٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٤ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٩٦.
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
والباقون ذُكروا قبله، و"إسماعيل" هو: ابن عُليّة المذكور في السند الثاني.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٢١٠] (٩٥٣)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٤٦ و ١٩٧٠ و ١٧٧٣ و ١٩٧٥) و"الكبرى" (٢٠٧٣ و ٢٠٩٧ و ٢١٠٠ و ٢١٠٢)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٤١ و ٤٤٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٨ و ٤٦٠ و ٤٦٢ و ٤٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٠٢)، و (البيهقىّ) في "الكبرى" (٤/ ٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10712
(٢٢) - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١١] (٩٥٤) - (حَدَّثنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْر بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ (١) قَالَ: الثِّقَةُ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ، هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ حَسَنٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قُلْتُ لِعَامِرٍ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ (٢) قَالَ: الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البجليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقية عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٤ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
стр. 10713
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير ابن عبّاس ﵄.
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّعْبِي) عامر بن شَرَاحيل ﵀ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفنَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": ووقع في "الأوسط " للطبرانيّ من طريق محمد بن الصباح الدُّولابيّ، عن إسماعيل بن زكريا، عن الشيبانيّ، أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين، وقال: إن إسماعيل تفرّد بذلك، ورواه الدارقطنيّ من طريق هُريم بن سفيان، عن الشيبانيّ، فقال: بعد موته بثلاث، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوريّ، عن الشيبانيّ، فقال: بعد شهر، وهذه روايات شاذّة، وسياق الطرُق الصحيحة يدلّ على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه. انتهى (١).
أفَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا)؛ أي: أربع تكبيرات، وفي رواية ابن نُمير: "فصلّى عليه، وصفّوا خلفه، وكبّر أربعًا".
(قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان (فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (مَنْ) استفهاميّة حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ وفي نسخة: "بهذا الحديث" (قَالَ) الشعبيّ (الثِّقَةُ) فاعل لفعل محذوف دلّ عليه السؤال، كما قال في "الخلاصة":
وَيرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْل أُضْمِرَا … كَمِثْلِ "زيذٌ" فِي جَوَابِ "مَنْ قَرَا؟ "
أي حدّثني الرجل الثقةُ، وقوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بدل من "الثقةُ"، أو عطف بيان له؟ أي: حدثني به ابن عباس ﵄ حيث إنه ممن صلّى مع النبي ﷺ على ذلك القبر.
(هَذَا)؛ أي: السياق الَفْظُ حَدِيثِ حَسَنِ) بن الربيع (وَفِي رِوَايَةِ) محمد بن عبد الله (بْنِ نُمَيْرٍ: قَالَ) الشعبيّ (انْتَهَى)؛ أي: وصل (رَسُولُ الله ﷺ إِلَى قَبْرٍ
стр. 10714
رَطْبٍ)؛ أي: جديد، وترابه رطبٌ بعدُ، لم تَطُل مدّته، فييبس.
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ: مَرّ بقبر قد دُفِن ليلًا، فقال: "متى دُفن هذا؟ " قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذنتموني"، قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصَفَفْنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه.
(فَصَلَّى عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لمذهب الشافعيّ وموافقيه في الصلاة على القبور (وَصَفُّوا خَلْفَهُ)؛ أي: صفّ الصحابة ﵃ خلف النبيّ ﷺ (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) قال ابن حبّان ﵀: في ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. انتهى.
وتعفب بان الذي يقع بالتبعيّة لا ينهض دليلًا للأصالة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ لو كان خاصًّا به ﷺ ، أو تبعًا له لبيّن أن هذه الصلاة لا تجوز إلا تبعًا لي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس ﵄، قال: مات إنسان، كان رسول الله ﷺ ويعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه، فقال: لزما منعكم أن تعلموني؟ "، قالوا: كان الليلُ، فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نَشُقّ عليك، فأتى قبره، فصلى عليه.
قال في "الفتح": وقع في شرح سراج الدين عمر ابن الملقّن، أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقمّ المسجد، وهو وَهَمٌ منه، لتغاير القضتين، فقد تقدّم أن الصحيح في الأول أنها امرأة، وأنها أم مِحْجَن، وأما هذا فهو رجل، واسمه طلحة بن البراء بن عُمير، الْبَلَويّ، حليف الأنصار، روى حديثه أبو داود مختصرًا، والطبرانيّ من طريق عروة بن سعيد الأنصاريّ، عن أبيه، عن حسين بن وَحْوَح الأنصاريّ، وهو بمهملتين بوزن جعفر: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبيّ ﷺ يعوده، فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجّلوا"، فلم يبلغ النبي ﷺ بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله، لما دخل الليل: إذا متّ، فادفنوني، ولا
стр. 10715
تدعو رسول الله ﷺ ، فإني أخاف عليه يهودَ أن يصاب بسببي، فأخبر النبي ﷺ حين أصبح، فجاء، حتى وقف على قبره، فصفّ الناس معه، ثم رفع يديه، فقال: "اللهم القَ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه". انتهى (١).
