اصبروا، ولا تجزعوا، فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم، وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. انتهى.
(فَمُرْهَا) أي: بالصبر والاحتساب (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ") أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح.
(فَعَادَ الرَّسُولُ) أي: رجع من عندها إلى النبيّ ﷺ (فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أقسَمَتْ) أي: حلفت بالله (لَتَأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (قَالَ) أسامة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ) ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أوألهمها الله تعالى أن حضور نبيّه ﷺ عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق الله ظنها.
والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا.
(وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وعبد الرحمن بن عوف، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْب ﵃، قال أسامة ﵁: (وَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت (مَعَهُمْ) أي: مع النبيّ ﷺ ، والصحابة المذكورين (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد "فدُفع" بالدال، وبيّن في رواية شعبة أنه وُضع في حجره ﷺ .
وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشينا، إلى أن وصلنا إلى بيتها، فاستأذنّا، فأُذن لنا، فدخلنا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه: "فلما دخلنا، ناولوا رسول الله ﷺ والصبيّ … " (إِلَيْهِ) ﷺ (الصَّبِيُّ) وقوله: (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) أصله "تتقعقع" فحُذف منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
стр. 10432
ومعناه: تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في "النهاية"، وقال في "الفتح": القعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والجملة في محلّ نصب على الحال من "الصبيّ".
وقال القرطبيّ: قال الهرويّ: يقال: تقعقع الشيء: إذا اضطرب وتحرّك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحْياه من الكِبَر، وقال غيره: القعقعة هنا صوت النفَس، وحشرجة الصدر، ومنه قعقعة الجلود والترسة والأسلحة، وهي أصواتها. انتهى (١).
(كَأَنَّهَا) أي: نفسه (في شَنَّةٍ) بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، ووقع في رواية عند البخاريّ: "حسبتُ كأنها شنّ"، وعلى هذا، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهوأبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه، أفاده في "الفتح".
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي: سالت بالدموع عينا رسول الله ﷺ (فَقَالَ لَهُ سَعْذ) أي: ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: "فقال عبادة بن الصامت"، والصواب ما في "الصحيح"، قاله في "الفتح" (مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟، وفي رواية للبخاريّ: "فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ "، وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "وتنهى عن البكاء".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ … إلخ": معناه: أن سعدًا ﵁ ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ ﷺ نسي، فذكّره، فأعلمه النبيّ ﷺ أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما. انتهى (٢).
(قَالَ) ﷺ : ("هَذِه رَحْمَةٌ) أي: الدمعة التي تشاهدونها أثر رحمة من الله
стр. 10433
تعالى، وفي رواية: "هذا رحمة" بتذكير الإشارة؛ أي: هذا الدمع الذي تراه أثر رحمة من الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحم الله: قوله: "هذه رحمة": أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه الله برحمته، وهو المعنيّ بقوله ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن الله تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]. انتهى (١).
(جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلوبِ عِبَادِهِ) أي: إن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمّد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهيّ عنه الجزع، وعدم الصبر.
(وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَابٍ الرُّحَمَاءَ") وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الطبّ": "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء".
و"مِنْ" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول، وهو "الرحماء"، وقُدِّم عليه ليكون أوقع، و"الرحماء": جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، و"الراحمون" جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة.
وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ "الرحماء" في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، والله تعالى أعلم، ذكره في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10434
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ﵄ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٦/ ٢١٣٥ و ٢١٣٦) (٩٢٣)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٨٤) و"المرضى" (٥٦٥٥) و"القدر" (٦٦٠٢) و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٥) و"التوحيد" (٧٣٧٧ و ٧٤٤٨)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٦٨) و"الكبرى" (١٩٩٥)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٤ و ٢٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر؛ ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك.
٣ - (ومنها): جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة.
٤ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: "إن ابنًا لي قُبض"، مبالغةً في ذلك؛ لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك.
٥ - (ومنها): مشروعيّة إبرار القسم.
٦ - (ومنها): أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر.
٧ - (ومنها): إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله.
٨ - (ومنها): تقديم السلام على الكلام.
٩ - (ومنها): عيادة المريض، ولو كان مفضولًا، أو صبيًّا صغيرًا.
١٠ - (ومنها): أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرة.
стр. 10435
١١ - (ومنها): استفهام التابع من إمامه عما أشكل عنيه، مما يتعارض ظاهره.
١٢ - (ومنها): حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول الله" على الاستفهام.
١٣ - (ومنها): الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين.
١٤ - (ومنها): جواز البكاء من غير نوح ونحوه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم البكاء على الميت:
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى؛ لحديث جابر بن عَتِيك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت … الحديث، حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ وغيرهم (١).
стр. 10436
ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": وأُرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن، وقال صاحب "الشامل" وطائفة: يكره البكاء بعد الموت؛ لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ مُحْتَمِلٌ، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعيّ في "الأمّ"، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين ﵁: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به؛ لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ ﵀ في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النَّوويّ ﵀ (١).
وقال الحافظ أبو عمر ﵀ في "التمهيد": وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول الله ﷺ : "دعهنّ -يعني يبكين حتى يموت- ثم لا تبكينّ باكية"، يريد- والله أعلم- لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبهّ، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس ﵄ في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللهُ أضحك، وأبكى.
وقال في "الاستذكار" ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول الله ﷺ على إبراهيم ابنه، وقال: "إنها رحمة"، أخرجه مسلم.
стр. 10437
وبَكَى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: "إنما هي رحمة، جعلها الله في قلوب عباده"، أخرجه أبو داود.
وعن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ نَعَى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان"، أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁: "زار رسول الله ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله"، أخرجه مسلم.
