لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له النسائيّ، والثالث تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق عنه البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَاب) الزهريّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَخْبَرَهُ، أَن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ﵂ (قَالَتْ: سُجِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بضمّ أوله، وكسر الجيم المشدّدة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: غُطّي وزنًا ومعنى، يقال: سجّيت الميت: إذا مددت عليه الثوب (١)، والمعنى أن جميع بدنه ﷺ غُطّي (حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحّدة- هي ضرب من برود اليمن، وقال الهرويّ: هي بُرُدٌ موشية مخطّطة، وقال الداوديّ: لونها أخضر؛ لأنها لباس أهل الجنّة، كذا قال، وقال ابن بطّال: هي من بُرُود اليمن تُصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم، وقال القرطبيّ: سُمّيت حِبَرَةً؛ لأنها تُحَبَّر؛ أي: تُزَيّن، والتحبير: التزيين والتحسين. انتهى.
وقال في "المصباح": "الْحِبَرَة" وِزَانُ عِنَبَة: ثوب يمانيّ، من قُطن، أو كتّان، مخَطّطٌ، يقال: بُرْدٌ حِبَرَةٌ، على الوصف، وبُرْدُ حَبَرَة، على الإضافة، والجمعُ حِبَرٌ، وحِبَرَاتٌ، مثلُ عِنَبٍ، وعِنَبَات. قال الأزهريّ: ليس حِبَرَةٌ موضعًا، أو شيئًا معلومًا، إنما هو وَشْيءٌ معلوم، أُضيف الثوبُ إليه، كما قيل: ثوبُ قِرْمِزٍ، بالإضافة، والْقِرْمِزُ صِبْغُهُ، فأُضيف الثوبُ إلى الوَشْيِ، والصِّبْغِ للتوضيح. انتهى (٢).
стр. 10607
والحِبَرة كانت أحب الثياب إلى النبيّ ﷺ ، فقد أخرج الشيخان عن قتادة، قال: قلنا لأنس بن مالك: أَيُّ اللباس كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ، أو أعجب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: الْحِبَرة، وفي رواية للبخاريّ: قال: كان أحب الثياب إلى النبيّ ﷺ أن يلبسها الْحِبَرة.
وقال النوويّ ﵀: وفيه استحباب تسجية الميت، وهو مجمع عليه، وحِكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، قال أصحابنا: ويُلَفّ طَرَف الثوب المسجَّى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف عنه، قالوا: تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوُفّي فيها؛ لئلا يتغير بدنه بسببها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢١٨٣ و ١٢١٨٤] (٩٤٢)، و (البخاريّ) في "اللباس" (٥٨١٤)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٦١٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٩ و ١٥٣ و ٢٦٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٧١١٣ و ٧١١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٠٨ و ٢١٠٩ و ٢١١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٨٥) و"المعرفة" (٣/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
стр. 10608
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقنديّ، أبو محمد الحافظ الثقة الثبت الحجة الإمام، صاحب "المسند" [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنة (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٦ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: أما رواية شعيب، عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (٥٤٧٧) حدّثنا أبو الْيَمَانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النبيّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حين تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. انتهى.
وأما رواية معمر عن الزهريّ، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ١٥٣) فقال:
(٢٥٢٤٠) حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، وعبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ سُجِّي في ثوب حبرة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10609
(١٥) - (بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، وَالزَّجْرِ عَنِ الدَّفْنِ لَيْلًا إِلَّا للاضْطِرَارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٥] (٩٤٣) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يعقوب يوسف بن الحجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦] (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يدلِّس وُيرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 10610
لطائف هذا الاسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل، والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
عن أبي الزُّبَيْرِ (أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يُحَدِّثُ أَن النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (فَكُفِّنَ) بالبناء للمفعول أيضًا (فِي كَفَنٍ كَيْرِ طَائِلٍ) أي: غير حسن، أو غير كامل الستر (وَقُبِرَ لَيْلًا) بالبناء للمفعول؛ أي: دُفن في الليل، يقال: قَبَرتُ الميتَ، من بابي قتلَ، وضربَ: دفنته، وأقبرتُهُ: أمرتُ أن يُقبَر، أو جعلتُ له قُبْرًا، قاله في "المصباح" (١). (فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ ) بزاي، فجيم، آخره راء، من باب نصر؛ أي: منع.
وقد جاء بصريح النهي في رواية ابن ماجه، من طريق وكيع، عن إبراهيم بن يزيد المكيّ، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْفِنُوا موتاكم بالليل، إلا أن تضطرّوا".
وقوله: (أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ) فعل ونائب فاعله في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: عن قَبْر الرجل؛ أي: دفنه (بِاللَّيْلِ) أي: في الليل، فالباء بمعنى "في"، وفي رواية النسائيّ: "أن يُقبَرَ إنسانٌ ليلًا" (حَتَّى يُصَفَى عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "إلا أن يُضطرّ إلى ذلك"، وعليها فالنائب عن الفاعل هو الجارّ
стр. 10611
والمجرور، قال في "المصباح": وضَرَّه إلى كذا، واضطَرَّه: ألجأه إليه، وليس له منه بُدٌّ. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀: وأما النهي عن القبر ليلًا حتى يُصَلَّى عليه، فقيل: سببه أن الدفن نهارًا يحضره كثيرون من الناس، ويصلّون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وقيل: لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن، فلا يَبِين في الليل، ويؤيّده أول الحديث وآخره، قال القاضي: العلتان صحيحتان، قال: والظاهر أن النبيّ ﷺ قصدهما معًا، قال: وقد قيل هذا. انتهى (٢).
