← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

وأما أبو الطاهر، فوقف عند قوله: "فافزعوا للصلاة"، ولم يذكر ما بعده. فمال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ" (١)، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ٢٢٦. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو) عبد الرَّحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضلٌ إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَغَيْرُهُ) قال صاحب التنبيه: لا أعرفه (٢). وقوله: (فَبَعَثَ مُنَادِيًا) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه، ولعلّه بلال (٣).

стр. 10292

وقوله: (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ") وفي نسخة: بـ "الصلاة جامعة"؛ أي: ينادي بذلك، أو يقول ذلك. وفي رواية النسائيّ: "فأمر مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة"، و"الصلاةَ" منصوب على الإغراء، ونصب "جامعةً" على الحال. قال بعضهم: يجوز في "الصلاة جامعة" نصبهما على أن الأول مفعول لمحذوف، والثاني منصوب على الحال؛ أي: احضروا الصلاة حال كونها جامعة، ورفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ورفع الأول على أنه مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: الصلاةُ حاضرةٌ، ونصب الثاني على الحال، ونصب الأول؛ لما تقدّم، ورفع الثاني على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هي جامعة. وإسناد الجمع إليها مجاز عقليّ، من قبيل الإسناد إلى السبب. وقوله: (فَاجْتَمَعُو ا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: أربع ركوعات، من تسمية الجزء باسم الكلّ. وقوله: (فِي رَكعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه ركع ركوعين، وسجد سجدتين في كلّ واحدة من الركعتين. قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: هذا أصحّ ما في هذا الباب، وباقي الروايات المخالفة معلّلة ضعيفة. انتهى. [تنبيه]: هذه الرواية أخرجها البخاريّ في "صحيحه" مطوّلة، فقال: (١٠٦٦) - حدّثنا محمد بن مِهْران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نَمِر، سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: جهر النبيّ ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبّر فركع، وإذا رفع من الركعة، قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وقال الأوزاعيّ وغيره: سمعت الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث مناديًا بـ "الصلاة جامعة"، فتقدم، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وأخبرني عبد الرَّحمن بن نَمِر سمع ابن شهاب مثله، قال الزهريّ: فقلت: ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير ما صلى إلَّا ركعتين مثل الصبح؛ إذ صلى بالمدينة، قال أجل: إنه أخطأ السنة، تابعه

стр. 10293

سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى. والحديث دليلٌ على مشروعيّة النداء بـ "الصلاة جامعة" عند الكسوف، قال النوويّ ﵀: فيه دليل للشافعيّ، ومن وافقه أنه يستحب أن ينادى لصلاة الكسوف: "الصلاة جامعة"، وأجمعوا أنه لا يؤذّن لها، ولا يقام. انتهى. وفيه أيضًا مشروعيّة الاجتماع لصلاة الكسوف، وصلاتها جماعةً، وبيان كيفيّة صلاتها بأنها ركعتان، في كلّ ركعة ركوعان، وسجدتان، وهذه أرجح الكيفيّات، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَاب، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ نَمِرٍ) - بفتح النون، وكسر الميم - اليحصبيّ، أبو عمرو الدمشقئ، ثقةٌ، لَمْ يرو عنه غير الوليد بن مسلم [٨]. رَوَى عن الزهريّ، ومكحول الشاميّ، وروى عنه الوليد بن مسلم. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن نَمِر الذي يروي عن الزهريّ ضعيفٌ، وقال دُحَيم: صحيح الحديث عن الزهريّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به باسٌ، كان كاتبًا، حضر مع ابن هشام والزهريُّ يُملي عليهم، وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، وسليمان بن كثير، وسفيان بن حسين أحبَّ إلي منه، لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم، وذكره ابن حبان في "الثّقات"، وقال: من ثقات أهل الشام، ومتقنيهم، وقال ابن عديّ: في حديثه عن الزهريّ، عن

стр. 10294

عروة، عن مروان، عن بسرة، أن النبيّ ﷺ أمر بالوضوء في مسّ الذكر، والمرأة مثل ذلك، قال: وهذه الزيادة التي ذُكرت في متنه: "والمرأة مثل ذلك" لا يرويها عن الزهريّ غير ابن نَمِر هذا، وقال يحيى بن معين: هو ضعيف في الزهريّ، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما روى عن الزهري، ولا في متونه إلَّا ما ذكرتُ من قوله: "والمرأة مثل ذلك"، وهو في جملة مَن يُكتب حديثه من الضعفاء، وابن نَمِر هذا له عن الزهريّ غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة. انتهى. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حديثه عن الزهريّ مستوٍ، وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث، وقال ابن الْبَرْقيّ: ثقةٌ، وقال الذُّهْليّ: عبد الرَّحمن بن نَمِر، وعبد الرَّحمن بن خالد ثقتان، ولا تكاد تجد لابن نَمِر حديثًا عن الزهريّ إلَّا ودَوَّن الحديث مثله، يقول: سألت الزهريّ عن كذا، فحدّثني عن فلان وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه، ولا أعلم رَوَى عنه غير الوليد، وكذا قال دُحَيم: لَمْ يرو عنه غير الوليد. قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن عبد الرَّحمن بن نَمِر هذا ثقةٌ، وإنما ضعّفه ابن معين في حديث واحد، كما بيّنه ابن عديّ في كلامه السابق، وقد وثّقه الأكثرون، ولا سيّما الإمام الذهليّ، فإن له تخصّصًا بأحاديث الزهريّ، ومعرفة الرواة عنه، فقد أثنى عليه، كما سمعته آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، ولم يخرج له الشيخان سوى هذا الحديث الواحد في الكسوف، وهو متابعة. وقال في "الفتح": عبد الرَّحمن بن نَمِر دِمشقيّ، وثقه دُحيم، والذُّهْليّ، وابن الْبَرْقيّ، وآخرون، وضعفه ابن معين؛ لأنه لَمْ يرو عنه غير الوليد، وليس له في "الصحيحين" غير هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيّ، وغيره. انتهى (١). والباقون ذُكروا قبله.