قال الشيبانيّ (قُلْتُ لِعَامِرٍ) هو الشعبيّ (مَنْ حَدَّثَكَ؟) وفي نسخة: "من حدّثك هذا؟ " (قَالَ) عامر (الثِّقَةُ)؟ أي: حدَّثني الثقة، وقوله: (مَنْ شَهِدَهُ) بدل، أو عطف بيان و"الثقة"، وقوله: (ابْنُ عَبَّاسٍ) بدل، أو عطف بيان لما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١١ و ٢٢١٢ و ٢٢١٣] (٩٥٤)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (٨٥٧ و ١٢٤٧ و ١٣١٩ و ١٣٢١ و ١٣٢٢ و ١٣٢٦ و ١٣٣٦ و ١٣٤٠)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٩٦)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٧)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٥)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٤ و ٢٨٣ و ٣٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٦ - ٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٦)، والله تعالى أعلم.
وبقيّة المسائل تأتي في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد ثلاثة أحاديث- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو كامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَّادٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
стр. 10716
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كُل هَؤُلَاءِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ (١) مِنْهُمْ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم السَّلَمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن الحسين الْجحدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٥ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّي، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار ١٩١) ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٩ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
١٠ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣.
١١ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى
стр. 10717
البصريّ القاضي، ثقةٌ متقن، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣.
[تنبيه]: معاذ بن معاذ هذا يروي هذا الحديث عن شعبة، لا عن الشيبانيّ، فكان الأولى للمصنف أن يذكر بعد ذكر محمد بن جعفر لفظة "قالا" بالتثنية، لا بالأفراد، حتى يعود الضمير إلى معاذ، ومحمد بن جعفر، وإنما نبّهت عليه؛ لأن قوله بعد التحويلات الخمسة: "كل هؤلاء … إلخ " يوهم أن معاذ بن معاذ أيضًا ممن روى عن الشيبانىّ، فتنبّه، فإنه من المزالّ، والله تعالى أعلم.
١٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَثَّى) تقدّم قبل باب.
١٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
١٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أسلفت آنفًا أنه كان الأولى أن يقول: "قالا: حدّثنا شعبة" بضمير التثنية الراجع إلى معاذ بن معاذ، ومحمد بن جعفر؟ لأن معاذاً يرويه عن شعبة، لا عن الشيبانيّ، فتنبّه.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ … إلخ) وفي نسخة: "واحد"، وغرضه بهذا أن ذكر التكبير أربعًا لم يذكره هؤلاء الخمسة، وإنما هو في رواية عبد الله بن إدرشى، عن الشيبانيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام المصنّف ﵀ هذا أن عبد الله بن إدرشى تفرّد عن الشيبانيّ بذكر التكبير أربعًا، ولم يتابعه أحد من هؤلاء، وهذا فيه نظر؛ لأن شعبة تابعه عند البخاريّ، قال في "صحيحه":
(١٣١٩) - حدّثنا مسلم، حدّثنا شعبة، حدّثنا الشيبانيّ، عن الشعبيّ، قال: أخبرني من شهد النبيّ ﷺ أَتَى على قبر منبوذ، فصفّهم، وكَبَّر أربعًا، قلت: من حدثك؟ قال: ابن عباس ﵄.
فتبيّن بهذا أن شعبة تابعه من رواية مسلم بن إبراهيم الفراهيديّ، عنه، وإنما لم يذكر شعبة في رواية غندر عنه، كما سيأتي في التنبيه.
وقد تابعه غيره أيضًا، فقد أخرج الدارقطنيّ: ﵀ في "سننه" بعد إخراجه
стр. 10718
رواية عبد الله بن إدريس، بسنده عن أبي عوانة، عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ صلى على قبر منبوذ، فكبر عليه أربعًا.
ثم قال: وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، عن شعبة (١)، وأبو حذيفة، عن زائدة، وعبد الله بن جعفر، عن أبي معاوية، عن الشيبانيّ، وتابعهم منصور بن أبي الأسود، وعبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، كلهم قال: "كبر أربعًا". انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (٢).