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ) بتشديد الفاء، وفي رواية النسائيّ: "إذا ولي أحدكم أخاه"؛ أي: تولّى تجهيز أخيه الميت (أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ) بضم الياء، من التحسين، وَيحْتَمِل أن يكون من الإحسان (كَفَنَهُ) قال القرطبيّ ﵀: ضبطه أبو بحر: كَفْنه بسكون الفاء، وغيره بفتحها؛ يعني: الكفن نفسه، وهو الأولى. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: فتح الفاء، وإسكانها، وكلاهما صحيح، قال القاضي: والفتح أصوب، وأظهر، وأقرب إلى لفظ الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى تسكين الفاء يكون مصدر كَفَنَ، قال في "المصباح": كَفّنتُه في بُرْد، ونحوه، تكفينًا، وكَفَنتُهُ، كَفْنًا، من باب ضرب، لغةٌ. انتهى؛ أي: يحسن فعلَ التكفين، فيشمل الثوب، وهيئته، وعمله، وعلى فتح الفاء يكون اسمًا للثوب الذي يكفّن فيه الميت، ويُجمَع على أكفان، مثل سَبَب، وأسباب؛ أي: يَجْعَل كفنه حسنًا.
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: وليس المراد بإحسان الكفن السَّرَف فيه، والمغالاة، ونَفَاسته، وإنما المراد نظافته، ونقاؤه، وكثافته، وستره، وتوسّطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة غالبًا، لا أفخر منه، ولا أحقر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10612
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢١٨٥] (٩٤٣)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٤٨)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٩٥ و ٢٠١٤) و"الكبرى" (٢٠٢٢ و ٢١٤١)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٥ و ٣٢٩ و ٣٤٩ و ٣٧١ و ٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١١١)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٢٣ و ٥٢٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦/ ٣٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٢ و ٤٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان الأمر بتحسين الكفن، فلا يكفّن الميت بكفن حقير، إلا إذا لم يوجد الكفن الحسن.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن الدفن ليلًا، تكثيرًا للصلاة عليه.
٣ - (ومنها): أن في قوله: "إلا أن يُضطرّ إليه" دليلًا على أنه لا بأس به في وقت الضرورة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من مراعاة أحوال أصحابه ﵃، أحياءً وأمواتًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الدفن ليلًا:
قال النوويّ ﵀: قد اختَلَف العلماءُ في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصريّ، إلا لضرورة، وهذا الحديث مما يُستدلّ له به.
وقال جماهير العلماء، من السلف والخلف: لا يكره، واستدلّوا بأن أبا بكر الصدّيق ﵁، وجماعة من السلف دُفنوا ليلًا، من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي كان يقمّ المسجد، فتوفّي بالليل، فدفنوه ليلًا، وسألهم النبيّ ﷺ عنه؟ فقالوا: توفي ليلًا، فدفنّاه في الليل، فقال: "ألا آذنتموني؟ "، قالوا: كانت ظلمة، ولم يُنْكَر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث
стр. 10613
أن النهي كان لترك الصلاة، ولم يَنْهَ عن مجرّد الدفن بالليل، وإنما نَهَى لترك الصلاة، أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن، أو عن المجموع، كما سبق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: أخذ به الحسن، فكره أن يُقبر الرجل بالليل، إلا لضرورة، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وكانهم رأوا أن ذلك النهي خاصّ بذلك الرجل؛ لئلا تفوته صلاة النبيّ ﷺ ، وقيل: يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير الطائل.
قال: وهذه التأويلات فيها بُعْدٌ، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر؛ لأن النبيّ ﷺ إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل، فقد تناول النهي غيره قطعًا، فتامله.
ويمكن أن يُعضد مذهب الحسن بانه إن قبر ليلًا قلّ المصلون عليه؛ لأن عادة الناس في الليل ملازمة بيوتهم، ولا يتصرفون فيه، ولأنه إذا قبر ليلًا تسومح في الكفن؛ لأن الليل يستره، ودل على صحته قوله ﷺ : "إذا كفّن أحدكم أخاه، فليُحسن كفنه". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الحسن البصريّ ﵀، هو الأرجح عندي، كما مال إليه القرطبيّ؛ لظاهر حديث الباب.
وقد جاء النهي أيضًا عن الدفن في الأوقات الثلاثة: طلوع الشمس، والاستواء، وغروب الشمس، فقد تقدّم للمصنّف حديث عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: ولا يجوز أن يُدفَن أحدٌ ليلًا إلا عن ضرورة، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا حين استواء الشمس حتى تأخذ في الزوال، ولا حين ابتداء أخذها في الغروب، ويتصل ذلك بالليل إلى طلوع الفجر الثاني، قال: وكل من دُفِن ليلًا منه ﷺ ، ومن أزواجه، ومن
стр. 10614
أصحابه ﵃ فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف الحرّ، على من حضر، وحرُّ المدينة شديد، أو خوف تغير، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلًا، لا يحلّ لأحد أن يَظُنّ بهم ﵃ خلاف ذلك، قال: رَوَينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أنه كَرِه الدفن ليلًا. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ.
والحاصل أن الأرجح المنع عن الدفن في هذه الأوقات؛ لقوّة دليله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في تحسين الكفن:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: وبحديث جابر قال الحسن البصريّ، وابن سيرين.
قال: وقد رَوَينا عن حذيفة ﵁ أنه قال: لا تغالوا بكفني، فإن يك لصاحبكم عند الله خير بُذلَ كسوةً خيرًا من كسوتكم، وإلا سُلبه سريعًا.
قال: وكان إسحاق يقول: لا تغالوا بالكفن؛ إذا كان في حياته صاحب إعواز، فإن ذلك مما يُجحف بالورثة، وإن كان صاحب يسار، فَغَالَى فهو جائز.
وقد أوصى ابن مسعود أن يكفّن في حلّة بمئتي درهم.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة.
وروينا عن معاذ بن جبل أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإن الموتى يحشرون في أكفانهم.
