على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطأ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع، عن مالك: أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نصّ، وَيعْتَضِد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد اختَلَفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد الله بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختَلَف من الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبّر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف.
والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة. انتهى. قال الشوكانيّ ﵀: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحقّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم هل يكبّر في الاستسقاء كالعيد أم لا؟:
стр. 10187
قال النوويّ ﵀: اختَلَفوا هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء، كما يكبر في صلاة العيد؟، فقال به الشافعيّ، وابن جرير، ورُوي عن ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واحتجُّوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث: صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر والقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، واختَلَفت الرواية عن أحمد في ذلك، وخَيَّره داود بين التكبير وتركه، ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة، وذكره البخاريّ، وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا أنه لا يؤذَّن لها، ولا يقام، لكن يُستحبّ أن يقال: الصلاة جامعة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: ولم يُذكر في حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا أنها يُكبّر لها كما يُكبّر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء، مالك وغيره، وقد قال بالتكبير فيها جماعة، منهم ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعيّ، والطبريّ، وحجتهم حديث ابن عبّاس ﵄ الذي أخرجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله ﷺ متذلّلاً، متواضعاً، متضرّعاً، حتى أتى المصلَّى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرّع، والتكبير، ثم صلّى ركعتين، كما يصلي في العيد (٢).
قال: وهذا لا ينتهض حجة، فانه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كلّ الوجوه، إلا في شبيه ومثيل للمبالغة التي فيه، فان العرب تقول: زيدٌ كالأسد، وكالبحر، وكالشمس، تريد بذلك أنه يُشبهه في وجه من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطنيّ، وقال فيه: صلى ركعتين، كبَّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وقرأ في الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وكبّر خمس تكبيرات، وهذا نصّ غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم.
стр. 10188
قال: ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاريّ، ويُخْطَب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهديّ: يخطب خطبة واحدةً، لا جلوس فيها، وخيّره الطبريّ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا لا ينتهض حجة … إلخ" فيه نظر لا يخفى، كيف لا ينتهض ما دلّ عليه ظاهر التشبيه، فما الذي أدّاه إلى هذه الدعوى، فهل هناك دليلٌ صريح يدلّ على عدم التكبيرات في صلاة الاستسقاء؟، فالظاهر أن كون صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد في تكبيراتها هو الأقرب.
والحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بذلك هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء: قال الإمام ابن المنذر ﵀: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائماً يدعو في خطبته، مستقبل الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائماً، واستقبل الناسُ جميعاً القبلةَ كما استقبلها الإمام قعوداً، وحوّلوا أرديتهم جميعاً كما حوّل الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف.
وممن كان يرى أن يجعل اليمين الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسحاق ابن راهويه، وكان الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه.
وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكّس رداءه، فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه
стр. 10189
الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول الله ﷺ من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء.
وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من استحباب تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك.
قال الحافظ: وتُعُقِّب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر ﵁، ورجّح الدارقطنيّ إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ.
وقال بعضهم: إنما حوَّل رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كلّ حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتّباع أولى من تركه لمجرّد احتمال الخصوص، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه
стр. 10190
للتفاؤل؛ لحديث جابر ﵁ المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحافظ الفقيه الحجة الثبت المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ الْأَنَصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي،
стр. 10191
اسمه وكنيته واحدٌ، وقيل: كنيته أبو محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (١)، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْماً يَسْتَسْقِي، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، يَدْعُو اللهَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (سَمِعَ عَمَّهُ) المراد بعمّه: عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ المتكرّر في الروايات السابقة.
стр. 10192
وقوله: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فيه دليلٌ لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء، قال النوويّ: وأصحابنا يحملونه على الجواز، كما سبق بيانه. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٤] (٨٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر (٢) الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير العابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 10193
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن أنساً ﵁ ذو مناقب جمّة، تشرّف بخدمة النبيّ ﷺ عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وفي رواية النسائي: "قال شعبة: قلت لثابت: أنت سمعته من أنس؟، قال: سبحان الله، قلت: سمعته؟ قال: سبحان الله"، وسيأتي من رواية الإمام أحمد تصريح ثابت بسماعه من أنس ﵁، وإنما سأله شعبة للتأكّد من سماعه بدون واسطة؛ لإمكان سماعه بواسطة شخص لا يرضاه شعبة، وتسبيح ثابت لاستغرابه اتّهام شعبة له بذلك (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) أي: في حالة الدعاء (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر الحديث أن هذا الرفع لمطلق الدعاء، لكن ظاهر صنيع المصنّف ﵀ أنه حمله على دعاء الاستسقاء حيث أورده في "كتاب الاستسقاء"، ويؤيّد ذلك ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، ولفظه: "قال: كان النبيّ ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء".
وفي رواية للإمام أحمد ﵁ لهذا الحديث من طريق سليمان بن داود: أنا شعبة، عن ثابت، سمع أنساً قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يُرَى بياضُ إبطيه، فذكرت ذلك لعليّ بن زيد، فقال: إنما ذاك في إلاستسقاء، قال: قلت: أسمعته من أنس؟ قال: سبحان الله، قال: قلت:
стр. 10194
أسمعته منه؟ قال: سبحان الله. انتهى (١).
والقائل: "فذكرتُ … إلخ" هو شعبة، وعلي بن زيد هو ابن جُدْعان.
