← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

وقوله: (حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا) بضمّ أوله، وفتح الراء، ويُروى بالعكس، قال النوويّ ﵀: ضبطناه بضمّ الياء، وفتح الراء، وعكسه، والأول أحسن وأعمّ، وفيه دليلٌ لمن يقول: القيراط الثاني لا يحصل إلا بفراغ الدفن. انتهى (١). قال في "الفتح": وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يَحصُلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يَحصُل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافاً لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصُل بالمجموع ثلاثة قراريط. انتهى (٢). وقوله: (حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) وفي الرواية الآتية: "حتى توضع في القبر"، وفيه دليل لمن يقول: يحصل القيراط الثاني بمجرد الوضع في اللحد، وإن لم يُلْقَ عليه التراب، وقد سبق أن الصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من إهالة التراب؛ لظاهر قوله في الروايات الأخرى: "حتى تُدفن"، وأصرح منها قوله: "حتى يُفْرَغ منها"، ويتعيّن تأويل هذه الرواية على أن المراد حتى يوضع في اللحد، ويُفْرغَ من دفنه، ويكون المراد الإشارة إلى أنه لا يَرْجِع قبل وصولها القبر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن معمر هذه ساقها الأمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧١٤٨) - حدّثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظر حتى يُفْرَغ منها فله قيراطان"، قالوا: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". انتهى. وأما رواية عبد الرزّاق، عن معمر، فقد ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:

стр. 10642

(١٩٩٤) - أخبرنا نوح بن حبيب، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظرها حتى توضع في اللحد، فله قيراطان، والقيراطان مثل الجبلين العظيمين". انتهى. والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَقَالَ: "وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١] (ت ٢٤٨) (م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - " (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (١٩٩) وله (٦٤) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام حجة مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقيان ذُكرا قبله.

стр. 10643

[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي رِجَالٌ) فيه أن شيوخ الزهريّ لم يُسَمَّوا، لكنه لا يضرّ؛ لأنه تقدّم في الإسنادين السابقين، تسمية اثنين منهم، فقد سمى في الأول عبد الرحمن الأعرج، وفي الثاني سعيد بن المسيِّب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية عُقيل، عن ابن شهاب هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: (أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر قليلاً في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر في الآخر [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.

стр. 10644

و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟) تقدّم ما يدلّ أن القائل هو أبو هريرة ﵁، والمقول له هو النبيّ ﷺ ، راجع ما سبق في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم. والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف ﵀، وأخرجه أبو داود في "سننه" (٣١٦٨)، والحميديّ في "مسنده" (١٠٢١)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٤٦) وابن الجارود في "المنتقى" (٥٢٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: مِثْلُ أُحُدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعي مولى عزّة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس (١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. والباقيان ذُكرا قبل حديث.

стр. 10645

وقوله: (حتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ)؛ أي: وتُدفن بدليل ما سبق من قوله: "ومن شهدها حتى تُدفن"، وقوله: "حتى يُفرغ من دفنها". وقوله: (قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبا هُرَيْرَةَ) هذا صريح في كون السائل أبا حازم، وأن التفسير من أبي هريرة ﵁، وقد تقدّم ما يدلّ أن السؤال من أبي هريرة ﵁، والتفسير من قول النبيّ ﷺ ، فلا تغفل. والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام البحث فيه، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال: [٢١٩٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِن أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ تَبعَ جَنَازَة فَلَهُ قِيرَاط مِنَ الْأَجْرِ"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنُا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) بن أبي شيبة الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (جَرِيرُ بْنَ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، اْبو النضر البصريّ، ثقةٌ، وفي حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.

стр. 10646

[تنبيه]: الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ: "حُدّث ابن عمر"، قال في "الفتح": كذا في جميع الطرق "حُدِّثَ" بضم المهملة على البناء للمجهول، ولم أقف في شيء من الطرق عن نافع على تسمية مَن حَدَّث ابن عمر، عن أبي هريرة بذلك، وقد أورده أصحاب "الأطراف"، والحميدي في "جمعه " في ترجمة نافع، عن أبي هريرة، وليس في شيء من طرقه ما يدُلّ على أنه سمع منه، وإن كان ذلك محتملاً، ووقفت على تسمية مَن حَدَّث ابن عمر بذلك صريحاً في موضعين: أحدهما: في "صحيح مسلم"، وهو خباب - بمعجمة، وموحدتين، الأولى مشددة - وهو أبو السائب المدنيّ، صاحب المقصورة، قيل: إن له صحبةً، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعد، عن أبيه، أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ طَلَع خباب، صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ فذكر الحديث. والثاني: في "جامع الترمذيّ" من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، قال أبو سلمة: فذكرت ذلك لابن عمر، فأرسل إلى عائشة. انتهى (١). وقوله: (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ … إلخ) رواية المصنّف ﵀ صريحة في كون أبي هريرة ﵁ رفع الحديث، فهي مفسرة لما وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "حُدِّث ابنُ عمر أن أبا هريرة ﵄ يقول: من تَبع جنازة فله قيراط" فإن ظاهره الوقف، لكن تبيّن برواية المصنّف كونه مرفوعاً، فتنبّه. وقوله: (مَنْ تَبعَ) يقال: تَبعَ زيدٌ عمراً، من باب تَعِبَ: مَشَى خلفه، أو مرّ به، فمضى معه، قاله في "المصباح"، وفي لفظ عند البخاريّ: "مَن اتّبع" بالتشديد، من الاتّباع. قال في "الفتح": وقد تمسّك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها

стр. 10647

أفضل، ولا حجّة فيه؛ لأنه يقال: تبعه؛ إذا مشى خلفه، أو إذا مَرَّ به، فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد، وهو افتعل منه، فإذاً هو مقول بالاشتراك، وقد بيّن المرادَ الحديثُ الآخر المصحّح عند ابن حبّان وغيره، من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان، فهو بمعنى لَحِقه؛ إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي (٣) حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي (٤) أَبُو صَخْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِداً عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ"، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّاباً إِلَى عَائِشَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ (٥)، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ (٦) يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ).