стр. 10295

وقوله: (جَهَرَ فِي صَلا الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) فيه دليلٌ على استحباب الجهر في صلاة الخسوف، وفيه خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهب الصحيح. قال في "الفتح": استُدِلّ به على الجهر في صلاة الخسوف بالنهار، وحمله جماعة ممن لَمْ يَرَ بذلك على كسوف القمر، وليس بجيّد؛ لأن الإسماعيليّ رَوَى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد، بلفظ: "كَسَفَت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ "، فذكر الحديث، وكذا رواية الأوزاعي التي بعده صريحة في الشمس. انتهى. وقال أيضًا: واستَدَلّ بعضهم على ضعف رواية عبد الرَّحمن بن نَمِر في الجهر بأن الأوزاعيّ لَمْ يذكر في روايته الجهر، وهذا ضعيفٌ؛ لأن من ذكر حجةٌ على من لَمْ يذكر، لا سيما والذي لَمْ يذكره لَمْ يتعرض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعيّ عند أبي داود، والحاكم، من طريق الوليد بن مَزْيَد عنه، ووافقه سليمان بن كثير وغيره، كما ترى. انتهى (١). وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في الجهر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس: فقال طائفة: يجهر بالقراءة فيها، فممن رَوينا عنه أنه جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس علي بن أبي طالب، وفعل ذلك عبد الله بن يزيد، وبحضرته البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. وقالت طائفة: لا يجهر في كسوف الشمس بالقراءة، هذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واحتجّ مالك، والشافعيّ بحديث ابن عباس ﵄، حيث قال: "قرأ نحوأ من سورة البقرة"؛ إذ لو كان النبيّ ﷺ جهر بالقراءة لأخبر ابن عباس بالذي قرأه، ولا يحتاج أن يقدّر بنحو سورة البقرة. واحتجّ من رأى الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف بأن الذي احتجَّ به مالك، والشافعيّ حجة لو لَمْ يأت غيره، وعائشة تخبر أنه جهر بالقراءة، فقبول خبرها أولى؛ لأنَّها في معنى شاهد، فقبول شهادتها يجب، والذي لَمْ يحك

стр. 10296

الجهر في معنى نافٍ، وليس بشاهد، وقد يجوز أن يكون ابن عباس من الصفوف بحيث لَمْ يسمع قراءة النبيّ ﷺ ، فقدّر ذلك بغيره، وتكون عائشة سمعت الجهر، فأدّت ما سمعت. وقال إسحاق: لو لَمْ يأت في ذلك سنة لكان الجهرُ أشبه الأمر، تشبيهًا بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهارًا، قال: وأما كسوف القمر فقد أجمعوا على الجهر في صلاته؛ لأن قراءة الليل على الجهر. قال ابن المنذر ﵀: بهذا أقول، يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس والقمر. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرّف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر ﵀ من مشروعية الجهر بالقراءة هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وليس للقائلين بعدم الجهر دليل صريح صحيح، فحديث ابن عباس ﵄ عرفت تأويله آنفًا، وحديث سمرة الذي أخرجه النسائيّ: "أن النبيّ ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس، لا نسمع له صوتًا"، غير صحيح؛ لأن الراوي عن سمرة ﵁ ثعلبة بن عِبَاد لَمْ يرو عنه غير الأسود بن قيس، فهو مجهول، وعلى تقدير صحته فهو مثل حديث ابن عباس ﵄، وذلك أن يُحمَل على أنه نَفَى عدمَ سماعه لقراة النبيّ ﷺ ؛ لبُعده، ولا يلزم من ذلك عدم جهره، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الإمام البخاريّ ﵀، في "صحيحه" بعد إيراد رواية عبد الرَّحمن بن نَمِر، عن الزهريّ ما نصّه: تابعه سفيان حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى. قال في "الفتح": قوله: "تابعه سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، عن الزهري في الجهر"؛ يعني: بإسناده المذكور، ورواية سليمان وصلها أحمد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث عنه، بلفظ: "خَسَفَت الشمسُ على عهد النبي ﵀، فأتى النبيّ ﵀، فكبّر، ثم كبر الناس، ثم قرأ، فجهر بالقراءة … " الحديث، ورويناه في مسند أبي داود الطيالسيّ، عن سليمان بن كثير، بهذا الإسناد مختصرًا: أن "النبيّ ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف".

стр. 10297

وأما رواية سفيان بن حسين، فوصلها الترمذيّ، والطحاويّ، بلفظ: "صَلّى صلاة الكسوف، وجهر بالقراءة فيها". وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهريّ عُقَيل، عند الطحاويُّ، وإسحاقُ بن راشد، عند الدارقطنيّ، وهذه طرقٌ يَعْضِد بعضها بعضًا يفيد مجموعها الجزم بذلك، فلا معنى لتعليل مَن أعلّه بتضعيف سفيان بن حسين وغيره، فلو لَمْ يَرِد في ذلك إلَّا رواية الأوزاعيّ لكانت كافيةً. وقد ورد الجهر فيها عن عليّ مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه ابن خزيمة، وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر ﵀، وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربيّ من المالكية، وقال الطبريّ: يُخَيَّر بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يُسِرّ في الشمس، ويجهر في القمر، واحتجّ الشافعي بقول ابن عباس: "قرأ نحوأ من سورة البقرة"؛ لأنه لو جهر لَمْ يحتج إلى تقدير. وتُعُقِّب باحتمال أن يكون بعيدًا منه، لكن ذكر الشافعيّ تعليقًا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبيّ ﷺ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقيّ من ثلاثة طُرُق أسانيدها واهية، وعلى تقدير صحتها، فمثبت الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذيّ: "لَمْ يسمع له صوتًا"، وأنه إن ثبت لا يدلُّ على نفي الجهر. قال ابن العربيّ: الجهر عندي أولى؛ لأنَّها صلاة جامعة يُنادَى لها، ويُخطَب، فاشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّن بما ساقه الحافظ ﵀ من الأدلّة كون المذهب الأرجح مذهبَ من قال باستحباب الجهر في قراء صلاة الخسوف؛ لقوّة أدلته، وكون الأحاديث المرويّة بخلافه ضعيفة، أو محتملة للتأويل، كما أسلفت وجهه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10298

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٤] (٩٠٢) - (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشمي، أبو تَمَّام، المدنيّ، ابن عمّ المصطفى ﷺ أمه أم ولد. رَوَى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والحجاج بن عمرو بن غزيّة. ورَوى عنه الأعرج، والزهريّ، وأبو الأَصبغ السُّلَمي مولى بني سُليم، قال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ممن وُلد على عهد النبيّ ﷺ . وقال مصعب الزبيريّ: كان فقيهًا فاضلًا، لا عَقِب له، وقال ابن حبّان في "الثقات": كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان. وُيروى أن معاوية سأل رجلًا عن أعبد الناس بالمدينة؟ فقال: كثير بن العبّاس، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال: لَمْ يبلغنا أنه روى عن النبيِّ ﷺ شيئًا، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا، ثقةٌ، قليل الحديث. وروى ابن منده، وابن قانع في "معجم الصحابة" حديثًا يدلّ على صحبته، لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد اختُلف عليه فيه، وقال البغويّ: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: كان النبيّ ﷺ يَصُفّ عبد الله، وعُبيد الله، وكثيرًا بَني العباس، ويقول: "مَن سبق فله كذا … " الحديث، قال الحافظ: وهو مرسل جيّد الإسناد، وقد رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" عن جرير مثله، وقال الدارقطنيّ في كتاب"الاخوة": روى عن النبيِّ ﷺ مراسيل. روى له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم حديث الباب، وعند المصنّف، والنسائي حديث العباس في غزوة حنين.

