تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلَّا الله تعالى، قاله في "العمدة" (١).
(قَالَتْ: نَعَمْ) المراد أنَّها أشارت بـ "نعم"، ففي رواية البخاريّ: "قلت: آية؟
فأشارت برأسها؛ أي: نعم"، فدلّ على أنَّها ما تكلّمت بلسانها، وإنما أشارت برأسها، فلا يقال: كيف تكلّمت، وهي في الصلاة؟ (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي) - بفتح التاء المثناة، والجيم، وتشديد اللام - وأصله تجلَّلني؛ أي: علاني، وغطّاني، قال في "العباب": تجلّله أي: علاه، وهو مثل: تقضّى البازي، أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذلك استثقلوا ثلاث لامات، فأبدلوا من إحداهن ياء (٢).
(الْغَشْيُ) بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، ورُوي أيضًا بكسر الشين، وتشديد الياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وهو مرض يحصل بطول القيام في الحرّ، وفي غير ذلك من الأحوال، ولهذا جعلت تصبّ عليها الماء، قاله النوويّ ﵀ (٣).
وقال ابن بطّال: الْغَشي: مرضٌ يَعرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنه دونه، وإنما صبّت أسماء الماء على رأسها مدافعةً له، ولو كان شديدًا لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع. انتهى. وكونها كانت تتولّى صبّ الماء عليها يدلُّ على أن حواسّها كانت مُدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، قاله في "الفتح" (٤).
وقال في "العمدة": "الغشي" بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره ياء آخرُ الحروف مخففة، مِن غَشِيَ عليه غَشْيَةً وغَشْيًا
стр. 10327
وغَشَيَانًا، فهو مَغْشِيّ عليه، واستغشى بثوبه، وتغشى؛ أي: تغطى به، وقال القاضي: رَوَيناه في مسلم وغيره بكسر الشين، وتشديد الياء، وبإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وذلك لطول القيام، وكثرة الحرّ ولذلك قالت: (فجَعَلتُ أَصُبُّ على رأسي، أو على وجهي من الماء".
قال الكرمانيّ: "الغَشِيّ" بكسر الشين، وتشديد الياء: مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحز وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطب بأنه تَعَطُّل القُوَى المحركة والحساسة؛ لضعف القلب، واجتماع الروح كله إليه.
[فإن قلت]: إذا تعطلت القُوَى فكيف صبت الماء؟.
[قلت]: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازًا، أو كان الصبّ بعد الإفاقة منه.
قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة، قال القاضي: ليس بشيء، وفي "المطالع": الغَشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء، كذا قيّده الأصيليّ، ورواه بعضهم الغَشْي، وهما بمعنى واحد، يريد الغِشَاوة، وهو الغطاء، ورويناه عن الفقيه ابن محمد، عن الطبريّ "العَشي" بعين مهملة، وليس بشيء. انتهى (١).
(فَأَخَذْتُ قِرْبَة) بكسر القاف، وإسكان الراء، جمعها قِرَبٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، وهي إناء من جلد، يكون للبن، وللماء (مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ،) قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه لَمْ تكثر أفعالها متوالية؛ لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة. انتهى (٢).
(قَالَتْ) أسماء ﵂ (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: سلّم من صلاته (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة حاليّة من الفاعل (فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد ما تقدّم من الحمد والثناء (مَا) نافية، وتقدَّم أنَّها إما حجازيّة، أو تميميّة (مِنْ) زائدة (شَيْءٍ) وقوله: (لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لـ "شيء"، وهو مرفوع في الأصل، وإن كان جر بـ "من" الزائدة، واسم "يكن" ضمير مستتر فيه، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ)
стр. 10328
جملة في محل النصب على أنَّها خبر "لَمْ أكن"، والاستثناء هنا مفرَّغ، وقالت النحاة: كلّ استثناء مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل "إلَّا" مفرع للعمل فيما بعدها؛ إذ الاستثناء من كلام غير تامّ، فيُلْغَى فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعني، نحو ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيد، فالفعل الواقع هاهنا قبل "إِلَّا" مفرغّ لما بعدها، و"إلَّا" هنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو "هل"، وغيره، ولا يجوز هذا إلَّا في المنفيّ، فافهم (١).
وقوله: (فِي مَقَامِي) بفتح الميم، والجارّ يتعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كوني كائنًا في مكاني، وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ "مقامي" (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، أما الرفع فعلى أن تكون "حتى" ابتدائيّةً، و"الجَنَّة" مرفوعًا على الابتداء، وحذف خبره؛ أي: حتى الجنّة مرئيّة، و"النار" عطف عليه، كما في قوله: "أكلت السمكة حتى رأسُها" برفع الرأس؛ أي: رأسُها مأكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه، وأما النصب فعلى أن تكون "حتى" عاطفةً عَطَفت "الجَنَّة" على الضمير المنصوب في "رأيته"، وأما الجر فعلى أن تكون "حتى" جارةً، أو عاطفة على المجرور السابق، وهو "شيء"، وإن لزم عليه زيادة "مِنْ" مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يُغْتَفر في التابع ما لا يُغتَفر في المتبوع، ولأن المقدَّر ليس كالملفوظ به.
[فإن قلت]: مفادُ الإغياء أنه ﷺ لم ير الجَنَّة والنار قبل هذا الوقت، مع أنه رآهما ليلة المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان بلا شكّ.
[قلت]: أجيب بأن المراد هنا رؤيتهما في الأرض، بدليل قوله: "في مقامي هذا"، أو باختلاف الرؤية، أفاده الزرقانيّ ﵀ (٢).
(وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشان (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه مفعولًا به، وهو النائب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُون وتُخْتَبرون (فِي الْقُبُورِ) قال الباجيّ ﵀: يقال: إنه أُعلم بذلك في ذلك الوقت، قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة،
стр. 10329
وإنما معناه إظهار العمل، وإعلامٌ بالمآل والعاقبة، كاختبار الحساب؛ لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت. انتهى.
(قَرِيبًا، أَوْ) للشكّ من الراوية، وهي فاطمة، شكّت هل قالت أسماء: "قريبًا من فتنة المسيح الدجّال"، أو قالت: (مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) ولذلك قالت: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) بحذف الضمير المنصوب؛ أي: قالته؛ تعني: أنَّها لا تعلم أيَّ الجملتين المذكورتين قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄.
قال في "العمدة": "أيّ" يجوز أن تكون استفهاميةً، وموصولةً، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون أيّ مبنيةً على الضم، مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون أيّ منصوبةً بأنها مفعول "لا أدري"، ويجوز أن يكون انتصابها بـ "قالت"، سواء كانت "أيّ" موصولةً، أو استفهاميةً، ويجوز أن تكون مِن شَرِيطة التفسير، بأن يشتغل "قالت" بضميره المحذوف. انتهى (١).