فقد تبيّن بما ذُكر أن حديث أنس ﵁ إنما هو في دعاء الاستسقاء، فيُحمل المطلق في هذه الرواية على المقيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٤ و ٢٠٧٦ و ٢٠٧٧] (٨٩٥)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٣١) و"المناقب" (٣٥٦٥) و"الدعوات" (٦٣٤١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٠)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء" (١٥١٣) و"الكبرى" (١٤٣٦ و ١٨١٧) وفي "قيام الليل" (١٧٤٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٨٠)، و (أحمد) في "المسند" (٣/ ١٨١ و ١٨٢ و ١٨٤ و ٢٠٩ و ٢١٦ و ٢٥٩)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٣٠٤)، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٧٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٢ و ٢٤٨٣ و ٢٤٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٤ و ٢٠١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في حكم رفع اليدين في الدعاء:
[اعلم]: أن رفع اليدين في الدعاء مستحبّ، وقد عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الدعوات" من "صحيحه" باباً في ذلك، فقال:
[باب رفع الأيدي في الدعاء]: وقال أبو موسى الأشعريّ ﵁، دعا النبيّ ﷺ ، ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه، وقال ابن عمر ﵄: رفع النبيّ ﷺ يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك سمعا أنساً عن النبيّ ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
стр. 10195
قال الحافظ ﵀، وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس: "لم يكن رسول الله ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمِع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناه بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حَذْوِ الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياضُ إبطيه"، بل يُجْمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ ﵀: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في "جزء"، وسَرَدَ النوويّ في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد البخاريّ أيضاً في "الأدب المفرد" باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: قَدِمَ الطفيلُ بن عمرو على النبيّ ﷺ ، فقال: إن دوساً عَصَتِ الله، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللَّهم اهْدِ دَوْساً"، وهو في "الصحيحين" دون قوله: "ورفع يديه".
وحديث جابر ﵁: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ ﷺ : "اللَّهم وليديه، فاغفر، ورفع يديه"، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة ﵂ أنها رأت النبيّ ﷺ يدعو رافعاً يديه يقول: "اللَّهمّ إنما أنا بشر … " الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ ﷺ رافعاً يديه يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ ﷺ ، وهو رافع يديه يدعو"، وعنده في حديث عائشة في الكسوف
стр. 10196
أيضاً: "ثم رفع يديه يدعو"، وفي حديثها عنه في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرات … " الحديث.
ومن حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد في قصة ابن اللُّتْبية: ثم رفع يديه حتى رأيت عُفْرَة إبطيه، يقول: "اللَّهم هل بلغت".
ومن حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبيّ ﷺ ذكر قول إبراهيم، وعيسى، فرفع يديه، وقال: "اللَّهمّ أمتي".
وفي حديث عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يُسْمَع عند وجهه كدويّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يوماً، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا"، الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة ﵁: "كنت رديف النبيّ ﷺ بعرفات، فرفع يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خِطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائيّ بسند جيد (١).
وفي حديث قيس بن سعد ﵁ عند أبي داود: ثم رفع رسول الله ﷺ يديه، وهو يقول: "اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، الحديث، وسنده جيد.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُويبة ﵁ أنه رأى بِشْر بن مَرْوان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وما يزيد على هذا، يشير بالسبابة"، فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها.
стр. 10197
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحَسّنَه، وغيرهما من حديث سلمان ﵁ رفعه: "إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهما صِفْراً" - بكسر المهملة، وسكون الفاء - أي: خالية، وسنده جيد.
قال الطبريّ: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر، وجبير بن مطعم، ورأى شُرَيحٌ رجلاً يرفع يديه داعياً، فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمرو بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء (١)، قال: وقال في "المدونة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضاً، وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعاً.
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
стр. 10198
وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه". انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان ﵁ المتقدم مرفوعاً: "إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده … " الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٥] (٨٩٦) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِلِ وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى) استفعل؛ أي: طلب
стр. 10199
السُّقيا من الله تعالى بدعائه، وتضرّعه (فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" من رواية حماد، وحُميد، كلاهما عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ استسقى، فمدّ يده هكذا، فأومأ حمّاد بيده حيال ثندوته، جعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأينا بياض إبطيه، وهو على المنبر".
قال النوويّ ﵀: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كلّ دعاء لرفع بلاء، كالقَحْط ونحوه أن يرفع يديه، ويَجْعَل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جَعَل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. انتهى (١).
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٥] (٨٩٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٤ و ٢٤١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٩٣ و ١٣٣٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٦ و ٢٤٨٧ و ٢٤٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10200
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، [ثقةٌ] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٤ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
و"أنسٌ" ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وتقدّم الكلام في أنس ﵁ قريباً.
стр. 10201
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ) ﵁، وفي رواية يحيى القطّان، عن سعيد، عن قتادة التالية: "أن أنساً حدَّثهم"، فصرّح قتادة بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة.
فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله: "حتى يُرَى بياضُ إبطيه"، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، ولأبي داود من حديث أنس أيضاً: "كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه".
وقال النوويّ: هذا الحديث ظاهره يوهم أنه ﷺ لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفعه ﷺ يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من "الصحيحين"، أو أحدهما، وذكرتها في أواخر "باب صفة الصلاة" من "شرح المهذَّب"، فيتؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض أبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره يرفع، وقد رآه غيره، فيُقدَّم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بُدَّ من تأويله؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى (١).
стр. 10202
وقوله: (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) متعلّق بمحذوف، تبيّنه الرواية الأخرى بلفظ: "فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ".
و"يُرَى" بالبناء للمفعول، و"بياض" بالرفع نائب فاعله.
وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) يعني: أن عبد الأعلى قال في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة: "حتى يُرى بياضُ إبطه، أو بياض إبطيه" بالشكّ هل هو بإفراد "إبطه"، أو تثنيته؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٦ و ٢٠٧٧] (٨٩٥)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٣١) و"المناقب" (٣٥٦٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٠)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء" (١٥١٣) و"الكبرى" (١٨١٧ و ١٧٤٨)، و (ابن ماجه) (١١٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨١ و ٢٨٢)، و (الدارمي) في "سننه" (١٥٤٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤١١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
стр. 10203
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ … إلخ) قال النوويّ ﵀: فيه بيان أن قتادة قد سمعه من أنس ﵁، وقد تقدم أن قتادة مُدَلِّسٌ، وأن المدلِّس لا يُحْتَجُّ بعنعنته حتى يَثْبُت سماعه ذلك الحديث، فَبَّيَن مسلم ﵀ ثبوته بالطريق الثاني. انتهى (١).
