ذلك؛ لأن الآية دلّت على كرامة له ﷺ ورفعِهِ، فلا يُتَخَيَّل انحطاط درجته أصلاً.
وتعقّبه الحافظ ﵀ بأنهْ يَعْكُر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة ﵂ إشعار بأنه ﷺ كان يواظب على ذلك من صنيعه، كان إذا رأى فعل كذا، والأولى في الجواب أن يقال: إن في آية الأنفال احتمالَ التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو أن مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال: خَشِيَ على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب، أما المؤمن فشفقة عليه؛ لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو ﷺ بُعِث رحمةً للعالمين. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10241
وبالسند المتّصل إلى ألامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٥] (: .. ) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ، يُحَدِّثنا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ (٢)، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَن عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بدل من "عائشة" (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ) أي: اشتدّ هبوبها، قال الفيوميّ ﵀: عَصَفَت الريح عَصْفاً، من باب ضرب، وعُصُوفاً: اشتدّت، فهي عاصف، وعاصفةٌ، وجمع الأولى: عَوَاصفُ، والثانية: عاصفات، ويقال: أعصفت بالألف أيضاً، فهي مُعصفةٌ، ويُسند الفعل إلى اليوم والليلة؛ لوقوعه
стр. 10242
فيهما، فيقال: يومٌ عاصفٌ، كما يقال: باردٌ؛ لوقوع البرد فيه. انتهى (١).
وقولها هنا: "إذا عصفت الريح"، وهو شدّة هُبوبها، وفي رواية أبي يعلى بلفظ: "إذا هاجت ريح شديدة" يدلّ على خروج الريح الخفيفة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ : ("اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا) أي: خير ذاتها (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) أي: من منافعها (وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) أي: بخصوصها في وقتها، وهو مبنيّ للمفعول، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، قال الطيبيّ ﵀: يَحْتَمِل الفتح على الخطاب، و"شرّ ما أرسلت به" على بناء المفعول، ليكون من قبيل قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾، وقوله ﷺ : "الخير كلّه في يديك، والشرّ ليس إليك". انتهى (٢).
وتعقّب ابن حجر الهيتميّ في "شرح المشكاة" ما قاله الطيبيّ، فقال: هذا تكلّف بعيد لا حاجة إليه، فـ"أرسلت" مبنيّ للمفعول فيهما، كما هو المحفوظ، أو للفاعل. انتهى (٣).
وقوله: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ") قال القاري في شرح "المشكاة": على بناء المفعول في جميع النسخ، وكتَبَ ميرك فوقه "صحّ " إشارةً إلى عدم الخلاف. انتهى (٤).
وأخرج أبو يعلى بإسناد صحيح عن قتادة، عن أنس ﵁ أن النبيّ- ﷺ كان إذا هاجت ريح شديدة قال: "اللهم إني أسألك من خير ما أُمِرتّ به، وأعوذ بك من شر ما أُمرت به".
وفي الباب عن أبي هريرة، عند أبي داود، والنسائيّ، وعن ابن عباس، عند الطبراليّ، وعن غيرهم، قاله في "الفتح" (٥).
(قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ) أي: تهيّأت السحاب للمطر،
стр. 10243
قال الطيبيّ: "السماء" هنا بمعنى السحاب، وتَخَيَّلت السماءُ: إذا ظهر في السماء أثر المطر، وقال أبو عبيدة: تخيّلت من الْمَخِيلة بفتح الميم، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة، وهي سحابة فيها رعدٌ وبرقٌ، يُخيَّل إليه أنها ماطرةٌ؛ يعني: سحابة يُخال فيها المطر، وتكون مظنّةً للمطر، وقال ابن الأثير: الْمَخيلة السحابة التي يُظنّ أن فيها مطراً، وتخيّلت السماء: إذا تغيّمت. انتهى (١). (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) أي: من خشية الله تعالى، ومن رأفته على أمته، وتعليماً لهم في متابعته (وَخَرَجَ) من البيت تارةً (وَدَخَلَ) تارةً أخرى (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: فلا يستقرّ في حال واحد (فَإِذَا مَطَرَتْ) أي: السحاب، وفي رواية للبخاريّ: "فإذا أمطرت السماء"، من الإمطار، قال الحافظ: وفيه ردّ على من زعم أنه لا يقال: أمطرت إلا في العذاب، وأما في الرحمة، فيقال: مطرت. انتهى. والحاصل أنه يقال: مطرت، وأمطرت في الرحمة بالوجهين (سُرِّيَ عَنْهُ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: كُشف عنه الخوف وأُزيل عنه الحزن (فَعَرَفْتُ ذَلِكَ) أي: التغيّر المذكور (فِي وَجْهِهِ) ﷺ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سببه، وفي بعض النسخ: "فعَرَفت ذلك عائشة، فسألته" (فَقَالَ) ﷺ : ("لَعَلَّهُ) أي: لعلّ هذا السحاب (يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ) الإضافة للبيان؛ أي: مثل الذي قال في حقّه قوم عادٍ: هذا عارضٌ ممطرنا، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿) فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي: السحاب ﴿عَارِضًا﴾ أي: سحاباً عارضاً، قال ابن الأثير: العارض السحاب الذي يعرض في السماء ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: صهاريهم، ومحل مزارعهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أي: سحاب عَرَض ليمطرنا، قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]، فظهرت منه ريح، فأهلكتهم، فلا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10244
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (ح) (١) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَاَئِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْماً، أَوْ رِيحاً عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ (٢): يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] مات قديماً قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 10245
وقولها: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً) المستجمع: المجِدّ في الشيء القاصد له.