стр. 10299

٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدَّم في الباب الماضي. وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ … إلخ) عطف على ما قبله بعاطف مقدَّر، فهو موصول بالإسناد الأول، وليس معلّقًا. [فائدة]: حذف حرف العطف جائز، ولكن بابه الشعر؛ كقوله: إِنَّ امْرَأً رَهْطُهُ بِالشَّامِ مَنْزِلُهُ … بِرَمْلِ يَبْرِينَ جَارًا شَدَّ مَا اغْتَرَبَا وحكى أبو زيد: "أكلتُ خبزًا، لحمًا، تمرًا"، قيل: بحذف الواو، وحكى أبو الحسن الأخفش: "أعطه درهمًا، درهمين، ثلاثة"، بحذف "أو"، وخرّج على ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ [الغاشية: ٨] عطفٌ على ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ [الغاشية: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فيمن فتح الهمزة، فهو عطف على ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]؛ أي: و ﴿قُلْتَ﴾، وإلى هذا أشار شيخنا المناسيّ ﵀: وَبَابُهُ الشِّعْرُ وَقِيلَ نَادِرُ … وَقَالَ فِي "التَّسْهِيلِ" نَثْرًا يَظْهَرُ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ فِي الآيَاتِ … أَتَتْكَ فِي "الْمُغْنِي" مُرَتَّبًا (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٩٤ و ٢٠٩٥] (٩٠٢)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٨١)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (٣/ ١٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٧)، و"أبو نعيم" في "مستخرجه" (٢٠٣٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10300

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٥] … (-) وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ كسَفَتِ الشَّمْسُ، بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَليدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدِّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م كد) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانِيِّ الْحِمْصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ الزُّبَيْدِيُّ) أبو الْهُذيل الْحِمْصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن الوليد، عن الزهريّ هذه، لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ، حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ (١)، أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ، وَقَدْ

стр. 10301

تَجَلَّتِ الشَّمْسَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ"، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَاِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ (١) لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيُتُمْ كُسُوفًا، فَاذْكُرُوا اللهَ، حَتَّى يَنْجَلِيَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، من كبار التابعين، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٣. و"عائشة" في ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريجٍ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وعائشة ﵂ سبق الكلام فيها قريبًا.

стр. 10302

شرح الحديث: عن عطاء بن أبي رباح ﵀ أنه قال: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بتصغير الاسمين (يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ) "من" في محلّ رفع على الفاعليّة، والعائد محذوفٌ؛ أي: قال عبيد بن عُمير: حدّثني الشخص الذي أصدّقه؛ لكونه ثقةً. [فإن قلت]: هذا يكون من قبيل التعديل على الإبهام، والراجح أنه لا يُقبل، فكيف احتجَّ به المصنّف ﵀؟. [قلت]: لا يضرّ هذا الإبهام هنا؛ لأن الرواية التالية أزالت الإبهام، حيث صرَّح فيها عُبيد بن عُمير بأنها عائشة ﵂، فتفطّن، والله تعالى أعلم. (حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ) وفي نسخة: "حدّثني من أصدّق حديثه، يريد عائشة"؛ يعني أن عطا" قال: فظننت أن عبيد بن عُمير يريد بالمبهم في قوله: "من أُصدِّق" عائشةَ. (أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ) وفي رواية النسائيّ: "كَسَفَت الشمس" (عَلَى عَهْدِ رَسُولي اللهِ ﷺ ) أي: في وقته، فـ "على" بمعنى "في"، وقد تقدّم أن ذلك في السنة العاشرة من الهجرة (فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا) وفي رواية النسائيّ: "فقام بالناس قيامًا شديدًا"، وقوله: (يَقُومُ قَائِمًا) بيان للقيام الشديد، وهذا من قبيل إحضار هيئة القيام في الحال، فلذلك أتى بصيغة المضارع، وكذا ما بعده، قاله السنديّ ﵀. (ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أراد بالركعات هنا الركوع، وهذه إحدى الكيفيّات لصلاة الكسوف، يركع في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وتقدّم ترجيح رواية ركوعين في كلّ ركعة؛ لأنَّها رواية جمهور الحفّاظ، فلا تغفل. زاد في رواية النسائيّ: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجال الماء لتُصث عليهم بما قام بهم". (فَانْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: "فلم ينصرف حتى تجلّت الشمس". (وَكَانَ اِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللهُ كبَرُ"، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ") أي: مع "ربنا ولك الحمد"؛ لما سبق أنه ﷺ جمع بينهما، فتنبّه.

стр. 10303

(فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأدنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ) من باب ضرب، وفي نسخة: "لا ينكسفان" (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) تقدّم أن هذا قاله ﷺ ردًّا لما زعمه بعض الناس من أن الشمس انكسفت لموت ابنه إبراهيم ﷺ (وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: علامتان عظيمتان دالّتان على عظيم قدرة الله (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا) وفي رواية النسائيّ: "فإذا كُسِفَا" (فَاذْكُرُوا اللهَ) وفي رواية النسائيّ: "فافزعوا إلى ذكر الله - عَزَّوَجَلَّ - "، وفي رواية أبي داود: "فافزعوا إلى الصلاة"، وهي أخصّ (حَتَّى يَنْجَلِيَا") أي: ينكشفا، ويزول ما بهما من الكسوف. والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله في حديث عائشة المذكور أول الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِي) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.

стр. 10304

٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) أي: صلَّى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وقد تقدّم أن الجمهور على ترجيح رواية: صلّى ركعتين في كلّ ركعة ركوعان؛ لكثرة رواتها الحفاظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٨] (٩٠٣) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْني ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَائِذًا بِاللهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ (٢) فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَرْكَبِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ (٣)، ثمَّ رَفَعَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْس، فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، كَفِتنَةِ

стр. 10305

الدَّجَّالِ"، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) البصريّ، مدنيّ الأصل، تقدَّم قبل بابين. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبت [٥١] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّ، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤١٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من أوله إلى آخره، وشيخه، وإن كان بصريًّا، إلَّا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّ (أَن يَهُودِيَّةً) أي: امرأة يهوديّة (أَتَتْ عَائِشَةَ) ﵂ (تَسْأَلُهَا) أي: شيئًا من الصدقة (فَقَالَتْ) لَمَّا أعطتها ما سألتها؛ مكافأة على إحسانها (أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وفي هذا دليل على أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر، إما سمعت ذلك من التوراة، أو في كتاب من كتبهم، قاله في "العمدة" (١).