[تنبيه] رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٢٤٥٦) حدّثنا يحيى، حدّثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنساً حدثهم، قال: "لم يكن رسول الله ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه"، وقال يحيى مرة: "من الدعاء، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرَى بياضُ إبطيه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّقْيَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٨] (٨٩٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ (٢)، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (٣)، مِنْ بَابِ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِماً، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا (٤)، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا
стр. 10204
قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا (١) وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ، مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، فَانْقَلَعَتْ (٢)، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٦ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١٣٥) من رباعيّات
стр. 10205
الكتاب، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في ذلك، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى بن يحيى، وابن أيوب، وابن حُجْر، كما سبق آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بَغْلانيّ، والرابع مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنساً من المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في حديث أنس ﵁، وروى أحمد عن كعب بن مُرّة ما يمكن أن يُفَسَّر به هذا المبهم بأنه كعب المذكور، وللبيهقيّ مرسلاً ما يمكن أن يفسر به بأنه خارجة بن حِصْن الفزاريّ، لكن رواه ابن ماجه عن شُرَحبيل بن السِّمْط أنه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدثنا عن رسول الله ﷺ ، فقال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله استسق الله، فرفع يديه، فقال: "اللَّهم اسقنا … " ففي هذا أنه غير كعب، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أنه أعرابيّ، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: أتى رجل أعرابي من أهل البادية.
ولا يعارض هذا قول ثابت عن أنس: فقام الناس، فصاحوا؛ لاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل، أو نُسِب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه ﷺ .
ولأحمد عن ثابت، عن أنس: إذ قال بعض أهل المسجد، وهو يرجّح الاحتمال الأول، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وَهَمٌ؛ لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول الله؛ لأنه لا يقولها قبل إسلامه. انتهى (١).
стр. 10206
(دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة: "يوم الجمعة" (مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ) قال القاضي عياض ﵀: سُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يبيع فيه ما له بالغابة، فإن عجز ما له استعان ببني عديّ، ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابة، وقَضَى دينه، وكان ثمانية وعشرين ألفاً، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغُلِّط؛ لأنه لَمّا بلغه أنها دار مروان، ظنّ أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما قدمناه. انتهى كلام القاضي ﵀ (١).
قال النوويّ ﵀ بعد نقله كلام القاضي المذكور ما نصّه: قوله: إن دَينه كان ثمانية وعشرين ألفاً غريبٌ، بل غلطٌ، والصحيح المشهور أنه كان ستة وثمانين ألفاً، أو نحوه، هكذا رواه البخاري في "صحيحه"، وكذا رواه غيره من أهل الحديث، والسير، والتواريخ، وغيرهم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعقّبٌ حسنٌ.
وفي رواية البخاريّ: "أن رجلاً دخل يوم الجمعة من بابٍ كان وِجاهَ المنبر"، قال في "الفتح"، قوله: "من باب كان وجاه المنبر" بكسر واو "وِجاه"، ويجوز ضمُّها؛ أي: مُوَاجهةَ، ووقع في شرح ابن التين: أن معناه مستدبر القبلة، وهو وَهَمٌ، وكأنه ظنّ أن الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: "من باب كان نحوَ دار القضاء"، وفَسَّر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دينه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل لها: دار القضاء، ذكره الزبير بن بَكّار بسنده إلى ابن عمر ﵄، وذكر عمر بن شَبّة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ، سمعت بن أبي فُديك، عن عمة: كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله
стр. 10207
وحفصة أن يبيعاها عند وفاته، في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تُسَمَّى دار القضاء، قال ابن أبي فُديك: سمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين، قال: وأخبرني عمي أن الْخَوْخَة الشارعة في دار القضاء غربيّ المسجد هي خوخة أبي بكر الصديق ﵁ التي قال رسول الله ﷺ : "لا يبقى في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخَة أبي بكر"، وقد صارت بعد ذلك إلى مروان، وهوأمير المدينة، فلعلها شُبهة من قال: إنها دار الإمارة، فلا يكون غلطاً، كما قال صاحب "المطالع" وغيره.
وجاء في تسميتها دار القضاء قولٌ آخر، رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ أيضاً، عن عبد العزيز بن عمران، عن راشد بن حفص، عن أم الحكم بنت عبد الله، عن عمتها سهلة بنت عاصم، قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف، وإنما سُمِّيت دار القضاء؛ لأن عبد الرحمن بن عوف اعتَزَل فيها ليالي الشورى حتى قَضَى الأمر فيها، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان، قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين، وبيت المال، ثم صَيَّرها السفاح رَحْبَةً للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت، عن أنس: "إني لقائم عند المنبر"، فأفاد بذلك قوّة ضبطه للقصة؛ لقربه، ومن ثَمّ لم يَرِد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته. انتهى.
وفي رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عن أنس عند البخاريّ: "بينما نحن في المسجد يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب الناس، فقام رجل، فقال: يا رسول الله … ".
(وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (يَخْطُبُ) حال من "قائمٌ"، زاد في رواية قتادة عند البخاريّ في "كتاب الأدب": "بالمدينة" (فَاسْتَقْبَلَ) أي: ذلك الرجل (رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِماً) حال من الفاعل (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في "الفتح": هذا يدلّ على أن السائل كان مسلماً، فانتفى أن يكون أبا سفيان، فإنه حين سؤاله لذلك كان لم يسلم. انتهى. (هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) المراد بهلاكهم عدم وجود ما يَعِيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
стр. 10208
وفي رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس التالية: "فبينا رسول الله ﷺ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة؛ إذ قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال … "، وفي رواية ثابت، عن أنس الآتية: "كان النبيّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس، فصاحوا، فقالوا: يا نبي الله قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر، وهلكت البهائم … ".