فتبيّن بهذا أن عبد الله بن إدريس لم ينفرد بذكر التكبير من بين هؤلاء الخمسة، فقد تابعه منهم شعبة، وعبد الواحد بن زياد كما قال الدارقطنيّ، وتابعة أيضًا من غيرهم أبو عوانة، وأبو معاوية، ومنصور بن أبي الأسود، كما قاله الدارقطنيّ أيضًا، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُل هَؤُلَاءِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يعني أن هؤلاء الخمسة، وهم: هشيم، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان الثوريّ، وشعبة رووا هذا الحديث عن سليمان الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ بمثل حديث عبد الله بن إدريس، عنه الماضي.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن الشيبانيّ، ساقها الترمذي ﵀، فقال:
(١٠٣٧) - حدّثنا أحمد بن منيع، حدّثنا هشيم، أخبرنا الشّيبانيّ، حدّثنا الشعبيّ، أخبرني من رأى النبي ﷺ ، ورأى قبرًا مُنْتَبِذًا، فصَفَّ أصحابَهُ خلفه، فصلى عليه، فقيل له: من أخبركه؟ فقال: ابن عباس، قال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية عبد الواحد، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀، فقال: (١٣٢١) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا الشيبانيّ، عن عامر، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مَرَّ بقبر قد دُفِن ليلًا، فقال: "متى دُفِن هذا؟ "، قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا:
стр. 10719
دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه.
وأما رواية جرير، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀ أيضًا، فقال:
(١٣٤٠) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس قال: صلى النبيّ ﷺ على رجل بعدما دُفِن بليلة، قام هو وأصحابه، وكان سال عنه، فقال: "مَن هذا؟ "، فقالوا: فلانٌ، دُفِن البارحة، فصَلَّوا عليه.
وأما رواية شعبة، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀ أيضًا بسند المصنف ﵀، فقال:
(٨٥٧) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني غندر، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت سليمان الشيبانيّ قال: سمعت الشعبيّ قال: أخبرني مَن مَرّ مع النبيّ ﷺ على قبر منبوذ، فأمَّهم، وصَفُّوا عليه، فقلت: يا أبا عمرو مَن حدثك؟ فقال: ابن عباس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٣] ( … ) - (وَحَدثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، جَمِيعًا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍ والرَّازِيُّ، حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ الضَّرَيْسِ، حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاِتهِ عَلَى الْقَبْرِ، نَحْوَ حَدِيثِ الشَّيْبَانِيِّ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: وَكَبَّرَ أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله) الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
стр. 10720
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرحِ المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ) زُنَيج، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) أو بعدها (م دق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٨.
٥ - (يَحْيَى بْنُ الضُّرَيْسِ) - بمعجمة، ثم مهملة، مصغّرًا- البجليّ مولاهم الرازيّ القاضي، ثقةٌ [٩].
رَأَى ابن أبي ليلى، ورَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، وابن إسحاق، وعكرمة بن عمار، وزائدة، وزكرياء بن إسحاق، وزهير بن معاوية، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه جرير بن عبد الحميد، وهو أكبر منه، ويحيى بن معين، ومحمد بن عَمْرو زُنَيج، وأخوه صالح بن الضُّريس، وإبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق ابن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن حُميد الرازيّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن عمران الأصبهانيّ، عن وكيع: يحيى بن الضريس من حُفّاظ الناس، لولا أنه خلط في حديثين، وذكر حديث المنصور، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: كان كَيِّسًا ثقةٌ، وقال أبو حاتم: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: كان جرير مُعْجَبًا بيحيى بن الضريس، وأثنى عليه عثمان، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما خلط، وقال محمد بن سعيد المقبريّ: سئل عبد الرحمن بن بشير بن سليمان الرازيّ، عن يحيى بن الضريس، فقال: كان صحيح الكتاب، جَيِّد الأخذ، وكان بهز بن أسد يُثني عليه، وعرفه.
وقال البخاريّ، عن يوسف بن موسى بن راشد الرازيّ: مات سنة ثلاث ومائتين في ربيع الأول.
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وله في الترمذيّ حديث واحد، وهو حديث: "لا يرُدّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ".
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة،
стр. 10721
ثقةٌ يُغْرب، وتُكُلّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩١.
٧ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، وربّما دلس [٤] (ت ١٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ) ضمير التثنية لإسماعيل بن أبي خالد، وأبي حَصِين.