стр. 10306

ولا يعارض هذا ما سبق في باب الدعاء بعد التشهد من طريق منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﵂: "قالت: دخل عليّ عجوزتان من عجائز اليهود، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم … "؛ لأنه يُحمل على أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحْمَل على المتكلمة. قال الحافظ ﵀: ولم أقف على اسم واحدة منهما. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أيُعذّب الناس … إلخ؟ (قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَائِذًا بِاللهِ) قال ابن السيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل، كقولهم: عُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكّدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا، ولم يُذكر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه، ورُوي: "عائذٌ بالله" بالرفع؛ أي: أنا عائذ بالله. [فإن قلت]: هذا الحديث، ومثله ما تقدّم أيضًا من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليّ امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما تُفتن يهودُ" يدلّ على أنه ﷺ أنكر على اليهوديّة. وحديث عائشة ﵂ من رواية مسروق، عنها، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: "نعم عذاب القبر حقٌّ"، رواه البخاريّ، يدلّ على تصديقه لها، فكيف يوفَّق بينهما؟. [قلت]: أجاب النوويّ تبعًا للطحاويّ وغيره بأنهما قصّتان، فأنكر النبيّ ﷺ قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أوحي إليه ﷺ بذلك، ولم يُعلم عائشة بذلك، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندةً إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى. وقال الكرمانيّ ﵀: يَحْتَمِل أنه عيهم كان يتعوذ سرًّا، فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. انتهى.

стр. 10307

وكأنه لَمْ يقف على رواية الزهريّ، عن عروة التي ذكرناها، ففيها بعد إنكاره ﷺ على اليهودية، وقولِهِ: "إنما تُفتن يهود، أنه لبِث ليالي، ثم قال لعائشة: "هل شَعَرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور"، وفي حديث الباب أيضًا بعد قوله ﷺ : "عائذًا بالله من ذلك"، فقال في آخره: "إني رأيتكم تفتنون في القبور"، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر. وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة ﵂ أن يهوديةً كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلَّا قالت لها اليهودية: وقال الله عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مَكَث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي باعلى صوته: "أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حقّ". وفي هذا كله أنه ﷺ إنما عَلِم بعذاب القبر بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدَّم تاريخ صلاة الكسوف قريبًا. قال في "الفتح" ما حاصله: قد استُشكِل هذا -يعني كونه ﷺ إنما عَلِم به في آخر حياته - مع قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، فإنها مكيّة، وهي نزلت في عذاب القبر، كما أخرجه الشيخان من حديث البراء ﵁، وكذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حقّ من لَمْ يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الثانية في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم أُعْلِم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به، وحَذَّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه؛ تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى. انتهى (١)، وهو تحقيق نفيسٌ.

стр. 10308

(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ كَدَاةٍ مَرْكَبًا) يَحْتَمِل أن يكون مصدرًا ميميّا؛ أي: رُكوبًا، وَيحْتَمِل كونه بمعنى اسم المفعول؛ أي: مركوبًا، وَيحْتَمِل أن يكون منصوبأ على الظرفيّة، بل هذا هو الذي يدلّ عليه السياق؛ أي: مكان رُكوب؛ يعني؛ أنه ركب إلى محلّ أراد فيه قضاء حاجة (فَخَسَفَتِ) من باب ضرب (الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَخَرَجْتُ فِي نِسْوةٍ) أي: معهنّ (بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ) وفي نسخة: "بين ظهراني الحجر"، وهو بفتح الظاء المعجمة، والنون على التثنية، و"الْحُجَر" بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجْرة بسكون الجيم، قيل: المراد بين ظهر الحجر، والنون والياء زائدتان، وقيل: بل الكلمة كلّها زائدة، والمراد بالْحُجَر بيوت أزواج النبيّ" (١). وقولها: (فِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أن "في" بمعنى "وإلى"، في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، ومتعلّقة بـ "خرجنا" (فَأتى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَرْكَبِهِ) أي: محلّ ركوبه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ) أي: محلّ وقوفه في حال الصلاة (الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ) فيه أن السنّة في صلاة الكسوف أن تصلّى في المسجد بخلاف الاستسقاء، فإنها في الصحراء، كما سبق في بابه (فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ) وفي نسخة: "دون الركوع الأول" (ثُمَّ رَفَعَ) أي: رأسه، زاد في رواية النسائيّ: "ثم سجد، ثم قام الثانية، فصنع مثل ذلك، إلَّا أن ركوعه، وقيامه دون الركعة الأولى، ثم سجد، وتجلّت الشمس" (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) وفي رواية النسائيّ: "فلما انصرف قعد على المنبر، فقال فيما يقول: إن الناس يُفتنون في قبورهم" (كفِتْنَةِ الدَّجَّالِ") أي: فتنة شديدة جدًّا، وامتحانًا هائلًا، مثل فتنته، ولكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

стр. 10309

وقد فُسّرت الفتنة في القبور بما سيأتي في حديث أسماء ﵂ قالت: "فيؤتى أحدكم، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو محمد، هو رسول الله، جاءنا بالبينات والهدي، فأجبنا وأطعنا، ثلاث مرار، فيقال له: نَمْ، قد كنا نعلم إنك لَتُؤمِن به، فَنَمْ صالحًا، وأما المنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". (قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ) الوقت الذي وقعت فيه حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أي: لأنه أُوحي إليه بأن الناس يفتنون في قبورهم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان سائر مسائله في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ع) وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت الثقفيّ، أبو محمد البصرفي، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة الإمام الحجة الشهير الكوفيّ، ثم المكيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: إن كلًّا من عبد الوهّاب،

стр. 10310

وسفيان بن عيينة رويا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بإسناده السابق، وبمثل معنى حديث سليمان بن بلال عنه. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، وسفيان عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٨٩) فقال: (٢٠٣٥) حدّثنا حبيب، ثنا يوسف، ثنا ابن أبي بكر، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسي، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، قالا: سمعت يحيى بن سعيد يقول (ح) وثنا عبد الله بن محمد بن أحمد، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، أن يهودية أتت عائشة تستطعم، قالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فقلت: يا رسول الله؛ أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال: "عائذًا بالله"، ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركبًا، فخَسَفَت الشمس، قالت: فخرجت في نسوة بين ظهراني الْحُجَر في المسجد، فأتى رسول الله ﷺ من مركبه، فقعد في مصلاه الذي كان يصلي فيه، فقام الناس وراءه، فقام قيامًا طويلًا، ثم ركع فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه، فقام قيامًا طويلًا، قالت: ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه، وسجد سجودًا طويلًا، ثم رفع رأسه، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فركع ركوعًا طويلًا، وهو دون ذلك الركوع، ثم رفع، وسجد، فانحلت الشمس، ثم قام، فقال: "إني رأيتكم تفتنون في القبور، كفتنة الدجال"، قال (١): فكنت أسمع رسول الله ﷺ يتعوذ في صلاته من عذاب النار، ومن عذاب القبر. قال: لفظ عبد الوهاب، وحديث حماد بن زيد مختصر. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10311

(٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٠] (٩٠٤) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ (١)، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ (٢) كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ، أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ: فِي النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) تقدّم قبل باب.