وعند النسائيّ والإسماعيليّ، عن أسماء: "قام خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يُفتن فيها المرء"، فلما ذَكَر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّةً، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: بارك الله فيك ماذا قال في آخر كلامه، قال: قال: "قد أوحيّ إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال".
وللبخاريّ من طريق فاطمة، عن أسماء أيضًا: "أنه لَغَط نسوة من الأنصار، وإنها ذهبت لِتُسَكِّتهنّ"، فاستفهمت عائشة عما قال.
قال الحافظ ﵀: يجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنها لَمَّا حدثت فاطمة لَمْ تبيّن لها الاستفهام الثاني، قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن. انتهى (٢).
(فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ) هذا بيان لقوله: "تفتنون"؛ أي: يؤتى في قبره ملكان:
стр. 10330
منكر ونكير (فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"علمك" خبره، والجملة مقول القول، والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله: "تفتنون في قبركم"، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله.
قال في "العمدة": قيل: قد يُتَوَهَّم أن فيه التفاتًا؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح الحماسة في قوله:
أَحْمِى أَبَاكُنّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيَح
إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
ثم أجاب بأن الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتًا، إلَّا على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضِها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنَى بطريق من الطرق الثلاثة، بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب، والغيبة، أما الشِّعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطابَ ليلي، وأما الآية فقد قال الزمخشريّ: خَصّ النبي ﷺ بالنداء، وعمّ بالخطاب؛ لأن النبيّ ﷺ إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهارًا لتقدمه، واعتبارًا لترؤسه، وأنه مِدْرَهُ قومه (١) ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. انتهى (٢).
(بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: بمحمد ﷺ ، وإنما لَمْ يقل: بي؛ لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور، والقائل هما الملكان السائلان المسمّيان بمنكر ونكير.
وإنما يقول له الملكان السائلان: "ما علمك بهذا الرجل"؟، ولا يقولان:
стр. 10331
"رسول الله"؛ امتحانًا له، وإغرابًا عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبيّ ﷺ ، ورفع مرتبته، فيعظمه هو تقليداً لهما، لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: لا أدري، فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى (١).
(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) كلمة "أما" للتفصيل تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت في جوابها الفاء، وهو قوله: "فيقول هو محمد" (أَوِ) للشكّ من فاطمة أيضاً (الْمُوقِنُ) أي: المصدّق بنبوّة محمد ﷺ ، قال الباجيّ: والأظهر أنه "المؤمن"؛ لقوله: "فآمنا"، دون "أيقنّا"، ولقوله: "لمؤمن". انتهى.
وقوله: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين "أمَّا" وجوابها، وهو قوله: (فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات الدالة على نبوته (وَالْهُدَى) أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح (فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا) أي: قبلنا نبوّته معتقدين حقيقتها، معترفين بها، وأطعناه فيما جاء به إلينا. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن هذا الجواب قولاً ثلاث مرّات، وإنما كرّره تأكيداً له (فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) بفتح النون فعل أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انوَم، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة، وحُذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها، ثم قُلبت الواوألفاً؛ لتحرّكها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ) وفي بعض النسخ: "إنك لمؤمنٌ" (فَنَمْ صَالِحاً) منصوب على الحال، ومعنى "صالحاً" أي: منتفعاً بأعمالك، وأحوالك؛ إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع، ويقال: لا رَوْعَ عليك مما يُرَوَّع به الكفار، من عرضهم على النار، أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه: صالحاً لأن تُكْرَم بنعيم الجنة (٢).
قال الباجيّ ﵀: أراد بالنوم العود لِمَا كان عليه من الموت، سمّاه نوماً لِمَا صَحِبه من الراحة، وصلاح الحال. انتهى.
стр. 10332
وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند سعيد بن منصور: "فيقال له: نَمْ نومة عَرُوس، فيكون في أحلى نومة نامها أحدٌ، حتى يُبعَث".
وللترمذي من حديث أبي هريرة ﵁: "ويقال له: نَمْ، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
وفي حديث أنس ﵁ في "الصحيحين": "فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا".
ولابن حبَّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة ﵁، وأحمد من حديث عائشة ﵂: "ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مِتَّ، وعليه تبعث إن شاء الله".
وفي البخاريّ ومسلم، عن قتادة: "ذُكِر لنا أنَّه يُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ خُضْرًا إلى يوم يبعثون".
وفي الترمذيّ، وابن حبَّان، من حديث أبي هريرة ﵁: "فيُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنَوَّر له كالقمر ليلة البدر".
وفي حديث البراء ﵁: "فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، أفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له مَدّ بصره"، زاد ابن حبَّان من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁: "فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ويعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسمة طائر، يعلق في شجر الجنة" (١).
(وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) أي: غير المصدّق بقلبه لنبوّته ﷺ ، وهو في مقابلة "المؤمن" (أَوِ الْمُرْتَابُ) أي: الشاكّ، وهو في مقابلة "الموقن".
[فائدة]: "المرتاب" من الألفاظ التي يشترك فيها الفاعل والمفعول، كالمختار، والمنقاد، ونحو ذلك، ويُفرّق بينهما بالقرينة، فأصله في الفاعل مُرْتَيِبٌ بكسر الياء، وفي المفعول مُرْتَيَبٌ بفتحها، فقلبت الياء فيهما؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وهو من الرَّيب، وهو الشكّ، فافهم.
стр. 10333
وقولها: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين "أما" وجوابها أيضًا، وهو من قول فاطمة أيضًا (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم من هو هذا الرجل؟ (سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ") وفي رواية البخاريّ: "فقلته"؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه.