وقال محمد ابن الحنفية: ليس للميت في الكفن شيء، ولكنه تكرمة للحيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحسين الكفن هو الحقّ، كما دلّ عليه حديث جابر ﵁ المذكور في الباب، ولكن ليس معناه أن يُغالَى فيه، بل أن يكون نظيفًا، نَقيًّا، كثيفًا، ساترًا إلى آخر ما تقدم في كلام النوويّ ﵀، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث: "لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسلَب سريعًا"، رواه أبو
стр. 10615
داود، وهو ضعيف، وإن سكت عنه أبو داود، وحسنه النوويّ، والمنذريّ؛ لأن في سنده عمرو بن هاشم، ضعّفه مسلم، وغيره، وفيه انقطاع بين الشعبيّ، وبين عليّ ﵁، فإن الشعبيّ لم يسمع منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٨٦] (٩٤٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ -لَعَلَّهُ قَالَ-: تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ (١)، وَإِنْ تَكُنْ (٢) غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيِ شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (سَعِيدُ) بن المسيّب، تقدّم قريبًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم أيضًا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن
стр. 10616
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني نساليّ، ثم بغداديّ، وابن عيينة كوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ "؛ أي: يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبيّ ﷺ ، والجملة في محل نصب على الحال، وهذه العبارة من صِيَغ الرفع حكمًا.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀ ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة الستة من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبيّ ﷺ ، إلا أن في رواية أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ: "يبلغ به النبيّ ﷺ "، كما هو اللفظ الأخير هنا (١)، وقوله في اللفظ الأول هنا: "روايةً" كناية عن الرفع إلى النبيّ ﷺ بلا خلاف أعلمه. انتهى (٢).
(قَالَ) ﷺ : ("أَسْرِعُوا) بهمزة القطع، أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع المتوسط بين شدة السعي، وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة ﵁:
стр. 10617
"لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ، وإنا لنكاد نَرْمُلُ بالجنازة رملًا" (١)؛ إذ مقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقيّ ﵀، وسيأتي أقوال أهل العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(بِالْجَنَازَةِ) أي: بحملها، متعلق بـ "أسرعوا"، قال العلامة ابن الملقّن ﵀: من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، كما قدّمنا أول الباب يتعيّن عنده هنا قراءة قوله: "أسرعوا بالجنازة" بالفتح؛ لأن المقصود الإسراع بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المناسب هنا الكسر؛ لأن الجِنَازة بالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال أهل اللغة، والمقصود هنا الإسراع بالنعش، وعليه الميت؛ إذ لا معنى للإسراع بحمل الميت إلا مع النعش، فليتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر بحمله إلى قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته، لئلا يتغيّر، والأول أظهر، وعليه الجمهور.
قال النوويّ ﵀: والثاني باطل، مردود بقوله ﷺ : "فشرّ تضعونه عن رقابكم".
وقال القرطبيّ ﵀: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مطلق الإسراع، فإنه ﷺ لم يقيّده بقيد.
وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيَحْتَمِل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني، دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنبًا، أو نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله ﷺ : "فشرّ تضعونه عن رقابكم": إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي هذا الاحتمال أن كلّ حاضري
стр. 10618
الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما اليوم، فإنما يحمله في الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى (١).
قال الحافظ ﵀: ويؤيّده -يعني كلام الفاكهيّ- حديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره"، أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وَحْوَح، مرفوعًا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … " الحديث. انتهى (٢).
وقال ابن قدامة ﵀: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال بوجوبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن حزم ﵀؛ لأن ظاهر النصّ معه؛ إذ هوأمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل يصرفه إلى غيره، ولا دليل ذكروه هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ تَكُ) بحذف النون، والأصل "تكون"، فدخل الجازم، فأسكن النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم حُذفت النون تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ … تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
واسم "تك" المستتر يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال الطيبيّ: جُعلت الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدّمة إلى الخير الذي كُني به عن عمله الصالح، مبالغةً، كما قوله:
مَا دَرَى نَعْشُهُ وَلَا حَامِلُوهُ … مَا عَلَى النَّعْشِ مِنْ عَفَافٍ وَجُودِ
قال: ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا قابل قرينها بوضع الشرّ عن الرقاب، وكان أثر عمل الرجل الصالح راحةً له، فأمر بإسراعه إلى ما
стр. 10619
يستريح إليه، وأثر عمل الرجل الطالح مشقّة عليهم، فأمر بوضع جيفته عن رقابهم، فالضمير في "إليه" راجع إلى الخير باعتبار الثواب، أو الإكرام. انتهى (١).
(صَالِحَةً) بالنصب على أنه خبر "تك" (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي "شرّ" للتعظيم؛ أي: خيرٌ عظيمٌ، وشرٌّ عظيمٌ.
قال العلامة ابن الملقّن ﵀: "خير"، و"شرّ" فيه إعرابان:
الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف؛ أي: فلها خير، ولها شرّ، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عَيْرٌ، فعَيْرٌ في الرباط.
الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدأ، والتقدير: فهي، وهي؛ أي: ذات خير، وذات شرّ.
وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما "تقدّمونها"، و"تضعونها"، فصفة لهما. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "فخير" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم بلفظ: "قرّبتموها إلى الخير"، ويأتي في قوله بعدُ "فشرّ" نظير ذلك. انتهى.
وقال السنديّ: الظاهر أن التقدير: فهي خير؛ أي: الجنازة بمعنى الميت؛ لمقابلته بقوله: "فشرّ"، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير "إليه" الراجع إلى الخير، ويمكن أن يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا يُساعده المقابلة، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقوله: (لَعَلَّهُ قَالَ) هكذا رواية المصنّف هنا، بلفظ "لعله قال"، ورواية البخاريّ وغيره خالية عنه، ولفظ رواية يونس الآتية: "فإن كانت صالحة، قرّبتموها إلى الخير" (تُقَدِّمُونَهَا) بضمّ أوله، وتشديد الدال، من التقديم (عَلَيْهِ) وفي بعض النسخ: "إليه"؛ أي: إلى الخير الذي أعدّه الله لها من النعيم المقيم، وقال في "الفتح": الضمير راجع إلى الخير، باعتبار الثواب، قال ابن
стр. 10620
مالك: رُوي: "تقدّمونه إليها" فانث الضمير على تأويل الخير بالرحمة، أو الحسنى. انتهى.