وروى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت بن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح.
وثبت عن النبيّ ﷺ أنه نَهَى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطيّة، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃، وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت.
وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ ، لما رجع من أُحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول الله ﷺ من الليل، فسمعهنّ، وهنّ يبكين، فقال: "ويحَهُنّ، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: مُرّ على النبيّ ﷺ بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر بن الخطاب. . . الحديث (١). انتهى كلام الحافظ
стр. 10438
أبي عمر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن الأحاديث الدّالّة على إباحة البكاء دون النوح حديث جابر ﵁ في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أُحد، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لَمّا قُتِل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، وينهوني عنه، والنبيّ ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبيّ ﷺ : "تبكين، أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه".
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبيّ ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله … . " الحديث، أخرجه مسلم، وسيأتي.
ومنها: حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ ذَرَفَت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال: "إنها رحمة"، ثم قال: "العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا". متفق عليه.
وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر ﵁ بلفظ: إن النبيّ ﷺ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبيّ ﷺ ، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان".
ومنها: حديث عائشة ﵄، قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس ﵄، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئًا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول الله ﷺ إليها، نظر غضبان، فقال: "وما يدريكِ؟ "، قالت: يا رسول الله فارسك،
стр. 10439
وصاحبك، فقال رسول الله ﷺ : "والله إني رسول الله، وما أدري ما يُفْعَل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون"، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، وقال: "مهلا يا عمر"، ثم قال: "ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله ، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان". انتهى.
قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٧: وفيه عليّ بن زيد، وفيه كلام، وهو موثّق. انتهى.
ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسى بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي. انتهى.
قال الجاء عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقًا، قبل الموت، وبعده؛ إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه.
ومن هنا يُعلم الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته.
وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تُحْمَل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "ولكن نهيت عن صوتين … ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله ، ومن الرحمة … ". وقوله في حديث ابن عمر السابق: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب … ". فيكون معنى قوله ﷺ : "لا يبكين على هالك بعد اليوم"، وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية" النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح.
стр. 10440
وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده، ويردّه ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ من قصّة زجر عمر للباكيات، وحديث عائشة ﵂ في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر المتقدّم، وحديث أبي هريرة ﵁ في قصة بكاء النبيّ ﷺ عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر ﵁ في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس ﵄ قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول الله ﷺ ، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه.
وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعيّ ﵀، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم.
والحاصل أن الجمع الأول هو الحقّ والصواب، كما أفاده العلامة الشوكانيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، جَمِيعًا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَن حَدِيثَ حَمَّادٍ أتَمُّ وَأَطْوَلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن عاصم الأحول، هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ٦٨) فقال:
стр. 10441
(٦٩٤١) أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أُتِي النبيُّ ﷺ بابنة ابنته، ونفسها تقعقع، كأنها في شَنّ، فقال رسول الله ﷺ : "الله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكلٌّ إلى أجل مسمى"، قال: وبكى، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله أتبكي، وقد نهيت عن البكاء؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
[٢١٣٧] (٩٢٤) - (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأنصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ (٢)، فَقَالَ: "أقَدْ قَضَى؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: "ألَا تَسْمَعُونَ، إِن اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
стр. 10442
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ (١) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٦) (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْأنصَارِيُّ) هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن الْمُعَلّى، ويقال: ابن أبي المعلى الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن حسين.
وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وعمارة بن غَزِيّة، وعمرو بن الحارث، وزيد بن أبي أُنيسة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن معين: مشهورٌ، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ذكر ابن سعد أنه سعيد بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلَّى، وصوّبه أبو أحمد الدمياطي، والله أعلم، قاله الحافظ ﵀ (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه ومنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سعيد، وهو الصحابيّ ومدنيّان، وأما الصحابيّ، فقد سبق الكلام فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ) قاضي المدينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن
стр. 10443
الخطّاب ﵄ أنه (قَالَ: اشْتَكَى) أي: مَرِضَ (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد الأجواد، وقع في "صحيح مسلم" أنه شهد بدرًا، والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيّأ للخروج، فنُهِس، فأقام، مات ﵁ بأرض الشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك، وليس له في "الصحيحين" رواية، وإنما له ذكر فقط. (شَكْوَى) بلا تنوين، ويُنوّن أيضًا، كما قاله في "القاموس"، وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ"شكوى" (فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه زائرًا له (مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵃، وفي رواية عمارة بن غزيّة التالية: "فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر" (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) زاد في رواية عمارة بن غزية التالية: "فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله ﷺ ، وأصحابه الذين معه" (وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ) بفتح الغين، وكسر الشين المعجمتين، وتشديد الياء، قال القاضي عياض: هكذا رواية الأكثرين، قال: وضبطه بعضهم بإسكان الشين، وتخفيف الياء، وفي رواية البخاريّ "في غاشية"، وكله صحيح، وفيه قولان: أحدهما: من يغشاه من أهله، والثاني: ما يغشاه من كرب الموت. انتهى.
وفي نسخة: "في غَشْيَتِهِ".
ووقع في رواية للبخاريّ: "فوجده في غاشية أهله"، قال في "الفتح": قوله: "في غاشية أهله" بمعجمتين: أي الذين يَغْشَونه للخدمة وغيرها، وسقط لفظ "أهله" من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطابيّ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الْغَشْيَةُ من الكرب، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم: "في غَشْيَتِهِ"، وقال التوربشتيّ: الغاشية هي الداهية، من شرّ، أو من مرض، أو من مكروه، والمراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي هو فيه، لا الموت؛ لأنه أفاق من تلك المرضة، وعاش بعدها زمانًا. انتهى (١).