وقوله: (لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ) كان الأولى أن يقول: "في حديثهما"؛ لأن الضمير لإسماعيل، وأبي حصين، كما أسلفته آنفًا، إلا على القول بأن أقل الجمع اثنان، وهو مذهب صحيح، كما بيّنته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فتأمل.
وقوله: (لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) هكذا قال المصنّف ﵀، لكن الذي في "مستخرج أبي نعيم" أنه ثابت في رواية أبي حَصِين، ودونك نصّه:
(٢١٤٠) - حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا أحمد بن الحسين الصوفيّ، ثنا محمد بن حميد، ثنا يحيى بن ضريس (ح) وثنا أحمد بن بُندار، ثنا ابن أبي داود، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا ابن حميد، قالا (١): ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي حصين (٢) عن الشعبيّ، عن ابن عباس، قال: أتى النبيّ ﷺ قبرًا حديث عهد بدفن، فسأل عنه، فقيل: قبر فلان، فنزل، فصلى عليه، وأنا فيمن صلى على ذلك القبر، مع رسول الله ﷺ ، فكبّر عليه أربعًا. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٤] (٩٥٥) - (وَحَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثنَا
стр. 10722
غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، أَن النبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تُكُلّم فيه في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩٤.
٢ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت هـ ١٤) (ع) تقدم في "الصلاة" ١١/ ٨٨٧.
٣ - (ثَابتٌ) البنانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أنسُ) بن مالك ﵁، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
وقوله: (صَلَّي عَلَى قَبْرٍ) ولفظ أبي نعيم في "المستخرج" (٣/ ٣٧): "صلّى على قبر امرأة بعدما دُفنت"، وأخرج الحديث البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ٤٦) مطوّلًا من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ ﷺ مَرّ بقبر يُدْفَن، فقال: "قبر من هذا؟ " قالوا: قبر فلان، قال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ " قال: فصغروا أمره، وحقروه، فصلى عليه بعدما دُفِن، وقال: "هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله لينوّرها بصلاتي عليها"، وقد رواه ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وهو محفوظ من الوجهين جميعًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام البيهقيّ ﵀ يفيد أن حديث أنس ﵁ هذا هو حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، وإنما اختصره حبيب بن الشهيد، وسيأتي تمام البحث فيه هناك- إن شاء الله تعالى- وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف: ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١٤] (٩٥٥)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٧٧)،
стр. 10723
و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٥] (٩٥٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأً سَوْدَاءَ، كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَل عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: (أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ " قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ"، فَدَلّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٦٢.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له ابن ماجه، وأخرج له البخاريّ تعليقًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
стр. 10724
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) هو الصائغ التابعي الكبير، ووَهِمَ بعض الشراح، فقال: إنه أبو رافع الصحابيّ، وقال: هو من رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وليس كما قال؛ فإن ثابتًا البنانيّ لم يدرك أبا رافع الصحابي ﵁، قاله في "الفتح" (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ) وفي رواية البخاريّ: "أن رجلًا أسود، أو امرأة سوداء"، قال في "الفتح": الشك فيه من ثابت؛ لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وجاء من وجه آخر عن حماد بهذا الإسناد، قال: "ولا أراه إلا امرأة"، ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: "امرأة سوداء"، ولم يشكّ، ورواه البيهقيّ بإسناد حسن من حديث ابن بُرَيدة، عن أبيه، فسماها أمّ مِحْجَن، وأفاد أن الذي أجاب النبيّ ﷺ عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق ﵁، وذكر ابن منده في "الصحابة" خرقاء امرأة سوداء، كانت تَقُمّ المسجد، ووقع ذكرها في حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، وذكرها ابن حبان في "الصحابة" بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظًا، فهذا اسمها، وكنيتها أم مِحْجَن. انتهى (٢).
(كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) بقاف مضمومة؛ أي: يجمع الْقُمامة، وهو من قَمّ الشيءَ يَقُمّه قَمًّا من باب نصر: إذا كَنَسَهُ، والقُمامة بضم القاف: الْكُناسة، قاله ابن سِيدَهْ، وقال اللحيانيّ: قُمامة البيت ما كُنِس منه، فألقي بعضه على بعض، وهي لغة حجازيّةٌ، والْمِقَمّة بكسر الميم: الْمِكْنَسة (٣).