ووقع عند البخاريّ في رواية كريمة وأبي ذرّ جميعاً عن الكشميهنيّ بلفظ: "هلكت المواشي"، وهو المراد بالأموال هنا، لا الصامت، ووقع عنده في "كتاب الجمعة" بلفظ: "هلك الكُراع"، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل وغيرها، وعنده من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: "هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس"، وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، قاله في "الفتح".
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) - بضمتين - جمع سبيل؛ أي: الطرق، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بلفظ: "وتقطعت" بمثناة، وتشديد الطاء، فالأول من باب الانفعال، والثانى من باب التفعُّل.
واختلف في معنى انقطاع السُّبُل، فقيل: ضَعُفت الإبلُ؛ لقلة الكلأ أن يسافر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلِّغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق، وقيل: نفاد ما عندهم من الطعام، أو قلته، فلا يجدون ما يَحملونه إلى الأسواق (١).
ووقع في الرواية الآتية: "قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر"، ومعنى "قَحَط" بفتح القاف والطاء، وحُكي بضمٍّ، ثم كسر؛ أي: قَلَّ، أو لم ينزل أصلاً، واحمرار الشجر كناية عن يُبْس ورقها؛ لعدم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشجر أعواداً بغير ورق، ووقع في رواية عند أحمد: "وأمحلت الأرض"، وهذه الألفاظ يَحْتَمِل أن يكون الرجل قال كلّها، وَيحْتَمل أن يكون بعض الرواة رَوَى شيئاً مما قاله بالمعنى؛ لأنها متقاربة، فلا تكون غلطاً، كما قال صاحب "المطالع"، وغيره (٢).
(فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا) بالجزم على أنه جواب الأمر، ووقع في بعض النسخ:
стр. 10209
"يُغيثُنا" بالرفع، وهو الذي وقع في البخاريّ، قال في "الفتح": قوله: "فادع الله يغيثنا"؛ أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرّ: "أن يغيثنا"، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهنيّ: "يغثنا" بالجزم، ويجوز الضم في "يُغيثنا" على أنه من الإغاثة، وبالفتح على أنه من الغَيْث، ويُرجِّح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: "فقال: اللهم أغثنا"، ووقع في رواية قتادة: "فادع الله أن يسقينا"، وله في "الأدب": "فاستسق ربك"، قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون: "اللهم أغثنا"، وجائز أن يكون من الغوث، أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب: غُثنا؛ لأنه من الغوث.
وقال ابن القطاع: غاث الله عباده غَيْثاً وغياثاً: سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث، وأغاث بمعنًى، والرباعي أعلى.
وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غَوْثاً، فأغيث، واستُعمِل أغاثه، ومَن فتح أوله فمن الغيث، وَيحْتَمل أن يكون معنى أغثنا: أعطنا غَوْثاً وغَيْثاً. انتهى.
(قَالَ) أنس ﵁: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) أي: إلى السماء، وزاد في رواية للنسائيّ: "ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون"، وزاد في رواية: "حذاء وجهه"، ولابن خزيمة: "حتى رأيت بياض إبطيه"، وللبخاريّ في "الجمعة": "فمد يديه ودعا"، زاد في رواية في "الأدب": "فنظر إلى السماء" (١).
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ : ("اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا") أي: ثلاث مرّات، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ "أغثنا" بالألف، و"يُغيثنا" بضمّ الياء (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أغثنا" بالهمزة رباعيًّا، هكذا رويناه، ومعناه: هَبْ لنا غَيْثاً، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضهم: صوابه غِثْنا؛ لأنه من غاث، قال: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب. انتهى (٣).
стр. 10210
وقال في "العمدة": "يُغيثنا" بضم الياء في جميع النسخ، و"اللهم أغثنا" بالألف، من باب أغاث يُغيث إغاثةً، من مزيد الثلاثيّ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناسَ والأرضَ يَغِيثهم بفتح الياء، قال القاضي عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة، بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم أغثنا، قال القاضي: وَيحْتَمِل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هب لنا غيثاً، أو ارزقنا غيثاً، كما يقال: سقاه الله، وأسقاه؛ أي: جعل له سُقْيَا على لغة مَن فرّق بينهما.
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "اللهم أغثنا" أي: فرِّج عنا، وأدركنا، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ.
وقال في "المنتهى": يقال: أغاثه الله يُغيثه، والغِياث ما أغاثك الله به، اسم من أغاث، واستغاثني فأغثته.
وقال القزاز: غاثه يَغُوثه غَوْثاً، وأغاثه يُغيثه إغاثةً، فأُمِيت غاث، واستُعْمِل أغاث، ويقول الواقع في بلية: اللهم أغثني؛ أي: فَرِّج عني.
وقال الفراء: الغيث والغوث متقاربان في المعنى والأصل.
وفي "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدِّينوَريّ: وقد غِيثت الأرضُ فهي مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ.
وقال أبو الحسن اللحيانيّ: أرض مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ؛ أي: مَسْقِيّة، ومَغِيرة، ومَغيورة، والاسم الْغِيرَة، والْغَيْث، وقال الفراء: الغيث يَغُورنا، ويَغِيرنا، وقد غارنا الله بخير: أغاثنا. انتهى (١).
(قَالَ أنَسٌ) ﵁: (وَلَا وَاللهِ) قال في "الفتح": كذا للأكثر بالواو، ولأبي ذر بالفاء، وفي رواية ثابت: "وايمُ الله"، والتقدير: ولا نرى والله، فحذف الفعل منه؛ لدلالة المذكور عليه (مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) أي: مجتمع (وَلَا قَزَعَةٍ) بفتح القاف والزاي، بعدها مهملة؛ أي: سحاب متفرق، قال ابن سِيدهْ: القَزَع قِطَعٌ من السحاب رِقَاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف، قاله في "الفتح".