(فَقَالَ) ﷺ : ("أقَدْ قَضَى؟ ") بالبناء للفاعل، يقال: قَضَى فلانٌ، كَرَمَى: إذا مات، والقاضية: الموت؛ أي: أقد مات، وخرج من الدنيا؟ ظنّ ﷺ أنه
стр. 10444
مات، فسأل عن ذلك، فـ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) أي: لم يمت (فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: رحمةً عليه، يقال: بكَى يبكي بُكًى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيْتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ له، وبَكَّيتُهُ بالتشديد، وبَكَت السماءُ: أمطرت (١).
(فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) في نسبة البكاء إلى الرؤية إشارة إلى أنه لم يكن إلا خروج الدمعة، (بَكَوْا) بفتح الكاف، كَرَمَوْا، قال في "الفتح": في هذا إشعارٌ بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبيّ ﷺ ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعتَرَضَ به هناك، فدَلّ على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرّ. انتهى (٢).
(فَقَالَ) ﷺ : ("ألَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللهَ) بكسر الهمزة استئنافًا؛ لأن قوله: "تسمعون" لا يقتضي مفعولًا؛ لأنه جُعل كاللازم، فلا يقتضي مفعولًا؛ أي: ألا توجدون السماعَ، كذا قرّره البرماويّ، والحافظ، كالكرمانيّ، وقد تعقّب ذلك العينيّ، فقال: وما المانع أن يكون بالفتح في محلّ المفعول لـ "تسمعون"، وهو الملائم لمعنى الكلام. انتهى. وقال القسطلّانيّ: لكن الذي في روايتنا بالكسر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر جواز الأمرين، لكن إن تعينت الرواية بالكسر، كما قال القسطلانيّ، فيتعيّن ما قاله الأولون، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: وفيه إشارة إلى أنه فَهِم من بعضهم الإنكار، فبَيَّن لهم الفرق بين الحالتين. انتهى.
(لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ
стр. 10445
على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائزٌ قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوبٌ إليه؛ لأنه ﷺ قد قال فيه: "إنها رحمة"، والرحمة مندوبٌ إليها، فأما النياحة التي كانت الجاهليّة تفعلها، من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من الخصال الدنيويّة، والمذمومة، والصُّراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى التسخّط، والعبث، من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، فكلُّ ذلك محرَّمٌ، من أعمال الجاهليّة، ولا يُختَلف فيه، فأما بكاءٌ وصُراخٌ لا يكون معه شيء من ذلك، فهو جائزٌ قبل الموت، مكروهٌ بعده، أما جوازه فبدليل حديث جابر بن عتيك الذي أخرجه مالك، وذلك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبدَ الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب عليه فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ ، وقال: "غُلِبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة، وبكين، فجعل جابر يُسَكِّتهنّ، فقال رسول الله ﷺ : "دعهنّ، فإذا وجب فلا تَبْكِيَنّ باكية"، قالوا: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: "إذا مات … " الحديث (١).
قال: ووجه الاستدلال أنه ﷺ أقرّهنّ على البكاء، والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك، وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهنّ بعد الموت، وإعلام النبيّ ﷺ بذلك، ونهيهنّ عنه، فلما لم ينكففن قال للمبلّغ: "احثُ في أفواههنّ التراب" (٢)، ولم يبالغ في الإنكار عليهنّ، ولا زجرهنّ، ولا ذمّهنّ، ولو كان ذلك محرّمًا لفعل كلّ ذلك، والله أعلم.
قال: وبهذا الذي قرّرناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصحّ جمعها، فتمسّك به، فإنه حسنٌ جدًّا، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ كمال، إلا أن
стр. 10446
قوله: "إنه مكروه، وليس بمحرّم" فيه نظر لا يخفى، ومن الغريب احتجاجه عليه بقصّة جعفر ﵁، وفيه إنكار النبيّ ﷺ ، ومبالغته في ذلك حيث أمر أن يُحثى التراب في أفواههنّ، وهل معنى الإنكار إلا هذا؟، وكيف يقول: ولا زجرهنّ، أليس هذا الزجر؟ إن هذا لهو العجب، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا) أي: تكلّم بسوء، من الجزع والنياحة (وَأَشَارَ) ﷺ (إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ") أي: بهذا، إن قال خيرًا، كالاسترجاع، واستسلم لقضاء الله تعالى، وَيحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "أو يرحم"؛ أي: إن لم يُنفّذ الوعيد.
وزاد في رواية البخاريّ ﵀: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وكان ابن عمر ﵄ يضرب فيه بالعصا، وَيرمي بالحجارة، وَيحثِي بالتراب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢١٣٧] (٩٢٤) و [٧/ ٢١٣٨] (٩٢٥)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٥ و ٢٠٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب عيادة المريض.
٢ - (ومنها): عيادة الفاضل للمفضول، والإمام أتباعه مع أصحابه.
٣ - (ومنها): فيه النهيُ عن المنكر، وبيان الوعيد عليه.
٤ - (ومنها): جواز البكاء عند المريض.
٥ - (ومنها): جواز اتباع القوم للباكي في بكائه.