وقوله: (أَوْ شَابًّا) "أو" للشكّ من الراوي، وتقدّم آنفًا أنه من ثابت، أو من أبي رافع (فَفَقَدَهَا) يقال: فقدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: إذا عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طَلَبْتُهُ عند غيبته (٤). (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَل عَنْهَا)؛ أي: عن حال تلك المرأة السوداء، ومفعول "سأل " محذوف؛
стр. 10725
أي: الناسَ (أَوْ عَنْهُ)؛ أي: عن حال الشابّ، فـ"أو" للشكّ من الراوي، كما مرّ آنفًا (فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه ﷺ (مَاتَ، قَالَ) ﷺ ("أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُورنِي؟ ") بالمدّ: أي: أعلمتموني بموته حتى أصلي عليه.
(قَالَ) الراوي (فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا)؛ أي: المرأة (أَوْ أَمْرَهُ)؛ أي: الشابّ، وفي رواية للبخاريّ: "فحَقَروا شأنه"، وفي رواية ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن: "قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك" (فَقَالَ) ﷺ ("دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ") زاد عند البخاريّ: "أو قال: قبرها" (فَدَلُّوهُ)؛ أي: على قبره، أو قبرها (فَصَلَّى عَلَيْهَا) وللبخاريّ: "فأتى قبرها، فصلّى عليها" (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَة عَلَى أَهْلِهَا، وَإِن اللهَ يُنَوِّرُهَا)؛ أي: يُضيؤها (لَهُمْ بِصَلَاِتِي عَلَيْهِمْ")؛ أي: بسبب صلاتي عليهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١٥] (٩٥٦)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٨ و ٤٦٠) و"الجنائز" (١٣٣٧)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٠٣)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٢٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده " (٢٤٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٣ و ٣٨٨ و ٤٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧ - ٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة … إلخ".
(اعلم): أن هذه الكلام هكذا ثبتٌ في رواية المصنّف متّصلًا بالحديث، وليس عند البخاريّ، قال في "الفتح": وإنما لم يُخرج البخاريّ هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بَين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في "كتاب بيان المدرج".
стр. 10726
قال البيهقيّ: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت، كما قال أحمد بن عبدة، أو من رواية ثابت، عن أنس؛ يعني كما رواه ابن منده، ووقع في "مسند أبي داود الطيالسيّ" عن حماد بن زيد، وأبي عامر الخزّاز، كلاهما عن ثابت، بهذه الزيادة، وزاد بعدها: "فقال رجل من الأنصار: إن أبي، أو أخي مات، أو دُفِن، فَصَلِّ عليه، قال: فانطلق معه رسول الله ﷺ "-. انتهى.
وقد أوضح الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ ﵀ هذا الإدراج في كتابه "الفصل للوصل المدرج"، فقال ما حاصله: في حديث أبي هريرة هذا كلام مدرج، وليس منه، وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمةً، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها، أو عليهم".
كان ثابت يرسل هذا الكلام عن النبيّ ﷺ ، ولا يُسنده، بَيَّن ذلك عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب، جميعًا عن حماد بن زيد.
وقد روى هذا الحديث سليمان بن حرب، ومسدد، من طريق أبي داود السجستانيّ عنه، ويونس بن محمد المؤدّب، عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، دون ما أرسله ثابت.
قال: أما حديث سليمان بن حرب ومسدد بذلك، فأخبرناه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ، نا محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤيّ، نا أبو داود، نا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده النبيّ ﷺ ، فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: "ألا آذنتموني به؟ " قال: "دُلُّوني على قبره"، فدلّوه، فصلى عليه.
قال: وأما حديث يونس بن محمد عن حماد الموافق لهذه الرواية، فأخبرناه الحسن بن علي التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان، نا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، نا يونس بن محمد، نا حماد؛ يعني ابن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده رسول الله ﷺ ، قالوا: مات، فقال: "ألا كنتم آذنتموني به؟ "، قالوا: إنه كان، قال: فقال: "دُلُّوني على قبره"، ودَلُّوه، فأتَى قبره فصلى عليه.
стр. 10727
قال: وأما حديث عارم بن الفضل الذي أورد فيه الكلمات التي كان ثابت يرسلها، وبَيَّنها، ومَيَّزها عن الألفاظ المسندة، فأخبرناه محمد بن الحسين بن محمد بن محمد بن الفضل القطان، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، قالا: أنا حامد بن محمد الهروفي، نا -وفي حديث ابن شاذان: أنا- على بن عبد العزيز البغويّ، نا أبو النعمان عارم بن الفضل، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يكون في المسجد، يَقُمُّ المسجد، فمات، فلم يعلم النبيّ ﷺ بموته، فذكر ذات يوم، فقال: "ما فعل ذاك الإنسان؟ " قالوا: مات يا رسول الله، قال: "أفلا آذنتموني؟ " قال: فقالوا له: كان كذا وكذا، قال: فحقروا شأنه، قال: "فدُلُّوني على قبره" فأتى قبره، فصلى عليه.
