للمصيبات بتوقّع ما هو أعظم منها، وهو الثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع والمال الذي حكم به ذو العزّة والجلال. انتهى (١).
وقوله: (اللَّهُمَّ) من جُملة ما أمر الله تعالى به (اجُرْنِي) بوصل الهمزة، وضم الجيم، وفي نسخة: "آجرني" بالمدّ، وكسر الجيم، وقال القاضي عياض ﵀: "اجُرني" بالقصر والمدّ، حكاهما صاحب "الأفعال" (٢)، وقال الأصمعيّ، وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يُمَدّ، ومعنى أَجَرَهُ اللهُ: أعطاه أجره وجزاء صبره، وهَمِّه في مصيبته. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير ﵀: آجَرهُ يُؤجِره: إذا أثابه، وأعطاه الأجر والثواب، وكذلك أَجَرَه يَأْجِرُه، والأمر منهما آجِرْني، وَأْجُرني. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: أَجَرَهُ اللهُ أَجْرًا، من باب قتل، ومن باب ضرب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه. انتهى (٥).
وقوله: (فِي مُصِيبَتِي) متعلّق بـ "أجرني"، قال القاري ﵀: والظاهر أن "في" بمعنى الباء سببيّة.
(وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أي: اجعل لي خَلَفًا مما فات عني في هذه المصيبة خيرًا من الفائت فيها، ففي الكلام تجوّز وتقدير (٦).
قال النووي ﵀: هو بقطع الهمزة، وكسر اللام، قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مالٌ، أو ولدٌ، أو قريبٌ، أو شيءٌ يُتَوَقَّع حصولُ مثله: أخلف الله عليك؛ أي: رَدّ عليك مثله، فإن ذهب ما لا يُتَوقَّع مثله بأن ذهب والدٌ، أو عمّ، أوأخٌ لمن لا جَدَّ له، ولا والد له، قيل: خَلَفَ الله عليك، بغير ألف؛ أي: كان الله خليفةً منه عليك. انتهى (٧).
стр. 10397
وقال ابن الأثير ﵀: يقال: خَلَفَ اللهُ لك خَلَفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا؛ أي: أبدلك بما ذَهَب منك، وعَوَّضك عنه، وقيل: إذا ذهب للرجل ما يَخْلُفُه، من مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلُفُه غالبًا كالأب والأم، قيل: خَلَف الله عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت؛ أي: كان الله خليفة عليك، وأخلف الله عليك أي: أبدلك. انتهى (١).
(إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا") أي: عوّضه الله تعالى خيرًا من تلك المصيبة (قَالَتْ) أم سلمة ﵂: (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تعني زوجها عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمه بَرّة بنت عبد المطلب، وكان أخا النبيّ ﷺ من الرضاعة، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، وتُوُفِّي بالمدينة في حياة النبيّ ﷺ مَرْجِعه من بدر، فتزوج النبيُّ ﷺ بزوجته أم سلمة، رَوَى عن النبيّ ﷺ في الاسترجاع عند المصيبة، وعنه أم سلمة.
وذكر ابن سعد أنه شهد بدرًا وأُحُدًا، وجرح باحد، ثم بعثه النبيّ ﷺ إلى بني أسد على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، ثم قدم المدينة، فانتقض الجرح، فمات لثلاث مَضَين من جمادى الآخرة، وبنحوه ذكره يعقوب بن سفيان، وابن أبي خيثمة، والْبَرْقيّ، وأبو جعفر الطبريّ، والحاكم، وأبو نعيم، وجماعة.
وقال العسكريّ: مات على عهد النبيّ ﷺ في السنة الرابعة، ونقله البغويّ عن أبي بكر بن زنجويه، وهو مقتضى قول ابن سعد، وقال عبد البر: تُوُفّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو يوافق الأول.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجة، وليس له عند مسلم إلَّا ذكرٌ فقط.
(قُلْتُ) أي: في نفسي، أو باللسان استغرابًا لوجود مثل ذلك (أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟) وفي الرواية الآتية: "قلت: من خير من أبي
стр. 10398
سلمة، صاحب رسول الله ﷺ ؛ "، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أحد من المسلمين خيرٌ منه، وهذا في تقديرها.
وقال الطيبيّ ﵀: هذا تعجّب من تنزيل قوله ﷺ : "إلَّا أخلف الله له خيرًا منها" على مصيبتها؛ استعظامًا لأبي سلمة. انتهى؛ يعني في زعمها.
وقولها: (أَوَّلُ بَيْتٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) استئناف بيانيّ، فكأن سائلًا سالها، وما سبب استغرابك أن يوجد خير من أبي سلمة؟، فأجابت بأنه أول أهل بيت (هَاجَرَ) إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال أبو نعيم: كان أول من هاجر إلى المدينة، زاد ابن منده: وإلى الحبشة، وذكره موسى بن عُقبة وغيره من أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفيمن شَهِدَ بدرًا، وأخرج البغويّ بسند صحيح إلى قبيصة بن ذؤيب أن النبيّ ﷺ أتى أبا سلمة يعوده، وهو ابن عمّته، وأول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة (١).
وقال الأبيّ: تعجّبت أم سلمة؛ لاعتقادها أنه لا خير من أبي سلمة، ولم تطمع أن يتزوّجها رسول الله ﷺ ، فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: "من خيرٌ من أبي سلمة" بالنسبة إليها، فلا يكون خيرًا من أبي بكر؛ لأن الخير في ذاته قد لا يكون خيرًا لها، وَيحْتَمِل أن تَعْني أنه خير مطلقًا، والإجماع على أفضليّة أبي بكر إنما على من تأخّرت وفاته عن رسول الله ﷺ ، وهل هو أفضل ممن تقدّمت وفاته؛ فيه خلاف، فلعلّها أخذت بأحد القولين، وقولها: أولُ بيت هاجر يدلّ على أنَّها أرادت أنه أفضل مطلقًا بالنسبة إليها. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والظاهر أن الخيريّة بالنسبة إليها، وباعتبار نفسها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(ثُمَّ إِني قُلْتُهَا) أي: كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي: بأن جعلني زوجته، وكان عِوَضَ خير لي من زوجي أبي سلمة ﵁.
стр. 10399
(قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ) - بفتح الموحَّدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات - ابن عمرو بن عُمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزي، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله ﷺ إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، فقال عمر: دَعْني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا، واعتذر حاطب بأنه لَمْ يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله، فقَبِل عذره.
ورَوَى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر، أن عبدًا لحاطب بن أبي بَلْتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النارَ، فقال: "لا، فإنه شَهِدَ بدرًا، والحديبية".
قال المدائنيّ: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ، عن يحيى بن بُكَير (١)، وليس له في الكتب الستة إلَّا ذكرٌ فقط.
(يَخْطُبُنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: خَطَب المرأةَ إلى القوم، من باب نصر: إذا طلب أن يتزوّج منها، واختطبها، والاسم الْخِطْبةُ بالكسر (٢). (لَهُ) أي: لنفسه ﷺ .
ووقع في رواية لأحمد، والنسائيّ أن الذي أرسله النبيّ ﷺ لخطبتها هو عمر بن الخطّاب ﵁، فيَحتمل أن يكون أرسله أولًا، ثم أرسل بعده حاطبًا، أو بالعكس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ ، فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ
стр. 10400
قولًا، فسُرِرت به، قال: "لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما تُوفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: "اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منه"، ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؛ فلما انقضت عدّتي، استأذن علي رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القَرَظ، وأَذِنت له، فوضعت له وِسَادةَ أَدَمٍ حَشْوها لِيفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيّ، ولكني امرأة فيّ غَيْرةٌ شديدةٌ، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة دخلت في السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الْغَيْرة، فسوف يذهبها الله منك، وأما ما ذكرت من السنّ، فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فانما عيالك عيالي"، قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ ، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولَ الله ﷺ . انتهى.
فهذا الحديث يخالف حديث مسلم من وجهين:
[أحدهما]: أن الحديث سمعته أم سلمة من زوجها أبي سلمة.
[والثاني]: أن الذي خطبها هو النبيّ ﷺ بنفسه، ولم يُرسل غيره.
[قلت]: يجاب عن الأول بحمله على أنَّها سمعته أولًا من زوجها، ثم سمعته بعد ذلك منه ﷺ مباشرةً، ومثل هذا في الأحاديث كثير.
ويُجاب عن الثاني بأن يقال: إنه أرسل أولًا غيره، ثم تقدّم إليها بنفسه للتأكيد، فأعادت عليه ما قالت للرسول من الأعذار الثلاثة، فأجابها عن كلّها بما يزيل عذرها، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ) أي: معتذرة إلى النبيّ ﷺ خوفًا من عدم قيامها بحقوقه (إِنَّ لِي بِنْتًا) هي زينب بنت أبي سلمة؛ أي: وهي تضرّ بحسن المعاشرة الزوجيّة.
[تنبيه]: قال ابن الأثير ﵀: أم سلمة ﵂ لها ابنتان من أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ ﵁: إحداهما: دُرّة، والأخرى: زينب. انتهى.
(وَأَنَا غَيُورٌ) أي: كثيرة المغيرة، وهي تؤدّي إلى عدم الوفاء بحقوق
стр. 10401
الزوجيّة، و "الغيرة": كراهة الشخص اشتراك غيره فيما هو حقّه، أفاده الكفويّ (١)؛ تعني: أنَّها ذات غَيْرة شديدة لا تتمكن معها من الاجتماع مع سائر أزواجه ﷺ .
وقال النوويّ ﵀: يقال: امرأة غَيْرَي، وغَيُورٌ، ورجلٌ غَيُورٌ وغَيْران، وقد جاء فَعُول في حفات المؤنّث كثيرًا، وإن كان أصلها للمذكّر؛ كقولهم: امرأةٌ عَرُوسٌ، وعَرُوبٌ، وضَحُوكٌ لكثيرة الضحك، وعَقَبةٌ كَؤُودٌ، وأرضٌ صَعُودٌ، وهَبُوطٌ، وحَدُورٌ، وأشباهها. انتهى (٢).
وقال الفيوميّ ﵀: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغَارُ، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرةً بالفتح، وغَارًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: غِيرًا وغِيرةً بالكسر، فالرجل غَيُورٌ وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ أيضًا، وغَيْرَي، وجمع غَيُور غَيُرٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، وجمع غَيْران وغَيْرَى غَيَارَى بالضمّ والفتح. انتهى (٣).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَمَّا ابْنَتُهَا، فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا) أي: بأن تجد من يكفلها من قراباتها، وزاد في رواية عند الإمام أحمد من وجه آخر: "وكان رسول الله ﷺ يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول الله ﷺ حييًا كريمًا يستحيي، فرجع، ففعل ذلك مرارًا، ففَطِنَ عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار، وكان أخاها لأمها، فدخل عليها، فانتشطها (٤) من حَجْرها، وقال: دَعِي هذه المقبوحة المشقوحة (٥) التي آذيت بها رسول الله ﷺ ، قال: وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل، فجعل يُقَلِّب بصره في البيت، ويقول: "أين زناب؟ ما فعلت زناب؟ "، قالت: جاء عمار، فذهب بها، قال: فبنى بأهله.
وأخرجه من وجه آخر أيضًا، من رواية عبد العزيز ابن بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أن أبا سلمة لَمّا توفي عنها، وانقضت عدتها، خطبها رسول الله ﷺ ،
стр. 10402
فقالت: يا رسول الله: إن فِيّ ثلاث خصال: أنا امرأة كبيرة، فقال رسول الله ﷺ : "أنا أكبر منك"، قالت: وأنا امرأة غيور، قال: "أدعو الله ، فيذهب عنك غيرتك"، قالت: يا رسول الله، وأنا امرأة مُصْبِية، قال: "هم إلى الله، وإلى رسوله"، قال: فتزوجها رسول الله ﷺ ، قال: فأتاها، فوجدها ترضع، فانصرف، ثم أتاها فوجدها ترضع، فانصرف، قال: فبلغ ذلك عمار بن ياسر، فأتاها، فقال: حُلْتِ بين رسول الله ﷺ وبين حاجته، هَلُمّ الصبيةَ، قال: فأخذها، فاسترضع لها، فأتاها رسول الله ﷺ ، فقال: "أين زناب؟ "؛ يعني: زينب، قالت: يا رسول الله أخذها عمار، فدخل بها، وقال: "إن بك على أهلك كرامةً"، قال: فاقام عندها إلى العشيّ، ثم قال: "إن شئت سبَّعت لك، صوان سبعت لك سبعت لسائر نسائي، وإن شئت قسمت لك"، قالت: لا، بل اقسم لي. انتهى.
(وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ) بفتح أوله وثالثه (بِالْغَيْرَةِ") بتفتح الغين؛ أي: يزيلها عنك، يقال: أذهب الله الشيءَ، وذَهب به، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢١٢٦ و ٢١٢٧ و ٢١٢٨] (٩١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣٠٩ و ٣٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٦ و ٢٠٥٧ و ٢٠٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب قول هذا الذكر عند المصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الذكر، حيث يُخلف الله تعالى لمن قاله خيرًا مما أصيب منه.