стр. 10211
وقال في "العمدة" نقلاً عن "التلويح": القَزَعة مثالُ شَجَرة: قطعةٌ من السحاب رقيقة، كأنها ظِلّ إذا مرّت من تحت السحاب الكثير، وقال أبو حاتم: القزع السحاب المتفرق، وقال يعقوب عن الباهليّ: يقال: ما على السحاب قَزَعَةٌ؛ أي: شيء من غيم، ذكره في "الموعب"، وفي "تهذيب الأزهريّ": كلُّ شيء متفرقٍ فهو قَزَعٌ، وفي "المحكم": أكثر ما يكون ذلك في الخريف. انتهى (١).
(وَمَا بَيْنَنَا) وفي نسخة: "ولا بيننا" (وَبَيْنَ سَلْعٍ) - بفتح السين المهملة، وسكون اللام -: جبل معروف بالمدينة، وقد حُكِيً أنه بفتح اللام (مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ) أي: يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقوداً، لا مستتراً ببيت ولا غيره، ووقع في رواية للبخاريّ في "علامات النبوة"، عن ثابت قال: قال أنس: وإن السماء لفي مثل الزجاجة؛ أي: لشدّة صفائها، وذلك مشعرٌ بعدم السحاب أيضاً.
(قَالَ) أنس ﵁ (فَطَلَعَتْ) أي: ظهرت (مِنْ وَرَائِهِ) أي: من وراء سلع، وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأن وضع سلع يقتضي ذلك (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) أي: مستديرة، ولم يُرِد أنها مثله في القدر؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة: "فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها"، فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية للبخاريّ: "فهاجت ريح أنشأت سحاباً، ثم اجتمع"، وفي رواية له: "فنشأ السحاب بعضه إلى بعض"، وفي رواية: "حتى ثار السحاب أمثال الجبال"؛ أي: لكثرته، وفيه: "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته"، وهذا يدلّ على أن السقف وَكَفَ؛ لكونه كان من جريد النخل.
(فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) يعني: أنها بلغت إلى وسط السماء، وهي على هيئة مستديرة، ثم انتشرت، وانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر.
(ثُمَّ أَمْطَرَتْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في
стр. 10212
البخاريّ "أمطرت" بالألف، وهو صحيحٌ، وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أنه يقال: مَطَرَت، وأمطرت لغتان في المطر، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: أمطرت بالألف إلا في العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الحجر: ٧٤]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت تُطلَق في الخير والشر، وتُعْرَف بالقرينة، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيراً، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. انتهى.
وقال في "العمدة": يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُر، ومَطَرتهم تَمْطُرهم مَطَراً - أي: من باب طَلَب - وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله بالعذاب خاصّةً، ذكره ابن سِيده، وقال الفراء: قَطَرت السماءُ، وأقطرت، مثلُ مَطَرت السماء، وأمطرت، وفي "الجامع": مَطَرت السماء تَمْطُر مَطْراً، فالْمَطْرُ بالسكون المصدر، وبالحركة الاسم، وفي "الصحاح": مَطَرت السماء، وأمطرها الله، وناس يقولون: مطرت السماء، وأمطرت بمعنى. انتهى (١).
وقال في "المصباح": مَطَرَت السماء تَمْطُرُ مَطَراً، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضاً لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ البقلُ، وأنبت، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح جواز مَطَرت، وأمطرت ثلاثيًّا ورباعيًّا في الرحمة، وأما في العذاب فالأفصح أمطرت بالألف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَلَا وَاللهِ) تقدّم أنه بتقدير "فلا رأينا"، وقوله: (مَا) نافية مؤكّدة و"لا" (رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً) بسين مهملة، ثم باء موحّدة، ثم مثناه فوقيّة؛ أي: قطعة من الزمان وأصل السّبْت: القطعُ، قاله النوويّ ﵀.
وقال في "الفتح": قوله: "ما رأينا الشمس سبتاً" كناية عن استمرار الغيم
стр. 10213
الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمرّ المطر، والشمس بادية، وقد تُحجَب الشمس بغير مطر، وأصرح من ذلك رواية إسحاق بلفظ: "فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى".
قال: وأما قوله: "سَبْتاً" فوقع للأكثر بلفظ السبت؛ يعني: أحد الأيام، والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة، قاله صاحب "النهاية"، قال: ويقال: أراد قطعةً من الزمان.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: قوله: "سبتاً" أي: من السبت إلى السبت؛ أي: جمعةً، وقال المحب الطبريّ مثله، وزاد أن فيه تجوزاً؛ لأن السبت لم يكن مبدأ، ولا الثاني منتهى، وإنما عَبّر أنس بذلك؛ لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سَمُّوا الأسبوع سبتاً؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك.
وحَكَى النووي تبعاً لغيره كثابت في "الدلائل" أن المراد بقوله: "سبتاً" قطعة من الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداوديّ رواه بلفظ: "ستًّا "، وهو تصحيف.
وتُعُقِّب بأن الداودي لم ينفرد بذلك، فقد وقع في رواية الحمويّ والمستملي هنا "ستًّا "، وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت، عن أنس، وكأن من ادَّعَى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله: "ستًّا " مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية: "سبعاً"، وليس بمستبعد؛ لأن من قال: "ستًّا " أراد ستة أيام تامة، ومن قال: "سبعاً" أضاف أيضاً يوماً مُلَفّقاً من الجمعتين.
وقد وقع في رواية مالك، عن شريك: "فمُطِرنا من جمعة إلى جمعة"، وفي رواية للنسفيّ: "فدامت جمعةً"، وفي رواية عبدوس والقابسيّ فيما حكاه عياض: "سبتنا"، كما يقال: "جمعتنا"، ووَهِمَ من عزا هذه الرواية لأبي ذرّ.
وفي رواية قتادة: "فمُطرنا فما كِدْنا نَصِل إلى منازلنا" أي: من كثرة المطر.
وفي رواية للبخاريّ في "الجمعة": "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا"، ولمسلم في رواية ثابت الآتية: "ومكثنا حتى رأيت الرجل الشديد
стр. 10214
تَهُمّه نفسه أن يأتي أهله"، ولابن خزيمة في رواية حميد: "حتى أهم الشابّ القريب الدار الرجوع إلى أهله"، وللبخاريّ في "الأدب" من طريق قتادة: "حتى سألت مَثَاعِب المدينة"، ومَثَاعب جمع مَثْعَب بالمثلثة، وآخره موحَّدة: مَسِيلُ الماء (١).