стр. 10648

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ مقرئ [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥. ٣ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صَفْوان التُّجِيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨. ٤ - (أَبُو صَخْرٍ) ابن أبي الْمُخارق، حُميد بن زياد الخرّاط، صاحب الْعَبَاء، المدنيّ، نزيل مصر، صدوقٌ يَهِمُ [٦] (ت ١٨٩) (بخ م د عس ق) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٨. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطِ) بن أُسامة الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٢) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المساجد" ٢٠/ ١٣٠١. ٦ - (دَاوُدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) القرشيّ الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعنه يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن قُسيط، وابن إسحاق، وعبد الحميد بن جعفر. قال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، وقال مسلم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف، وأبي داود هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ آخر في صفة الجنة. ٧ - (أَبُوهُ) عامر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٨ - (خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ) المدنيّ، جدُّ مسلم بن السائب بن خَبّاب، قيل: له صحبة، وقيل: مخضرمٌ [٢]. رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، في اتّباع الجنازة، وعنه عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال ابن ماكولا: أدرك الجاهلية، وكذا قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": خباب مولى فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة، أدرك الجاهلية، واختُلِف

стр. 10649

في صحبته، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في "الصحابة"، وساق ابن منده من طريق عبد الله بن السائب بن خَبّاب، عن أبيه، عن جدّه قال: رأيت رسول الله ﷺ متكئاً على سرير … الحديث. أخرج له المصنّف، وأبو داود، وليس عندهما إلا هذا الحديث فقط. و"أبو هريرة" ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ) بضمّ القاف، وفتح السين المهملة، وإسكان الياء، بصيغة التصغير (أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) عامر بن سعد (أَنَّهُ كَانَ قَاعِداً عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ) "إذ" ظرف لـ "قاعداً" (صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ) لم أجد سبب تلقيب خبّاب هذا بصاحب المقصورة، وفي "القاموس" و"شرحه": "المقصورةُ: الدار الواسعة المحصّنة بالحيطان، أو هي أصغر من الدار، كالقُصَارة بالضمّ، وهي المقصورة من الدار، لا يدخلها إلا صاحبها. انتهى (١). (فَقَالَ)؛ أي: خبّاب (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟) هو استغراب من خبّاب لما سمعه من أبي هريرة ﵁، واستغرابه، واستفسار ابن عمر من عائشة للتثبّت، لا لأنهما اتّهما أبا هريرة بالكذب؛ لأن مقام ابن عمر وخبّاب يجلّ عن أن يتّهما أبا هريرة بذلك، وإنما كان ذلك منهما مخافة أن يكون قد اشتَبَهَ الأمر على أبي هريرة في ذلك، واختَلَطَ عليه حديث بحديث، أو نحو ذلك؛ لكثرة مرويّاته، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟) "ما" مصدريّة؛ أي إلى قول أبى هريرة، وَيحْتَمِل أن تكون موصولاً اسميًّا، والعائد محذوف؛ أي إلى الذي يقوله، وقوله: (أَنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعه مقول "يقول" على الأول، وعلى الاستئناف البيانيّ على الثاني، فكانه قال له: ماذا يقول؟، فقال: إنه سمع … إلخ. وَيحْتَمِل أن يكون "أنه" بالفتح؛ عطفاً على "ما يقول".

стр. 10650

(سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا) هذا بيان صريح يفسّر مبدأ اتّباع الجنازة، وهو أن يصاحبها من بيتها (وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا)؛ أي: بعد الصلاة (حَتَّى تُدْفَنَ)؛ أي: ولزمها حتى نهاية دفنها؛ لقوله في الرواية السابقة: "ويُفْرَغ من دفنها"، وفي رواية لأبي عوانة: "حتى يُسوّى عليها التراب"، وهي من أصرح الروايات في ذلك أيضاً (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ) بضمّتين: هو الجبل المعروف بقرب المدينة النبويّة من جهة الشام، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بقويّ (١)، وكانت فيه الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ)؛ أي: قبل أن تُدفن (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ"، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (خَبَّاباً) صاحب المقصورة (إِلَى عَائِشَةَ) ﵄ (يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ) وفي نسخة: "بما قالت". [تنبيه]: قال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده": (٤٤٣٩) - حدّثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، عن ابن عمر ﵄ أنه مَرّ بأبي هريرة ﵁، وهو يُحَدِّث عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من تَبِع جنازة، فصلى عليها، فله قيراط، فإن شَهِد دفنها، فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد"، فقال له ابن عمر ﵄: أبا هريرة انظر ما تُحَدِّث عن رسول الله ﷺ ، فقام إليه أبو هريرة، حتى انطَلَق به إلى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أَنْشُدُك بالله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن تَبعَ جنازةً، فصلى عليها فله قيراط، فإن شَهِد دفنها، فله قيراطان"، فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله ﷺ غَرْسُ الْوَدِيّ، ولا صَفْقٌ بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، وأُكْلة يُطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: رجال إسناده رجال الصحيح، ولا تنافي بينه وبين رواية المصنّف أن ابن عمر ﵄ أرسل خبّاباً إلى عائشة ﵄؛ لاحتمال أن