стр. 10403
٣ - (ومنها): بيان فضل أم سلمة، وزوجها ﵄، حيث إنهما أول أهل بيت هاجر إلى الله ورسوله، قال في "الإصابة": وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبيّ ﷺ يوم الحديبية (١) تدلّ على وفور عقلها، وصواب رأيها. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليلٌ للمذهب المختار في الأصول، أن المندوب مأمور به؛ لأنه ﷺ مأمور به، مع أن الآية الكريمة تقتضي ندبه، وإجماعُ المسلمين منعقد عليه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفلَحَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيُّ ﷺ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ) هو بقصر الهمزة، ومدّها، والقصر
стр. 10404
أفصح وأشهر كما سبق (١).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحاديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ - يَعْنى ابْنَ كَثِيرٍ - عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي، فَقُلْتُهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أبوه) عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَزَادَ: قَالَتْ … إلخ) فاعل "زاد" ضمير عبد الله بن نمير.
وقولها: (ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي) أي: قضى الله، وقدّر لي أن أقولها، فقلتها، وقد تقدّم في أوائل"شرح المقدّمة" عند قول مسلم ﵀: "أن لو عُزم لي عليه" البحث هل يجوز إطلاق العزم على الله أم لا؟، ورجحت أنه لَمْ يرد في جوازه ولا في منعه شيء، بل ظاهر ما ثبت عن أم سلمة ﵄ هنا يدلّ للجواز؛ لأنَّها من أهل اللسان، وأهل الفضل والعلم، وقد شاهدت التنزيل، وعاشت معه ﷺ ، فهي فقيهة لا يخفى عليها المحذور من هذا الباب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال:
стр. 10405
(٢٦٠٩٥) حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثنا سعد بن سعيد، قال: أخبرني عُمَر بن كثير، عن ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبيّ ﷺ قالت: سمعت رسول الله يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم آجُرْني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منها، إلَّا أجره الله في مصيبته، وخلف له خيرًا منها"، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير من - أبي سلمة، صاحب رسول الله ﷺ ؟ قالت: ثم عَزَمَ الله لي، فقلتها: "اللهم اجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها"، قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَوْ الْمَيْتِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٩] (٩١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، قَالَتْ: فَلَمَا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولي: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْني مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَأَعْقَبَنِي اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِى مِنْهُ مُحَمَّدًا ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
стр. 10406
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى الصحابيّة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد من اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵄ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيتَ) هكذا رواية المصنّف ﵀ ب "أو"، والظاهر أنَّها للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن تكون للتنويع، ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، بلفظ: "إِذَا حَضَرْتُمُ الميت" (فَقُولُوا خَيْرًا) قال السنديّ ﵀: أي ادعوا له بالخير، لا بالشرّ، أو ادعوا بالخير مطلقًا، لا بالويل، ونحوه، والأمر فيه للندب، ويَحْتَمِل أن المراد: فلا تقولوا شرًّا، فالمقصود النهي عن الشرّ بطريق الكناية، لا الأمر بالخير. انتهى.
وقال المظهر: أي ادعوا للمريض بالشفاء، وقولوا: اللَّهم اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللهم اغفر له، وارحمه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول السنديّ: والأمر فيه للندب محلّ توقّف؛ إذ يَحتاج إلى صارف له عن الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب إلَّا لصارف، فليُتأمّل.
وأما الاحتمال الذي ذكره أخيرًا فبُعده أظهر من أن يخفى.
ثم هذا الدعاء أعمّ من أن يكون لنفسه، وللميت، ففي الرواية الآتية من طريق قَبِيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ ، على أبي
стр. 10407
سلمة، وقد شَقَّ بصرُهُ، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا قبض، تبعه البصر"، فضَجَّ ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلَّا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللَّهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله، يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه"، فتبتين أن الدعاء عند الميت يشمل الدعاء له، وللشخص نفسه، فلا يدعو إلَّا بخير، والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الملائكة … إلخ، والمراد بالملائكة، ملك الموت، وأعوانه، أو عموم الملائكة الذين يحضرون الميت، وهذا أولي، لما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا حُضِر المؤمنُ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء … . وإذا احتضر الكافر أتته ملائكة العذاب بِمِسْحٍ … " الحديث (١).
(يُؤَمِّنُونَ) بالتشديد، من التأمين؛ أي: يقولون: آمين (عَلَى مَا تَقُولُونَ") أي: من الدعاء بخير، أو شرّ، ودعاء الملائكة مستجاب، فلا يجوز للشخص أن يدعو بما فيه مضرّة له، أو لغيره.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "إذا حَضَرتم الميت، فقولوا خيرًا" أمر تأديب، وتعليم بما يقال عند الميت، وإخباز بتأمين الملائكة على دعاءِ مَن هناك، ومن هذا استحبّ علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته
стр. 10408
ليذكروه، ويدعوا له، ولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة، فينتفع الميت، ومن يُصاب به، ومن يَخلُفه. انتهى.
(قَالَتْ) أم سلمة ﵂ (فَلَمَّا ماتَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: زوجها قبل النبيِّ ﷺ ، تقدّمت ترجمته في الحديث الماضي (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولِي: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ) وفي رواية النسائيّ: "فَلمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقُولُ: قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنَا وَلَهُ" (وَأَعْقِبْنِي) بقطع الهمزة، من الإعقاب؛ أي: عَوِّضني، وأَعطِنِي بدله، قال الشاعر [البسيط]:
وَمَنْ أَطَاعَ فَأَعْقِبْهُ بِطَاعَتِهِ … كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ
(مِنْه) أي: بدله، فـ "من" بمعنى "بدل"، كما قال في "الخلاصة":
لِلِانْتهَا "حَتَّى" وَلَامٌ وَ"إِلَى" … وَ"مِنَ" وَبَاءٌ يُفْهِمَانِ بَدَلَا
(عُقْبَى حَسَنَةً") - بضم العين المهملة، وسكون القاف - بوزن بُشْرى: أي بدلًا صالحًا (قَالَتْ) أم سلمة ﵂: (فَقُلْتُ) أي: ما أمرني النبيّ ﷺ من الدعاء المذكور (فَأَعْقَبَنِي اللهُ) أي: أعطاني الله عوضًا منه (مَنْ) بفتح الميم موصولة مفعول "أعقبني"، وصلتها جملة قوله: (هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ) وقولها: (مُحَمَّدًا ﷺ ) منصوب على البدليّة من "مَنْ".
والمعنى: أن الله تعالى عوّضها خيرًا من أبي سلمة ﵁ وذلك هو النبيّ ﷺ ، حيث تزوَّجها بعد موته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٢٩] (٩١٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣١١٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٩٧٧)، و"ابن ماجه" (١٤٤٧)، و (النسائيّ) (١٨٢٥) و"الكبرى" (١١٩٥١) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٦٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩١ و ٣٠٦ و ٣٢٢)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"
стр. 10409
(١٥٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر لمن حضر المريض أن لا يدعو إلَّا بخير؛ لأن الملائكة يؤمّنون على دعائه، فإذا دعا بغير خير كان وَبَالًا عليه.