قال حماد: فأتبع ثابت هذا الحديث، قال: فنُبِّئتُ أن رسول الله ﷺ أتى قبرًا، وصاحبه يُدْفَن، فسأل عنه، فقالوا: فلانٌ، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها".
قال: وأما حديث عفان، عن حماد الموافق لرواية عارم هذه، فأخبرناه الحسن بن عليّ التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعيّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا عفان، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن إنساناً كان يَقُمّ المسجد أسود، فمات، أو ماتت، ففقدها النبيّ ﷺ ، فقال: "ما فعل الإنسان الذي كان يَقُمّ المسجد؟ " قال: فقيل: مات، فقال: "هلا آذنتموني به؟ "، فقالوا: إنه كان، قال: "فدُلُّوني على قبرها"، قال: فأتى القبر، فصلى عليها، قال ثابت عند ذاك، أو في حديث آخر: "إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليهم".
قال: وأما حديث محمد بن عُبيد بن حِسَاب، عن حماد نحو هذه الرواية، فأخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الفقيه، نا أبو بكر الإسماعيليّ، أخبرني الحسن بن سفيان، نا محمد بن عُبيد بن حِسَاب، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يقُمّ المسجد، توفيت، ففقدها النبيّ ﷺ فسأل عنها بعدُ، فقال:
стр. 10728
"ما فعل ذلك الإنسان؟ " قالوا: مات، أو ماتت، قال: "فهلا كنتم آذنتموني؟ " قالوا: إنه كان من أمرها، فأتى قبرها، فصلى عليها، وذكر كلام ثابت. انتهى كلام الخطيب ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة البحث أن هذا الحديث رواه جماعة عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، فاختلفوا على حمّاد، فرواه أبو الرَّبيع الزهرانيّ، وأبو كامل الجحدريّ، عند المصنّف، وأبو داود الطيالسيّ، ومسدّد، كما قال الخطيب عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، وفيه هذه الزيادة، قال الخطيب: وتابعهما يحيى بن الحمانيّ على رواية آخر المتن عن حماد، وقَرَن أبو داود رواية حماد برواية أبي عامر الخزّاز، عن ثابت. انتهى.
وخالفهم في ذلك جماعة، منهم: عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب جميعًا عن حماد بن زيد، فجعلوا قوله: "إن هذه القبور مملوءة … إلخ " من مرسل ثابت، وليس متّصلًا بالحديث.
فتبيّن بهذا أن الأرجح كونها مدرجةً؛ لأمور:
(الأول): ما ذكرناه اَنفاً من بيان هؤلاء الحفّاظ كونها مدرجة، حيث فصّلوها.
(الثاني): أن جماعة رووا هذا الحديث عن حمّاد بن زيد، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهم: سليمان بن حرب، عنه، وروايته هي التي أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، ومسدد، وروايته عند أبي داود السجستانيّ، عنه، ويونس بن محمد المؤدِّب، ثلاثتهم عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، وهو إلى قوله: "دلّوني على قبره"، دون ما أرسله ثابت، وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة … إلخ".
فاتّفاق هؤلاء على إسقاط هذه الزيادة يرجّح كونها مدرجةً.
(الثالث): صنيع الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، حيث أخرج الحديث من طريق من أسقط الزيادة، فلو كانت غير مدرجة لأخرجها من طريق من وصلها.
стр. 10729
(الرابع): أن الأئمة الحفّاظ مالوا إلى ذلك، منهم: الحافظ الخطيب البغداديّ، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، والحافظ ابن حجر -رحمهم الله تعالى-.
والحاصل أن إدراجها هو الأشبه، ولكن المصنّف ﵀ لم ير هذه العلّة قادحةً، فرجّح رواية الوصل؛ لكون رواتها ثقات، ولكن الذي يميل إليه القلب ما قاله الأولون، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة على القبر، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان فضل تنظيف المسجد، وقال ابن بطال: وفيه الحضّ على كنس المساجد وتنظيفها؟ لأنه إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك. انتهى.
٣ - (ومنها): أن فيه السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب، وافتقاده.
٤ - (ومنها): أن فيه المكافأةَ بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في شهود جنائز الصالحين.
٦ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصلّ عليه.
٧ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشدَّ عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويُشَيِّع جنائزهم، فكان ﷺ في الذروة العليا من مكام الأخلاق، كما وصفه الله بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵁ من حسن الأدب معه ﷺ ، فلا يجترؤون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظَ.