стр. 10312

٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابىّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضرب؛ أي: اسودّت بالنهار، وذهب ضوؤها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ) من باب نصر، وضَرَب؛ أي: يسقطون على الأرض؛ لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة ﵂: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجَال الماء لَتُصبّ عليهم مما قام بهم" (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ ﵀: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء (١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين:

стр. 10313

[أحدهما]: أنَّها شاذّة، مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يُعمل بها. [والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلًا، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع. انتهى (١). قال الحافظ ﵀ بعد نقل كلام النوويّ هذا ما نصّه: وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أيضًا، ففيه: "ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد"، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه، والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح. قال: ولم أقف في شيء من الطرُق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلَّا في هذا (٢)، وقد نقل الغزاليّ الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الزواية. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه الرواية مشروعيّة إطالة الجلوس بين السجدتين؛ لأنَّها زيادة ثقةٌ يجب قبولها، كما يشير إليه كلام الحافظ ﵀، فتنبّه. (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) لَمْ يذكر في الرواية تطويل السجدتين، لكن ثبت في حديث أسماء ﵂ عند البخاريّ، وأحمد بلفظ: "فسجد، فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد، فأطال السجود"، وفي رواية سمرة بن جندب ﵄ عند أبي داود، ولفظه: "ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قطإ، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الآتي للمصنّف، بلفظ: "ثم جُلي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قط، ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه". (ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ) وفي نسخة: "من ذلك" (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي:

стр. 10314

ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ : ("إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "قد عُرِضَ عليّ" وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ) مرفوع على أنه النائب عن الفاعل (تُولَجُونَهُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: تُخلونه من جنّة، ونار، وقبر، ومحشرٍ، وغيرها، ثم فصّل بعض ما أجمله في قوله: "كلُّ شيء تُولجونه" بقوله: (فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ) قال القاضي عياض: قال العلماء: يَحْتَمِلُ أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فُرِج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﷺ : "في عُرْض هذا الحائط"؛ أي: في جهته وناحيته، أو في التمثيل لقرب المشاهدة، قالوا: وَيحْتَمِل أن يكون رؤيةَ علم وعرض وحي باظلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا ما لَمْ يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علمًا بأمرهما، وخشية وتحذيرًا ودوام ذكر، ولهذا قال ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا"، قال القاضي: والتأويل الأول أولي، وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالّة على رؤية العين، كتناوله ﷺ العنقود، وتأخُّره مخافةَ أن يصيبه لَفْحُ النار. انتهى كلام القاضي ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. (حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ) معنى تناولت: مددت يدي لأخذه، والْقِطْف - بكسر القاف - العنقود، وهو فِعْل بمعنى مفعول، كالذِّبْح بمعنى المذبوح، وفيه أن الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم، وأن في الجَنَّة ثمارًا، قال النوويّ ﵀: وهذا كله مذهب أصحابنا، وسائر أهل السنة، خلافًا للمعتزلة. انتهى. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ) أي: لَمْ تصل إليه (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، تُعَذبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا) أي: بسبب هرّة (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإطعام؛ أي: لَمْ تعطها طعامًا يدفع عنها جوعها (وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأْكُلُ) جملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ خُشَاشِ الْأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وهي هوامُّها، وحشراتها، وقيل: صِغَار الطير، وحَكَى القاضي فتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح هو المشهور، قال القاضي: في هذا الحديث

стр. 10315

المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنَّها عُذِّبت عليها بالنار، قال: ويَحْتَمِل أنَّها كانت كافرةً، فزيد في عذابها بذلك. انتهى. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا ليس بصواب، جل الصواب المصرَّح به في الحديث، أنَّها عُذِّبت بسبب الهرّة، وهو كبيرةٌ؛ لأنَّها ربطتها، وأصرّت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرةً، كما هو مقرَّر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعقّبٌ وجيهٌ. وقوله أيضًا: "وليس فيه - أي: الحديث - أنَّها عُذّبت عليها بالنار" فيه نظر لا يخفي، كيف، والحديث صريح في ذلك، حيث قال ﷺ : "وعُرِضت على النار، فرأيت فيها امرأةُ من بني إسرائيل تُعذّب في هرّة"؛ أي: تعذّب في النار، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ) هكذا هو في هذه الرواية، وتقدّم في حديث عائشة رمنها أنه عمرو بن لُحَيّ (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ القاف، وإسكان الصاد؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ) تقدّم في حديث عائشة ﵂ سبب تعذيبه بذلك؛ لأنه أول من سيّب السوائب، وجاء في رواية عند ابن إسحاق في "السيرة": لأنه أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصل الوصيلة، وحَمَى الحامي" (١). (وَإِنَّهُمْ) أي: الناس (كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا) أي: الشمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا) بالبناء للفاعل، من باب ضرب، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ") أفرد الضمير باعتبار الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 10316

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٠ و ٢١٠١ و ٢١٠٢] (٩٥٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٩)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (٣/ ١٣٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٤ و ٣٨٢)، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٣٨٠ و ١٣٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٤٣ و ٢٨٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٧٢ و ٣٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٣٩ و ٢٠٤٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٢٤)، وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، وإدثه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَبَّاحِ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) الْمِسْمعيّ، أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) ويقال: قبلها (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. وقوله: (عَنْ هِشَام) هو الدستوائيّ. وقوله: (حِمْيَرِيَّةً) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، وفتح الياء التحتانيّة -: نسبة إلى حِمْيَر، وهو من أصول القبائل باليمن، قاله في "اللباب" (١). وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ) الفاعل ضمير عبد الملك بن الصبّاح. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن هشام الدستوائيّ هذه لَمْ أجد