وزاد الشيخان من حديث أنس ﵁: "فيقولان: لا دريتَ، ولا تليتَ"، ولعبد الرزاق: "لا دريت، ولا أفلحت، ويضربانه بِمطرقة من حديد ضربةً"، وفي حديث البراء ﵁: "لو ضُرِب بها جبل لصار ترابًا"، وفي حديث أسماء ﵂: "ويُسَلَّط عليه دابة في قبره، معها سوط، تمرته جمرة، مثل عرف البعير تضربه ما شاء الله لا تسمع صوته فترحمه"، وزاد في أحاديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة ﵃: "ثمَّ يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، وأما إذ كفرت، فإن الله أبدلك هذا، ويُفتح له باب إلى النار"، زاد في حديث أبي هريرة: "فيزداد حسرةً وثبورًا، ويُضَيَّق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه"، وفي حديث البراء: "فينادي منادٍ من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٣ و ٢١٠٤ و ٢١٠٥] (٩٠٥) و [٢١٠٦ و ٢١٠٧ و ٢١٠٨] (٩٠٦)، و (البخاريّ) في "العلم" (٨٦) و"الوضوء" (١٨٤) و"الجمعة" (٩٢٢) و"الكسوف" (١٠٥٣ و ١٠٦١) و"السهو" (١٢٣٥) و"الجنائز" (١٣٧٣) و"الاعتصام" (٧٢٨٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده"
стр. 10334
(٢/ ٣٦٨ و ٣٦٩ و ٣٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٣٦ و ٢٠٣٧ و ٢٠٣٨)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٣١١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن كسوف الشمس يُصَلَّى له، وقد تقدم بيان ذلك والحمد لله.
٢ - (ومنها): أن الشمس إذا كَسَفت بأقل شيء منها شُرعت الصلاة لذلك على سنتها، ألا ترى إلى قول أسماء ﵂: ما للناس؟ وأشارت لها عائشة ﵂ بيدها نحو السماء، فلو كان كسوفًا بيّنًا ما خَفِي عن أسماء ولا غيرها، حتى تحتاج أن يشار إلى السماء، وقد استدل بهذا بعضهم على سرّية القراءة في صلاة الكسوف، وقد عرفت الردّ عليه.
٣ - (ومنها): أن المصلي إذا كُلِّم أشار، وسبَّح، ولم يتكلم؛ لأنَّ الكلام ممنوع منه في الصلاة.
٤ - (ومنها): أن النساء يسبّحن إذا نابهن شيء في الصلاة، وقد مضى قوله ﷺ : "من نابه شيء في صلاته، فليسبّح، فإنما التصفيق للنساء"، وقوله ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
٥ - (ومنها): أن إشارة المصلي برأسه وبيده لا بأس بها.
٦ - (ومنها): أن قولها: "فقمت حتى تجلاني الغشي" دليل على طول القيام في صلاة الكسوف.
٧ - (ومنها): أن الغشي الخفيف لا ينقض الوضوء، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ على هذا في "صحيحه"، فقال: "باب من لم يتوضّأ إلا من الغشي المثقل"، ثمَّ أورد حديث أسماء ﵂ هذا، ومحلّ الاستدلال منه أنها صلّت وأنّ الغشي تجلاها، وهي كانت خلف النبيّ ﷺ ، وكان ﷺ وهو في الصلاة يرى ما يفعله الذي خلفه، ولم يُنكر عليها ذلك، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "إنكم تفتنون في قبوركم"، قال ابن عبد البرّ ﵀: أراد به فتنة الملكين: منكر ونكير، حين يسألان العبد مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟، والآثار بذلك متواترة، وأهل السنة والجماعة، وهم أهل الحديث والرأي في أحكام شرائع الإِسلام، كلهم مُجمعون على الإيمان
стр. 10335
والتصديق بذلك، إلا أنهم لا يتكلفون فيه شيئًا، ولا ينكره إلا أهل البدع.
رَوَى شعبة، عن علقمة بن مَرْثد، عن سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب ﵄، عن النبيّ ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، قال: في القبر إذا سئل مَن ربك، وما دينك؟ ومن نبيك؟، ورواه الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن البراء ﵁ موقوفًا (١).
٩ - (ومنها): بيان كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم، وهو مذهب أهل السنة، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة، مثل قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٢]، وقوله: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم ﵊ عن الجنة، ودخوله إياها، وخروجه منها، ووعده الرد إليها، كل ذلك ثابت بالقطع.
قال إمام الحرمين ﵀: أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب والعقاب، وقالوا: لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا، قال: وهذا باطل، وتلاعب بالدين، وانسلال عن إجماع المسلمين.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ ﵀: الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها، سقفُها عرش الرحمن، وهي خارجة من أقطار السماوات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلَّا الجنة والنار، وليس للجنة سماء إلَّا ما جاء في "الصحيح" يعني قوله ﷺ : "وسقفها عرش الرحمن"، ولها ثمانية أبواب، وروي أنها كلها مُغلقة إلَّا باب التوبة، مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها.
١٠ - (ومنها): ما قال ابن بطال ﵀: في الحديث ذمّ التقليد، وأنه لا يستحق اسم العلم التامّ على الحقيقة.
وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن ما حُكِي عن حال المجيب لا يدلّ على أنَّه كان
стр. 10336
عنده تقليد معتبر، وهو الذي لا وهنَ عند صاحبه، ولا شك، وشرطه أن يعتقد كونه عالِمًا، ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئًا فقاله لم يحلّ اعتقاده، ورجع شكًّا، فعلى هذا لا يقول المعتقد المصمِّم يومئذ: سمعت الناس يقولون؛ لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قرّرنا أنَّه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك إن شاء الله مثلها هنا من التصميم، وبالحقيقة فلا بدّ أن يكون للمصمّم أسبابٌ حملته على التصميم، غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب، كما نقول في العلوم العادية: أسبابها لا تنضبط. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، وَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكرو قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير أبي أسامة.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن هشام هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: وقال محمود: حدّثنا أبوأسامة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، قالت: دخلت
стр. 10337
على عائشة ﵂، والناس يصلّون، قلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟، فأشارت برأسها؛ أي: نعم، قالت: فأطال رسول الله ﷺ جدًّا حتى تجلاني الغشي، وإلى جنبي قِربة فيها ماء، ففتحتها، فجعلت أصبّ منها على رأسي، فانصرف رسول الله ﷺ ، وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، وحمد الله بما هو أهله، ثمَّ قال: "أما بعدُ"، قالت: ولَغَطَ نسوة من الأنصار، فانكفأت إليهن لأسكّتهنّ، فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت: قال: "ما من شيء لم أكن أُريته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، أو قال: الموقن - شكّ هشام - فيقول: هو رسول الله، هو محمَّد ﷺ جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، قد كنا نعلم إن كنت لتؤمن به، وأما المنافق، أو قال: المرتاب - شك هشام - فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت" - قال هشام -: فلقد قالت لي فاطمة: فأوعيته، غير أنها ذكرت ما يُغَلَّظ عليه. انتهى.
هكذا ساقه البخاريّ بلفظ: "وقال محمود"، وهو شيخه محمود بن غيلان، وقد وصله أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال: حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، فساقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم ابن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٥] ( … ) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم، تقدَّم قبل باب.
стр. 10338
و"عروة" ذُكر قبله.