وقال القاري ﵀؛ أي: فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيّبًا، فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب. انتهى.
(وَإِنْ تَكُنْ) وفي بعض النسخ: "وإن تك" بحذف النون كالأول، وكلاهما جائز، كما أسلفته آنفًا في قول ابن مالك ﵀:
وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
(غَيْرَ ذَلِكَ) أي: غير صالحة؛ يعني: أنه إن كانت الجنازة غير صالحة (فَشَرٌّ) إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: "فخير" الما ضي (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ") أي: فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها؛ لأنها بعيدة عن رحمة الله تعالى.
[تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى الخير، والتعجيل بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر إلى تعليل بعلة أخرى، وهي مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة.
فقد أخرج الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازة، قال: "ابسطوا بها، ولا تَدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها".
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة"، عن عمران بن حُصين ﵄، أنه أوصى: "إذا أنا متّ، فأسرعوا، ولا تُهوّدوا، كما تُهوّد اليهود والنصارى".
وعن ابن عمر ﵄، أنه سمع رجلًا يقول: ارفقوا بها رحمكم الله، فقال: هوّدوا، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ.
وعن إبراهيم النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ اليهود، وعن علقمة: لا تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى.
فهذه الآثار تبيّن سبب الأمر بالإسراع، ولا مانع من التعليل بالأمرين.
والحاصل أن السنّة الإسراع في المشي بالجنازة؛ لأجل ما دلّت عليه الأحاديث المذكورة، وسيأتي تمام البحث في أقوال العلماء في ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10621
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢١٨٦ و ٢١٨٧ و ٢١٨٨) (٩٤٤)، و (البخارفي) في "الجنائز" (١٣١٥)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٨١)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠١٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩١٠ و ١٩١١) و "الكبرى" (٢٠٣٧ و ٢٠٣٨)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٧٧)، و (مالك) في "الموطأ" (٥٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ و ٢٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١١٢ و ٢١١٣ و ٢١١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع المتوسط الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خُشِي من الإسراع أن يحدث انفجار مثلًا فلا يُسرع، قال الشافعيّ ﵀: فإن كان بالميت علّة، يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي. انتهى.
قال ابن الملقّن ﵀: وكَرِه بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور، قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر لأجله، إن لم يُخَف تغيّرها. انتهى.
٢ - (ومنها): أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال؛ للإتيان فيه بضمير المذكّر، ولا يخفى ما فيه، قاله في "الفتح"، وقال ابن الملقّن ﵀: الخطاب بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل، ورئما انكشف بعض أبدانهنّ. انتهى.
٣ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة؛ ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة.
٤ - (ومنها): أن فيه إكرام أهل الخير والصلاح؛ إذا ماتوا بالمبادرة إلى
стр. 10622
الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله تعالى ورحمته.
٥ - (ومنها): أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما شُرع عند موتهم، كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطَالة، وغير الصالحين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع بالجنازة، وفي حدّه:
قال الحافظ وفي الدين ﵀: حَكَى البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ: أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحَكَى عنه ابن المنذر، وابن بطّال أنه سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ والنوويّ: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال الحنفيّة، وهذه عبارة صاحب "الهداية": ويمشون به مسرعين، دون الخبب، وحكى ابن قُدامة، عن القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج عن المشي المعتاد، قال: وهو قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي: يَخُبّ، ويرمُلُ.
وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع بالجنازة إسراع السجيّة، مشي الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة أحبّ إلينا من الإبطاء بها.
وروى ابن أبي شيبة الوصيّةَ به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وعلقمة، وأبي وائل، وعلي بن الحسين.
وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن الحسن، ومحمد أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى منهم إبطاء قال: امْضُوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيًا بين الماشيين.
стр. 10623
وحَكَى الطحاوي في المسألة خلافًا، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال: وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشيًا ليّنًا أفضل.
وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملوا نهي مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من رُوي عنه النهي عن الإسراع، واستدلّوا بما جاء في الحديث مفسّرًا عنه ﷺ : "هو ما دون الْخَبَب" (١)، وفي حديث آخر: "عليكم بالقصد في جنائزكم".
وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم. انتهى.
ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها، أو خروج شيء منها. انتهى.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول:
رَوَى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلَحِقَنا أبو بكرة، فرفع سوطه، وقال: "لقد رأيتنا، ونحن مع رسول الله ﷺ نرمُلُ رَمَلًا"، وفي رواية له: "في جنازة عبد الرحمن بن سمُرة"، بدل "عثمان بن أبي العاص"، ورواه النسائيّ، وقال في روايته: "عبد الرحمن بن سمُرة"، وقال: "وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلًا"، ورواه الحاكم في "مستدركه" مختصرًا بدون القصّة التي في أوله، بلفظ: "وإنا لنكاد"، وصحّح إسناده.
стр. 10624
وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن المشي مع الجنازة؟، فقال: "ما دون الخبب" الحديث، قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال الحميديّ: قال ابن عُيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار، فحدّثنا.
وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر الحديث.
وفي "الصحيحين" عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة ميمونة ﵁ بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: "هذه ميمونة؛ إذا رفعتم نعشها، فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا".
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبيّ ﷺ بجنازة، وهي تَمْخَضُ كما يمخض الزِّقُّ، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم"، ورواه البيهقيّ في "سننه" بلفظ: "عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم".