٦ - (ومنها): يستفاد من زيادة البخاريّ المذكورة أن الميت يُعَذَّب ببكاء
стр. 10447
أهله، وسيأتي البحث في ذلك مستوفى قريبًا- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧) - (بَابُ عِيَادَةِ الْمَرْضَى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٨] (٩٢٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ، يَعْنِي ابْنَ غَزِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أيَا أَخَا الْأنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ " فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ "، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلَا خِفَاف، وَلَا قَلَانِسُ، وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ، حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) الزَّمِنُ، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمِ) بن عبد الله الثقفيّ، أبو جعفر البصريّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠] (خ م دس) تقدم في "الصلاة" ٧/ ٨٥٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى) هكذا في هذه الرواية هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن المعلّى، كما سبق في الرواية الماضية، نسب أباه هنا
стр. 10448
لجدّه (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولي اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لا يُعرف اسمه، كما قال صاحب "التنبيه" (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي: النبيّ ﷺ (ثُمَّ أَدْبَرَ الأنصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَخَا الأَنْصَارِ) أي: صاحبهم، ومن هو من نسبهم (كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ ") قال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على حسن التعاهد، وتففد الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فُقدوا، وعلى الاستلطاف في السؤال عنهم. انتهى (١).
(فَقَالَ) الأنصاريّ: (صَالِحٌ) أي: لا بأس به، فهو في قيد الحياة، يُرجى أن يبرأ من مرضه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ ") أي: من الذي يريد أن يزوره في بيته معي؟.
قال القرطبيّ ﵀: وفيه الحضّ على عيادة المرضى، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تدلّ على ندبيّتها، وكثرة ثواب فاعلها، وهي مندوبةٌ، وقد تجب إذا خيف على المريض ضيعةٌ، فإن التمريض واجب على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره. انتهى (٢).
(فَقَامَ) ﷺ (وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ) هكذا النسخ، قال الفيّوميّ: "البِضْعُ" في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتحه، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بضع رجال، وبضع نسوة، ويُستعمَل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في "بضع" مع المذكر، وتُحْذَف مع المؤنث، كالنَّيِّفِ، ولا يُستعمَل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البضع والبضعة في العدد قطعةٌ مُبْهَمةٌ غير محدودة. انتهى (٣).
[تنبيه]: لم يُذكر من هؤلاء البضعة عشر غيرُ من تقدّم ذكرهم في الحديث الماضي، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر؛ لأنه قال في هذه الرواية: "وقمنا معه"، والله تعالى أعلم.
стр. 10449
[تنبيه آخر]: نسخ "صحيح مسلم" التي بين أيدينا هكذا بلفظ: "ونحن بضعة عشر"، ووقع في مختصر القرطبيّ لـ "صحيح مسلم" بلفظ: "ونحن سبعة عشر"، ولا أدري من أين أخذه، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم.
(مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ) بالكسر جمع نعل، وهي الحذاء، وهي مؤنّثة، وتُجمع أيضًا على أَنْعُل، كسهم، وأسهم، وسِهَام (وَلَا خِفَافٌ) بالكسر أيضًا جمع خُفّ، وهو ما يُلْبَسُ في الرجل من جلد رقيق (١).
(وَلَا قَلَانِسُ) بالفتح: جمع قَلَنْسُوة، بوزن فَعَنْلُوة، بفتح العين، وسكون النون، وضمّ اللام، قاله في "المصباح"، وقال في "القاموس": والْقَلَنْسُوةُ، والْقُلَنْسِيَةُ إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تُلْبس في الرأس، جمعها قلانِسُ، وقلانيسُ، وقَلَنْسٍ، وأصله قَلَنْسُوٌ، إلا أنهم رَفَضُوا الواو؛ لأنه ليس اسم آخره حرف علّة قبلها ضمّة، فصار آخِرَهُ ياءٌ مكسورٌ ما قبلها، فكان كقاضٍ، وقَلَاسِيٌّ، وقَلَاسٍ. انتهى (٢).
(وَلَا قُمُصٌ) بضمّتين: جمع قميصٍ، قال في "القاموس": القَمِيص، وقد يؤنّث: معروفٌ، أو لا يكون إلا من قطن، وأما من الصوف، فلا. جمعه قُمَصٌ، وأَقمِصةٌ، وقُمْصانٌ. انتهى (٣).
(نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ) بالكسر: سَبَخة، قال في "القاموس": السَّبَخَةُ محرّكةً، ومُسكّنةً: أرض ذات نَزّ ومِلْحٍ، جمعها سِبَاخٌ. انتهى (٤).
وقال في "المصباح": سَبِخَت الأرض سَبَخًا، من باب تَعِبَ، فهي سَبِخَةٌ بكسر الباء، وإسكانُهَا تخفيف، وأسبخت بالألف لغةٌ، ويُجمَع المكسور على لفظه سَبِخَاتٍ، مثل كَلِمَة وكَلِمَاتٍ، ويُجمَع الساكن على سِبَاخٍ، مثل كَلْبة وكِلابٍ، وموضع سَبَخٌ، وأرضٌ سَبَخَة بفتح الباء أيضًا: أي: مِلْحَة. انتهى (٥).
قال النوويّ ﵀: فيه ما كانت الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، واطّراح فُضُولها، وعدم الاهتمام بفاخر اللباس ونحوه، وفيه
стр. 10450
جواز المشي حافيًا، وعيادة الإمام والعالم المريض مع أصحابه. انتهى (١).
(حَتَّى جِئْنَاهُ) أي: سعد بن عُبادة (فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ) أي: ليكون المكان خاليًا للنبيّ ﷺ ، وأصحابه الذين معه (حَتَّى دَنَا) أي: اقترب من سعد (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ).