وقوله: (لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) هذا قول انفرد به عروة، والحقّ أنَّه يقال: كَسَفَت الشمسُ، وخَسَفَت، وكذا كَسَفَ القمرُ، وخَسَفَ؛ لورود الأدلّة الصحيحة الكثيرة بذلك، كما أسلفنا تحقيقه في أول "كتاب الكسوف"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٦] (٩٠٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: فَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، قَالَتْ: تَعْنِي يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَأَخَذَ دِرْعًا، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ، فَقَامَ لِلنَّاسِ قِيَامًا طَوِيلًا، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكَعَ، مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ).
رجال الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدَّم قبل باب.
٤ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن طلحة بن الحارث الْعَبْدريّ الْحَجَبيّ المكيّ، وهو ابن صفيّة بنت شيبة، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٣٨) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
٥ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ) بن عثمان بن طلحة الْعَبدريّة، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (ع) تقدّمت في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
و"أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ" ذُكرت قبله.
стр. 10339
وقولها: (فَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ"فَزِعَ"، وهو بفتح، فكسر، يقال: فَزِعَ منه، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، قال القاضي عياضٌ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف، كما في الرواية الأخرى: "يخشى أن تكون الساعة"، ويَحْتَمِل أن يكون معناه الفزع الذي هو المبادرة إلى الشيء؛ أي: فبادر إلى الصلاة. انتهى ببعض تصرّف (١).
وقولها: (فَأَخَذَ دِرْعًا، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ) وفي الرواية الآتية: "فأخطأ بدرع حتى أُدرك بردائه بعد ذلك"، والمراد من الدرع هنا ثوب المرأة، وليس درع حديد الحرب، والمعنى أنَّه ﷺ لانزعاجه، وشدّة سرعته، واهتمامه أراد أن يأخذ رداءه، فأخطأ، وأخذ درع بعض أهل البيت سهوًا، ولم يعلم ما فَعَلَ؛ لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما علم بعض أهل البيت بذلك لَحِقه بردائه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكَعَ، مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) معناه: أنَّه لو أتى إنسانٌ لم يعرف أنه ﷺ ركع قبل هذا لم يحدّث بركوعه ﷺ لطول القيام الذي بعد الركوع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: قِيَامًا طَوِيلًا، يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَزَادَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو
стр. 10340
أيّوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ يُغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
و"ابن جُريج" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد ابن جُريج السابق، وهو: عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفيّة بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير يحيى بن سعيد الأمويّ.
وقولها: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي) أرادت بذلك أنها كلما استشعرت من نفسها التعب من طول القيام، وأرادت أن تصلي جالسة، تنظر إلى بعض النساء اللاتي هنّ أضعف منها بكثير، ومع ذلك يصلّين قائمات، فتشجّع نفسها بذلك على القيام، وهو بمعنى قولها الآتي: "حتى إني أريد أن أجلس، ثمَّ ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول: هذه أضعف مني، فأقوم".
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن منصور بن عبد الرحمن هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ٣٤٩) فقال: حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: حُدِّثت عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت: فَزِع النبيّ ﷺ يوم كسفت الشمس، فأخذ درعًا، حتى أُدرك بردائه، فقام بالناس قيامًا طويلًا يقوم، ثمَّ يركع، قالت: فجعلت أنظر إلى المرأة التي هي أكبر مني قائمةً، وإلى المرأة التي هي أسقم مني قائمةً، فقلت: "إني أحق أن أصبر على طول القيام منك".
وقال ابن جريج: حدّثني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبيّ ﷺ فزع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كَسَفَتِ
стр. 10341
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضْعَفُ مِنِّي، فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) قال النوويّ ﵀: معناه أنَّه لشدة سرعته واهتمامه بذلك، أراد أن يأخذ رداءه، فأخذ درع بعض أهل البيت سهوًا، ولم يعلم ذلك؛ لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما عَلِمَ أهل البيت أنَّه ترك رداءه لحقه به إنسان. انتهى.
وقولها: (فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ … إلخ) معناه أن أسماء ﵂ بعد أن شاهدت ما كان الناس عليه، وسألت عائشة ﵂ عن ذلك، وأجابتها بالإشارة، وفهمت منها رجعت إلى بيتها فقضت حاجتها، وتوضّأت، ثمَّ جاءت إلى المسجد، فدخلت في صفوف النساء تصلي … إلى آخر كلامها.
وقولها: (حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ) أي: ممن لم ير ركوعه ﷺ ، ورفعه منه.
وقولها: (خُيِّلَ إِلَيْهِ … إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظنّ أنَّه ﷺ لا زال في قيام القراءة الذي قبل الركوع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمَّد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ واعظٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ تقدَّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وحفص، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالمدنيين ومن زيد بن أسلم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وابن عبّاس ﵄ سبق الكلام فيه.
شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هكذا في "الموطأ"، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في "سنن أبي داود" "عن أبي هريرة" بدل "ابن عباس"، وهو غلط، قاله في "الفتح". أنَّه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: "خَسَفَت الشمس"، وهو بمعناه (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قال النوويّ ﵀: هكذا في النسخ: "قدرَ نحوِ"، وهو صحيح، ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحًا. انتهى (١).
وهذا يدلّ على استحباب تطويل القراءة في صلاة الكسوف، وقد ثبت في حديث عائشة ﵂، قالت: "فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة" (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
стр. 10344
رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: سلّم من الصلاة (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهِ") (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في "الفتح": في حديث جابر ﵁ عند أحمد بإسناد حسن: "فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه"، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حكاها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه: "عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط"، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهني "تناولُ" بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ) بفاءين خفيفتين، يقال: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: إذا تركه، وكففته كفًّا: إذا منعتَهُ، فكفّ يتعدّى ويلزم (٢)، وهنا الموافق هو اللزوم، وفي رواية مالك الآتية: "ثمَّ رأيناك تكعكعت" أي: توقّفت، وأحجمت.
(فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ) قد سبق أنهم اختلفوا في هذه الرؤيا، هل هي رؤية حقيقيّة، أم رؤية مجازيّة؟ وقدّمنا أن الصواب أنها رؤية حقيقية، فتنبّه (فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا) قال في "المصباح": "العُنقُود" من الَعِنَب ونحوه فُنْعُول بضمّ الفاء، والْعِنْقَاد مثله. انتهى. (وَلَوْ أَخَذْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: "ولو أصبته" قال في "الفتح": واستُشكل مع قوله: "تناولت"، وأُجيب بحمل التناول على تكلّف الأخذ، لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، حكاه الكرمانيّ، وليس بجيّد، وقيل: المراد بقوله: "تناولت" أي:
стр. 10345
وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه، ولوأصبته؛ أي: لو تمكنت من قطفه، ويدلّ عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: "أهوى بيده ليتناول شيئًا"، وللبخاري في حديث أسماء ﵂: "حتى لو اجترأت عليها"، وكأنه لم يُؤْذَن له في ذلك، فلم يجترئ عليه، وقيل: الإرادة مقدّرة؛ أي: أردت أن أتناول، ثمَّ لم أفعل، ويؤيده حديث جابر ﵁ المتقدّم عند المصنّف: "ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها، لتنظروا إليه، ثمَّ بدا لي أن لا أفعل"، ومثله للبخاريّ في حديث عائشة ﵂، ولفظه: "حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنّة، حين رأيتموني جعلت أتقدّم"، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: "أردت أن آخذ منها قطفًا لأريكموه، فلم يقدّر"، ولأحمد من حديث جابر: "فحيل بيني وبينه".
قال ابن بطال ﵀: لم يأخذ العُنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يَفنى، والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى، وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة، لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها، وقيل: لأنَّ الجنّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة.
وحكى ابن العربيّ ﵀ في "قانون التأويل" عن بعض شيوخه، أنَّه قال: معنى قوله: "لأكلتم منه … إلخ" أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائمًا، بحيث لا يغيب عن ذوقه.
وتعقّب بأنّه رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال.
والحقّ أن ثمار الجنة لا مقطوعة، ولا ممنوعة، وإذا قُطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه.
[فائدة]: بيّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر، عن زيد بن أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية. انتهى.
(لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ) قال الطيبيّ ﵀: الخطاب عامّ في كلّ جماعة يتأتّى منهم
стр. 10346
السماع والأكل إلى يوم القيامة بدليل قوله: "ما بقيت الدنيا". انتهى (١).
(مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) "ما" مصدرية ظرفية؛ أي: مُدّةَ بقاء الدنيا؛ أي: لعدم فناء فواكه الجنة، وقول البيضاويّ: وجه ذلك إما بأن يخلق الله تعالى مكان كلّ حبّة تُقتطف حبّة أخرى، كما هو المرويّ في خواصّ ثمر الجنّة، أو بأن يتولّد منه مثله في الزرع، فيبقى نوعه ما بقيت الدنيا، فيؤكل منه. انتهى (٢).
(وَرَأَيْتُ النَّارَ) وقع في رواية عبد الرزّاق المذكورة أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنَّه قال فيه: "عُرضت على النبيّ ﷺ النارُ، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلّاه"، ولمسلم من حديث جابر المتقدّم: "لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخّرت، مخافة أن يصيبني من لَفْحها"، وفيه: "ثمَّ جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدّمت، حتى قمت في مقامي"، وزاد فيه: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه"، وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: "لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم".
(فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ) "منظرًا" تمييز محوَّل عن المضاف؛ أي: كمنظر اليوم، والمراد باليوم الوقت، فالمعنى: كالمنظر الذي رأيته الآن، وقال في "الفتح": المراد باليوم الوقت الذي هو فيه؛ أي: لم أر منظرًا مثل منظرٍ رأيته اليوم، فحَذَف المرئيّ، وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبُعْده عن المنظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، ووقع في رواية المستملي، والحموي: "فلم انظر كاليوم قط أفظع". انتهى. والفظيع: الشديد الشنيع.
(وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ") قال الحافظ ﵀: هذا يفسّر وقتَ الرؤية في قوله لهنّ في خطبة العيد: "تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر؛ إذ لا يتعيّن هذا تفسيرًا لما ذكره؛ إذ يحتمل أن يراهن في وقت آخر أيضًا، والله تعالى أعلم.
стр. 10347
(قَالُوا: بِمَ) وللنسائيّ: "لِمَ" باللام (يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) ﷺ ("بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟) القائل هي: أسماء بنت يزيد بن السكن التي كانت تعرف بخطيبة النساء (قَالَ) ﷺ : ("بِكُفْرِ الْعَشِيرِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "بكفر" بالباء الموحّدة الجارّة، وضمّ الكاف، وإسكان الفاء، وفيه جواز إطلاق الكفر على كفران الحقوق، وإن لم يكن ذلك الشخص كافرًا بالله تعالى، وقد سبق شرح هذا اللفظ مرّات، و"العشير": المعاشر، كالزوج وغيره، وفيه ذمّ كفران الحقوق لأصحابها. انتهى (١).
وقال الكرمانيّ ﵀: وإنما لم يُعَدّه بالباء، كما عَدّى الكفر بالله؛ لأنَّ كفر العشير لا يتضمّن معنى الاعتراف. انتهى.
وقوله: (وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ) كأنه بيان لقوله: "يكفرن العشير"؛ لأنَّ المقصود كفر إحسان العشير، لا كفران ذاته، والمراد بكفر الإحسان تغطيته، أو جحده، ويدلّ عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) "لو" هنا شرطيةٌ، لا امتناعيةٌ، وقال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن تكون امتناعيةً بأن يكون الحكم ثابتًا على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، و"الدهرَ" منصوب على الظرفية، والمراد منه عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغةً في كفرانهنّ، وليس المراد بقوله: "أحسنت" مخطابة رجل بعينه، بل كلّ من يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصّ لفظًا، عامّ معنى (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) التنوين فيه للتقليل؛ أي: شيئًا قليلًا لا يوافق غرضها، من أي نوع كان.
ووقع في حديث جابر ﵁ ما يدلّ على أن المرئيّ في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرتْ، ولفظه: "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتُمنّ أفشين، وإن سُئلن بَخِلنَ، وإن سألن ألْحَفْنَ، وإن أُعْطين لم يشكرن … " الحديث.
(قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ") الظاهر أن التنوين في "خيرًا" أيضًا للتقليل؛ أي: لم أر منك قليلًا من الخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10348
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٩ و ٢١١٠] (٩٠٧)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٩) و"الصلاة" (٤٣١) و"الأذان" (٧٤٨) و"الكسوف" (١٠٥٢) و"العمل في الصلاة" (٣٢٠٢) و"النكاح" (٥١٩٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٨٩)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٩٣) و"الكبرى" (١٨٧٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٨ و ٣٥٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٧)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٨٣٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤١ و ٢٠٤٢ و ٢٠٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يُحذر منه، واستدفاعُ البلاء بذكر الله تعالى، وأنواع طاعته.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ ﷺ .
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم.
٤ - (ومنها): مراجعة المتعلّم للعالم فيما لا يدركه فهمُهُ، وجواز الاستفهام عن علّة الحكم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه.
٥ - (ومنها): تحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم.
٦ - (ومنها): أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان اليوم.