(قَالَ) أنس ﵁ (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ) ظاهر هذا أن الرجل غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلّت على التعدد، كما قال في السيوطيّ ﵀ في "عقود الْجُمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا
وَأَبْطَلَ السُبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ: ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا الله عنه: قلتُ مجيباً عن استشكال السبكيّ ﵀:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وللأجهوريّ ﵀ في هذا المعنى قوله:
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا … فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَلِ … وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
قُلْتُ وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ حَكَمَا … بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا
إِذْ قَوْلُهُ فَوْقَ الْعَذَاب أَبْطَلَهْ … وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضاً: وَفِي الَأَرْضِ إِلَهْ … لأَنَّ رَبِي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
قال الجامع: وقلتُ أيضاً معقّباً عليه:
قُلْتُ: يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ … تُبْنَى عَلَى الْغَالِب خُذْهُ فَائِدَهْ
أَوْ قُلْ: إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
وقال شريك في آخر هذا الحديث هنا: سألت أنساً أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، قال الحافظ: وهذا يقتضي أنه لم يَجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب؛ لأن أنساً من أهل اللسان، وقد تعددت.
стр. 10215
ووقع عند البخاريّ من رواية إسحاق عن أنس: "فقام ذلك الرجل أو غيره"، وكذا لقتادة، وهذا يقتضي أنه كان يشكّ فيه.
ووقع في رواية يحيى بن سعيد: "فأتى الرجل، فقال: يا رسول الله"، ومثله لأبي عوانة، من طريق حفص بن عُبيد الله، عن أنس، بلفظ: "فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى"، وأصله في مسلم.
وهذا يقتضي الجزم بكونه واحداً، فلعل أنساً تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره، ويؤيد ذلك رواية البيهقيّ في "الدلائل" من طريق يزيد بن أبي عبيد السَّلَميّ، قال: لَمّا قَفَل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فَزَارة بضعة عشر رجلاً، وفيهم خارجة بن حَصْن أخو عيينة، قَدِمُوا على إبل عِجَاف، فقالوا: يا رسول الله، ادعُ لنا ربك أن يغيثنا … فذكر الحديث، وفيه: فقال: "اللهم اسْقِ بلدك وبهيمتك، وانشر بركتك، اللهم اسقنا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً طَبَقاً واسعاً عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضارّ، اللهم سُقْيَا رحمة، لا سُقْيا عذاب، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء"، وفيه: قال: فلا والله ما نَرَى في السماء من قَزَعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسَلْع من بناء، فذكر نحو حديث أنس بتمامه، وفيه: قال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم -: هلكت الأموال … الحديث (١).
قال في "الفتح": والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور؛ لكونه كان كبير الوفد، ولذلك سُمّي من بينهم، والله أعلم، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور، والوقت الذي وقع فيه. انتهى (٢).
(وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً) حال من الفاعل (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) أي: بسببٍ غيرِ السبب الأول، والمراد أن كثرة الماء انقطع المرعَى بسببها، فهَلكت المواشي من عدم الرعي، أو لعدم ما يُكِنّها من المطر، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عند النسائيّ: "وهَلَكت الأموال من كثرة الماء".
стр. 10216
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) أي: لتعذر سلوك الطرق، من كثرة الماء، وفي رواية حميد، عند ابن خزيمة: "واحتَبَسَ الركبان"، وفي رواية مالك، عن شريك: "تهدّمت البيوت"، وفي رواية إسحاق عند البخاريّ: "هُدِم البناءُ، وغَرِقَ المال".
(فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) يجوز في "يُمْسكها" الضم والسكون، وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "أن يمسكها"، والضمير يعود على الأمطار، أو على السحاب، أو على السماء، والعرب تُطلق على المطر سماء، ووقع في رواية سعيد، عن شريك: "أن يمسك عنّا الماء"، وفي رواية أحمد، من طريق ثابت: "أن يرفعها عنّا"، وفي رواية قتادة عند البخاريّ: "فادع ربك أن يحبسها عنا، فضحك"، وفي رواية ثابت: "فتبسم"، زاد في رواية حميد: "لسرعة ملال ابن آدم".
(قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) تقدّم البحث في رفع اليدين في الدعاء مستوفًى قريباً، فلا تغفُل.
(ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا) منوب على الظرفيّة، لفعل محذوف؛ أي: أنزل حولنا، وفي بعض النسخ: "حوالينا"، وهما صحيحان، قال النوويّ ﵀: "وحوالينا" بفتح اللام، وفيه حذف تقديره: اجعل، أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
وقوله: (وَلَا عَلَيْنَا) فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا"؛ لأنها تشمل الطرُق التي حولهم، فأراد إخراجها بقوله: "ولا علينا"، قال الطيبيّ ﵀: في إدخال الواو هنا معنى لطيفٌ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقياً للآكام، وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصوداً لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مُخْلَصَة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تَجُوع الحرّةُ، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصوداً لعينه، ولكن لكونه مانعاً عن الرضاع بأجرة؛ إذ كانوا يَكرهون ذلك أَنَفاً. انتهى.
(اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَام) فيه بيان للمراد بقوله: "حولنا"، والإكام بكسر الهمزة، وقد تُفْتَح، وتُمَدَّ: جمع أَكَمَة بفتحات، قال ابن الْبَرْقيّ: هو التراب
стр. 10217
المجتمع، وقال الداوديّ: هي أكبر من الْكُدية، وقال القَزّاز: هي التي من حَجَر واحد، وهو قول الخليل، وقال الخطابيّ: هي الْهَضَبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبيّ: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل: دونها. (وَالظِّرَابِ) بكسر الظاء المعجمة، وآخره موحَّدة: جمع ظَرِب بكسر الراء، وقد تسكَّن، وقال القزاز: هو الجبل المنبسط، ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرابية الصغيرة (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) المراد بها ما يتحصل فيه الماء؛ ليُنْتَفَع به، قالوا: ولم تسمع أفعلة جمع فاعل، إلا الأودية جمع واد، وفيه نظر، وزاد مالك في روايته: "ورؤوس الجبال" (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ") أراد بالشجر الْمَرْعَى، ومنابته التي تُنْبِت الزرع والكلأ (١).