стр. 10651

يكون بلغه أوّلاً أن أبا هريرة يُحدّث به، فأرسل إلى عائشة، فصدّقته، ثم سمع بنفسه أبا هريرة يُحدّث به، فسأله تأكيداً، فذهب به إلى عائشة، فسمع منها أيضاً بنفسه، والله تعالى أعلم. (وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (قَبْضَةً) بفتح القاف، وتُضمّ، يقال: قَبَضتُ قَبْضةً من تمر بفتح القاف، والضمّ لغة؛ أي: أخذت، وبابه ضرب (مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ) "الحصباء بالمدّ: صغار الحصى"، وفي بعض النسخ: "من حَصَى المسجد" (يُقَلَّبُهَا) من التقلي، أو من القلب (فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ)؛ أي: خبّاب المذكور (فَقَالَ)؛ أي: الرسول (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵄ (صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ)؛ أي: رمى الحصى في الأرض (ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا) بتشديد الراء، من التفريط، يقال: فَرّط في الأمر تفريطاً: إذا قَصَّر فيه، وضيّعه، وأفرط فيه إفراطاً: إذا أسرف، وجاوز الحدّ (١). (فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ)؛ أي: حيث تركنا اتّباع الجنائز حتى تُدفن. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٦] (٩٤٦) - (وَحَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ - حَدَّثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيَّ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.

стр. 10652

٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل حديث. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثمّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الغَطَفَانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيراً [٣] (ت ٧ أو ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨. ٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ) ويقال: ابن طلحة الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨. ٧ - (ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) صحبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحِمْصَ سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢. وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم مما مضى، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): حديث ثوبان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢١٩٦ و ٢١٩٧] (٩٤٦)، وأخرجه (ابن ماجه) (١٥٤٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١٦١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٦ و ٢٨٢ و ٢٨٣ و ٢٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٢١ و ٢١٢٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْقِيرَاطِ، فَقَالَ: "مِثْلُ أُحُدٍ).

стр. 10653

رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٥ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الأيمان" ٦/ ١٢٧. ٦ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٧ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٨ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م دت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة: هشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان العطّار رووا هذه الحديث عن قتادة، بسنده الماضي، مثل المتن الماضي. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ … إلخ) ظاهر هذا أن رواية أبان ليس فيها "سُئل النبيّ ﷺ .... إلخ"، وإنما مذكور في رواية سعيد، وهشام، ولعلّ المصنّف ﵀، وقع له هكذا، وإلا فرواية هشام الآتية عن "مسند الإمام أحمد" ليس فيها "سئل النبيّ ﷺ "، وإنما فيها: "قيل: وما القيراطان؟ … إلخ"، وأما رواية أبان، وسعيد ففيهما سؤال النبيّ ﷺ ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

стр. 10654

[تنبيه]: رواية هشام الدستوانيّ، عن قتادة ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢١٨٧١) - حدّثنا أبو قَطَن، حدّثنا هشامٌ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن نبيّ الله ﷺ قال: "من تَبع جنازة فله قيراط، ومن شَهِد دفنها فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد". انتهى. وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، فساقها ابن ماجه ﵀، فقال: (١٥٤٠) - حدّثنا حُميد بن مَسْعَدة، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا سعيد، عن قتادة، حدّثني سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن صلى على جنازة فله قيراط، ومن شَهِد دفنها فله قيراطان"، قال: فسئل النبيّ ﷺ عن القيراط، فقال: "مثل أحد". انتهى. وأما رواية أبان بن يزيد العطّار، عن قتادة، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢١٩٤٨) - حدّثنا عفّان، حدّثنا أبانُ، حدّثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان"، قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد،. انتهى. والله تعالى آعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (١٨) - (بَابُ مَا جَاءَ أَنّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ، وفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعُونَ شُفِّعُوا فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٨] (٩٤٧) - (حَدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ

стр. 10655

عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ"، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجِس، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (م دس) تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحجة الثبت المشهور الجامع لخصال الخير [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢. ٣ - (سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ) الخزاعيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٤) أو بعدها (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٣. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةُ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ رَضِيعُ عَائِشَةَ) البصريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عائشة، وعنه أبو قلابة الجرميّ، وأهل البصرة، قال العجليّ: تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، والأربعة، وله عند المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ هذا الحديث فقط، وعند الأربعة حديث: "اللهم هذا قسمي فيما أملك … ". ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵄، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥. ٨ - (شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ) الأزديّ الْمِعْوليّ مولاهم، أبو صالح البصريّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي العالية، وإبراهيم النخعيّ، وأبي قلابة، وغيرهم.

стр. 10656

ورَوَى عنه: ابناه: أبو بكر وعبد السلام، وسليمان التيميّ، ويونس بن عبيد، وعبد الوارث بن سعيد، والحمادان، وهارون بن موسى النحويّ، وغيرهم. قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، مات سنة (٣) ويقال: سنة (١٣١)، وغسله أيوب. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٤٧)، و (١٣٦٥): "أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، و (٢٧٠٦): "اللهم إني أعوذ بك من البخل … "، و (٢٩٣٣): "الدجال ممسوح العين … ". ٩ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير سلام، وعبد الله بن يزيد، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وابن المبارك فمروزيّ، وعائشة، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن عائشة ﵄ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ) تقدّم أنه يجوز تخفيف يائه، وتشديدها (تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ)؛ أي: جماعة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً) وفي حديث ابن عبّاس ﵄ التالي: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته، أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شَفّعهم الله فيه".