стр. 10317

من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا (١) رَكْعًة، إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ (٢)، ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ، فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ (٣)، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ،

стр. 10318

كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانِيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ح) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله ﵄ أنه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: كان يوم كسوف الشمس هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وأمه مارية القبطيّة، وُلد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتُوفّي سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا على الأشهر (١). (فَقَالَ النَّاسُ) أي: بعض الناس، وهم الذين كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد في الجاهلية، فبقي معهم حتى بيّن لهم النبيّ ﷺ كونه باطلًا (إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) يعني: ابنه ﷺ ، قال في "الفتح": وقد ذكر جمهور أهل السير

стр. 10319

أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنَّها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان إذ ذاك بمكة في الحجِّ، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصحّ، وجزم النوويّ بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية، ورجع منها في آخر الشهر. وفيه ردّ على أهل الهيئة؛ لأنهم يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فَرَضَ الشافعيّ وقوع العيد والكسوف معًا، واعترضه بعض من اعتمد على قول أهل الهيئة، وانتدَبَ أصحاب الشافعيّ لدفع قول المعترض فأصابوا. انتهى (١). (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه ﷺ صلى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وهذا كما سبق يُرجح عليه رواية من قال: صلى بركوعين؛ لما سبق، وقوله: (بَدَأَ فَكَبَّرَ) بيان لكيفيّة صلاته تلك (ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ) أي: ركوعًا طويلًا قريبًا من قيامه، ولم يثبت في الروايات بيان ما قاله من الأذكار في حال الركوع في تلك الصلاة، ولكنهم اتّفقوا على أنه لا قراءة فيها؛ لورود النهي عن ذلك، وإنما المشروع التسبيح والذكر (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءةِ الْأُولَى) أي: قرأ في القيام الثاني قراءة أقلّ من القراءة في القيام الأول، واتّفقوا على أنه يقرأ في القيام الأول الفاتحة وغيرها، واختلفوا في قراءة الفاتحة في القيام الثاني، فذهب مالك، والشافعيِّ، وأحمد إلى أنَّها لا تصحّ الصلاة إلَّا بقراءتها أيضًا؛ لأنَّها تُطلب قبل كلّ ركوع، وقال محمد بن مسلمة: لا يُعيد الفاتحة في القيام الثاني؛ لأنَّها ركعة واحدة، ولا تُقرأ الفاتحة فيها مرَّتين. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن مسلمة هو الظاهر؛

стр. 10320

لأن صلاة الكسوف، وإن تعدّدت ركوعاتها، هي ركعتان، ومعلوم أن الفاتحة تقرأ في كلّ وكعة مرّة واحدة، لا مرّتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ) لَمْ يذكر في هذه الرواية تطويل الرفع من الركوع الذي يعقبه السجود، لكن تقدّم في رواية جابر الماضية بلفظ: "ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد"، وادّعى النوويّ أنَّها شاذّة، وقد سبق أن الحقّ أنَّها زيادة صحيحة يجب قبولها (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) تقدّم أنه قد ثبت إطالة السجود في حديث أسماء، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمرو ﵃، فتنبّه. (ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ) أي: ركوعات (لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ) أي: ركوع (إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ) هذا في النسخ بنصب "نحوًا"، ووجهه أن يكون خبرًا لـ "كان" محذوفةً؛ أي: وكان ركوعه نحوًا من سجوده، وأشار في هامش بنسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في بعض النسخ: "نحوٌ" بالرفع، وهو واضح. (ثُمَّ تَأَخَّرَ) ﷺ عن مكانه الذي يصلي فيه (وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ): هو ابن أبي شيبة شيخه الأول (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ) أي: صفّ النساء (ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ) أي: في مكانه الذي كان يصلّي فيه قبل التأخّر. قال النوويّ ﵀: فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطلها، ويتاولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة، لا متوالية، ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين؛ لأن قوله: "انتهينا إلى النساء" يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال. انتهى (١). (فَانْصَرَفَ) أي: فرغ من الصلاة، وسلّم منها (حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ

стр. 10321

الشَّمْسُ) بهمزة ممدودة، قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، وكذا أشار إليه القاضي عياض، قالوا: ومعناه: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من آض يئيض إذا رجع، ومنه قولهم: "أيضًا"، وهو مصدر منه. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: آض يَئيض أيضًا، مثلُ باع يبيع بيعًا: إذا رجع، فقولهم: افعل ذلك أيضًا معناه افعله عَوْدًا إلى ما تقدّم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: واختلف النحويّون في "آض" هل هي من أخوات "كان"، فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ؟ على قولين، وهذا الحديث يدلّ على أنَّها مما تعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ، غير أنه حُذف هنا، وقد يُحذف جرف الجرّ، فينتصب ما يُحذف منه حرف الجرّ، كما قال: وَآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاوِيَا وقد رُوي هذا الحرف هنا: "أضاءت الشمس"؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد. انتهى (٢). وقد ذكر الخضريّ ﵀ في "حاشيته" (٣) أفعالًا مثل "صار" في العمل والمعني، ومنها "آض"، فقال: وقد جاء مثل "صار" في العمل والمعنى ما جمعته بقولي [من الوافر]: بِمَعْنَى "صَارَ" فِي الأَفْعَالِ عَشْرٌ … تَحَوَّلَ آضَ عَادَ ارْجِعْ لِتَغْنَمْ وَرَاحَ غَدَا اسْتَحَالَ ارْتَدَّ فَاقْعُدْ … وَحَارَ فَهَاكَهَا وَاللهُ أَعَلَمْ (فَقَالَ) ﷺ : ("يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول ("لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي: من انكساف الشمس والقمر (فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ) "ما" نافية، و"من" زائدة، و"شيء" اسم "ما" الحجازيةّ، أو مبتدأ إن كانت تميميّةً، وقوله: (تُوعَدُونَهُ) صفة