٧ - (ومنها): جواز إطلاق اسم الكفر على ما لا يُخرِج من الملّة.
٨ - (ومنها): إثبات تعذيب أهل التوحيد على المعاصي.
٩ - (ومنها): جواز العمل في الصلاة؛ إذا لم يكثر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10349
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ عِيسَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنَ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع، نزيل أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن مالك، والحمادين، وشريك، وابن لَهِيعة، وهُشيم، وجرير بن حازم، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد، وأبو خيثمة، والدارميّ، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن رافع، والحسن بن مكرم، والحارث بن أبي أسامة، وجماعة.
قال البخاريّ: مشهور الحديث، وقال صالح بن محمَّد: لا بأس به، صدوقٌ، وقال أبو حاتم: أخوه محمَّد أحبّ إليّ منه، وهو صدوق، وقال الخليليّ: إسحاق ومحمد ولدا عيسى ثقتان، مُتَّفَقٌ عليهما.
قال ابن قانع: مات سنة (٢١٤) وقال ابن سعد: مات سنة (٢١٥) في ربيع الأوّل، وقال ابن حبَّان في الثقات: إن مولده سنة (١١٤) وقال مطين في "تاريخه": تُوُفّي سنة (٢١٦).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدَّم قبل باب.
و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) "في" بمعنى "مع"؛ أي: بهذا الإسناد الماضي، وبمثل متنه.
стр. 10350
وقوله: (تَكَعْكَعْتَ) أي: تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نَكَصَ على عقبيه، قال الخطّابيّ: أصله تكَعَّعْت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفًا مكررًا.
وقال القرطبيّ ﵀: يقال: تكعكع الرجل، وتكاعى، وكَعَّ كُعُوعًا: إذا أحجم، وجَبُنَ، قاله الهرويّ وغيره، وهو في هذا الحديث بمعنى كَفَفت، كما قاله في الرواية السابقة. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية مالك، عن زيد بن أسلم هذه ساقها البخاريّ ﵀ فقال: (٥١٩٧) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، أنَّه قال: خَسَفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ ، والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحواً من سورة البقرة، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ سجد، ثمَّ قام فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، ثمَّ سجد، ثمَّ انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثمَّ رأيناك تكعكعت، فقال: "إني رأيت الجنة، أوأُريت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهنّ"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهرَ، ثمَّ رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 10351
(٤) - (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١١] (٩٠٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدَّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، ربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، قيل: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) أو بعد ذلك تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، تقدَّم في الباب الماضي أيضًا.
وقوله: (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) هذه الكيفيّة قد فُسّرت في الرواية التالية، ولفظها: "أنَّه صلى في كسوف، قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ سجد، قال: والأخرى مثلها".
وفي رواية أبي عوانة: "صلّى في الكسوف، فقرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ سجد سجدتين، والأخرى مثلها".
وقوله: (وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ) هكذا في رواية المصنّف ﵀، وليست هذه
стр. 10352
الزيادة في "مسند أبي عوانة"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ويخالفها ما وقع عند النسائيّ، فإنَّه قال بعد أن أخرج الحديث عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عليّة بسند المصنّف ما نصّه: "وعن عطاء مثل ذلك" (١).
ومعنى قوله: "وعن عليّ … إلخ" أنَّه رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ مثل ما رُوي عن ابن عبّاس ﵄.
[تنبيه]: إن أراد المصنّف ﵀ بحديث عليّ ﵁ هذا من رواية حبيب بن أبي ثابت عنه، فلم أجد من أخرجه، وإلا فقد أخرجه البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٣٠) من رواية حنش، عنه، فقال:
(٦١٢١) - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا محمَّد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا يونس بن محمَّد، ثنا عبد الواحد، ثنا سليمان الشيبانيّ، ثنا الحكم بن عتيبة، عن حنش بن ربيعة، قال: انكسفت الشمس على عهد عليّ ﵁ قال: فخرج، فصلى بمن عنده، فقرأ "سورة الحجّ"، و"يس" لا أدري بأيهما بدأ، وجهر بالقراءة، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، ثمَّ رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، ثمَّ رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، أربع ركعات، ثمَّ سجد في الرابعة، ثمَّ قام، فقرأ بـ "سورة الحج"، و"يس"، ثمَّ قام، فصنع كما صنع في الركعة الأولى، ثمان ركعات، وأربع سجدات، ثمَّ قعد، فدعا، ثمَّ انصرف، فوافق انصرافه، وقد انجلى عن الشمس.
قال: لم يرفعه سليمان الشيبانيّ، ورواه الحسن بن الحرّ عن الحكم، فرفعه.
(٦١٢٢) - أخبرناه أبو عليّ الروذباريّ، ثنا عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب بواسط، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا يحيى بن آدم، وأبو نعيم، وحفص بن
стр. 10353
عمر الطنافسيّ، قالوا: ثنا زهير، عن الحسن بن الحرّ، عن الحكم، عن رجل يقال له: حنش، عن عليّ ﵁ قال: كسفت الشمس، فصلى عليّ ﵁ للناس، فقرأ بياسين ونحوها، ثمَّ ركع نحوًا من قراءته السورة، ثمَّ رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام قدر السورة، يدعو ويكبر، ثمَّ ركع قدر قراءته، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام أيضًا قدر السورة، ثمَّ ركع قدر ذلك أيضًا، حتى ركع أربع ركعات، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ سجد، ثمَّ قام في الركعة الثانية، ففعل كفعله في الركعة الأولى، ثمَّ جلس يدعو ويرغب، حتى انكشفت الشمس، ثمَّ حدّثهم أن رسول الله ﷺ كذلك فعل.
(٦١٢٣) - أخبرنا أبو سعد المالينيّ، أنبأ أبو أحمد بن عديّ الحافظ، قال: حنش بن المعتمر أبو المعتمر الكنانيّ، وقال بعضهم: حنش بن ربيعة، سمع عليًّا ﵁ روى عنه سماك بن حرب، والحكم بن عتيبة، يتكلمون في حديثه، وهو كوفيّ، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاريّ.
قال أبو أحمد (١): وقال أبو عبد الرحمن النسائيّ فيما أخبرني محمَّد بن العباس عنه: حنش بن المعتمر ليس بالقويّ.
قال الشيخ (٢): ومن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار الواردة في هذه الأعداد، وأن النبيّ ﷺ فعلها مرات: مرة ركوعين في كل ركعة، ومرة ثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة أربع ركوعات في كل ركعة، فأدى كل منهم ما حَفِظَ، وأن الجميع جائزٌ، وكأنه ﷺ كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت، ذهب إلى هذا إسحاق ابن راهويه، ومن بعده محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبْعيّ، وأبو سليمان الخطابيّ، واستحسنه أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر، صاحب الخلافيات - وبالله التوفيق - والذي أشار إليه الشافعيّ من الترجيح أصح. انتهى كلام البيهقيّ (٣).