стр. 10657

قال القرطبيّ ﵀: قيل: سبب هذا الاختلاف اختلافُ السؤال، وذلك أنه سُئل مرّة عمن صلّى عليه مائة، واستشفعوا له؟ فقال: "شُفِّعوا"، وسئل مرّة أخرى عمن صلى عليه أربعون، فأجاب بذلك، ولو سئل عن أقلّ من ذلك لقال ذلك، والله أعلم؛ إذ قد يستجاب دعاء الواحد، ويُقبل استشفاعه، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "من صلّى عليه ثلاثة من الصفوف شفعوا له" (١)، ولعلّهم يكونون أقلّ من أربعين. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀ بعدما نقل عن القاضي عياض نحو ما ذكره القرطبيّ ما نصّه: ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ أُخبِر بقبول شفاعة مائة، فأَخبَر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم بثلاثة صفوف، وإن قلّ عددهم، فأخبر به. وَيحْتَمِل أيضاً أن يُقال: هذا مفهوم عدد، ولا يَحتجّ به جماهيُر الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع ما دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كلّ الأحاديث معمول بها، وتحصل الشفاعة بأقلّ الأمرين، من ثلاثة صفوف، وأربعين. انتهى (٣). (كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ) من باب نَفَعَ يَنفَعُ، والشفاعةُ معناها الطلب؛ أي: يسألون له من الله تعالى التجاوز عن ذنوبه، وجرائمه، والجملة في محلّ نصب على الحال (إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ") بتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: إلا قُبلت شفاعتهم في ذلك الميت (قَالَ) القائل هو سلّام بن أبي مطيع، كما صرّح به في رواية النسائيّ (فَحَدَّثْتُ بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث الذي حدّثني به أيوب السختيانيّ (شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَاب، فَقَالَ) شعيب (حَدَّثَنِى بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ )؛ أي: فاتّفق على روايته عن النبيّ ﷺ عائشة، وأنس ﵄، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10658

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث، قال القاضي عياض: رواه سعيد بن منصور موقوفاً على عائشة ﵄، فأشار إلى تعليله بذلك، وليس معلّلاً؛ لأن من رفعه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولو سلّمنا أنه موقوف، فلا يضرّه؛ لأنه في حكم المرفوع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢١٩٨] (٩٤٧)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٢٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٩١ و ١٩٩٢) وفي "الكبرى" (٢١١٨ و ٢١١٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٢١)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢ و ٤٠ و ٩٧ و ٢٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٦٤ و ٢٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٥٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من صلّى عليه مائة. ٢ - (ومنها): بيان رفعة قدر المسلمين عند الله تعالى، حيث تُقبل شفاعتهم. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على الميت. ٤ - (ومنها): استحباب تكثير عدد المصلين على الميت. ٥ - (ومنها): استحباب شفاعة المصلين للميت عند الله تعالى، وذلك بأن يتوخهوا بقلوب خالصة، طالبين منه أن يتجاوز عن سيئات الميت، ويغفر زلّاته، فإن أصل مشروعية الصلاة على الميت، هو الدعاء له، ولذا قال النبيّ ﷺ : "إذا صلّيتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء"، رواه أبو داود، وابن

стр. 10659

ماجه، وصححه ابن حبّان، وفي إسناده ابن إسحاق، وهو مدلّس، لكنه صرّح بالتحديث عند ابن حبّان، فزالت تهمة التدليس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٩٩] (٩٤٨) - (حَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيَلِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ، قَالَ الْوَلِيدُ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ، أَوْ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَإذَا نَاسٌ (٢) قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَخْرِجُوهُ، فَإِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ) أبو همّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (٣) [١٠] (ت ٢٤٣) عَلى الصحيح (م دت ق) تقدم في "الإيمان" ٧٧/ ٤٠٢. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو صَخْرٍ) حميد بن زياد الخرّاط، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.

стр. 10660

٦ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١. ٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: ابن أبي مسلم المدنيّ، أبو رِشْدين، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحَيض" ٢/ ٦٨٨. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، مات سثة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فرّق في التفصيل؛ لما تقدّم غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسمه. انتهى (١). (بِقُدَيْدٍ) بضمّ القاف، مصغّراً: اسم موضع بين مكة والمدينة، قاله ابن الأثير، وقال ابن سِيدهْ: هو موضع، وبعضهم لا يصرفه يجعله اسماً للبقعة. انتهى (٢). (أَوْ) للشكّ من الراوي (بِعُسْفَانَ) بضمّ العين المهملة، بوزن عُثمان: موضع على مرحتلين من مكة (٣). (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (يَا كُرَيْبُ انْظْرْ مَا اجْتَمَعَ) عبّر بـ "ما"، ولم يقل: "من"؛ لأن المراد العدد؛ أي: العدد الذي اجتمع (لَهُ)؛ أي: لابنه الميت؛ أي: للصلاة عليه، وقوله: (مِنَ النَّاسِ) بيان لـ"ما" (قالَ) كريب (فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَاسٌ) اسم وُضع للجمع، كالقوم والرهط، واحدة إنسان من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تحرّك،

стр. 10661

فيشمل الإنس والجنّ، ولذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥] ثم فسّر ﴿النَّاسِ﴾ فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦] (١). ووقع في بعض النسخ: "أُناس"، وهما لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر على الراجح؛ لاختلاف مادّتهما، أفاده الفيّومي ﵀ (٢). (قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ)؛ أي: لأجل الصلاة عليه (فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: باجتماعهم، وكثرة عددهم (فَقَالَ) ابن عبّاس (تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ)؛ أي: تقدّر عددهم بأنهم أربعون رجلاً؟ (قَالَ) كريب (نَعَمْ، قَالَ (ابن عبّاس (أَخْرِجُوهُ)؛ أي: جنازته (فَإِنَّي) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة لاستغراق الجنس، كما قال في "الخلاصة": وَزِيدَ فِي نَفْيٍ أَوْ شِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ" (رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً) جملة في محل نصب صفة "رجلاً" (إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ) بتشديد الفاء: أي: قَبِل شفاعتهم. قال التوربشتيّ ﵀: لا تضادّ بين حديث ابن عبّاس وحديث عائشة؛ لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقلّ من العددين متأخّراً؛ لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة في المعنى الواحد مرّتين، وإحداهما أيسر من الأخرى لم يكن من سنّته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه فضلاً منه وتكرُّماً على عباده. انتهى. قال الطيبيّ ﵀: هذا كلام حسنٌ؛ حديث عائشة ﵄ فيه مبالغة وتشديد ليس في حديث ابن عبّاس ﵄، وذلك أنه ﷺ جعل قوله: "يصلّي عليه أمة من المسلمين" توطئةً لقوله: "يبلغون مائةً"، ثمّ أكده بقوله: "كلّهم يشفعون له". انتهى (٣).