وقال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث من الفوائد: زيارة الأئمة، وأهل الفضل المرضى، وحضّه على ذلك أصحابه بقوله: "من يعوده منكم؟ "، وفيه السؤال للحاضرين عن أحوالهم، وكذلك إذا كانوا في شدّة، ولا يكلّفون هم من ذلك ما عساه يشقّ من الجواب عليهم، وفيه حضور الناس عند من احتُضِر، وهو مما يتعيّن على كافّتهم، وبخاصّة لآله وقرابته، وقد ترك ابن عمر صلاة الجمعة حين دُعي لاحتضار سعيد بن زيد؛ لشدّة حاجة الميت حينئذ إلى من ينظر فيه، ويرفق به، ويقوم عليه، وفيه أن للرجل حقًّا في مثل هذا، وأنه من جاء لعيادة، أو قضاء حاجة عند كبير، ثم جاء غيره، وقد ضاق المجلس عن الداخل أن ينصرف الأول، أو يفسح له عن قرب المزور حتى يقضي أربه منه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، لا كما ظنّه بعضهم من أنه من أفراد المصنّف (٣)، قال الحافظ ﵀ في "النكت الظراف": هو طرف من الحديث الأول، ومن ثمّ ذكره الحميديّ في المتّفق عليه، لا في أفراد مسلم. انتهى (٤).
ولهذا اكتفيت في تخريجه بما سبق هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10451
(٨) - (بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٩] (٩٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ) المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، الإمام الحجة الناقد البصير، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، ولطائف الإسناد، وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَذَثنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ
стр. 10452
تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: "اتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي"، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي (١)، فَلَمَّا ذَهَبَ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ"، أَوْ قَالَ: "عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه هذا، وكذا الذي قبله كلاهما ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه كسابقه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع، وقد مرّ تصريح ثابت بالسماع في السند الماضي.
٦ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاز المائة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، تقدّم في الرواية الماضية: "عن ثابت، قال: سمعت أنس بن مالك" (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ) لا يعرف اسمها
стр. 10453
(تَبْكِي) وفي رواية البخاريّ: "مرّ النبيّ ﷺ بامرأة تبكي عند قبر" (عَلَى صَبِيٍّ لَهَا) أي: لأجل موت ولدها الصغير، هذا يُشعر بأنه ولدها، وصَرَّح به في مرسل يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق، ولفظه: قد أصيبت بولدها، وأخرج البخاريّ في أوائل "كتاب الأحكام" من "صحيحه" من طريق أخرى عن شعبة، عن ثابت، أن أنسًا قال لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: كان النبيّ ﷺ مرّ بها، فذكر هذا الحديث (١).
(فَفَالَ لَهَا: "اتَّقِي اللهَ) في رواية أبي نعيم في "المستخرج": فقال: "يا أمة الله اتقي الله"، قال القرطبيّ: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد، من نَوح، أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى، يؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: "فسمع منها ما يَكْرَه، فوقف عليها"، وقال الطيبيّ: قوله: "اتقي الله" توطئة لقوله: (وَاصْبِرِي") كأنه قيل لها: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثواب.
(فَفَالَتْ) جاهلةً بمن يُخاطبها، وظانّةً أنه من آحاد الناس (وَمَا) نافية (تُبَالِي بِمُصِيبَتِي) وفي بعض النسخ: "وما تبالي مصيبتي"، بحذف الباء الموحّدة، قال النوويّ ﵀: فيه صحّة قول الإنسان: ما أُبالي بكذا، والردّ على من زعم أنه لا يجوز إثبات الباء، وإنما يقال: ما باليتُ كذا، وهذا غلطٌ، بل الصواب جواز إثبات الباء وحذفها، وقد كثُر ذلك في الأحاديث. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: قولهم: لا أباليه، ولا أبالي به؛ أي: لا أهتمّ به، ولا أكترث له، قال: ولا تُستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مبالاةً، والاسم البِلاءُ وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: "قالت: إليك عنّي، لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه"، وفي رواية له: "فإنك خِلْوٌ من مصيبتي"، وهو بكسر المعجمة وسكون
стр. 10454
اللام، ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة ﵁: "إنها قالت: يا عبد الله إني أنا الحزى الثَّكْلَى، ولو كنت مصابًا عَذَرتني".
(فَلَمَّا ذَهَبَ) ﷺ من عند المرأة (قِيلَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: "فَمَرَّ بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته"، وفي رواية أبي يعلى المذكورة: "قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا"، وللطبرانيّ في "الأوسط" من طريق يوسف بن عَطِيَّة (١)، عن أنس، أن الذي سألها هو الفضل بن العباس (٢).
(إِنَّهُ) أي: الشخص الذي كلّمك الآن هو (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ) أي: من شدة الكرب الذي أصابها لَمّا عَرَفَت أنه ﷺ خَجَلًا منه ومَهَابةً، وإنما اشتبه عليها النبيّ ﷺ حينما كلّمها؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
(فَأَتَتْ بَابَهُ) للاعتذار إليه فيما قالته (فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ) أي: حارسين للباب يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية للبخاريّ: "بوّابًا" بالإفراد.
стр. 10455
قال الزين ابن الْمُنِّير ﵀: فائدة هذه الجملة من هذا الخبر بيان عذر هذه المرأة في كونها لم تعرفه، وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوّابًا مع قدرته على ذلك؛ تواضعًا، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى، كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة، فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
وقال الطيبيّ ﵀: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبيّ ﷺ استَشْعَرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصورت أن نبيّ الله ﷺ مثل الملوك والعظماء، له حاجب، وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. انتهى (١).
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ) أي: قالت المرأة معتذرة إليه ﷺ : اعذرني من تلك الرّدّة وخشونتها (فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ سَلْمَةٍ") أي: الكامل الذي يُوفّى صاحبه الثواب بغير حساب هو الذي حصل عند أول صدمة؛ أي: ضربة يُضربها الشخص، وهو كناية عن أول وقوع المصيبة، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: "عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ") أي: بالتعريف.
وحاصل المعنى: إذا وقع الثبات أول شيء يَهْجُم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصَّدْم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.
وقال الخطابيّ ﵀: المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه إذا طالت الأيام يَسْلُو، ويصير طبعًا، فلا يؤجر عليه.