وقال في "الفتح": رواية الكشميهني: "مستجمعاً ضَحِكاً"؛ أي: مبالغاً في الضحك، لم يترك منه شيئاً، يقال: استجمع السيل: اجتمع من كلّ موضع، واستجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يُحبّه، فيكون "ضاحكاً" منصوباً على التمييز، وإن كان مشتقًّا، مثلُ لله درّه فارساً؛ أي: ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك بحيث يضحك ضَحِكاً تامًّا مقبلاً بكلّيته على الضحك (١).
(حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بالتحريك: جمع لَهَاة، وهي اللحمة المتعلّقة في أعلى الحنك، ويُجمَع أيضاً على لَهًى بفتح اللام، مقصوراً.
وقولها: (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) هذا لا ينافي ما جاء في الحديث الآخر: "أنه ﷺ ضَحِكَ حتى بدت نواجذه"؛ لأن ظهور النواجذ، وهي الأسنان التي في مُقَدَّم الفم، أو الأنياب لا يستلزم ظهور اللهاة، قاله في "الفتح" (٢).
وقيل: كان التبسّم على سبيل الأغلب، وظهور النواجذ على سبيل الندرة، قاله في "المرعاة" (٣).
وقولها: (عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "عُوِفت الكراهية في وجهه"، قال في "الفتح": عَبَّرَت عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهة؛ لأنه ثمرتها. انتهى.
وقال الطيبيّ ﵀: قولها: "عرف ذلك في وجهه" أي: ظهر أثر الخوف في وجهه ﷺ مخافة أن يحصل من ذلك السحاب، أو الريح ما فيه ضرر للناس، فدلّ نفي الضحك البليغ عنه ﷺ على أنه لم يكن فَرِحاً لاهياً بَطِراً، ودلّ إثبات التبسّم له ﷺ على طلاقة وجهه، وبشاشته، ودلّ أثر خوفه من رؤية الغيم، أو الريح على رأفته، ورحمته على الخلق، وهذا هو الخلق العظيم. انتهى (٤).
стр. 10246
وقولها: (عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ) ببناء الفعل للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم، و"الكراهية" منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الكراهيةُ" بالرفع على أنه نائب الفاعل.
وقوله: (مَا يُؤَمِّننِي إَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَاب) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء يجعلني آمناً من كون العذاب فيه؟.
وقوله: (قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال في "الفتح": ظاهر هذا أن الذين عُذِّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك؛ لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عُذبوا بالريح هم الذين قالوا: هذا عارض، ففي هذه السورة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الآيات، وفيها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وقد أجاب الكرمانيّ عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تَطِّرِد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا. ثم قال: ويَحْتَمِل أن عاداً قومان: قوم بالأحقاف، وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم.
قال الحافظ: ولا يخفى بعده، لكنه مُحْتَمِلٌ، فقد قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾، فإنه يُشعِر بأن ثَمّ عاداً أخرى.
وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسنٍ (١)، عن الحارث بن حسّان
стр. 10247
البكريّ، قال: خرجت أنا والعلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله ﷺ الحديث، وفيه: فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال: وما وافد عادٍ، وهو أعلم بالحديث، ولكنه يستطعمه، فقلت: إن عاداً قُحِطُوا، فَبَعَثُوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة، يستسقي لهم، فمكث شهراً في ضيافته، تغنيه الجرادتان، فلما كان بعد شهر، خرج لهم فاستسقى لهم، فمرت بهم سحابات، فاختار السوداء منها، فنودي: خذها رماداً رمداً، لا تُبْقِ من عاد أحداً.
وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه بعضه.
والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بُنيت بعد إبراهيم،
стр. 10248
حين أسكن هاجر وإسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، فالذين ذُكروا في "سورة الأحقاف" هم عاد الأخيرة، ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نبيّ آخر غير هود، والله أعلم. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بنحو هذه الترجمة، حيث قال: "باب قول النبيّ ﷺ نُصِرت بالصبا".
قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس ﵁ الذي قبله -يعني: حديث: "كانت الريح الشديدة إذا هبّت عُرف ذلك في وجه النبيّ ﷺ " - بما سوى الصبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن يكون مما يُسَرّ بها دون غيرها.
وَيحْتَمِل أن يكون حديث أنس ﵁ على عمومه، إما بأن يكون نصرها له متأخراً عن ذلك؛ لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، كما جزم به مجاهد وغيره، وإما بأن يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه، فيُخْشَى من هبوبها أن تُهلك أحداً من عصاة أمته، وهو كان بهم رؤوفاً رحيماً ﷺ .
وأيضاً فالصبا تؤلِّف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذ، وقد وقع في الخبر الماضي أنه ﷺ كان إذا أمطرت سُرِّي عنه، وذلك يقتضي أن تكون الصبا أيضاً مما يقع التخوف عند هبوبها، فيَعْكُر ذلك على التخصيص المذكور، والله أعلم، قاله في "الفتح" (٢).
стр. 10249
قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد أن يكون التخصيص واقعاً عند هبوبها لئصره ﷺ عند مواجهة العدوّ، فحينئذ يستبشر بها؛ لكونها مجرّد رحمة، حيث هبّت للنصر، فلا إشكال، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٧] (٩٠٠) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "نُصِرْتُ يِالصَّبَا"، وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) الْهُذليّ، ربيب شعبة، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُئدر، ثقةٌ صحيح الكتابَ [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ -، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (١١٣) أو بعدها، عن نيّف وستين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٧ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
стр. 10250
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال: "حدّثنا غندر، عن شعبة"، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في شعبة، وابن المثنّى، وابن بشّار قالا: "حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة"، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّح هو بتحديث شعبة له، وهذه من دقائق الإسناد ينبغي العناية بها، فكن منتبهاً.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنى، وابن بشار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن مجاهد.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، كما سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا) - بفتح الصاد المهملة، بعدها موحَّدة مخفّفةٌ مقصورة - يقال لها: القَبُول - بفتح القاف -؛ لأنها تقابل باب الكعبة؛ إذ مهبها من مشرق الشمس (وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ") - بفتح الدال المهملة، وتخفيف الموحّدة المضمومة -: مقابل الصبَا، وهي التي أهلكت بها قوم عاد، ويشير ﷺ بهذا إلى قوله تعالى في قصة الأحزاب: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، ورَوَى الشافعيّ بإسناد فيه انقطاع أن النبيّ ﷺ قال: "نصرت بالصبا، وكانت عذاباً على من كان قبلنا"، وقيل: إن الصبا هي التي حَمَلت ريح قميص يوسف إلى يعقوب ﵇ قبل أن يصل إليه (١).
стр. 10251
قال الحافظ ﵀: ومن لطيف المناسبة كون القَبُول نَصَرت أهل القبول، وكون الدَّبُور أهلكت أهل الإدبار، وأن الدبور أشدّ من الصبا؛ لأنها لما أهلكت عاداً لم يخرج منها إلا قدر يسير، ومع ذلك استأصلتهم، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، ولَمّا عَلِم الله تعالى رأفة نبيه ﷺ بقومه رجاء أن يسلموا سَلَّط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين؛ لِمَا أصابهم بسببها من الشدّة، ومع ذلك فلم تُهلك منهم أحداً، ولم تستأصلهم.
ومن الرياح أيضاً الْجَنُوب والشمال، فهذه الأربع تَهُبّ من الجهات الأربع، وأيّ ريح هَبّت من بين جهتين منها، يقال لها: النَّكباء - بفتح النون، وسكون الكاف، بعدها موحّدة، ومدّ -. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: الريح أربع: الشمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي حارّة في الصيف، بارح (٢)، والجنوب تقابلها، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا، وتأتي من مطلع الشمس، وهي القَبُول أيضاً، والرابعة: الدَّبُور، وتأتي من ناحية المغرب. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٠٨٧ و ٢٠٨٨] (٩٠٠)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٣٥) و"بدء الخلق" (٣٢٠٥) و"الأنبياء" (٣٣٤٢) و"المغازي" (٤١٠٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٤١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٨ و ٣٢٤ و ٣٤١ و ٣٥٥)،
стр. 10252
و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٥٦٣ و ٢٦٨٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٠٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥١٢ و ٢٥١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٦ و ٢٠٢٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦٤) و"دلائل النبوة" (٣/ ٤٤٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أكرم الله نبيّه ﷺ حيث نصره على أعدائه بريح الصبا، وكان ذلك يوم الخندق، ويقال له: غزوة الأحزاب، وكان زهاء اثني عشر ألفاً، أو أكثر حين حاصروا المدينة، فأرسل الله تعالى عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية شديدة البرد، فسفّت التراب والحصى في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقطّعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال، كما قصّ الله تعالى ذلك في القرآن العظيم.