٢ - (ومنها): بيان حضور الملائكة عند المريض، وتأمينهم على دعاء الداعين في ذلك المكان.
٣ - (ومنها): بيان استجابة دعاء الملائكة، وأنها لا تردّ.
٤ - (ومنها): أن من مات له زوج، أو زوجة، أو نحوهما ينبغي له أن يسترجع، وبدعو بقوله: الفهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عُقْبَى حسنة، فإن الله تعالى سيعوّضه خيرًا منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٠] (٩٢٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ"، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمَنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 10410
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو البغداديّ، وُيعرَف بابن الكرمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٤) على الصحيح، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١١.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفيّ، ثمّ الْمِصِّيصيِّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل [٥١] (ت ١ و ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْمِيّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، يقال: فيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ) بن حَلْحَلة الْخُزاعيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، وُلد عام الفتح [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل، وعن بلال، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وعبد الرَّحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن العاص، ومحمد بن مسلمة، وتميم الداريّ، وأبي الدرداء، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، والزهريّ، ورجاء بن حيوة، وعثمان بن إسحاق بن خَرَشة، وعبد الله بن موهب، وعبد الله بن أبي مريم مولى بني ساعدة، ومكحول، وأبو قلابة الجرميّ، وآخرون.
قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان البريد إليه، وكان ثقةٌ مأمونًا، كثير الحديث، وقال ابن لَهِيعة، عن ابن شهاب: كان من علماء هذه الأمة، وذكره أبو الزناد في الفقهاء، وقال محمد بن راشد، عن مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم منه، وقال مغيرة، عن الشعبيّ: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وقال الغلابيّ، عن ابن معين: أُتيَ به رسول الله ﷺ ليدعو له بالبركة، وقال الهيثم، عن عبد الله بن عياش: ذهبت عينه يوم الحرّة.
وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": وُلد
стр. 10411
في أول سنة من الهجرة، وكان له فقه وعلم، وقال ابن قانع: يقال: له رؤية، وقال أبو موسى المدينيّ في "الذيل": أورده العسكريّ في الصحابة، وقال جعفر: لا يصح سماعه؛ لأنه وُلد يوم الفتح، ورَوَى عن النبيِّ ﷺ أحاديث مراسيل.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، مات بالشام سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٩٦)، وقال خليفة وغير واحد: مات سنة ست وثمانين، وقال ابن سعد: مات سنة ست، أو سبع، وقال ابن معين: مات سنة (٧) وقيل: مات سنة (٨)، وقيل: مات سنة (٨٩) في خلافة عبد الملك بن مروان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٢٥) وحديث (١٤٠٨): "لا تُنْكَح العمة على بنت الأخ … "الحديث، وأعاده بعده.
و"أمُّ سلمة" ﵂ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قلابة، عن قبيصة.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵁ أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِيِ سَلَمَةَ) ﵁ زوجها (وَقَدْ شَقَّ) بفتح الشين، مبنيًّا للفاعل، ورفع (بَصَرُهُ) على الفاعليّة، قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وهو المشهور، وضبطه بعضهم "بَصَرَهُ" بالنصب، وهو صحيح أيضًا، والشين مفتوحة بلا خلاف، قال القاضي: قال صاحب "الأفعال": يقال: شَقَّ بَصَرُ الْميتِ، وشَقَّ الميتُ بَصَرَهُ، ومعناه شَخَصَ، كما في الرواية الأخرى، وقال ابن السِّكِّيت في "الإصلاح"، والجوهريّ حكايةً عن ابن السَّكِّيت: يقال: شَقَّ بَصَرُ الميت، ولا تقل: شُقَّ الميتُ بصرَهُ، وهو الذي
стр. 10412
حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء، لا يرتدّ إليه طرفه. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: صوابه، وصحيحه شَقَّ بفتح الشين مبنيًّا للفاعل، وبرفع البصر؛ أي: انفتح، يقال: شَقّ بصر الميت، وشَقَّ الميتُ بصرَهُ: إذا شَخَصَ بصرَهُ، بفتح الخاء أيضًا، قاله صاحب "الأفعال"، ولم يَعرف أبو زيد الضمّ. انتهى (٢).
(فَأَغْمَضَهُ) أي: سدّ ﷺ أجفان أبى سلمة ﵁ بعد موته، وغطّاها؛ لئلا يقبح منظره.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ) بالبناء للمفعول (تَبِعَهُ الْبَصَرُ") معناه إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظرًا أين يَذْهَب، وفي الروح لغتان التذكير، والتأنيث، وهذا الحديث دليل للتذكير.
قال التوربشتيّ ﵀: يَحْتَمِل هذا وجهين:
أحدهما: أن الروح إذا قُبض تبعه البصر؛ أي: في الذهاب، فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح.
والوجه الثاني: أن روح الإنسان إذا قبضتها الملائكة نظر إليها الذي حضره الموت نظرًا شزرًا لا يرتدّ إليه طرفه حتى تضمحلّ بقيّة القوّة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنسانيّ التي يقع لها الإدراك والتمييز دون الحيوانيّ الذي به الحسّ والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يصير ما لَمْ يكن يبصره، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة الآتي أظهر. انتهى (٣).
(فَضَجَّ) بتشديد الجيم: أي رفع الصوت بالبكاء، وصاح (نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ) أي: من أهل أبي سلمة ﵁ (فَقَالَ) ﷺ : ("لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) أي: لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهليّة، وقال القرطبيّ: ويمكن أن يكون المراد أنهم إذا تكلّموا في حقّ الميت بما لا يرضاه الله حتى يرجع تبعته
стр. 10413
إليهم، فكأنهم دعوا على أنفسهم بشرّ، أو يكون المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]؛ يعني بعضكم بعضًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره القرطبيّ من الاحتمالين مما لا يخفى بُعده، بل المعنى هو ما ذكرناه أَوّلًا، فتبصّر.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ") أي: في دعائكم من خير أو شرّ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ) بتشديد الياء الأولى؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، ورفعت درجتهم به (وَاخْلُفْهُ) بوصل الهمزة، وضمّ اللام، من خَلَف يَخلُفُ: إذا قام مقام غيره في رعاية أمره، وحفظ مصالحه؛ أي: كن خليفة له (فِي عَقِبِهِ) بكسر القاف؛ أي: أولاده، وقيل: من يعقُبه، ويتأخّر عنه من ولد وغيره، ولذا أبدل عن "عقبه" قوله: (فِي الْغَابِرِينَ) بإعادة الجارّ؛ أي الباقين في الأحياء من الناس؛ يعني كن خليفة له في أولاده الباقين، فاحفظ أمورهم، ومصالحهم، ولا تكلهم إلى غيرك.