٩ - (ومنها): مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون، فيصلّوا عليه، لقوله ﷺ : "أفلا كنتم آذنتموني".
стр. 10730
١٠ - (ومنها): أن فيه الردّ لقول من كَرِهَ الإذن بالجنازة، فاستحبّ أن لا يُؤذَن به أحد، ولا يُشعَر بجنازته جارٌ، ولا غيره.
١١ - (ومنها): مشروعية تكرار الصلاة على الميت، ولو صُلّيَ عليه، فإن هذه المرأة، كانوا قد صَلَّوا عليها قبل الدفن، ثم صلّوا عليها مع النبي ﷺ بعد الدفن.
١٢ - (ومنها): مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة.
١٣ - (ومنها): بيان أن صلاته ﷺ على أمته رحمة لهم، ونور يزيل ظلمة القبر عنهم.
١٤ - (ومنها): ما قاله ابن حبّان ﵀: إن بعض المخالفين احتَجَّ بقوله ﷺ : "وإن الله ينوّرها لهم بصلاتي عليهم" على أن ذلك من خصائصه ﷺ ، ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: "ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعًا"، قال ابن حبان: في ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه.
وتُعقِّب بان الذي يقع بالتبعية، لا ينهض دليلًا للأصالة، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا التعقّب، والحقّ ما قاله ابن حبّان ﵀، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على ردّ التفصيل بين من صُلِّى عليه فلا يصلى عليه، بأن القصة وردت فيمن صُلِّي عليه.
وأجيب بأن ذلك خصوصية له ﷺ ، وفيه أنه لا دليل على الخصوصيّة، فتبصّر.
١٦ - (ومنها): ما قاله الكرماني ﵀: وفيه أن على الراوي التنبيه على شكّه فيما رواه مشكوكًا. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 10731
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على القبر: قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد إخراجه حديث الباب ما نصّه: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصَلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفِن الميت، ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر، ورأى ابن المبارك الصلاة على القبر، وقال أحمد، وإسحاق: يُصَلَّى على القبر إلى شهر، وقالا: أكثر ما سمعنا عن ابن المسيِّب أن النبيّ ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. انتهى كلام الترمذيّ ﵀.
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الصلاة على القبر، فكان عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة أم المؤمنين ﵃ يرون الصلاة على القبر، وروينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه أمر قَرَظَة أن يصلي على جنازة، قد صُلِّي عليها مرّة.
وممن كان يرى الصلاة على القبر محمد بن سيرين، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد: روي عن النبيّ ﷺ من ستة وجوه، وكان النعمان يقول: إن دُفن قبل أن يصلّى عليه، صلي عليه، وهو في القبر، وكذلك قال الحسن.
وقالت طائفة: لا تعاد الصلاة على الميت، هذا قول النخعيّ، ومالك، والنعمان.
قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن النبيّ ﷺ أنه صلى على القبر. انتهى كلامه ﵀ بتصرّف (١).
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صُلي على المدفون فيه.
وقال أبو حنيفة: إن دُفن بلا صلاة صُلِّي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلّى عليه بعد ذلك، وإن دُفن بعد أن صلي عليه لم يُصَلّ أحد على قبره.
стр. 10732
وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروي ذلك عن إبراهيم النخعيّ.
وقال الشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهري-: يصلى على القبر، وإن كان قد صُلِّي على المدفون فيه، وقد روي هذا عن ابن سيرين.
وقال أحمد بن حنبل: يصلى عليه إلى شهر، ولا يُصلَّى عليه بعد ذلك.
وقال إسحاق: يصلي الغائب على القبر إلى شهر، ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث.
ثم أخرج بسنده حديث أبي هريرة ﵁ (١).
قال: فادَّعَى قوم أن هذا الكلام منه ﷺ دليل على أنه خصوص له، قال: وليس كما قالوا، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته ﷺ ، وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلًا، بل قد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].
ثم أورد مما يدلّ على بطلان دعوى الخصوص حديث ابن عباس ﵄ المتقدّم، ثم قال: فهذا أبطل الخصوص؛ لأن أصحابه ﷺ ، وعليهم رضوان الله صلّوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص، ثم أخرج عن ثابت، عن أنس ﵁ المذكور قبل هذا: "أن النبيَّ ﷺ صلى على قبر".
قال: فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها.
وأورد أيضًا أن عائشة قَدِمت مكة بعد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: أين قبر أخي؟ فدُلَّت عليه، فوُضِعَت في هودجها عند قبره، فصلت على قبره.