стр. 10354
قال الجامع عفا الله عنه: رواية حنش عن علي ﵁ هذه ضعّفها أيضًا ابن حبَّان في "صحيحه" (٧/ ٩٩).
والحاصل أن روايته لا تصحّ، كرواية حبيب بن أبي ثابت المذكورة في الباب، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة التالية، فتنبّه.
ثمَّ إن هذا الذي قاله البيهقيّ ﵀ من ترجيح رواية من روى أنَّه ﷺ صلى ركعتين كلّ ركعة بركوعين وسجدتين هو الأرجح؛ لقوّة حجته، فإن جلّ الحفاظ هكذا رووه، ومما يوهن الجمع بتعدّد الواقعة كما ذهب إليه من ذكرهم البيهقيّ آنفًا - والظاهر أن مسلمًا منهم حيث أخرج رواية ابن عبّاس ﵄ هذه هنا - كونُ الكسوف في عهده ﷺ لم يقع إلا مرّة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم ﵁، ولا يصحّ وقوعه مرّة أخرى، فبان بذلك أن الجمع المذكور غير مقبول، وأن الصحيح هو الترجيح، كما قاله الشافعيّ ﵀ وغيره من المحقّقين، وقد سبق تحقيق هذا في أوائل "كتاب الكسوف"، فارجع إليه تزدد علمًا، والله تعالى وليّ التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا اختُلف في تصحيحه، فمنهم من صححه، كالمصنّف وابن خزيمة، فقد أخرجاه في "صحيحيهما"، والظاهر أنهما إنما صححاه لإمكان حمله على واقعة أخرى، فلا تنافي بينه وبين رواية ابن عبّاس بالماضية أنَّه ﷺ صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات، ولكن في هذا الحمل نظر؛ لما سيأتي قريبًا.
ومنهم من ضعفه؛ لأنَّ له علّتين:
(إحداهما): أن فيه حبيب بن أبي ثابت، فإنَّه مدلّس، وقد عنعنه.
(والثانية): مخالفته لغيره ممن رَوَى عن ابن عبّاس ﵄.
قال الإمام ابن حبَّان ﵀ في "صحيحه" (٧/ ٩٨): خبر حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات، وأربع سجدات"، ليس بصحيح؛ لأنَّ حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر. انتهى.
стр. 10355
وقال الحافظ البيهقيّ ﵀ في "سننه" (٣/ ٣٢٧): وحبيب، وإن كان من الثقات، فقد كان يدلّس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويَحْتَمِل أن يكون حمله عن غير موثوق به، عن طاوس، وقد رَوَى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبّاس من فعله أنَّه صلاها ست ركعات، في أربع سجدات، فخالفه في الرفع، والعدد جميعًا. انتهى.
وفيه علة أخرى، وهي الشذوذ، فقد روى غير واحد، عن ابن عباس أنها أربع ركعات، وأربع سجدات، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي، أن الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ هو ما سبق من طريق الزهريّ، عن كثير بن عبّاس، عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنَّه صلّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وفي رواية النسائيّ: أنَّه ﷺ صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات، وهذا هو الصواب؛ لاتفاق كثير بن عباس، وعطاء بن يسار كما في الحديث الماضي (١) عليه، ولموافقته للأحاديث الصحيحة في هذا الباب.
والحاصل أن حديث حبيب بن أبي ثابت هذا غير صحيح؛ لما ذكر من العلتين.
وأما دعوى إمكان الجمع بحمله على تعدد القصّة، كما قال ابن خزيمة، فيبعده أن الصحيح أنَّه ﷺ صلى صلاة الكسوف مرّة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم ﵁، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢١١١] (٩٠٨) و [٤/ ٢١١٢] (٩٠٩)، (وأبو داود) في "الصلاة" (١١٨٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٦٠)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٧ و ١٤٦٨) و"الكبرى" (١٨٥١ و ١٨٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٥ و ٣٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٩ و ٢٤٦٠ و ٢٤٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10356
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٢] (٩٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمَّد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو ابن سعيد، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظ حجة إمام، كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكرُوا قبله، وكذا الكلام على الحديث قد استوفيته هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٥) - (بَابُ النِّدَاءِ فِي الْكُسُوفِ بِـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٣] (٩١٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ خَبَرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ بِـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً"، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ
стр. 10357
فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، مشهورٌ بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ) (١) هو: شيبان بن عبد الرحمن التميميّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمَّد السَّمَرْقَنْدي الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٦ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، نزيل حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السَّهميّ، أبو محمَّد، أوأبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 10358
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من سداسيات المصنف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، ويحيى بن حسّان، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: في زمانه (نُودِيَ) بالبناء للمجهول؛ أي: أمر النبيّ ﷺ بالنداء، وهو الإعلام بهذه الجملة، وقد تقدَّم التصريح في حديث عائشة ﵂ بأن النبيّ ﷺ هو الذي بعث مناديًا، فنادى بذلك، وفي رواية النسائيّ: "فأمر النبيّ ﷺ مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة". (بِـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً") وفي رواية البخاريّ: "أن الصلاة جامعة" بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وهي "أن" المفسّرة، وروي بتشديد النون، والخبر محذوف، تقديره: أنّ الصلاة ذاتَ جماعة حاضرةٌ (١).
وقوله: "الصلاةَ جامعةً" برفع الجزأين على أنهما مبتدأ وخبر، ونصبهما، الأوّل على الإغراء، والثاني على الحال، ورفع الأوّل، ونصب الثاني، وبالعكس، وتقدم الكلام على ذلك مُستوفًى في شرح حديث عائشة ﵂[٢٠٩٢]. (فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو موافق لروايتي عائشة، وابن عبّاس ﵄ المتقدّمتين في أن في كلّ ركعة ركوعين، وسجودين، ولو ترك على ظاهره لاستلزم تثنية الركوع، وإفراد السجود، ولم يصر إليه أحد، فتعيّن تأويله، قاله في "الفتح".
стр. 10359
(ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ) بضم الجيم، وتشديد اللام، على صيغة المجهول، من التجلية، وهو الانكشاف (عَنِ الشَّمْسِ) وفي رواية البخاريّ: "ثمَّ جَلَس، ثمَّ جُلّي عن الشمس" أي: كُشف عنها بين جلوسه في التشهّد والسلام، كما بيّنه قوله في حديث عائشة ﵂: "ثمَّ انصرف، وقد تجلّت الشمس"، أفاده في "الفتح" (١).