قال الجامع عفا الله عنه: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك، والله تعالى أعلم.
قال ولي الدين: واستدلّ والدي ﵀ في "شرح الترمذيّ" على أن المراد التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: "وإنا لنكاد أن نرمل"، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد، قال ولي الدين: وقد عرفتَ أن لفظ أبي داود "نرمُلُ".
وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه -والله أعلم- أراد الرفق في كيفية الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيَحْتَمِل أنه كان حصل لها ما يُخشى معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع. انتهى.
وجزم النووي في "الخلاصة" بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية
стр. 10625
"كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها"، وكذا بؤب عليه قبله البيهقيّ. انتهى كلام ولي الدين ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص من هذه الأقوال، وأدلتِها أن الصواب مشروعية الإسراع بالجنازة؛ لصحة النصوص الواردة في ذلك، كما في حديث الباب، لكن يكون إسراعًا لا يؤدي إلى أمر محظور، من سقوط الميت، أو انفجاره، أو حصول الضرر لمن يتبع الجنازة، وبهذا ئجْمَع بين مذهب القائلين بالإسراع، وبين من حُكِي عنهم النهي عنه، فلا اختلاف بينهم في الحقيقة، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْن حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيْرَ أَن فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م) تقدم في لا الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٦ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت هـ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٧].
стр. 10626
رَوَى عن قتادة، وأبي جمرة الضُّبَعيّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وعليّ بن زيد بن جُدْعان.
ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، وإبراهيم بن طهمان، وحماد بن زيد، ورَوْح بن عُبادة، وأبو إسحاق الفزاريّ، وأبو معاوية الضرير، وغيرهم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ غير أن يحيى بن سعيد لم يكن له فيه رأي، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ: ليس به بأس، قال: وقلت ليحيى بن سعيد: هل كتبتَ عنه؟ فقال: كتبت حديثه كله، ثم رميت به بَعْدُ، وهو نحو صالح بن أبي الأخضر، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول: كتبت عنه، ثم رَغِبت عنه؛ لأني رأيته يأتي أشعث بن عبد الملك، فإذا قام أتى إلى صبيان، فأملوها عليه، وقال ابن عديّ: هو من الضعفاء الذين يُكْتَب حديثهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٤٤)، وحديث (١٣٠٦): "ارم ولا حرج … "، و (١٣٥١): "وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟ ".
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) الضمير لمعمر، ومحمد بن أبي حفصة.
[تنبيه]: رواية معمر، ومحمد بن أبي حفصة عن الزهريّ لم أجد من ساقهما بالتمام، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِي، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَة، فَإِنْ كَانَتْ
стр. 10627
صَالِحَةً قرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) اسمه أسعد الأنصاريّ، له رؤية، ولم يسمع، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٠) وله (٩٢) سنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٧) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٨٩] (٩٤٥) - (وَحَدَّثَني (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِي، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ وَحَرْمَلَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَني (٢) عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ
стр. 10628
هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الْجَنَان حَتَى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاط، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ". انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ، وَزَادَ الْآخَرَانِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ (١) كَثِيرَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدً نيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"ج ١ ص ٣٤٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ) أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٣] (ت ١١٧) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
стр. 10629
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، حيث روى عن كلّ منهم سماعًا وحده، ثم فصّل بينهم؛ للاختلاف فيها، فهارون أخذ عن ابن وهب سماعًا، والآخران أخذا عنه قراءةً، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس ممن نزل مصر، والنصف الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار والقول، سوى موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَاب) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة: "أخبرني" (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُزمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁.
[تنبيه]: حديث الباب ورد من رواية اثني عشر من الصحابة ﵁، وهم: أبو هريرة، وعائشة عند الشيخين، وثوبان، عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن مغفّل عند النسائيّ، وأبو سعيد الخدريّ، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء صحاح، ومن حديث أُبيّ بن كعب، عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقيّ في "الشُّعَب"، وأنس عند الطبرانيّ في "الأوسط"، وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في "فضائل الأعمال"، وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف، أفاده في "الفتح" (١).
стр. 10630
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ) موصولة، أو شرطيّة (شَهِدَ الْجَنَان)؛ أي: حضرها وفي الرواية الآتية من طريق جرير بن حازم، عن نافع: "من تَبعَ جنازة" (حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا) بفتح اللام مبنيًّا للمفعول؛ أي: إلى أن يفرغ من الصلاة عليها، وَيحْتَمِل أن يكون بكسر اللام، بالبناء للفاعل.
قال في "الفتح": واللام للأكثر مفتوحة، وفي بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها؛ فإنّ حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له. انتهى.
وقال في موضع آخر: قوله: "حتى يصلي" بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به، إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ذلك، ولو لم يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة، وحال في ونه مانع، فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا، والله أعلم. انتهى (١).
(فَلَهُ قِيرَاطٌ) -بكسر القاف- قال الجوهريّ: أصله قِرّاط بالتشديد؛ لأن جمعه قراريط، فأُبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانِق، وقال قبل ذلك: الدانِق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدراهم، وأما صاحب "النهاية"، فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشرة في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءًا.
ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عَقِيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلّق بالميت في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلّق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريبًا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، وعدّ من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم. انتهى.
قال الحافظ: وليس الذي قاله ببعيد، وقد روى البزّار من طريق عجلان، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "من أتى جنازة في أهلها، فله قيراط، فإن تبعها، فله
стр. 10631
قيراط، فإن صلى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن، فله قيراط"، فهذا يدلّ على أن لكلّ عمل من أعمال الجنازة قيراطاً، وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيّما بالنسبة إلى مشقّة ذلك العمل، وسهولته، وعلى هذا فيقال: إنما خصّ قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل.
ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي عند البخاريّ في "كتاب الإيمان"، فإن فيه إن لمن تَبِعَها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها قيراطين فقط.
ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شَهِد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يَحتَاج إليها الميتُ، فافترقا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي ذكره الحافظ عن البزّار ضعيف، كما اعترف به هو في "الفتح" (٣/ ٥٥٩) فكيف يؤيِّد به ما نقله عن ابن عَقيل؟، وكيف يستشكله مع حديث البخاريّ؟ فهذا شيء عجيب غريب، فتأمل.
قال: وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث، فمنها ما يُحْمَل على القيراط المتعارَف، ومنها ما يُحْمَل على الجزء في الجملة، وإن لم تُعرف النسبة: فمن الأول حديث كعب بن مالك ﵁، مرفوعاً: "إنكم ستفتحون بلداً يُذكر فيها القيراط".
وحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: "كنتُ أرعى غنماً لأهل مكة بالقراريط"، قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط، وقال غيره: قراريط جبل بمكة.
ومن المحتمل حديث ابن عمر ﵄ في الذين أُوتوا التوراة: "أعطوا قيراطاً قيراطاً"، وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: "من اقتنى كلباً نقص من عمله كلّ يوم قيراط".
وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أُحُد، وفي رواية عند أحمد، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول الله، مثل قراريطنا هذه؟ قال: "بل مثلُ أحد".
стр. 10632
وقال ابن العربي القاضي: الذّرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءاً من حبّة، والحبّة ثُلُث القيراط، فإذا كانت الذرّة تُخرِج من النار، فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قدر قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتني له في ذلك اليوم.
وذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله، وقد قرّبها النبيّ ﷺ للفهم بتمثيله القيراط بأُحُد.
وقال الزين ابن المنيّر: أراد تعظيم الثواب، فمَثَّلَه للعيان بأعظم الجبال خَلْقاً، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنه الذي قال في حقّه: إنه جبل يحبنا، ونحبّه. انتهى. ولأنه أيضاً قريب من المخاطبين، يشترك أكثرهم في معرفته.
وخصّ القيراط بالذكر لأنه كان أقلّ ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل.
وقال الطيبيّ: قوله: "مثل أُحُد" تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبيّن الموزون بقوله: "من الأجر"، وبيّن المقدار منه بقوله: "مثل أحد".
وقال النوويّ وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات، وتخفيف مقابلها، والله أعلم.
(وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفنَ)؛ أي: يُفرغ من دفنها؛ أي: بعد صلاته عليها، كما بيّنه في القسم الأول بقوله: "حتى يُصَلَّى عليها". وقد جاء التصريح بالصلاة في القسمين في رواية البخاريّ، ولفظه: "من اتبع جنازة مسلم إيماناً، واحتساباً، وكان معها حتى يصلَّى عليها، ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ قيراط مثلُ أحد، ومن صلّى عليها، ثم رجع قبل أن تُدفن، فإنه يرجع بقيراط".
قال في "الفتح": قوله: "ويُفرغ" بضم أوله، وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد،
стр. 10633
خلافاً لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط. انتهى.
وقال في موضع آخر: قوله: "حتى تُدفَن": ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو أصحّ الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكلّ ذلك، ويترجّح الأول للزيادة، ففي هذه الرواية: "حتى يُفرَغ منها"، وفي رواية عند مسلم: "حتى توضع في اللحد"، وفي رواية له: "حتى توضع في القبر"، وفي رواية لأحمد: "حتى يُقضَى قضاؤها"، وللترمذي: "حتى يُقضَى دفنُها"، ولأبي عوانة: "حتى يُسوّى عليها"؛ أي: التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك.
وَيحْتَمِل حصول القيراط بكلّ من ذلك، لكن يتفاوت القيراط، كما تقدّم. انتهى ما قاله في "الفتح" بتصرّف (١).
(فَلَهُ قِيرَاطَانِ") قال النووي ﵀: معناه بالأول، فيَحْصُل بالصلاة قيراط، وبالاتّباع مع حضور الدفن قيراط آخر، فيكون الجميع قيراطين، تُبَيَّنه رواية البخاريّ في أول "صحيحه" في "كتاب الإيمان": "من شَهِد جنازة، وكان معها حتى يُصَلَّى عليها، ويُفْرَغ من دفنها، رَجَعَ من الأجر بقيراطين"، فهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع، وحضور الدفن قيراطان، قال: وفي رواية البخاريّ هذه مع رواية مسلم التي ذكرها بعد هذا، من حديث عبد الأعلى: "حتى يُفْرَغ منها" دليلٌ على أن القيراط الثاني لا يحصل إلا لمن دام معها من حين صُلَّي إلى أن فَرَغ دفنها، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يَحْصُل القيراط الثاني إذا سُتِر الميت في القبر باللَّبِن، وإن لم يُلْقَ عليه التراب، والصواب الأول.
وقد يَسْتَدِلُّ بلفظ الاتّباع في هذا الحديث وغيره مَن يقول: المشيُ وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو قول عليّ بن أبي طالب، ومذهب الأوزاعيّ، وأبي حنيفة، وقال جمهور الصحابة، والتابعين، ومالكٌ، والشافعيّ، وجماهير
стр. 10634
العلماء: المشي قُدّامها أفضل، وقال الثوريّ وطائفة: هما سواء، قال القاضي عياض: وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يَحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى الاستئذان، وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو المشهور عن مالك، وحَكَى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن، وهو قول جماعة من الصحابة. انتهى (١).
(قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟) لم يُبَيَّن القائل، ولا المقول له في هذه الرواية، ولا في الرواية الآتية بعد حديثين، وقد بُيِّن المقول له في حديث ثوبان الآتي، ولفظه: "سئل النبيّ ﷺ عن القيراط، فقال: مثل أحد"، وبُيِّن القائل في رواية أبي عوانة من طريق أبي مزاحم، عن أبي هريرة، ولفظه: "قلت: وما القيراط يا رسول الله؟ "، وسيأتي في الحديث الخامس أن أبا حازم أيضًا سأل أبا هريرة ﵁ عن ذلك.