стр. 10662

وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ) بيّن فيه ﵀ الاختلاف بين مشايخه الثلاثة، فهارون بن سعيد، والوليد بن شُجاع قالا في روايتهما: "عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس"، وأما هارون بن معروف، فقال في روايته: "عن شريك بن أبي نمر"، فنسبه إلى جدّه، وقال أيضاً: "عن كريب" فقط، فلم يذكر: "مولى ابن عبّاس"، وقال: "عن ابن عبّاس"، ولم يقل: "عن عبد الله بن عبّاس"، وهذا كلّه من بيان ما وقع من اختلاف الشيوخ، وإن لم يكن فيه اختلاف معنًى، إلا أن المصنّف ﵀ شديد العناية ببيان اختلاف ألفاظ الشيوخ، وهذا هو ما امتاز به على غيره حتى فضّلوه به على شيخه البخاريّ، فهو وإن كان له عناية بذلك أيضاً، إلا أن مسلماً أشدّ، وأكثر، فلله درّه، ما أغزر فوائد كتابه الحديثيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢١٩٩] (٩٤٨)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٠)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٧١)، و"الطبرانيّ" في "المعجم الأوسط" (٨/ ٣٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.

стр. 10663

(١٩) - (بَابٌ فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ، أَوْ شَرًّ، مِنَ الْمَوْتَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠٠] (٩٤٩) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأْثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، قَالَ (٢) عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ"). ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ (١٠) ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٥ - (ابْنُ عُلَيَةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٦ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 10664

٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀ كلاحقه، وهو (١٣٩)، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والرابع ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيوخه، فالأول والثالث بغداديّان، والثاني كوفيّ، والرابع مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنساً ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: مُرَّ) بضمّ الميم، وتشديد الراء مبنيًّا للمفعول (بِجِنَازَةٍ) تقدّم ضبطه بالكسر والفتح، واختلاف العلماء في معناه (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا) قال الفيّوميّ ﵀ (١): الثناء بالفتح والمدّ، يقال: أثنيت عليه خيراً، وبخير، وأثنيت عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نصّ عليه جماعة، منهم صاحب "المحكم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن القُوطِيّة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله: إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقد قيل فيه: هو العالم النِّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجّةُ لمن بعده، والبُرْهان الذي يوقَف عنده. وتبعه على ذلك مَن عُرف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحّة المقالة،

стр. 10665

وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابن القَطّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنفُوا غيرَه، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يُستعمَل إلا في الحسن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يُستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافياً في المدح، وكان قوله: "له الثناء الحسن"، لا يُفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: "الحسن" احتراز عن غير الحسن، فإنه يُستعمل في النوعين، كما قال: "والخير في يديك، والشرّ ليس إليك". وفي "الصحيحين": "مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيراً … "، فقال ﷺ : "وَجَبَت"، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال ﷺ : "وَجبت"، وسُئل عن قوله: "وجبت؟ "، فقال: "هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار … " الحديث. وقد نُقِل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفصحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخرجه عن حيِّزِ الاعتدال، من دَهَشٍ، وسُكْرٍ، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يُحتجّ بقوله. وَيرجِع قول من قال: لا يُستعمل إلا في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله درّ من قال: وإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعُ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَداً سَبِيلُ وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمل في الشرّ في الحديث للازدواج. وهذا كلام من لا يَعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. وقوله: (خَيْراً) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض الأصول "خيراً" و"شرًّا " بالنصب، وهو منصوب بنزع الجارّ؛ أي: فأُثني عليها بخير وبشرّ، وفي بعضها مرفوعٌ. انتهى (٢). وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: "كنتُ قاعداً عند

стр. 10666

النبيّ ﷺ ، فمُرّ بجنازة، فقال: "ما هذه الجنازة؟ "، قالوا: جنازة فلان ابن فلان الفلانيّ، كان يحبّ الله ورسوله، وَيعمل بطاعة الله، ويَسعَى فيها، وقال ضدّ ذلك في التي أثنوا عليها شرًّا "، ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشرّ في رواية عبد العزيز هذه، وللحاكم أيضاً من حديث جابر ﵁: "فقال بعضهم: لَنِعْم المرءُ، لقد كان عفيفاً مسلماً"، وفيه أيضاً: "فقال بعضهم: "بئس المرءُ كان، إن كان لَفَظًّا غَليظاً". (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ")؛ أي: ثبتت له الجنّة، هكذا في رواية المصنّف ﵀ مكرّراً ثلاث مرّات، قال النوويّ ﵀: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المهتمّ بتكراره، ليُحفَظَ، ويكون أبلغ. انتهى. (وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قال الطيبيّ: استعمال الثناء في الشرّ مشاكلة، أو تهكّم. انتهى. وقال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وَصَفُوا، فيحتاج إلى القيد، ففي "القاموس": الثناء وصف بمدح، أو ذمّ، أو خاصّ بالمدح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم في كلام الفيّوميّ ﵀ أن الصواب عند أهل اللغة أنّ الثناء هو الوصف مطلقاً، وأما كونه خاصًّا بالمدح فغير ثابت عنهم، وقد اعترض الشارح على صاحب "القاموس" قولَه: "أو خاصّ بالمدح" بأنه لم يَقُل به أحد ممن يوثق به. فما ادعاه الطيبيّ من المشاكلة، وكذا ما أجاب به القاري غير صحيح، وكذا ما قاله النوويّ في "شرحه" من أن استعمال الثناء في الشرّ شاذّ كلّ ذلك غير مقبول، وقد أشبع الكلام في الردّ على هذا الفيّوميّ ﵀ في بحثه السابق، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ") مكرّراً أيضاً ثلاثاً؛ لما مرّ (قَالَ) وفي نسخة: "فقال" (عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمَّي) جملة اسميّة، من مبتدأ وخبره، وفي رواية النسائيّ: "فداك أبي وأمي" على الجملة الفعليّة، و"فدى" مقصورٌ، بفتح الفاء، وكسرها. (مُرَّ بِجَنَازَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا قوله: (فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ،