وقال الأشرف ﵀: قوله: "في الغابرين" بدلٌ من "عَقِبه"؛ أي: كن خليفة له في الباقين من عقبه.
قال الطيبيّ: أقول: ويمكن أن يكون "في عقبه" متعلّقًا بالفعل، و"في الغابرين" حالًا من "عقبه"، والمعنى: أوقع خلافتك في عَقِبه، حال كونهم كائنين في جملة الباقين من الناس، بأن يستميل قلوب الناس إليهم حتى يكونوا مقبولين بينهم، يُراعون أحوالهم، ينفعون ولا يضرّون. انتهى (١).
(وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ) فيه استحباب تقديم النفس في الدعاء (وَافْسَحْ) بوصل الهمزة، فعل طلب من فسح يفسح، من باب فتح؛ أي: أوسع (لَهُ فِي قَبْرِهِ) قال القاري ﵀: دعاء له بعد الضغط، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الطويل عند أحمد وغيره: "فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجَنَّة، وألبسوه من الجَنَّة، وافتحوا له بابًا إلى الجَنَّة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره".
стр. 10414
(وَنوِّرْ لَهُ فِيهِ") أي: في قبره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢١٣٠ و ٢١٣١] (٩٢٠)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١١٨)، و (النسائيّ) في "المناقب" من "الكبرى" (٨٢٨٥)، و (ابن ماجة) في "الجنائز" (١٤٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٩ و ٢٠٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إغماض الميت، قالوا: والحكمة فيه أن لا يَقبُحٍ منظره لو تُرِك إغماضه، قال القرطبيّ ﵀: وهو سنّة عَمِلَ بها المسلمون كافّة، والمقصود تحسين وجه الميّت، وستر تغيّر بصره. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله وعقبه بأمور الدنيا والآخرة.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الميت يُنعَّم في قبره، أو يُعذَّب.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الحديث بلفظ الروح، وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي بلفظ: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" دليلٌ على أن الروح والنفس عبارتان عن معنى واحد، وهو الذي يُقبض بالموت، وفيهما ما يدلّ على أن الموت ليس عدمًا، ولا إعدامًا، وإنما انقطاع تعلّق الروح بالبدن ومفارقته، والحيلولة بينهما، ثم إن البدن يبلي، ويفنى إلَّا عَجْبَ الذَّنْب الذي منه بُدِئ خلق الإنسان، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين، ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة، مُتَخَلِّلة في البدن، وتذهب
стр. 10415
الحياة من الجسد بذهابها، وليس عَرَضًا كما قاله آخرون، ولا دَمًا كما قاله آخرون، وفيها كلام متشعب للمتكلمين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث من فضول الكلام، بل مما لا ينبغي أن يُصرف إليه النظر؛ لأنه مما سدّ الشارع بابه، حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فيا ليت العلماء لَمْ يخوضوا في مثله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ"، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَوْسِعْ لَهُ فِي قَبْرِهِ"، وَلَمْ يَقُل: "افْسَحْ لَهُ"، وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوَةٌ أُخْرَى سَابِعَةُ نَسِيتُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطيُّ) هو: محمد بن موسى بن عمران القطّان، أبو جعفر الواسطي ابن عمة أحمد بن سنان، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن يزيد بن هارون، وأبي أحمد الزبيريّ، وأبي عامر العقديّ ووهب بن جرير بن حازم، والمثنى بن معاذ بن معاذ العنبريّ، وحماد بن عيسى الجهنيّ، ومعلى بن عبد الرَّحمن الواسطيّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وابن ماجة، وأبو إسماعيل السلميّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وأسلم بن سهل الواسطيّ، ومحمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر البزار، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 10416
روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث (١).
٢ - (الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ) العنبريّ، أخو عبيد الله، من صغار [٩].
رَوَى عن أبيه، ومعتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، ويحيى القطان، وأبي قتيبة، وابن مهديّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وغندر، ومعاذ بن هشام، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: الحسن ومعاذ، وأخوه عبيد الله بن معاذ، وأبو خيثمة، ومحمد بن موسى بن عمران القطان، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وعباس الدوري، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الحسين بن حبان: رجل صدق، ثقةٌ صدوقٌ، من خيار المسلمين، ما زال منذ هو حَدَثٌ خيرًا من أخيه عبيد الله مائة مرّة، وقال ابنه معاذ وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، وله إحدى وستون سنة.
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ) بن الحصين بن أبي الحرّ الْعَنْبَريّ القاضي البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، لكن عابوا عليه مسألة تكافئ الأدلَّة (٢) [٧].
رَوَى عن خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريريّ، وهارون بن رياب، وآخرين.
وروى عنه ابن مهديّ، وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: عبيد الله بن الحسن عندك حجةٌ؟ قال:
стр. 10417
كان فقيهًا، قال النسائيّ: فقيه بصريّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: ولي قضاء البصرة، وكان ثقةً محمودًا عاقلًا من الرجال، قال العجليّ: لَمّا مات سَوّار بن عبيد الله طلبوا عبيد الله بن الحسن، فهرب، ثم استُقضِي، وقال أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: أتى رجل عبيد الله بن الحسن، فقال: كنا عند الأمير محمد بن سليمان، فذُكِرتَ بكل الجميل إلَّا المزاح، فقال: والله إني لأمزح، وما أقول إلَّا الحقّ، وقال ابن مهديّ: كنا في جنازة، فسألته عن مسألة، فغلط فيها، فقلت له: أصلحك الله، أتقول فيه كذا وكذا؟، فأطرق ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: إذًا أَرْجِع، وأنا صاغرٌ؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحقّ أحب إليّ من أن أكون رأسًا في الباطل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من سادات أهل البصرة فقهًا وعلمًا.
وذكر عُمر بن شَبَّة في "تاريخ البصرة" أن المهديّ عَزَله سنة (٦٦)(١)، وقال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ، قال: كان عبيد الله بن الحسن اتُّهِم بأمر عظيم، ورُوي عنه كلام رديء؛ يعني قوله: كلُّ مجتهد مصيب، ونقل محمد بن إسماعيل الأزديّ في "ثقاته" أنه رجع عن المسألة التي ذُكِرت عنه لَمَّا تَبَيَّن له الصواب، والله أعلم، وقال ابن قتيبة في "اختلاف الحديث": ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن العنبريّ، فنهجُم من قبيح مذهبه، وشدّة تناقض قوله على ما هو أولى مما أنكره، وذلك أنه كان يقول: إن القرآن يدلّ على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح، والقول بالإجبار صحيح، ولهما أصل في الكتاب، فمن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو مصيب، هؤلاء قوئم عَظَّموا الله، وهؤلاء قوم نزَّهوا الله، وكان يقول في قتال عليّ لطلحة والزبير وقتالهما إياه: كلُّه لله طاعة.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: أنه وُلد سنة (١٠٥) ويقال: سنة (١٠٦) وولي القضاء سنة (٥٧)(٢)، وقال أبو حسان الزياديّ: مات في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائة.