فتبيّن بهذا أن القائل في قوله هنا: "قيل: وما القيراطان؟ " هو أبو هريرة، والمجيب هو النبيّ ﷺ ، وقد وقع أيضاً سؤال أبي حازم لأبي هريرة ﵁، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في "الفتح" بأنه وقع عند مسلم في رواية الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ " ببيان المقول له، لكني لم أجد هذا في النسخ التي بين يديّ، ولعل الحافظ ﵀ وجد نسخة صرّحت بذلك، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ ("مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ") خبر لمحذوف؛ أي: هما مثل الجبلين العظيمين، والجبل العظيم فُسّر في الرواية الآتية، ولفظه: "كلّ قيراط مثلُ أُحد"، وفي لفظ: "وما القيراطان"؟ قال: "أصغرهما مثل أُحد"، وللنسائيّ: "فله قيراطان من الأجر، كل واحد منهما أعظم من أُحد"، ولابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب: "القيراط أعظم من أُحد هذا"، ولابن عديّ من
стр. 10635
حديث واثلة: "كُتب له قيراطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أُحد"، فأفادت هذه الروايات بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتّب على ذلك العمل، أفاده الحافظ ﵀.
وقال السنديّ في "شرح النسائيّ" عند قوله: "كان له من الأجر قيراط": وهو عبارة عن ثواب معلوم عند الله تعالى، عُبّر عنه ببعض أسماء المقادير، وفُسّر بجبل عظيم، تعظيماً له، وهو أحد - بضمتين - وَيحْتَمِل أن ذلك العمل يتجسّم على قدر جِرْم الجبل المذكور، تثقيلاً للميزان. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني يردّه قوله: "من الأجر"، فإنه صريح في أن الذي يكون مثل أحد هو الأجر نفسه، فالأولى أن الأجر يُجسّد، فيوضع في الميزان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: القيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى، وهذا الحديث يدلّ على عِظَم مقداره في هذا الموضع، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور في حديث: "من اقتَنَى كلباً إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، نَقَصَ من أجره كل يوم قيراط"، وفي روايات: "قيراطان"، بل ذلك قدر معلوم، ويجوز أن يكون مثل هذا، وأقلّ، وأكثر. انتهى (١).
وقوله: (انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ) يعني أن حديث شيخه أبي الطاهر هذا تمامه ونهايته.
وقوله: (وَزَادَ الْآخَرَانِ) يعني شيخه حرملة بن يحيى، وهارون بن سعيد، فـ "الآخران" مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) مفعول به لـ"زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه (قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵃ (يُصَلِّي عَلَيْهَا)؛ أي: على الجنازة (ثُمَّ يَنْصَرِفُ)؛ أي: يرجع إلى أهله، ولا يتبعها، ويكون معها حتى تدفن؛ لعدم علمه بالسنّة (فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ هذا، وهو قوله: "ومن شَهِدها حتى تُدفن، فله قيراطان" (قَالَ) متأسّفاً على ما فوّته من الأجر الكثير، وذلك بعد إرساله إلى عائشة ﵄،
стр. 10636
وسؤالها عما رواه أبو هريرة ﵁، وتصديقها إياه، كما يأتي في الرواية الآتية (لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: "ضَيَّعنا في قراريط" بزيادة "في"، والأول هو الظاهر، والثاني صحيح على أن "ضَيَّعنا" بمعنى فَرَّطنا، كما في الرواية الأخرى، وفيه ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسف على ما يفوتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢١٨٩ و ٢١٩٠ و ٢١٩١ و ٢١٩٢ و ٢١٩٣ و ٢١٩٤ و ٢١٩٥] (٩٤٥)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٢٣ و ١٣٢٥) و"العلم" (٤٧)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣/ ٢٠٢)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (٣/ ٣٥٩ و ٣٦٠)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٧٦) و"الكبرى" (١/ ٦٤٥)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٩)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٢)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٧٧ و ٤١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣ و ٢٨٠ و ٤٠١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٨)، و (الحا كم) في "مستدركه" (٣/ ٥٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٨٥) و"الكبير" (٩/ ٣١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل شهود جنازة المسلم.
٢ - (ومنها): الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحضّ على الاجتماع له.
٣ - (ومنها): التنبيه على عظيم فضل الله تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يَتَوَلّى أمره بعد موته.
стр. 10637
٤ - (ومنها): تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريباً للأفهام، وإما على حقيقته.
٥ - (ومنها): أن في قصة أبي هريرة ﵁ المذكورة في هذا الحديث دلالةً على تَمَيُّزه ﵁ في الحفظ، وقد حصل له ذلك بدعوة النبيّ ﷺ ، فقد أخرج الشيخان من حديث ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال: "ابسط رداءك"، فبسطته، قال فغرف بيديه، ثم قال: "ضُمَّهُ" فضممته، فما نسيت شيئاً بعده.
وأخرجا أيضاً عنه قال: يقولون: إن أبا هريرة يُكثر الحديث، واللهُ الْمَوْعِدُ، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يَشْغَلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً، ألزم رسول الله ﷺ على مِلْء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبيّ ﷺ يوماً: "لن يبسط أحد منكم ثوبه، حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئاً أبداً"، فبسطت نَمِرَةً ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبيّ ﷺ مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئاً أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
٦ - (ومنها): أن فيها دلالة على فضيلة ابن عمر ﵄ من حرصه على العلم، والعمل الصالح.
٧ - (ومنها): أن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم.
٨ - (ومنها): أن فيها استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه.
٩ - (ومنها): عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ.
١٠ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من التثبّت في الحديث النبويّ، والتحرّز فيه، والتنقيب عليه.
١١ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسّف على ما فاتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه.