(فَانْقَلَعَتْ) هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ المعتمدة، كما قال النوويّ ﵀ بلفظ: "فانقطعت"، وهما بمعنًى؛ أي: انقطعت السماء، أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة.
(وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ) وفي رواية مالك: "فانجابت عن المدينة انجياب الثوب"؛ أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد، عن شريك: "فما هو إلا أن تكلم رسول الله ﷺ بذلك، تَمَزّق السحاب حتى ما نرى منه شيئاً"، والمراد بقوله: "ما نَرَى منه شيئاً"؛ أي: في المدينة.
وفي رواية إسحاق بن عبد الله الآتية للمصنّف: "قال: فما يُشير بيده إلى ناحية إلا تفرّجت حتى رأيت المدينة في مثل الْجَوْبة، وسال وادي قناة شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية إلا أخبر بجَوْد".
وفي رواية حفص بن عبيد الله الآتية: "فرأيت السحاب يتمزق، كأنه الْمُلاءُ حين تُطْوَى"، والملا بضم الميم والقصر، وقد يُمَدّ: جمع ملاءة، وهو ثوب معروف.
وفي رواية قتادة عند البخاريّ: "فلقد رأيت السحاب يتقطع يميناً وشمالاً يمطرون"؛ أي: أهل النواحي، ولا يمطر أهل المدينة، وفي رواية للبخاريّ أيضاً: "فجعل السحاب يتصدع عن المدينة"، وزاد فيه: "يريهم الله كرامة
стр. 10218
نبيّه ﷺ ، وإجابة دعوته"، وله في رواية ثابت، عن أنس: "فتكشطت" - أي تكشفت - فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لمثل الإكليل.
ولأحمد من هذا الوجه: "فتقوّر ما فوق رؤوسنا من السحاب، حتى كأنا في إكليل"، والإكليل بكسر الهمزة، وسكون الكاف، كل شيء دار من جوانبه، واشتَهَرَ لما يوضع على الرأس، فيحيط به، وهو من ملابس الملوك، كالتاج.
(قَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِر الراوي عن أنس ﵁ (فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم أنه هوأم غيره، مال الحافظ ﵀ في "كتاب المناقب" إلى ترجيح أن الرجل الذي قام أوّلاً هو الذي قام ثانياً، وأن أنساً جزم به تارةً، وشكّ فيه أخرى، ومال أيضاً إلى أن الرجل هو خارجة بن حصن الفزاريّ (١)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٧٨ و ٢٠٧٩ و ٢٠٨٠ و ٢٠٨١ و ٢٠٨٢] (٨٩٧)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٢ و ٩٣٣) و"الاستسقاء" (١٠١٣ و ١٠١٤ و ١٠١٦ و ١٠١٧ و ١٠١٨ و ١٠١٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٤ و ١١٧٥)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء" (٣/ ١٥٤ و ١٥٩ و ١٦٠ و ١٦١)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٤ و ٢٧١)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٢٣ و ١٧٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٩ و ٢٤٩٠ و ٢٤٩١ و ٢٤٩٢ و ٢٤٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٧ و ٢٠١٨ و ٢٠١٩ و ٢٠٢٠ و ٢٠٢١)، والله تعالى أعلم.
стр. 10219
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان استحباب استسقاء الإمام إذا طلب الناس ذلك منه.
٢ - (ومنها): طلب الناس من الإمام أن يستسقي لهم إذا حصل الجدب والقحط.
٣ - (ومنها): جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
٤ - (ومنها): القيام في الخطبة، وأنها لا تنقطع بالكلام، ولا تنقطع بالمطر.
٥ - (ومنها): قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس ﵁: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله ﷺ … ".
٦ - (ومنها): طلب الدعاء من أهل الخير، ومَن يُرْجَى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بَثّ الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقّة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة عنده.
٧ - (ومنها): تكرير الدعاء ثلاثاً.
٨ - (ومنها): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال القبلة.
٩ - (ومنها): الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلّ على أنه نواها مع الجمعة، قال النوويّ ﵀: فيه جواز الاستسقاء منفرداً عن تلك الصلاة المخصوصة، واغترت به الحنفية، وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء، والصلاة بدعةً، وليس كما قالوا، بل هو سنةٌ؛ للأحاديث الصحيحة السابقة،
стр. 10220
وقد قدمنا في أول الباب أن الاستسقاء أنواعٌ، فلا يلزم من ذكر نوع إبطال نوع ثابت، والله أعلم. انتهى (١).
١٠ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة في إجابة الله دعاء نبيه ﷺ عقبه، أو معه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرّد الإشارة.
وقال النوويّ ﵀: في الحديث الإخبارُ عن معجزة رسول الله ﷺ ، وعظيم كرامته على ربه بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلاً بسؤاله، من غير تقدُّم سحاب، ولا قَزَع، ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا باطن، وهذا معنى قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار"؛ أي: نحن مشاهدون له وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلاً. انتهى.
١١ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ أيضاً في إجابة دعائه متصلاً به حتى خرجوا في الشمس.
١٢ - (ومنها): بيان أدبه ﷺ في الدعاء، فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت، والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة، بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور.
١٣ - (ومنها): بيان أدب الدعاء عند كثرة المطر، فلا يدعو برفع المطر مطلقاً؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، بل يدعو برفع الضرر، وإبقاء النفع.
١٤ - (ومنها): أنه يُستنبَط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يَعْرِض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض، وإبقاء النعمة.
١٥ - (ومنها): أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل.
١٦ - (ومنها): جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجباً، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك، وفيه اليمين لتأكيد الكلام.