стр. 10667

وَجَبَتْ، وَجَبَتْ")؛ أي: ماذا تعني بقولك: "وجبت" في هاتين الجنازتين؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) يعني أن المراد بقوله: "وجبت"؛ أي: الجنّة لذي الخير، والنار لذي الشرّ، والمراد بالوجوب الثبوت؛ إذ هي في صحّة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل. ورواية المصنّف بلفظ: "من أثنيتم إلخ" أبين في العموم من رواية البخاريّ، بلفظ: "هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار". وفيها ردٌّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالميتين المذكورين، لغيب أطلع الله نبيه ﷺ عليه، فالصواب أنه خبر عن حكم أعلمه الله تعالى به، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله ﷺ : "من أثنيتم شرًّا … إلخ دا يُشكل عليه النهي عن سبّ الأموات، فقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح عن عائشة ﵄ قالت: ذُكِر عند النبيّ ﷺ هالكٌ بسوء، فقال: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه: (أحدهما): أن الذي تُحُدّث عنه بالشرّ كان مستظهراً له، ومشهوراً به. (الثاني): أنّ محمل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز؛ ليتعظ به الفسّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفضل الصلاة على الْمُعْلِن بالبدَع والكبائر. (الثالث): أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرّ يَحْتَمِل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال ﷺ : "وجبت له النار"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض ﵀. (الرابع): أن النهي عن سبّ الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخاً، أفاده القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأوجه هو الأول، وأبعدها

стр. 10668

آخرها؛ إذ النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولم يُعرف هنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ") هكذا في رواية المصنّف مكرّراً ثلاث مرّات، والخطاب للصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم، قال: والصواب أن ذلك يختصّ بالثقات والمتقين. انتهى. قال الجامع عفا الثه تعالى عنه: الحقّ كونه عامًّا للصحابة، وغيرهم من المؤمنين؛ للنصوص الكثيرة الواضحة في ذلك: (فمنها): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي الأسود الديليّ، قال: قَدِمت المدينة، وقد وقع بها مرضٌ، فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرَّت بهم جنازة، فأُثني على صاحبها خيراً، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيراً، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرًّا، فقال: وجبت، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: كما قال النبيّ ﷺ : "أيما مسلم شَهِدَ له أربعة بخير، أدخله الله الجنة"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد. فهذا أصرح في كون الحكم عامًّا للمسلمين كلّهم. (ومنها): ما في "صحيح البخاري" في "كتاب الشهادات" في حديث الباب بلفظ: "المؤمنون شهداء الله في الأرض". (ومنها): ما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ في حديث الباب بنحو هذه القصّة بلفظ: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض". (ومنها): ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة ﵁ في حديث الباب أيضاً في نحو هذه القصّة: "إن بعضكم على بعض لشهيد". فهذه النصوص كلها واضحة في كون الحكم للمسلمين جميعاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

стр. 10669

وقال النوويّ ﵀: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرًّا كان من المنافقين. انتهى. قال الحافظ ﵀: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة ﵁ بإسناد صحيح، أنه ﷺ لم يصلّ على الذي أثنوا عليه شرًّا، وصلى على الآخر. انتهى. وقال الداوديّ ﵀: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفَسَقَة؛ لأنهم يُثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة؛ لأن شهادة العدوّ لا تقبل. انتهى. ونقل الطيبيّ عن بعض شرّاح "المصابيح" قال: ليس معنى قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" أن الذي يقولونه في حقّ شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحقّ الجنة من أهل النار بقولهم، ولا بالعكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيراً رأوه منه كان ذلك علامةَ كونه من أهل الجنّة، وبالعكس. وتعقّبه الطيبيّ بأن قوله: "وجبت" بعد الثناء حُكْمٌ عَقَبَ وصفاً مناسباً، فأشعر بالعلّيّة، وكذا قوله: "أنتم شُهداء الله في الأرض"؛ لأن الإضافة فيه للتشريف؛ لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمّة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثرٌ، قال: وإلى هذا يومئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. قال الحافظ: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لمّا روى عن جابر نحو حديث أنس ﵁ بهذه الآية، أخرجه الحاكم، وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيرِه عند ابن أبي حاتم في "التفسير"، وفيه أن الذي قال للنبيّ ﷺ : "ما قولك: وجبت" هو أُبَيّ بن كعب. وقال النوويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثْنَى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقاً للواقع، فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه، قال: والصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، وأن من مات منهم، فالهم الله تعالى الناس، أو معظمهم الثناء عليه بخير، كان دليلاً على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أو لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام، يُستدلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر

стр. 10670

فائدة الثناء، ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبيّ ﷺ له فائدة. انتهى (١). قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، مرفوعاً: "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون"، ولأحمد من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه، وقال: "ثلاثة" بدل "أربعة"، وفي إسناده من لم يُسمّ، وله شاهد من مراسيل بُشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ. وأما جانب الشرّ فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حقّ من غلب شرّه على خيره. وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أوّلاً في آخر حديث أنس: "إن لله ملائكة، تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٢٠٠ و ٢٢٠١] (٩٤٩)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٨ و ٢٦٤٢)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥٨)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٣٠) و"الكبرى" (٢٠٥٩)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١٤٩١ و ١٢٤٢٦ و ١٢٥٢٢ و ١٢٦٢٧ و ١٢٧٩١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٤٥٧)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٣/ ٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 10671