٢ - (ومنها): تفضيل بعض المخلوقات على بعض، مع كونه من جنسه، حيث فُضّلت الصبا على الدبور من جهة إضافة النصر إليها، والهلاك إلى الدبور.
٣ - (ومنها): أن فيه ردًّا على الطبائعيين والفلاسفة الذين ينسبون الأشياء إلى الطبيعة، ففي هذا الحديث إثبات أن الرياح مسخّرة بأمر الله تعالى تارة يُسخّرها لنصر أوليائه، وتارةً يسخّرها لإهلاك أعدائه، فسبحان من بيده ملكوت كلّ شيء، وإليه يرجع الأمر كلّه، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾.
٤ - (ومنها): أن فيه إخبار المرء عن نفسه بما فضّله الله به على سبيل التحدث بالنعمة، لا على سبيل الفخر.
٥ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ عن الأمم الماضية، وإهلاكها؛ ليكون عبرةً، ويتّعظ بها من أراد الله به الخير والصلاح، اللهم اهدنا فيمن هديت، ولا تجعلنا من الغافلين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10253
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [٩] (ت ١١٩٥) ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١١٧.
٣ - (عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عمير الأمويّ مولاهم، يقال له: الجعفيّ نسبة إلى خالة حسين بن عليّ الجعفيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، لقبه مُشْكُدانة - بضم الميم والكاف، بينهما معجمة ساكنة، وبعد الألف نون - وهو وعاء المسك بالفارسية، صدوق، فيه تشيعٌ [١٠].
رَوَى عن خالة حسين المذكور، وأبي الأحوص، وابن المبارك، وعبدة بن سليمان، وابن نمير، والمحاربيّ، وأسباط بن محمد، وعبد الرحيم بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وجماعة.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائي في "خصائص عليّ" بواسطة أبي بكر أحمد بن علي المروزي، وزكرياء بن يحيى خياط السنة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن بشير الطيالسيّ، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن إسحاق السَّرّاج، والبغويّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفيّ يقول: سمعته يقول: إنما لَقّبني مُشْكُدانة أبو نعيم، كنت إذا أتيته تطيبت وتلبست، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة، وقال أبو بكر بن منجويه: مشكدأنة بلغه أهل خراسان وعاء المسك.
وقال صالح جزرة: كان غالياً في التشيع، فكان يمتحن كلَّ من يجيئه من أهل الحديث.
стр. 10254
قال السرّاج: مات سنة ثمان، أو تسع وثلاثين ومائتين، وجزم سنة تسع البغوي وابن قانع وابن عساكر ومن قبلهم البخاريّ في "التاريخ الأوسط".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ في "خصائص عليّ"، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط (١).
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٦ - (مَسْعُودُ بْنُ مَالِكِ) بن مَعْبَد الأسديّ الكوفيّ مولى سعيد بن جُبير، ثقةٌ (٢) [٦].
روى عن مولاه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثيم، وعليّ بن الحسين.
وروى عنه الأعمش، والثوريّ، وصالح بن حيّان.
قال النسائيّ: مسعود بن مالك كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لأبي معاوية، وعبدة بن سليمان.
[تنبيه]: رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ ريمما هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٩٥٦) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني نُصِرت
стр. 10255
بالصبا، وإن عاداً أُهلكت بالدبور". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء السابع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك (٢٩/ ١٠/ ٤٢٧ اهـ) الموافق (٢٠ نوفمبر - تشرين الثاني ٢٠٠٦ م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن عشر مفتتحاً بـ ١٠ - (كتاب الكسوف)، (١) - (بَابُ بَيَانِ كيْفِيَّةِ صَلَاةِ الكُسُوف، وَمَا جَاء من الأمرِ بالصَّلَاةِ، والذِّكْرِ، والدعاءِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الكُسُوفِ) رقم الحديث [٢٠٨٩] (٩٠١).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
стр. 10256
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يوم الثلاثاء المبارك وقت أذان صلاة الفجر ٣٠/ ١٠/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء الثامن عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى.