стр. 10418
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
و"خالد الحذّاء" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد خالد الحذّاء الماضي، وهو: عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة ﵂.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) فاعل "قال" ضمير عبيد الله بن الحسن.
وقوله: (وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ) أي: فيمن تركه من أهله، فهو بمعنى قوله الماضي: "واخلفه في عقبه في الغابرين".
وقوله: (وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا) يعني أنه ﷺ دعا أيضًا دعوة أخرى سابعةً، غير ما سبق من الستة التي هي أولها قوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة"، وثانيها: "وارفع درجته في المهديين"، وثالثها: "واخلُفه في عقبه في الغابرين"، ورابعها: "واغفر لنا وله يا ربّ العالمين"، وخامسها: "وافسح له في قبره"، وسادسها: "ونَوِّر له فيه".
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن الحسن، عن خالد الحذّاء هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥) - (بَابٌ فِي شُخُوصِ بَصَرِ الْمَيْتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٢] (٩٢١) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أنهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَوُا الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ " قَالُوا: بَلَي، قَالَ: "فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ").
стр. 10419
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يدلِّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ يَعْقُوبَ) هو: العلاء بن عبد الرَّحمن بن يعقوب، نُسب في هذا السند لجدّه، الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥١] مات سنة بضع (١٣٠) (زم ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرَّحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ) بن عبد الرَّحمن (بْنِ يَعْقُوبَ) الحُرَقيّ مولاهم أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أنهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلمْ تَرَوُا الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ ") بفتح الخاء المعجمة، كمَنَعَ يَمْنَعُ شُخُوصًا: أي ارتفع، ولم يرتدّ، قال الفيّوميّ ﵀: وشَخَصَ البصرُ: إذا ارتفع، ويتعدّى بنفسه، فيقال: شَخَص الرجلُ بصره: إذا فتح عينيه، لا يَطْرِفُ، وربّما يُعدَّى بالباء، فقيل: شخص الرجلُ ببصره، فهو شاخصٌ. انتهى (١).
стр. 10420
(قَالُوا: بَلَى) هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلي، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت في الجواب: بلي، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلَّا بعد نفي، إما في أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣، ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد تقدّم البحث في هذا غير مرّة (١). (قَالَ: "فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ) مرفوع على الفاعليّة (نَفْسَهُ") منصوب على المفعوليّة.
قال النوويّ ﵀: المراد بالنفس هنا الروح، قال القاضي: وفيه أن الموت ليس بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وإعدام الجسد دون الروح، إلَّا ما استُثْني من عَجْب الذَّنَب، قال: وفيه حجة لمن يقول: الروح والنفس بمعنى. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسال الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١٣٢ و ٢١٣٣] (٩٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦١ و ٢٠٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٨٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
[تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن العلاء هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٩) فقال:
стр. 10421
(٢٠٦٢) حدَّثنا أبو الهيثم الأحمسيّ جعفر بن محمد، ثنا أبو الحصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد العزيز، ثنا محمد (١)، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة"، وقال: "ألم تر إلى الإنسان إذا شخص؟ "، قالوا: بلي، قال: "فذاك حين يتبع بصره نفسه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٤] (٩٢٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَاِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْر: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً، يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ، تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ، بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ؟ " فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
стр. 10422
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبث حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٥ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، مولى الأخنس ابن شَرِيق، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦].
رَوَى عن أبيه، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وطاووس، وجماعة.
وروى عنه شعبة، وأبو إسحاق، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، والسفيانان، وورقاء، وإبراهيم بن نافع، وعبد الله بن سعيد، وابن علية، وغيرهم.
قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسير ابن أبي نَجِيح، وقال أحمد: ابن أبي نجيح ثقةٌ، وكان أبوه من خيار عباد الله، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إليك، أو خُصَيف؟ قال: ابن أبي نجيح، إنما يقال في ابن أبي نجيح القدرُ، وهو صالح الحديث.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، كثير الحديث، ويذكرون أنه كان يقول بالقدر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قال يحيى بن سعيد: لَمْ يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد، قال ابن حبان: ابن أبي نجيح نظير ابن جريجٍ في كتاب القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد في التفسير، رويا عن مجاهد من غير سماع، وقال الساجيّ عن ابن معين: كان مشهورًا بالقدر، وعن أحمد بن حنبل قال: أصحاب ابن أبي نجيح قدريّةٌ كلهم، ولم يكونوا أصحاب كلام، وعن أيوب قال: أيَّ رجل أفسدوا؛ يعني ابن أبي نجيح، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، يقال: كان يرى القدر، أفسده عمرو بن عبيد، وقال أحمد: قال سفيان: لَمّا مات عمرو بن دينار، كان يفتي بعده ابن أبي نجيح، وذكره النسائيّ فيمن كان يدلِّس.
قال ابن عيينة: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المدينيّ: سنة (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٦ - (أَبُوهُ) أبو نَجِيح يسار الثقفيّ مولى الأخنس بن شَرِيق المكيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣].
стр. 10423
رَوَى عن معاوية، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وعبيد بن عمير، وغيرهم، وأرسل عن عمر، وسعد، وقيس بن سعد بن عبادة، ومخرمة بن نوفل.
وروى عنه ابنه عبد الله، وعمرو بن دينار، وهارون بن رئاب، وعبد الرَّحمن بن خضير.
قال وكيع: ثقةٌ، وقال الميمونيّ عن أحمد: ابن أبي نجيح ثقةٌ، وكان أبوه من خيار عباد الله تعالى، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي نجيح، والد عبد الله، فقال: يسار مكيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث.
قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة تسع ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمكيين من ابن عيينة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر) الليثيّ أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ (لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) زوجها ﵁ (قُلْتَّ: غَرِيب) خبر لمحذوف؛ أي: هو رجل غريب (وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ) بالإضافة؛ أي: لأنه كان مكيًّا هاجر إلى المدينة، ومات بها؛ أي: فليس معه من يبكيه غيري، فمرادها بهذه الجملة تعليل بكائها الهائل الذي عزمت عليه، وقولها: (لَأَبْكِيَنَّهُ) بتشديد النون جواب لقسم محذوف، والله
стр. 10424
لأبكينّه (بُكَاءً) أي: شديدًا، فالتنوين للتعظيم (يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يَتَحدّث الناس به، ويتعجّبون منه؛ لشدّته، قال القرطبيّ ﵀: أرادت أن تنوح عليه نياحة شديدة، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة، والاجتماع لها قبل أن يبلغها تحريم النياحة. انتهى.
(فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) أي: بالقصد والعزيمة، وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود وغيرها، مما تُعدّه النائحة وتهيّؤه.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "فكنت … إلخ "الفاء متّصلة بقولها: "قلتُ"؛ أي: قلت عقب ما تهيّأت للبكاء، ولا يجوز أن تتصل بالقول إلَّا مع الواو؛ ليكون حالًا. انتهى (١).
وقال ابن حجر الهيتميّ ﵀: قوله: "فكنت … إلخ" عطف على "قلت"؛ أي: عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيّء. انتهى (٢).
(إِذْ أقَبَلَتِ امْرَأَةٌ) "إذ" ظرف لـ "تهيّأتُ"، أو لـ "قلت"، وفي رواية البيهقيّ: "فلما تهيّأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتيني"، وفي أخرى له: "فبينا أنا كذلك، قد تهيّأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة".
[تنبيه]: هذه المرأة لا تُعرف، قاله في "التنبيه" (٣).
(مِنَ الصَّعِيدِ) أصل الصعيد أعالي الأرض، والمراد هنا عوالي المدينة، ومنه صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. انتهى (٤). (تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) بضم أوله، من الإسعاد، وهو الإعانة؛ أي: تساعدني في البكاء والنوح، وتوافقني عليه، وقال ابن الأثير ﵀: هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة. انتهى (٥).
(فَاسْتَقْبَلَهَا) أي: تلك المرأة التي أرادت أن تُسعدها على البكاء، ولعله ﷺ كان داخل البيت، فقد سبق في الرواية: "أنه ﷺ دخل على أبي سلمة، وقد شقّ بصره، فأغمضه" (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ) لَمّا علم أنَّها تريد
стр. 10425
إسعادها: ("أَتُرِيدِينَ) أيَّتُها المرأة بإعانتك على المعصية، والاستفهام إنكاريّ وتوبيخيّ، ولعله ﷺ علم ما أرادت تلك المرأة من إسعادها بالبكاء بالوحي (أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ) أي: أن تكوني سببًا لدخوله (بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ) أي: الشيطان (مِنْهُ) أي: من ذلك البيت، وأبعده من إغواء أهله (مَرَّتَيْنِ؟ ") قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن هجرته. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يراد بالمرّة الأولى يوم دخوله في الإسلام، وبالثانية يوم خروجه من الدنيا مسلمًا، ويحتمل أن يراد به التكرير؛ أي: أخرجه الله تعالى إخراجًا بعد إخراج، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤].
وقيل: يَحْتَمل أن يراد بالمرة الأولى هجرته من مكة إلى الحبشة، وبالثانية هجرته إلى المدينة، فإنه من ذوي الهجرتين.
واستظهره صاحب "المرعاة" أن يكون "مرّتين" متعلِّقًا ب "قال"؛ أي: قال ﷺ هذا الكلام، وأعاده لكمال الاهتمام مرّتين.
(فَكَفَفْتُ) يقال: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب نصر: إذا تركه، وهو عطف على مقدَّر؛ أي: قال رسول الله ﷺ كذا، فانزجرت، وكففت؛ أي: منعت نفسي (عَنِ الْبُكَاءِ) وقولها: (فَلَمْ أَبْكِ) أي: البكاء المذموم، وهو الذي يصاحبه صراخ وعويل، ونياحة، وندب، قال البيهقيّ ﵀: هذا في بكاء يكون معه ندب، أو نياحة. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ سلمة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢١٣٤] (٩٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده"
стр. 10426
(٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم البكاء المشتمل على النياحة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم المساعدة في ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
٣ - (ومنها): بيان فضل بيت أبي سلمة، وأم سلمة، حيث أخرج الله تعالى عنه الشيطان، فلا يستطيع أن يتسلط على أهله بالإغواء، والإضلال، وهذا كما قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن المنكر يكون بالحكمة، وذلك ببيان الضرر المترتّب عليه، فإن هذه المرأة ما نهاها النبيّ ﷺ فقط، بل بيّن لها أنَّها إذا فعلت ذلك أدخلت الشيطان في بيت أخرجه الله منه، وهذا هو الضرر العظيم، فينبغي للآمر بالمعروف أن يبيّن محاسن المعروف الذي يأمر به، وما يترتّب عليه من المثوبة والأجور، وكذا ينبغي للناهي عن المنكر أن يبيّن مساوي ذلك المنكر، وما يترتّب عليه من المفاسد، والمضارّ، والعقوبات؛ لأن ذلك أدعى للقبول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٥] (٩٢٣) - (حَدَّثَنَا (١) أبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًا لَهَا، أَوِ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: "ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَي، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ"، فَعَادَ الرَّسُولُ،
стр. 10427
فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَت لَتَأْتِيَنَّهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيَّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا في شَنَّةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هَذ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدَّم قريبًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (عَاصِمُ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرَّحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرَّحمن بن ملّ الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (أُسَامَةُ بْنُ زيدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أوأبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد علّق له البخاريّ، ولم يُخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيه ذو مناقبّ جمّة، حبٍّ رسول وابن حِبِّه ﵄، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني فيُقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: "اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما"، والله تعالى أعلم.
стр. 10428
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) وفي رواية للبخاري في أواخرِ "الطبّ" من طريق شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زْيدٍ) ﵄ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في "مصنّف ابن أبي شيبة"، وكذا ذكره ابن بشكوال (تَدْعُوهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا، أَوْ) للشكّ من الراوي (ابْنًا لَهَا) قيل: هو عليّ بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في "الحاشية".
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لَمْ يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليًّا المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبيّ ﷺ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال في حقه صبيّ عرفًا، وإن جاز من حيث اللغة.
قال: ووجدت في "الأنساب" للبلاذريّ أن عبد الله بن عثمان بن عفّان من رقية بنت النبيّ ﷺ لَمّا مات وضعه النبيّ ﷺ في حجره، وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وفي "مسند البزّار" من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبيّ ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبيِّ ﷺ ، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما اثبت في "مسند أحمد"، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه: "أُتِي النبيُّ ﷺ بأمامة بنت زينب"، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوبة بهذا الإسناد: "وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ"، فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد ابن الأعرابيّ في "معجمه"، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم "أُميمة" بالتصغير، وهي أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لَمْ تلد لأبي العاص إلَّا عليًّا، وأمامة فقط.
стр. 10429
وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبيّ ﷺ ، عاشت بعد النبيّ ﷺ ، حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها.
ويجاب بأن المراد في حديث الباب: "أن ابنا لي قُبض"؛ أي: قارب أن يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد: "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت"، وفي رواية شعبة: "أن ابنتي قد حُضِرَت"، وهو عند أبي داود من طريقه: "أن ابني"، أو "ابنتي"، وقد قدَّمنا أن الصواب قول من قال: "ابنتي"، لا "ابني".