١٧ - (ومنها): جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، ولكن هذا لا ينافي ما ثبت من الصلاة لها، فلا يكون دليلاً لأبي حنيفة في عدم مشروعية
стр. 10221
الصلاة لها، كما سبق البحث في هذا مستوفًى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ (٢)، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ حجةٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) أي: قحطٌ.
وقوله: (هَلَكَ الْمَالُ) قال القرطبيّ ﵀: المراد المواشي، وأصل المال
стр. 10222
كلُّ ما يُتموَّل، وعُرْفه عند العرب الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: المال معروفٌ، ويُذكّر ويؤنّث، وهو المال، وهي المال، قال: والمال عند أهل البادية النَّعَم. انتهى (٢)، وهذا الإطلاق الأخير هو المراد هنا في الحديث، كما سبق بيانه.
وقوله: (وَجَاعَ الْعِيَالُ) بالكسر: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ (٣).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بمَعْنَاهُ) فاعل "ساق" ضمير إسحاق بن عبد الله؛ أي: ساق معنى حديث أنس ﵁ الماضي، ولم يسق لفظه.
وقوله: (فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ) وفي نسخة: "إلا انفرجت"؛ أي: تقطّع السحاب عنها، وزال.
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ) بفتح الجيم، وإسكان الواو، بعدها باءٌ موحّدة، وهي الْحُفْرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفُرجة في السحاب، قال النوويّ ﵀: معناه: تقطّع السحاب عن المدينة، وصار مستديراً حولها، وهي خاليةٌ منه. انتهى.
وقال الخطابيّ: المراد بالجوبة هنا التُّرْس، وضبطها الزين ابن الْمُنَيِّر تبعاً لغيره بنون بدل الموحَّدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خِلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صَحَّف. انتهى.
وقوله: (وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زُرُوعٌ لهم، فأضافه هنا إلى نفسه، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي قَنَاةُ"، وهذا صحيح على البدل، والأوّل صحيح، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يُقدّر فيه محذوفٌ، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي وادي قناة"، قاله النوويّ ﵀ (٤).
وقال في "الفتح": و"قَنَاةُ" بفتح القاف والنون الخفيفة: عَلَمٌ على أرض ذات مزارع، بناحية أُحُد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، قاله الحازميّ،
стр. 10223
وذكر محمد بن الحسن المخزوميّ في "أخبار المدينة" بإسناد له أن أوّل من سماه وادي قناة تُبَّعٌ اليمانيّ لَمّا قَدِم يَثْرِب قبل الإسلام، وفي رواية له: أن تُبَّعاً بَعَثَ رائداً ينظر إلى مزارع المدينة، فقال: نظرت، فإذا قَنَاةُ حَبّ ولا تِبْنَ، والْجُرُفُ حبّ وتبنٌ، والحرار -يعني: جمع حَرّة بمهملتين - لا حبّ ولا تبن. انتهى.
ووقع عند البخاريّ في "الجمعة" بلفظ: "وسال الوادي قناة"، وأُعرِب بالضم على البدل، على أن "قَناة" اسم الوادي، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، قال الحافظ ﵀: وقرأت بخط الرضيّ الشاطبيّ، قال: الفقهاءُ تقوله بالنصب والتنوين، يتوهمونه قَنَاةً من القَنَوَات، وليس كذلك. انتهى. وهذا الذي ذكره قد جَزَم به بعض الشُّرّاح، وقال: هو على التشبيه؛ أي: سال مثل القناة. انتهى (١).
وقوله: (وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ) بفتح الجيم، وإسكان الواو: هو المطر الغزير، وهذا يدلّ على أن المطر استمرّ فيما سوى المدينة، فقد يُشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: "هلكت الأموال، وانقطعت السبل" لم يرتفع الهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمرّ حول المدينة من الإكام، والظراب، وبطون الأودية، لا في الطرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثيرٌ، ولو كانت تُجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تُكِنّها، وتَرْعَى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال، قاله في "الفتح" (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس ﵁ هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال:
(٩٣٣) حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
стр. 10224
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبيّ ﷺ ، فبينا النبيّ ﷺ يخطب في يوم جمعة، قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها، حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابيّ، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله تَهَدّم البناء، وغَرِق المالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب، إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الْجَوْبة، وسال الوادي قناةُ شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية، إلا حَدَّث بالْجَوْد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثَّقَفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
стр. 10225
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ثَابِثٌ الْبُنَانِيُّ) هو ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، عن (٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا) هذا لا يعارض ما تقدّم من أن السائل رجل، أوأعرابيّ؛ لاحتمال أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، أو نُسب إليهم؛ لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه، وقد تقدّم تحقيق هذا.
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "فقام إليه الناس … إلخ لا، وفي سائر الروايات عن أنس: "أن رجلاً"، و"جاء أعرابيّ"، فقيل: يَحْتَمل أن الرجل ابتدأ بالكلام، فشايعه الناس، فمرّة ذكر المبتدئ بالكلام، ومرّةً أخبر عن الجماعة، وقيل: يَحْتَمل أنه أراد بالناس الرجل الأعرابي المذكور، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، إنما قاله واحد، وهذا فيه بعد؛ لما جاء بعده. انتهى بتصرّف (١).
وقوله: (قَحَطَ الْمَطَرُ) بفتح القاف، والحاء المهملة، ويجوز كسرها؛ أي: أمسك (٢)، وقال الفيّوميّ ﵀: قَحَطَ المطرُ قَحْطاً، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى الفرّاءُ: قَحِطَ قَحَطاً، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطت الأرض، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مقاحيط، وأقحط الله الأرض بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطةٌ، وأقحط القومُ: أصابهم القحطُ، بالبناء للفاعل، والمفعول. انتهى (٣).
وقوله: (وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ) يعني: تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة، من اليبس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشجر، قاله في "العمدة" (٤).
وقوله: (وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ) ويُرْوَى "المواشي"، وهي الدوابّ والأنعام.