١ - (منها): بيان مشروعيّة الثثاء على الميت بما فيه من خير وشرّ، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمةّ. ٢ - (ومنها): جواز ثناء الناس على الميت، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ بذلك، حيث قال: "باب ثناء الناس على الميت"؛ أي: مشروعية الثناء على الميت، وجوازه مطلقاً، بخلاف الحيّ، فإنه منهيّ عنه؛ إذا أفضى إلى الإطراء، خشيةً عليه من الزَّهْوِ، أشار إلى ذلك الزين ابن الْمُنَيَّر ﵀. ٣ - (ومنها): فضيلة هذه الأمة، حيث كانت شهداء الله تعالى في أرضه، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. ٤ - (ومنها): إعمال الحكم بالظاهر. ٥ - (ومنها): استحباب توكيد الكلام المهتمّ به بتكراره؛ ليُحفظ، وليكون أبلغ. ٦ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، وقد استوفيت البحث فيه في غير هذا الموضع، فلا تغفل. ٧ - (ومنها): أنه أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقلها اثنان؛ لقوله في حديث عمر ﵁ المذكور: فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ٨ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ ﵀: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال. ٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: [فإن قيل]: كيف مُكِّنُوا بالثناء بالشرّ مع الحديث الصحيح في البخاريّ وغيره في النهي عن سبّ الأموات؟. [فالجواب]: أن النهي عن سبّ الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق، أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشرّ؛ للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرًّا كان مشهوراً بنفاق، أو نحوه، مما ذكرنا، هذا هو الصواب في الجواب عنه، وفي الجمع بينه وبين النهي عن السبّ. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

стр. 10672

١٠ - (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هو في الخير. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يُعْتَبَر قوله من أهل اللغة عدم استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة إلخ غير صحيح، كما تقدّم، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٨٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢. ٥ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) وله (٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. و"أنس" ﵁ ذُكر قبله.

стр. 10673

[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀ كسابقه، وهو (١٤٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ثابت. [تنبيه]: رواية ثابت عن أنس ﵁ هذه ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (٢٦٤٢) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: مُرّ على النبيّ ﷺ بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: "وجبت"، ثم مُرّ بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، أو قال: غير ذلك، فقال: "وجبت"، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا: "وجبت"، ولهذا: "وجبت"، قال: "شهادة القوم، المؤمنون شهداءُ الله في الأرض". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (٢٠) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحٍ وَمُسْتَرَاحٍ مِنْهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠٢] (٩٥٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ، وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨.

стр. 10674

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بمهملتين مفتوحتين، ولامين، الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة - الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] (خ م د س) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٨٠٦. ٤ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ، مقبول [٣] (خ م خد س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٠. ٥ - (أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ) هو: الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى محمد بن عمرو، ومعبد، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، فارس رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ في غزوة ذي قَرَد: "خير فرساننا اليوم أبو قتادة"، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً (ابْنِ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وعين مهملة -. قال الحافظ ابن عبد البرِّ ﵀: هكذا الحديث في "الموطّآت" بهذا الإسناد، وأخطأ فيه سُويد بن سعيد، عن مالك، فقال: "عن معبد بن كعب، عن أبيه"، وليس بشيء. انتهى. (أَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ) - بضم الميم - مبنيًّا للمفعول، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم المارّ، ولا الممرور بجنازته. انتهى. (عَلَيْهِ)؛ أي: على النبيّ ﷺ ، ووقع في "الموطآت" للدارقطنيّ، من طريق إسحاق بن عيسى، عن مالك بلفظ: "مَرَّ برسول الله ﷺ جنازة"، والباء على هذا بمعنى

стр. 10675

"على"، وذكّر الجنازة باعتبار الميت، قاله في "الفتح" (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ "مُرّ" (فَقَالَ) ﷺ ("مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ") قال ابن الأثير ﵀: يقال: أراح الرجلُ، واستراح: إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء. انتهى. والواو فيه بمعنى "أو"، والتقدير: هذا الميت، أو كلّ ميت إمّا مستريح، أو مستراح منه، أو بمعناها، على أن هذا الكلام بيان لمقدّر، يقتضيه الكلام، كأنه قال: هذا الميت، أو كلّ ميت أحد رجلين، فقال: مستريح، ومستراح منه. وقال السيوطيّ: الواو فيه بمعنى "أو"، وهي للتقسيم، وقال أبو البقاء في إعرابه: التقدير: الناس، أو الموتى مستريح، أو مستراح منه. قال السندي: ولا يخفى ما فيه من عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر، فليُتأمّل. انتهى. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة ﵃، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم السائل منهم، إلا أن في رواية إبراهيم الحربيّ، عند أبي نُعيم: "قلنا"، فيدخل فيهم أبو قتادة، فيَحْتَمِل أن يكون هو السائل. انتهى. (مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، فَقَالَ) ﷺ ("الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) قال ابن التين ﵀: يَحْتَمِل أن يريد بـ "المؤمن" التقيّ خاصّة، وَيحْتَمِل كلّ مؤمن. انتهى. (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتح النون، والصاد المهملة: التعَب وزناً ومعنى، زاد في رواية يحيى الآتية: "يستريح من أذى الدنيا، ونصبها إلى رحمة الله". (وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) قال ابن التين ﵀: يَحْتَمِل أن يريد بـ "الفاجر" الكافر، ويَحْتَمِل أن يدخل فيه العاصي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وقع في رواية ابن حبّان بلفظ "الكافر" بدل الفاجر، ولفظه: "والكافر يموت، فيستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدوابّ". (يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ") قال الداوديّ ﵀: أما استراحة العباد، فلما يأتي به من المنكرات، فإن أنكروا عليه آذاهم، وإن تركوه