وحَكَى الخطابيّ عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره.
وقال ابن بطال ﵀: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك، وفقد الأجر.
وقال الطيبيّ ﵀: صدر هذا الجواب منه ﷺ عن قولها: "لم أعرفك"
стр. 10456
على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار إليّ، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسكِ الثواب الجزيل، والكرامة، والفضل من الله تعالى بالجزع وعدم الصبر عند فجأة الفجيعة. انتهى (١).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: فائدة جواب المرأة بذلك، أنها لما جاءت طائعةً لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن، بَيَّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب. انتهى.
ويؤيد هذا أن في رواية أبي هريرة المذكورة: "فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر"، وفي مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: "فقال: اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى"، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: "والْعَبْرَة لا يملكها ابن آدم"، قاله في "الفتح" (٢).
[تنبيه]: أورد البخاريّ ﵀ هذا الحديث في "باب زيارة القبور"، مع احتمال أن تكون المرأة المذكورة تأخرت بعد الدفن عند القبر، والزيارة إنما تُطلَق على من أنشأ إلى القبر قصدًا من جهة استواء الحكم في حقها، حيث أمرها بالتقوى والصبر لَمّا رأى من جَزَعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها، فدلّ على أنه جائزٌ، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها، فأقامت عند القبر بعد الدفن، أو أنشأت قصد زيارته بالخروج بسبب الميت، قاله في "الفتح"، وسيأتي حكم زيارة القبور في أواخر أبواب الجنائز- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 10457
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢١٣٩ و ١٢٤٠ و ٢١٤١] (٩٢٦)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٥٢ و ١٢٨٣ و ١٣٠٢) و"الأحكام" (٧١٥٤)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٤)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (٩٨٨)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٢٢)، و"عمل اليوم والليلة" (١٠٦٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠ و ١٤٣ و ٢١٧)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٦/ ٢٢٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٢٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٧ و ٢٠٦٨)، و (البيهقىُّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع، والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٢ - (ومنها): بيان أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ مَن يحجبه عن حوائج الناس.
٣ - (ومنها): بيان أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يَقْبَل، ولو لم يعرف الآمر.
٤ - (ومنها): بيان أن الجزَع من المنهيات؛ لأمره ﷺ لهذه المرأة بالتقوى، مقرونًا بالصبر.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة.
٦ - (ومنها): أن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنويّ لا أثر لها، وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرةَ أن عمرة لا تطلق.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا؛ لعدم الاستفصال في ذلك.
стр. 10458
قال النوويّ: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط. انتهى.
وحجة الماورديّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي الاستدلال به نظرٌ لا يخفى، قاله في "الفتح" (١)، وسيأتي تمام البحث في مسألة زيارة القبور في آخر أبواب الجنائز- إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه (٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- (ح) وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، بِقِصَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٢٨٦) (ع) تقدم في "لإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م دت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ) البُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٦) (م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٧.
стр. 10459
٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سهل التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
و"شعبةُ" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد شعبة المتقدّم، وهو: عن ثابت الْبُنانيّ، عن أنس بن مالك ﵁.
[تنبيه]: أما رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، فقد ساقها، أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ١١ - ١٢) مقرونة برواية عثمان بن عمر عنه، فقال:
(٢٠٦٨) حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عُمَر (١)، ثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد بن الحارث، قالا: ثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبيّ لها، فقال لها: "اتقي الله، واصبري"، قالت: وما تبالي أنت بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تَجِد على بابه بوّابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند أول صدمة، أوأول الصدمة".
وأما رواية عبد الملك بن عمرو، وهو أبو عامر الْعَقَديّ، فقد ساقها أبو نعيم أيضًا مقرونة برواية أبي داود، فقال:
(٢٠٦٧) حدّثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وثنا عبد الرحمن بن العباس الأطروش، من لفظه، ثنا محمد بن يونس، ثنا أبو عامر العقديّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، قالوا: ثنا شعبة، عن ثابت، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله ﷺ : "الصبر عند أول صدمة".
وأما رواية عبد الصمد، عن شعبة فقد ساقها البخاريّ في "الأحكام"، فقال:
(٧١٥٤) حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا شعبة،
стр. 10460
حدثنا ثابت البنانيّ، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: فإن النبيّ ﷺ مَرّ بها، وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله، واصبري"، فقالت: إليك عني، فإنك خِلْوٌ من مصيبتي، قال: فجاوزها، ومضى، فمَرّ بها رجلٌ، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ ، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بوّابًا، فقالت: يا رسول الله، والله ما عرفتك، فقال النبيّ ﷺ : "إن الصبر عند أول صدمة". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩) - (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٢] (٩٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثنا نَافِعٌ (١)، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ، أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟ ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
стр. 10461
٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطاب رففي، تقدّم قبل باب.