١٠ - (كِتَابُ الْكسُوفِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكسوف" لغةً: التغيُّر إلى سواد، ومنه كَسَفَ وجهُهُ وحالُهُ، وكَسَفَت الشمسُ: اسودّت، وذهب شُعاعها.
قال الفيوميّ ﵀: كَسَفَت الشمسُ، من باب ضرب، كُسُوفاً، وكذلك القمر، قاله ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضاً: كَسَفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ: تَغَيَّرَ، وكسَفَها الله، كَسْفاً، من باب ضرب أيضاً، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوِعاً، مثل كسرته، فانكسَرَ، وعليه حديث: "انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ "، وبعضهم يجعله غَلَطاً، ويقول: كَسَفتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب الكلّ، وإذا عَدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال جَرير [من البسيط]:
الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ … تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طُلوعها، وبكائها عليك ليست تَكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها.
وقال أبو زيد: كَسَفت الشمسُ كُسُوفاً: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ: غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء. انتهى.
وقال في مادة "خَسَفَ": وخَسَفَه اللهُ : - أي: من باب ضرب - يتعدَّى، ولا يتعدَّى، وخَسَفَ القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف
стр. 10257
أيضاً، وقال ثَعْلَبٌ: أجود الكلام: خَسَف القمرُ، وكَسَفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ. انتهى.
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"؟ "باب هل يقول: كَسَفَت الشمسُ، أو خَسَفَت؟ "، وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]. انتهى.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: أَتَى بلفظ الاستفهام إشعاراً منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء.
قال الحافظ ﵀: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة، قال: "لا تقولوا: كَسَفت الشمسُ، ولكن قولوا: خَسَفت"، وهذا موقوف صحيح، رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهريّ أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحَكَى عياض عن بعضهم عكسه، وغلّطه؛ لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا هو السرّ في استشهاد البخاريّ به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شكّ أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغيُّر إلى سواد، والخسوف النقصان، أو الذلّ، فإذا قيل في الشمس: كَسَفت، أو خَسَفت؛ لأنها تتغير، ويلحقها النقص، ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان.
وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخَّص مما ذُكر أن الراجح جواز إطلاق الكسوف، والخسوف لكل من الشمس، والقمر؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وسبب ذلك اختلاف شيخيه، فسند قتيبة بالعنعنة، وسند أبي بكر بالتحديث إلى هشام، وفيه أيضاً بيان أن لفظ الحديث لأبي بكر، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، فتنبّه لهذه الدقائق.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن السند الأول مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فهو بغلانيّ، وقد دخل المدينة، والثاني مسلسلٌ من هشام، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂، ذات المناقب الجمّة، فهي أمّ المؤمنين، الصدّيقة ابنة الصدّيق ﵄، حبيبة رسول الله ﷺ ، وبنت حبيبه، قد أنزل الله تعالى براءتها في كتابه، وهي من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
стр. 10260
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وهي لغة ثابتة، كما تقدّم (١). (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: في وقته بالمدينة، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، كما عليه جمهور أهل السير، في ربيع الأول، أو في رمضان، أو في ذي الحجة في عاشر الشهر، وعليه الأكثر (٢). (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) فيه أنه ينبغي المبادرة بالصلاة عند الخسوف، لقولها: "فقام … إلخ" بالفاء التعقيبيّة، وهو مشروعيّة صلاة الكسوف جماعة، وهو مذهب الجمهور (٣)، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "الفتح": استُدِلّ به على أنه ﷺ كان يحافظ على الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظرٌ؛ لأن في السياق حذفاً، ففي رواية ابن شهاب: "خسفت الشمس، فخرج إلى المسجد، فصفّ الناسُ وراءه"، وفي رواية عمرة: "فخسفت، فرجع ضُحًى، فمَرّ بين الْحُجَر، ثم قام يصلي"، وإذا ثبتت هذه الأفعال، جاز أن يكون حذف أيضًا "فتوضأ، ثم قام يصلي"، فلا يكون نصًّا في أنه كان على وضوء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ احتمالاً قد ثبت نصًّا، ففي رواية النسائيّ (١٣/ ١٤٨١) من طريق أبي حفصة، عن عائشة ﵂: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، توضأ، وأمر، فنودي أن الصلاة جامعة … " الحديث، فدلّ على أنه توضأ، غايةُ الأمر أن الراوي اختصر في هذا الحديث ذكر الوضوء، والله تعالى أعلم.
(فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وفي رواية أبي حفصة المذكورة أن عائشة قالت: "فحسبت قرأ البقرة"، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري: "فقرأ نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى"، ونحوه للنسائي، ونحوه لأبي داود، من طريق