وقوله: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) هذا يَحْتَمل أن يكون من قول أبي سلمة، ويَحْتَمِل أن يكون من قول عبد الله بن عمرو ﵄، فيكون من رواية صحابيّ، عن صحابيّة، ووَهِمَ من زَعَم أنَّه معلّق (٢). (مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي: من السجود الذي سجده النبيّ ﷺ في تلك الصلاة، وفي رواية أبي موسى الأشعريّ ﵁ التالية: "فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، وما رأيته يفعله في صلاة قط".
قال النوويّ ﵀: في هذين الحديثين دليل للمختار، وهو استحباب تطويل السجود في صلاة الكسوف، ولا يضرّ كون أكثر الروايات ليس فيهما تطويل السجود؛ لأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، مع أن تطويل السجود ثابت من رواية جماعة كثيرة من الصحابة، وذكره مسلم من روايتي عائشة وأبي موسى ﵄، ورواه البخاريّ من رواية جماعة آخرين، وأبو داود من طريق غيرهم، فتكاثرت طرقه، وتعاضدت، فتعيّن العمل به. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": قوله: "ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه"، وتقدّم في رواية عروة، عن عائشة بلفظ: "ثمَّ سجد، فأطال السجود"، وفي أوائل "صفة الصلاة" من حديث أسماء بنت أبي بكر مثله، وللنسائيّ من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "ثمَّ رفع رأسه، فسجد، وأطال السجود"، ونحوه عنده عن أبي هريرة، وللشيخين من حديث أبي موسى ﵁: "بأطول قيام، وركوع، وسجود رأيته قط"، ولأبي داود والنسائيّ من حديث سمرة ﵁: "كأطول ما سجد بنا في صلاة قط".
стр. 10360
وكلّ هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا، فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الركوع، قال الحافظ: وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر ﵁ بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه".
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سُريج، ثمّ النوويّ، وتعقّبه صاحب "المهذّب" بأنّه لم يُنقل في خبر، ولم يقل به الشافعيّ. انتهى.
ورُدّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعيّ نصّ عليه في "البويطيّ"، ولفظه: ثمَّ يسجد سجدتين طويلتين، يقيم في كلّ سجدة نحوًا مما قام في ركوعه. انتهى (١).
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب طول السجود في الكسوف"، قال في "الفتح": أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على من أنكره، واستدلّ بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرِع فيه التطويل شُرِع تكراره، كالقيام، والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود، فلا يشرع تطويلة، وهو قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد الاعتبار.
وأبدى بعضهم في مناسبة التطويل في القيام والركوع، دون السجود، أن القائم والراكع يمكنه رؤية الانجلاء، بخلاف الساجد، فإن الآية عُلْوية، فناسب طول القيام لها، بخلاف السجود، ولأن في تطويل السجود استرخاءَ الأعضاء، فقد يفضي إلى النوم، وكلُّ هذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة في تطويلة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب مذهب من قال بتطويل السجود في الكسوف؛ كالقيام والركوع؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10361
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٣] (٩١٠)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٥ و ١٠٥١)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٧٩) و"الكبرى" (١٨٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧٥ و ٢٢٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٥ و ١٣٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣٣ و ٢٤٣٤ و ٢٤٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٤ و ٢٠٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٤] (٩١١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات بعد (٩٠) أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
стр. 10362
٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الجليل، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالكوفيين من إسماعيل، وهُشيم واسطيّ، ويحيى نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الوحيد الذي اجتمعت له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو ﵁ (الْأَنْصَارِيِّ) ويقال له: البدريّ أيضًا؛ لسكناه بدرًا، أو لشهوده غزوة بدر، وهو الصحيح أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: علامتان من العلامات الدالة على وحدانيّة الله تعالى، وعظيم قدرته (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) بتشديد الواو، من التخويف (وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا) أي: من الآيات (شَيْئًا) يعني: إذا رأيتم انكساف شيء من الشمس، أو القمر (فَصَلُّوا) استُدلّ به على أنَّه لا وقت لصلاة الكسوف معيّنٌ؛ لأنَّ الصلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كلّ وقت، من ليل أو نهار، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك، مع ترجيح القول بمشروعيّتها في أوقات الكراهة؛ لظاهر النصّ، فتنبّه.
[تنبيه]: قوله: "فصلّوا" المراد به الصلاة المعهودة التي صلاها النبيّ ﷺ للكسوف، ويَحْتَمِل أن يكون المراد مطلق الصلاة، فيُستدلّ به على جواز أدائها مطلقًا كسائر النوافل.
وقد أورد الإمام البخاريّ ﵀ في أول أبواب الكسوف الأحاديث
стр. 10363
المطلقة في الصلاة، مثل حديث أبي مسعود هذا، وحديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر، وحديث المغيرة بن شعبة ﵃ وكلها بلفظ: "فصلّوا"، فقال في "الفتح": ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارةً منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعيّة، كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة لا يُجزئ. انتهى (١).
(وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ") ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ينجلي ما حل بكم من الكرب بسبب الانكساف، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى؛ أي: حتى يكشف الله تعالى عنكم ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٤ و ٢١١٥ و ٢١١٦] (٩١١)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤١ و ١٠٥٧ و ٣٢٠٤)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٢) و"الكبرى" (١٨٥٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
стр. 10364
قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَقُومُوا فَصَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ الحارثيّ، تقدَّم قبل باب.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ … إلخ) هكذا النسخ، فـ "ليس" هنا عملت في ضمير الشأن، وجملة "ينكسفان" خبرها، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَوَكِيعٍ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 10365
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدَّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدَّم قبل باب.
٨ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٩ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثمَّ دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
و"إسماعيل" هو: ابن أبي خالد ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢١١) فقال:
(٥٧٤) - حدّثنا عُبَيْدُ بن غَنَّامٍ، ثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حَازِمٍ، عن عُقْبَةَ بن عَمْروٍ أبي مَسْعُودٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسول اللهِ ﷺ ، فقال أُنَاسٌ: إنما انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبراهيم ﵇، فقال النبيّ ﷺ : "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ من آيَاتِ اللهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا".
وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٩٢) فقال:
(٢٤٢٩) - حدّثنا محمَّد بن إسحاق البكائيّ، وعليّ بن حرب، قالا: ثنا يعلي بن عبيد (ح) وحدّثنا الدقيقيّ، قال: ثنا يزيد بن هارون (ح) وحدّثنا أبو البختريّ، قال: ثنا أبوأسامة، قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الشمس والقمر لا