٧ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفَيل بن عديّ القرشيّ العدويّ، أحد الخلفاء الراشدين، استُشهد ﵁ في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
رجال هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر ﵄ (أَنَّ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب أم المؤمنين ﵂، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خُنيس بن حُذافة، سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥)، تقدّمت ترجمتها في "صلاة المسافرين وقصرها" (١٥/ ١٦٧٦). (بَكَتْ عَلَى عُمَرَ) أي: لَمّا طُعِن ﵁، وأُغمي عليه (فَقَالَ) أي: لَمَا أفاق من إغمائه (مَهْلًا) بفتح الميم، وسكون الهاء، وتفتح، اسم من التمهّل، يقال: تمهّل في أمرك تمهُّلًا: أي اتّئِدْ فيه، ولا تعجل، ونصبه على المصدريّة، فهو مصدر ناب مناب الفعل، كما قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، فعامله يُحذف وجوبًا؛ لنيابته عنه، قال في "الخلاصة":
وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلَا … مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا الَّذْ كَانْدُلَا
أي: تمهّلي تمهّلًا (يَا بُنَيَّةُ) تصغير بنت (ألَمْ تَعْلَمِي) استفهام إنكار وتوبيخ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟) أي: بسبب بكائهم على موته، واختُلف في معنى هذا الحديث على أقوال، والراجح أنه يعذّب إذا كان ذلك من عادته وسنّته، كما هو مذهب الإمام البخاري ﵀،
стр. 10462
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثالثة- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢١٤٢ و ٢١٤٣ و ٢١٤٤ و ٢١٤٥ و ٢١٤٦ و ٢١٤٧ و ٢١٤٨] (٩٢٧)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٨٨ و ١٢٨٩ و ١٢٩٠ و ١٢٩٢ و ٣٩٧٩)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٠٢ و ١٠٠٤ و ١٠٠٦)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٤٨ و ١٨٥٠ و ١٨٥٣ و ١٨٥٥ و ١٨٥٦ و ١٨٥٧ و ١٨٥٨)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٦ و ٤١ و ٤٢ و ٤٤ و ٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٩ و ٢٠٧٠ و ٢٠٧١ و ٢٠٧٢ و ٢٠٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "الميت يعذّب ببكاء أهله عليه":
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
(الأول): حَمْلُهُ على ظاهره، وهو بيِّن من قصّة عمر مع صُهيب ﵄، كما سيأتي في الباب.
وَيحْتَمِل أن يكون عمر ﵁ كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهي، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صُهيب ﵁، وكذلك نهى حفصة ﵂.
وممن أخذ بظاهره أيضًا عبد الله بن عمر، فرَوَى عبد الرزّاق أنه شهد رافع بن خَدِيج، فقال لأهله: "إن رافعًا شيخ كبير، لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه".
(الثاني): قول من ردّ هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [فاطر: ١٨] وممن رُوي عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة ﵁، كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبد الله المزنيّ، قال: قال
стр. 10463
أبو هريرة ﵁: "والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله، فاستُشهد، فعَمَدَت امرأته، سَفَهًا وجهلًا، فبكت عليه، ليُعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة؟ "، وإلى هذا جَنَح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد وغيره.
(الثالث): تأويل من أَوَّل قوله: "ببكاء أهله عليه" على أن الباء للحال؛ أي: أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدّة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يُسأل، ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: إن الميت يُعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه، حكاه الخطابيّ.
قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ما فيه من التكلّف، ولعلّ قائله إنما أخذه من قول عائشة ﵂: إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه ليعذّب بمعصيته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، وعلى هذا يكون خاصًّا ببعض الموتى.
(الرابع): تأويل من أوّله على أن الراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لِمَعهود معيّن، كما جزم به أبو بكر الباقلّانيّ وغيره، وحجتهم ما سيأتي عن عائشة ﵂ أنه ذُكِرَ لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذّب ببكاء الحيّ عليه، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن … الحديث.
(الخامس): تأويل من أوّله على أن ذلك مختصّ بالكافر، وأن المؤمن لا يُعذّب بذنب غيره أصلًا، وهو بيّن من رواية ابن عباس، عن عائشة ﵂ كما سيأتي.
قال الحافظ ﵀: وهذه التأويلات عن عائشة ﵂ متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترُدّ الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن.
قال الداوديّ: رواية ابن عباس، عن عائشة ﵂ أثبتت ما نفته عمرة، وعروة عنها، إلا أنها خضته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأيّ فرق بين أن يزداد بفعل غيره، أو يعذّب ابتداء؟.
وقال القرطبيّ: إنكار عائشة ﵂ ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة، أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا، ولم يسمع بعضًا بعيد؛ لأن الرواة لهذا
стр. 10464
المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.
وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة ﵄ بضروب من الجمع:
أولها: طريقة البخاريّ، حيث ترجم بقوله: باب قول النبيّ ﷺ : "يعذّب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته، لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] الآية وقال النبيّ ﷺ : "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته"، فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﵂: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] … إلخ.
ثانيها: وهو أخصّ من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المزنيّ، وإبراهيم الحربيّ، وآخرون، من الشافعية وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقنديّ: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النوويّ عن الجمهور قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طَرَفَة بن العبد [من الطويل]:
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ … وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
واعتُرض بأن التعذيب بسبب الوصيّة يُستَحَقّ بمجرّد صدور الوصيّة، والحديث دالّ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال.
والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا.
ثالثها: يقع ذلك أيضًا لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود، وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقّق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظنّ أنهم يفعلون ذلك.
قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النَّوْح، وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يُعلِمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عُذّب على ذلك عُذِّب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده.
رابعها: معنى قوله: "يعذّب ببكاء أهله"؛ أي: بنظير ما يَبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يُعَدِّدُون بها عليه غالبًا تكون من الأمور المنهيّة، فهم
стр. 10465
يمدحونه بها، وهو يعذّب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يَمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم، وطائفة، واستُدِلَّ له بما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له … الحديث، وفيه: "إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم … " الحديث.
قال ابن حزم: فصحّ أن البكاء الذي يعذَّب به الإنسان ما كان منه باللسان؛ إذ يَندُبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجُوده الذي لم يضعه في الحقّ، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذّب بذلك.
وقال الإسماعيليّ: كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌّ مجتهدًا على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يُغِيرون، وَيسْبُون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحق العذاب عليها.