стр. 10322

لـ "شيء"، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) خبر "ما"، أو خبر المبتدأ على الوجهين (في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي) بنصب "مخافة" على أنه مفعول من أجله، وهو مصدر ميميّ لـ "خاف"؛ أي لأجل خوف (مِنْ لَفْحِهَا) بفتح اللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة؛ أي: من ضرب لهبها، ومن قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]؛ أي: يضرب وجوههم لهبها، قالوا: النفح دون اللفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]؛ أي: أدنى شيء منه، قاله الهرويّ وغيره (١). (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم: هي خشبة في طرفها اعوجاجٌ، مثل الصَّوْلَجان، قال ابن دُريد: كلّ عُود معطوف الرأس فهو مِحْجَنٌ، والجمع الْمَحَاجن (٢). (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ، فسكون؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ) أي: أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و"أل" للجنس، وفي رواية للنسائيّ: "سارق الحجيج" (بِمِحْجَنِهِ) وفي لفظ للنسائيّ: "وحتى رأيت فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متّكئًا على محجنه في النار يقول: أنا سارق الْمِحْجَن". (فَإِنْ فُطِنَ) بالبناء للمفعول، قال في "القاموس": الْفِطْنة بالكسر: الْحِذْق، فَطِنَ به، وإليه، وله؛ كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُمَ فَطْنًا مثلَّثةً، وبالتحريك، وبضمّتين، وفُطُونةً، وفَطَانَةً، وفطانيةً مفتوحتين، فهو فاطنٌ، وفَطِينٌ، وفَطُونٌ، وفَطِنٌ، وفَطُنٌ؛ كنَدُسٍ، وفَطْنٌ؛ كعَدْل، جمعه فُطْنٌ بالضمّ، وهي فَطِنةٌ، وفاطنةٌ. انتهى (٣). والمعنى: فإن انتُبهَ (لَهُ) لما فعله من السرقة بمحجنه (قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنى) أي: لست قاصدًا أخذه خُفيةً، وإنما مررت به فتعلّق بالمحجن. وفي رواية للنسائيّ: "فان فُطِن له قال: هذا من عَمَل الْمِحْجَن". وقال في "اللسان": وصاحب الْمِحْجَن في الجاهليّة رجلٌ كان معه مِحْجَنٌ، وكان يقعُد في جادّة الطريق، فيأخذ بمِحجنه الشيء بعد الشيء من

стр. 10323

أثاث الْمَارَّة، فإن عُثِر عليه اعتلّ بأنه تعلّق بمِحجنه. انتهى (١). (وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضًا (ذَهَبَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أخذ ذلك المتاع، وذهب به إلى رحله. (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ) تقدّم أنَّها امرأة من بني إسرائيل، وفي رواية من حِمْير (الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأَكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)، مثلّث الخاء؛ أي: من هوامّها، وحشراتها (حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند النسائيّ: "فلا هي أطعمتها، ولا هي سقتها، حتى ماتت، فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت، وإذا ولّت تنهش أَلْيتها". وفي الحديث دليلٌ على المعاقبة بتعذيب الحيوان، وإهلاكه بغير حقّ؛ لأن هذه المرأة عُذّبت بسبب ربط هذه الهرّة حتى ماتت، وقد أخرج النسائيّ عن عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه، قال: "من قتل عصفورًا في فوقها بغير حقّها، سأل الله عنها يوم القيامة"، قيل: يا رسول الله في حقها؟ قال: "حقُّها أن تذبحها، فتأكلها، ولا تقطع رأسها، فيرمى بها" (٢). (ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظَهَر (لِي أَنْ لَا أفعَلَ) وقوله: (فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِتي هَذِهِ") تأكيد لما قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٣] (٩٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ

стр. 10324

رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا اِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؛ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِيَامَ جدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُّ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ، إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ، قَدْ كنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ (١)، فَنَمْ صَالِحًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور في السند الماضي. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب. ٤ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة الراوي عنها، ثقةٌ [٣] (ح) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١. ٥ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي الصدّيق ﵄، زوج الزبير بن الْعَوّام ﵁، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ح) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 10325

٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن صحابيّة، هي جدّتهما. شرح الحديث: (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير، وهي زوج هشام الراوي عنها، وبنت عمة (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﵄ (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أنه من باب ضرب، وأنه يقال للشمس والقمر على الصحيح (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: في وقته (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (وَهِيَ تُصَلِّي) جملة حاليّة من "عائشة" (فَقُلْتُ) أي: لمّا رأت من اضطرابهم (مَا شَأْنُ النَّاسِ) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء حال الناس؟ (يُصَلُّونَ) جملة حاليّة من "الناس"؛ أي: حال كونهم مصلين صلاة الخسوف (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة ﵂ (بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ) تعني بذلك إلى أن الشمس خسفت، وأن ذلك هو سبب اضطرابهم (فَقُلْتُ: آيَةٌ؟) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أهذه آيةٌ؛ أي: علامة لعذاب الناس، كأنها مقدّمة له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أو علامة لقرب زمان القيامة، وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص، مسخَّرة لقدرة الله تعالى، ليس لها سلطة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها. [فإن قلت]: ما تقول فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يُرَى حينئدٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نور له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر، عند كون النَيِّرَين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، هل جاز القول به أم لا؟. [قلت]: المقدمات كلُّها ممنوعة، ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله

стр. 10326

تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلَّا الله تعالى، قاله في "العمدة" (١). (قَالَتْ: نَعَمْ) المراد أنَّها أشارت بـ "نعم"، ففي رواية البخاريّ: "قلت: آية؟ فأشارت برأسها؛ أي: نعم"، فدلّ على أنَّها ما تكلّمت بلسانها، وإنما أشارت برأسها، فلا يقال: كيف تكلّمت، وهي في الصلاة؟ (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي) - بفتح التاء المثناة، والجيم، وتشديد اللام - وأصله تجلَّلني؛ أي: علاني، وغطّاني، قال في "العباب": تجلّله أي: علاه، وهو مثل: تقضّى البازي، أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذلك استثقلوا ثلاث لامات، فأبدلوا من إحداهن ياء (٢). (الْغَشْيُ) بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، ورُوي أيضًا بكسر الشين، وتشديد الياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وهو مرض يحصل بطول القيام في الحرّ، وفي غير ذلك من الأحوال، ولهذا جعلت تصبّ عليها الماء، قاله النوويّ ﵀ (٣). وقال ابن بطّال: الْغَشي: مرضٌ يَعرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنه دونه، وإنما صبّت أسماء الماء على رأسها مدافعةً له، ولو كان شديدًا لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع. انتهى. وكونها كانت تتولّى صبّ الماء عليها يدلُّ على أن حواسّها كانت مُدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، قاله في "الفتح" (٤). وقال في "العمدة": "الغشي" بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره ياء آخرُ الحروف مخففة، مِن غَشِيَ عليه غَشْيَةً وغَشْيًا