стр. 10638
١٢ - (ومنها): واستُدِلَّ بقوله: "من تَبعَ" على أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها؛ لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسًّا.
قال ابن دقيق العيد ﵀: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتّباع هنا على الاتباع المعنويّ؛ أي: المصاحبة، وهو أعمّ من أن يكون أمامها، أو خلفها، أو غير ذلك، وهذا مجاز يَحتاج إلى أن يكون الدليل الدالّ على استحباب التقدّم راجحاً. انتهى. وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وبيان اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح بدليله في المسألة التألية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المشي أمام الجنازة وخلفها:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلفوا في ذلك، فممن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن عليّ، وابن الزبير، وأبوأُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب رسول الله ﷺ نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأساً، وهو قول عُبيد بن عُمير، وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش (١).
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا، وقال إسحاق ابن راهويه: يتأخر أحبّ إلينا، وقد رَوَينا عن عليّ أنه مشى خلفها، وسئل الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها.
وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن
стр. 10639
يمينها، وعن شمالها، هذا قول مالك بن أنس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريباً.
قال ابن المنذر ﵀: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن شمالها (١) جائز، والمشي أمامها أحبّ إليّ؛ لحديث ابن عمر ﵄ -يعني حديثه الآتي عند المصنّف بعد هذا - ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم.
فليُكثِر مَن تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولِمَا بعده، سَهَّل الله لنا حسن الاستعداد، واللقاء به. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ما نصّه: قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل - إن شاء الله - ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها؛ لأن الله لم يَحظُر ذلك، ولا رسوله ﷺ ، ولا أعلمُ أحداً من العلماء كره ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يُحبِط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان"، ولم يخصّ الماشي خلفها من الماشي أمامها. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر بن المنذر، وأبو عمر بن عبد البرّ -رحمهما الله تعالى - هو الحقّ عندي.
стр. 10640
وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل؛ لما أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن ابن عمر ﵄ رأى رسول الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة، وهو حديث اختُلف في وصله وإرساله، والصحيح أنه موصول، كما حققته في "شرح النسائيّ"، ولأنه عَمَلُ أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها"، وهو حديث صحيح، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: "الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ"، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى: "حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا"، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَاقِ: "حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن كلًّا من عبد الأعلى، وعبد الرزّاق روى عن معمر بن راشد … إلخ.
стр. 10641
وقوله: (حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا) بضمّ أوله، وفتح الراء، ويُروى بالعكس، قال النوويّ ﵀: ضبطناه بضمّ الياء، وفتح الراء، وعكسه، والأول أحسن وأعمّ، وفيه دليلٌ لمن يقول: القيراط الثاني لا يحصل إلا بفراغ الدفن. انتهى (١).
قال في "الفتح": وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يَحصُلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يَحصُل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافاً لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصُل بالمجموع ثلاثة قراريط. انتهى (٢).
وقوله: (حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) وفي الرواية الآتية: "حتى توضع في القبر"، وفيه دليل لمن يقول: يحصل القيراط الثاني بمجرد الوضع في اللحد، وإن لم يُلْقَ عليه التراب، وقد سبق أن الصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من إهالة التراب؛ لظاهر قوله في الروايات الأخرى: "حتى تُدفن"، وأصرح منها قوله: "حتى يُفْرَغ منها"، ويتعيّن تأويل هذه الرواية على أن المراد حتى يوضع في اللحد، ويُفْرغَ من دفنه، ويكون المراد الإشارة إلى أنه لا يَرْجِع قبل وصولها القبر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن معمر هذه ساقها الأمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٧١٤٨) - حدّثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظر حتى يُفْرَغ منها فله قيراطان"، قالوا: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". انتهى.
وأما رواية عبد الرزّاق، عن معمر، فقد ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
стр. 10642
(١٩٩٤) - أخبرنا نوح بن حبيب، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظرها حتى توضع في اللحد، فله قيراطان، والقيراطان مثل الجبلين العظيمين". انتهى.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَقَالَ: "وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١] (ت ٢٤٨) (م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - " (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (١٩٩) وله (٦٤) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام حجة مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
стр. 10643
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي رِجَالٌ) فيه أن شيوخ الزهريّ لم يُسَمَّوا، لكنه لا يضرّ؛ لأنه تقدّم في الإسنادين السابقين، تسمية اثنين منهم، فقد سمى في الأول عبد الرحمن الأعرج، وفي الثاني سعيد بن المسيِّب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية عُقيل، عن ابن شهاب هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: (أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر قليلاً في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر في الآخر [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 10644
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟) تقدّم ما يدلّ أن القائل هو أبو هريرة ﵁، والمقول له هو النبيّ ﷺ ، راجع ما سبق في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف ﵀، وأخرجه أبو داود في "سننه" (٣١٦٨)، والحميديّ في "مسنده" (١٠٢١)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٤٦) وابن الجارود في "المنتقى" (٥٢٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: مِثْلُ أُحُدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعي مولى عزّة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس (١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
стр. 10645
وقوله: (حتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ)؛ أي: وتُدفن بدليل ما سبق من قوله: "ومن شهدها حتى تُدفن"، وقوله: "حتى يُفرغ من دفنها".
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبا هُرَيْرَةَ) هذا صريح في كون السائل أبا حازم، وأن التفسير من أبي هريرة ﵁، وقد تقدّم ما يدلّ أن السؤال من أبي هريرة ﵁، والتفسير من قول النبيّ ﷺ ، فلا تغفل.
والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام البحث فيه، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٩٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِن أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ تَبعَ جَنَازَة فَلَهُ قِيرَاط مِنَ الْأَجْرِ"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنُا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) بن أبي شيبة الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (جَرِيرُ بْنَ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، اْبو النضر البصريّ، ثقةٌ، وفي حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.