خامسها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يُنْدَبه أهله به، كما رَوَى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "الميت يعذّب ببكاء الحيّ؛ إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه، وا كاسياه، جُبِذَ الميتُ، وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها؟ "، ورواه ابن ماجه: "يُتَعْتَعُ به، ويقال: أنت كذلك؟ "، ورواه الترمذيّ بلفظ: "ما من ميت يموت، فتقوم نادبته، فتقول: واجبلاه، واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وُكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟ "، وشاهده ما رواه البخاريّ في "المغازي" من حديث النعمان بن بشير ﵄، قال: "أُغمِي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي، وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ".
سادسها: معنى التعذيب تَألُّم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها،
стр. 10466
وهذا اختيار أبي جعفر الطبريّ من المتقدّمين، ورجحه ابن المرابط، وعياض، ومن تبعه، ونصره ابن تيمية، وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة -بفتح القاف، وسكون التحتانية -بنت مخرمة- بفتح الميم، وسكون المعجمة -الثقفية ﵂ قال: قلت: يا رسول الله قد ولدته، فقاتل معك يوم الربَذَة، ثم أصابته الحمّى، فمات، ونزل عليّ البكاء، فقال رسول الله ﷺ : "أيُغْلَب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذّبوا موتاكم".
وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبرانيّ، وغيرهم، وأخرج أبو داود، والترمذيّ أطرافًا منه، قال الطبريّ: ويؤيده ما قاله أبو هريرة: إن أعمال العباد تُعرَض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير ﵄، مرفوعًا، أخرجه البخاريّ في "تاريخه"، وصححه الحاكم، قال ابن المرابط: حديث قَيلة نصّ في المسألة، فلا يُعدَل عنه.
واعترضه ابن رُشد بأنه ليس نصًّا، وإنما هو مُحْتَمِل، فإن قوله: "فيستعبر إليه صويحبه" ليس نصًّا في أن المراد به الميت، بل يَحْتَمِل أن يراد به صاحبه الحيّ، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر هذه التوجيهات: وَيحْتَمِل أن يُجمَع بين التوجيهات، فينزّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ بذلك عذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا، فنُدب بأفعاله الجائرة عذّب بما نُدِب به، ومن كان يَعرِف من أهله النياحة، فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذّب بالتوبيخ، كيف أهمل النهي؟، ومن سَلِمَ من ذلك كله، واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه، وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الجمع فيه تكلّف، بل الأولى الترجيح بين هذه التوجيهات، كما سيأتي قريبًا.
стр. 10467
وحكى الكرمانيّ تفصيلًا آخر، وحسّنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ، وحال يوم القيامة، فيُحْمَل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] على يوم القيامة، ويُحْمَل هذا الحديث، وما أشبهه على البرزخ، ويؤيّده أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالّة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون حال البرزخ بخلاف حال يوم القيامة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي قاله الكرمانيّ يعارضه ما في بعض الأحاديث من التنصيص بأن ذلك التعذيب إنما يكون في القيامة، فقد أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، مرفوعًا: "من نِيح عليه، فإنه يعذّب بما نيح عليه يوم القيامة".
إذا علمت هذه الأقوال بما لها، وما عليها، فأرجحها عندي ما ذهب إليه الإمام البخاريّ ﵀، من أن ذلك إذا كان من سنّته، كما أسلفنا قوله في ذلك.
والحاصل أن هذا التعذيب في حقّ من له تسبب في بكاء أهله عليه، بأن يكون البكاء من سنته وطريقته، أو أوصى به في حياته، أو عَرَف أن أهله سيفعلون ذلك، وأهمل النهي والزجر عنه، وهذا التوجيه أقرب التوجيهات عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذبُ في قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَفَدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 10468
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النون فعل ماضي مغيّر الصيغة، وقال النوويّ ﵀: قوله: "بما نيح عليه" بإثبات الباء، وحذفها، وهما صحيحان، وفي رواية بإثبات "في قبره"، وفي رواية بحذفها. انتهى.
والنَّوْحُ: رفع الصوت بتعديد شمائل الميت، ومحاسن أفعاله، يقال: ناحت المرأة على الميت: إذا ندبته؛ أي: بكت عليه، وعدّدت محاسنه، وقيل: النوح بُكاءٌ مع صوت (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ") (٢).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 10469
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، يدلّس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ) أي: ابن الخطّاب ﵁، والفعل مبنيّ للمفعول؛ أي: طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وستأتي قصّته قريبًا.
وقوله: (أُغْمِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، يقال: غُمِي على المريض ثلاثيًّا مبنيًّا للمفعول، فهو مغميّ عليه على مفعول، وأُغمي عليه إغماء بالبناء للمفعول أيضًا، ومعناه: غُشي عليه.
стр. 10470
(فَصِيح عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: صرخ أهل البيت، ورفعوا أصواتهم.
وقوله: (فَلَمَّا أفَاقَ) أي: رجع من إغمائه، يقال: أفاق المجنون إفاقةً: رجع إليه عقله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَلِي بْنُ حُجْرٍ (١)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٢ - (أَبُو بُرْدَةَ) عامر، أو حارث بن أبي موسى الأشعريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم أبو موسى الأشعريّ ﵁، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جَعَلَ صُهَيْبٌ) هو ابن سِنان الروميّ الصحابيّ المشهور ﵁، أبو يحيى النَّمَريّ، من النَّمِر بن قاسط، ويُعرَف بالرُّوميّ؛ لأنه أقام في الروم مدةً، وهو من أهل الجزيرة سُبِي من قرية نِينُوَى، من أعمال الْمَوْصِل، وقد كان أبوه أو عمة عاملًا لكسرى، ثم إنه جُلِب إلى مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان القرشيّ التيميّ، ويقال: بل هَرَب، فأتى مكة، وحالف ابن جدعان.