стр. 10676

أَثِمُوا، واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي، فإن ذلك مما يحصل به الْجَدْب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل. وتعقّب الباجي أوّلَ كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه؛ لأنه بعد أن ينكر بقلبه، أو ينكر بوجه، لا يناله به أذى. وَيحْتَمِل أن يكون المراد براحة العباد منه، لما يقع لهم من ظلمه، وراحةُ الأرض منه لما يقع عليها من غصبها، ومنعها من حقّها، وصرفه في غير وجهه، وراحة الدوابّ منه مما لا يجوز من إتعابها، ذكره في "الفتح". وقال النوويّ ﵀: معنى استراحة العباد من الفاجر، اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه: منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها قاسَوْا مشقّة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدوابّ منه كذلك؛ لأنه يؤذيها بضربها، وتحميلها ما لا تطيقه، وُيجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك. واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمنَع القطرَ بمعصيته، قاله الداوديّ، وقال الباجيّ: لأنه يَغصِبها، ويمنعها حقّها، من الشرب، وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن جميع ما ذكروه من أنواع الأذى صالح للدخول في معنى الحديث، فالأولى حمل الحديث على جميع أنواع الأذى من غير تعيين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٢٠٢ و ٢٢٠٣، (٩٥٠)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥١٢ و ٦٥١٣)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٣٠ و ١٩٣١) و"الكبرى" (٢٠٥٧ و ٢٠٥٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٤١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٦ و ٣٠٢ و ٣٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢ و ٣٣)،

стр. 10677

و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٧/ ١٠٧)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٣)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٠٧ و ٣٠١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٧٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استراحة المؤمن من تعب الدنيا، وهمومها بموته. ٢ - (ومنها): تقسيم الناس إلى قسمين: مؤمن، وفاجر. ٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان. ٤ - (ومنها): بيان قبح الفجور، وأنه سبب البلايا والمصائب. ٥ - (ومنها): أن فجور الفاجر يتسبّب منه ضرر العباد، والبلاد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية [الروم: ٤١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: "يَسْتَرِيحُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا، وَنَصَبِهَا اِلَى رَحْمَةِ اللهِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.

стр. 10678

٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٣١/ ١٨٢٥. والباقون ذُكروا قبله، وابن كعب بن مالك، هو معبد المذكور قبله. وقوله: (إِلَى رَحْمَةِ اللهِ)؛ أي: إلى جنته؛ لأنها رحمته، كما سمّاها الله تعالى بذلك، فيما أخرجه الشيخان من حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها … " الحديث. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال: (٢٢٠٣٠) - حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبد الله بن سعيد؛ يعني ابن أبي هند، حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن ابن لكعب بن مالك، عن أبي قتادة بن رِبْعِيّ، قال: مُرّ على النبيّ ﷺ بجنازة، قال: "مستريح، ومستراح منه"، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح، والمستراح منه؟ قال: "المؤمن استراح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر استراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب". وأما رواية عبد الرزّاق، عن عبد الله بن سعيد، فساقها أيضاً الإمام أحمد ﵀ فقال: (٢٢٠٨٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة الدِّيليّ، عن ابن كعب بن مالك، عن أبي قتادة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوماً، فمُرّ عليه بجنازة، فقال: "مستريح، ومستراح منه"، قال: قلنا: أي رسول الله، ما مستريحٌ، ومستراح منه؟ قال: "العبد الصالح يستريح من نَصَب الدنيا وهَمِّها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.

стр. 10679

(٢١) - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٠٤] (٩٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ (١) أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها)؟ أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.

стр. 10680

٦ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ)؛ أي: أخبرهم بموته. [تنبيه]: "النَّعْيُ": بفتح النون، وإسكان العين المهملة، وكغنيّ: الإخبار بالموت، يقال: نَعَاه نَعْياً، ونَعِيًّا، ونُعْيَاناً بالضمّ: أخبر بموته، والنَّعِيّ، كغنيّ: الناعي، والْمَنْعِيّ، قاله في "القاموس" (١). وقال في "المصباح": نَعَيتُ الميتَ نَعْياً، من باب نفع: أخبرتُ بموته، فهو مَنْعِيّ، واسم الفعل الْمَنْعَى، والْمَنْعَاةُ بفتح الميم فيهما، مع القصر، والفاعل: نَعِيّ، على فعيل، يقال: جاء نَعِيّه؛ أي: ناعيه، وهو الذي يُخبر بموته، ويكون النَّعِيّ خَبَراً أيضاً. انتهى (٢). وقال في "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: والنَّعْيُ، والنَّعِيُّ، بوزن فَعِيلٍ: نداءُ الداعي، وقيل: هو الدعاء بموت الميت، والإشعارُ به، وجاء نَعِيُّ فلان: وهو خبر موته. وقال أبو زيد: النَّعِيُّ - أي كغنيّ - الرجل الميتُ، والنَّعْيُ - أي بفتح، فسكون - الفِعلُ. انتهى (٣). وفيه دليلٌ على جواز نعي الميت، وقد ورد النهي عنه، فيُحمل ذلك على النعي لغير غرض دينيّ، مثل نعي الجاهليّة المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجّع عليه، وإعظام حال موته، ويُحمل النعي الجائز على ما فيه غرض صحيحٌ، كتكثير المصلّين عليها؛ تحصيلاً لدعائهم، وتتميماً للعدد الذي وُعِد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة، أو الأربعين (٤)، أو لتشييعه، وقضاء حقّه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﷺ : "هلا آذنتموني به"،
следующие страницы →