стр. 10327

وغَشَيَانًا، فهو مَغْشِيّ عليه، واستغشى بثوبه، وتغشى؛ أي: تغطى به، وقال القاضي: رَوَيناه في مسلم وغيره بكسر الشين، وتشديد الياء، وبإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وذلك لطول القيام، وكثرة الحرّ ولذلك قالت: (فجَعَلتُ أَصُبُّ على رأسي، أو على وجهي من الماء". قال الكرمانيّ: "الغَشِيّ" بكسر الشين، وتشديد الياء: مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحز وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطب بأنه تَعَطُّل القُوَى المحركة والحساسة؛ لضعف القلب، واجتماع الروح كله إليه. [فإن قلت]: إذا تعطلت القُوَى فكيف صبت الماء؟. [قلت]: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازًا، أو كان الصبّ بعد الإفاقة منه. قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة، قال القاضي: ليس بشيء، وفي "المطالع": الغَشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء، كذا قيّده الأصيليّ، ورواه بعضهم الغَشْي، وهما بمعنى واحد، يريد الغِشَاوة، وهو الغطاء، ورويناه عن الفقيه ابن محمد، عن الطبريّ "العَشي" بعين مهملة، وليس بشيء. انتهى (١). (فَأَخَذْتُ قِرْبَة) بكسر القاف، وإسكان الراء، جمعها قِرَبٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، وهي إناء من جلد، يكون للبن، وللماء (مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ،) قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه لَمْ تكثر أفعالها متوالية؛ لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة. انتهى (٢). (قَالَتْ) أسماء ﵂ (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: سلّم من صلاته (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة حاليّة من الفاعل (فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد ما تقدّم من الحمد والثناء (مَا) نافية، وتقدَّم أنَّها إما حجازيّة، أو تميميّة (مِنْ) زائدة (شَيْءٍ) وقوله: (لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لـ "شيء"، وهو مرفوع في الأصل، وإن كان جر بـ "من" الزائدة، واسم "يكن" ضمير مستتر فيه، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ)

стр. 10328

جملة في محل النصب على أنَّها خبر "لَمْ أكن"، والاستثناء هنا مفرَّغ، وقالت النحاة: كلّ استثناء مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل "إلَّا" مفرع للعمل فيما بعدها؛ إذ الاستثناء من كلام غير تامّ، فيُلْغَى فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعني، نحو ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيد، فالفعل الواقع هاهنا قبل "إِلَّا" مفرغّ لما بعدها، و"إلَّا" هنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو "هل"، وغيره، ولا يجوز هذا إلَّا في المنفيّ، فافهم (١). وقوله: (فِي مَقَامِي) بفتح الميم، والجارّ يتعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كوني كائنًا في مكاني، وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ "مقامي" (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، أما الرفع فعلى أن تكون "حتى" ابتدائيّةً، و"الجَنَّة" مرفوعًا على الابتداء، وحذف خبره؛ أي: حتى الجنّة مرئيّة، و"النار" عطف عليه، كما في قوله: "أكلت السمكة حتى رأسُها" برفع الرأس؛ أي: رأسُها مأكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه، وأما النصب فعلى أن تكون "حتى" عاطفةً عَطَفت "الجَنَّة" على الضمير المنصوب في "رأيته"، وأما الجر فعلى أن تكون "حتى" جارةً، أو عاطفة على المجرور السابق، وهو "شيء"، وإن لزم عليه زيادة "مِنْ" مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يُغْتَفر في التابع ما لا يُغتَفر في المتبوع، ولأن المقدَّر ليس كالملفوظ به. [فإن قلت]: مفادُ الإغياء أنه ﷺ لم ير الجَنَّة والنار قبل هذا الوقت، مع أنه رآهما ليلة المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان بلا شكّ. [قلت]: أجيب بأن المراد هنا رؤيتهما في الأرض، بدليل قوله: "في مقامي هذا"، أو باختلاف الرؤية، أفاده الزرقانيّ ﵀ (٢). (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشان (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه مفعولًا به، وهو النائب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُون وتُخْتَبرون (فِي الْقُبُورِ) قال الباجيّ ﵀: يقال: إنه أُعلم بذلك في ذلك الوقت، قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة،

стр. 10329

وإنما معناه إظهار العمل، وإعلامٌ بالمآل والعاقبة، كاختبار الحساب؛ لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت. انتهى. (قَرِيبًا، أَوْ) للشكّ من الراوية، وهي فاطمة، شكّت هل قالت أسماء: "قريبًا من فتنة المسيح الدجّال"، أو قالت: (مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) ولذلك قالت: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) بحذف الضمير المنصوب؛ أي: قالته؛ تعني: أنَّها لا تعلم أيَّ الجملتين المذكورتين قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄. قال في "العمدة": "أيّ" يجوز أن تكون استفهاميةً، وموصولةً، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون أيّ مبنيةً على الضم، مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون أيّ منصوبةً بأنها مفعول "لا أدري"، ويجوز أن يكون انتصابها بـ "قالت"، سواء كانت "أيّ" موصولةً، أو استفهاميةً، ويجوز أن تكون مِن شَرِيطة التفسير، بأن يشتغل "قالت" بضميره المحذوف. انتهى (١). وعند النسائيّ والإسماعيليّ، عن أسماء: "قام خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يُفتن فيها المرء"، فلما ذَكَر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّةً، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: بارك الله فيك ماذا قال في آخر كلامه، قال: قال: "قد أوحيّ إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال". وللبخاريّ من طريق فاطمة، عن أسماء أيضًا: "أنه لَغَط نسوة من الأنصار، وإنها ذهبت لِتُسَكِّتهنّ"، فاستفهمت عائشة عما قال. قال الحافظ ﵀: يجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنها لَمَّا حدثت فاطمة لَمْ تبيّن لها الاستفهام الثاني، قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن. انتهى (٢). (فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ) هذا بيان لقوله: "تفتنون"؛ أي: يؤتى في قبره ملكان:

стр. 10330

منكر ونكير (فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"علمك" خبره، والجملة مقول القول، والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله: "تفتنون في قبركم"، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله. قال في "العمدة": قيل: قد يُتَوَهَّم أن فيه التفاتًا؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح الحماسة في قوله: أَحْمِى أَبَاكُنّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيَح إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. ثم أجاب بأن الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتًا، إلَّا على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضِها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنَى بطريق من الطرق الثلاثة، بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب، والغيبة، أما الشِّعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطابَ ليلي، وأما الآية فقد قال الزمخشريّ: خَصّ النبي ﷺ بالنداء، وعمّ بالخطاب؛ لأن النبيّ ﷺ إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهارًا لتقدمه، واعتبارًا لترؤسه، وأنه مِدْرَهُ قومه (١) ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. انتهى (٢). (بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: بمحمد ﷺ ، وإنما لَمْ يقل: بي؛ لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور، والقائل هما الملكان السائلان المسمّيان بمنكر ونكير. وإنما يقول له الملكان السائلان: "ما علمك بهذا الرجل"؟، ولا يقولان:
следующие страницы →