ويؤيّده ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرَّحمن بن عوف، في "المعجم الكبير" من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: "استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول الله ﷺ إليه، تقول له … "، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية: "استُعِزّ" - بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي -: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت.
قال: والذي يظهر لي أن الله تعالى أكرم نبيّه ﷺ لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدَّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، والله المستعان. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أولي، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر "ابن"، لا "ابنة"، كما هو نصّ حديث الباب.
ثم رأيت القسطلّانيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ. انتهى. والله تعالى أعلم.
(فِي الْمَوْتِ) أي: في الاحتضار للموت، وفي رواية البخاريّ: "إن ابنًا
стр. 10430
لي قُبِضَ فأتنا" وهو بالبناء للمفعول؛ أي: قرُب من أن يُقبَض؛ أي: هو في حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلقت القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع.
(فَقَالَ) ﷺ (لِلرَّسُولِ) أي: للرجل الذي أرسلته ابنته ("ارْجِعْ إِلَيْهَا) وفي رواية البخاريّ: "فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ السَّلَامَ، ويقول: إن لله ما أخذ … " (فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ) بفتح همزة "أنّ"، فهو بتقدير جر الجرّ؛ أي: بأن لله (مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: فلا حيلة إلَّا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع؛ لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هوأعمّ من ذلك. أفاده في "الفتح".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "إن لله ما أخذ": معناه الحثّ على الصبر، والتسليم لقضاء الله تعالى، وتقديره أن هذا الذي اخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلَّا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ.
وقوله: "وله ما أعطى": معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو يفعل فيه ما يشاء. انتهى.
ولفظ "ما" في الموضعين مصدريّة؛ أي: إن لله الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف؛ للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن لله الأخذَ والإعطاءَ؛ أي: أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هوأعمّ من الأولاد، وعلى الثاني: إن لله الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك.
(وَكُلُّ شَيْءٍ) أي: من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هوأعمّ من ذلك (عِنْدَهُ) (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي: مقدَّر بأجل معلوم، و"الأجل" يطلق على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر.
وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى":
стр. 10431
اصبروا، ولا تجزعوا، فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم، وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. انتهى.
(فَمُرْهَا) أي: بالصبر والاحتساب (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ") أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح.
(فَعَادَ الرَّسُولُ) أي: رجع من عندها إلى النبيّ ﷺ (فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أقسَمَتْ) أي: حلفت بالله (لَتَأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (قَالَ) أسامة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ) ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أوألهمها الله تعالى أن حضور نبيّه ﷺ عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق الله ظنها.
والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا.
(وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وعبد الرحمن بن عوف، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْب ﵃، قال أسامة ﵁: (وَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت (مَعَهُمْ) أي: مع النبيّ ﷺ ، والصحابة المذكورين (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد "فدُفع" بالدال، وبيّن في رواية شعبة أنه وُضع في حجره ﷺ .
وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشينا، إلى أن وصلنا إلى بيتها، فاستأذنّا، فأُذن لنا، فدخلنا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه: "فلما دخلنا، ناولوا رسول الله ﷺ والصبيّ … " (إِلَيْهِ) ﷺ (الصَّبِيُّ) وقوله: (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) أصله "تتقعقع" فحُذف منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
стр. 10432
ومعناه: تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في "النهاية"، وقال في "الفتح": القعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والجملة في محلّ نصب على الحال من "الصبيّ".
وقال القرطبيّ: قال الهرويّ: يقال: تقعقع الشيء: إذا اضطرب وتحرّك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحْياه من الكِبَر، وقال غيره: القعقعة هنا صوت النفَس، وحشرجة الصدر، ومنه قعقعة الجلود والترسة والأسلحة، وهي أصواتها. انتهى (١).
(كَأَنَّهَا) أي: نفسه (في شَنَّةٍ) بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، ووقع في رواية عند البخاريّ: "حسبتُ كأنها شنّ"، وعلى هذا، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهوأبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه، أفاده في "الفتح".
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي: سالت بالدموع عينا رسول الله ﷺ (فَقَالَ لَهُ سَعْذ) أي: ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: "فقال عبادة بن الصامت"، والصواب ما في "الصحيح"، قاله في "الفتح" (مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟، وفي رواية للبخاريّ: "فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ "، وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "وتنهى عن البكاء".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ … إلخ": معناه: أن سعدًا ﵁ ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ ﷺ نسي، فذكّره، فأعلمه النبيّ ﷺ أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما. انتهى (٢).
(قَالَ) ﷺ : ("هَذِه رَحْمَةٌ) أي: الدمعة التي تشاهدونها أثر رحمة من الله
стр. 10433
تعالى، وفي رواية: "هذا رحمة" بتذكير الإشارة؛ أي: هذا الدمع الذي تراه أثر رحمة من الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحم الله: قوله: "هذه رحمة": أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه الله برحمته، وهو المعنيّ بقوله ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن الله تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]. انتهى (١).
(جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلوبِ عِبَادِهِ) أي: إن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمّد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهيّ عنه الجزع، وعدم الصبر.
(وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَابٍ الرُّحَمَاءَ") وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الطبّ": "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء".
و"مِنْ" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول، وهو "الرحماء"، وقُدِّم عليه ليكون أوقع، و"الرحماء": جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، و"الراحمون" جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة.
وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ "الرحماء" في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، والله تعالى أعلم، ذكره في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10434
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ﵄ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٦/ ٢١٣٥ و ٢١٣٦) (٩٢٣)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٨٤) و"المرضى" (٥٦٥٥) و"القدر" (٦٦٠٢) و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٥) و"التوحيد" (٧٣٧٧ و ٧٤٤٨)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٦٨) و"الكبرى" (١٩٩٥)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٤ و ٢٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر؛ ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك.
٣ - (ومنها): جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة.
٤ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: "إن ابنًا لي قُبض"، مبالغةً في ذلك؛ لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك.
٥ - (ومنها): مشروعيّة إبرار القسم.
٦ - (ومنها): أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر.
٧ - (ومنها): إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله.
٨ - (ومنها): تقديم السلام على الكلام.
٩ - (ومنها): عيادة المريض، ولو كان مفضولًا، أو صبيًّا صغيرًا.
١٠ - (ومنها): أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرة.
стр. 10435
١١ - (ومنها): استفهام التابع من إمامه عما أشكل عنيه، مما يتعارض ظاهره.
١٢ - (ومنها): حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول الله" على الاستفهام.
١٣ - (ومنها): الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين.
١٤ - (ومنها): جواز البكاء من غير نوح ونحوه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم البكاء على الميت:
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى؛ لحديث جابر بن عَتِيك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت … الحديث، حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ وغيرهم (١).