وعن نافع عن ابن عمر، أنه قَدِم، وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُلّ عليه، فصلى عليه، ودعا له.
وعن عليّ ﵁ أنه أمر قَرَظَة بن كعب الأنصاريّ أن يصلي على قبر سهل بن حُنَيف بقوم جاؤوا بعدما دفن، وصلى عليه.
وعن عليّ ﵁ أيضًا أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها.
стр. 10733
وعن أنس أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن قتادة أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها.
قال: فهذه طوائف من الصحابة لا يُعرف لهم منهم مخالف.
قال: وأما تحديد الصلاة بشهر، أو ثلاثة أيام، فخطأ لا يُشْكِل؛ لأنه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حدّ بهذا، أو من حدّ بغير ذلك. انتهى كلام ابن حزم ﵀ باختصار وتصرّف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلة الصحيحة، ومن أقوال أهل العلم أن الصواب جواز الصلاة على القبر، وإن دفن الميت بعد الصلاة عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢٢١٦] (٩٥٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ زيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بُكَبِّرُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] ت (١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
стр. 10734
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) يسار الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (زيدُ) بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخاه: ابن المثنى، وابن بشّار، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين، والصحابيّ ﵁ ممن نزل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة، وقد أنزل الله تعالى في تصديقه سورة كاملة في القرآن، وهي سورة "المنافقون"، وقصّته مشهورة في "الصحيحين"، وغيرهما.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) تقدّم أن اسم أبيه يسار أنه (قَالَ: كَانَ زَيْدٌ)؛ أي: ابن أرقم، كما بُيّن ذلك في رواية أبي داود، والنسائيّ (يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا)؛ أي: أربع تكبيرات فقط (وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا)؛ أي: خمس تكبيرات (فَسَألتُهُ)؛ أي: عن تكبيره خمسًا من أين أخذه؟ (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُكَبِّرُهَا)؛ أي: كان يكبّر أحيانًا خمس مرّات، كما كان يكبّر في أحيان أخرى أربع تكبيرات.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث عند العلماء منسوخ، دلّ الإجماع على نسخه، وقد سبق أن ابن عبد البرّ وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم
стр. 10735
إلا أربعًا، وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم، والأصح أن الإجماع بعد الخلاف يصح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الصواب أنه لا نسخ لهذا الحديث، وأن دعوى الإجماع على نسخه غير صحيحة، فإن الخلاف في ذلك معروف بين الصحابة، ومن بعدهم، وقد استوعب ذلك ابن المنذر في "الأوسط"، وابن حزم في "المحلَّى"، فلتراجعهما.
والحاصل أن التكبير خمسًا ثابتٌ صحيح، لكن الأولى أن يكبّر أربعًا، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، فلو بلغ خمسًا لا يُنكر عليه؛ لصحّة حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا، وإن أردت تحقيق المسألة على وجهها فلتراجع المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في شرح حديث أبي هريرة ﵁ في قصّة نعي النجاشيّ ﵁، تستفد علمًا جمّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٣) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٧] (٩٥٨) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا، حَتى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَمِى شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
стр. 10736
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٧ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، مات سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٩ - (عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن كعب بن مالك الْعَنْزيّ -بسكون النون- حليف آل الخطّاب صحابيّ مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر، وشهِد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمان ﵁ (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥/ ١٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، فأبو بكر، وابن نمير كوفيّان، وعمرو، وزهير بغداديّان، وسفيان كوفيّ مكيّ.
٤ - (ومنها): رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنْزيّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ) تقدّم ضبطه بالفتح والكسر، وفي رواية نافع الآتية: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن ماشيًا معها، فليَقُم حتى تُخَلِّفه، أو توضع من قبل أن تُخلّفه"، وفي رواية له: "فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها".
стр. 10737
(فَقُومُوا لَهَا) فيه الأمر بالقيام للجنازة؛ إذا رآها الشخص، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، كما سيأتي أن النبيّ ﷺ قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَعٌ، وقوله: (حَتى تُخَلِّفَكُمْ) بتشديد اللام المكسورة، من التخليف؛ أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إلى الجنازة على سبيل المجاز؛ لأن المراد حاملها، وقوله: (أَوْ تُوضَعَ) "أو" هنا ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده، بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع.
[تنبيه]: قوله: "أَوْ تُوضَعَ" يَحْتَمِل أن يكون المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد.
وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ باللفظين، إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية: "حتى توضع بالأرض"، حيث قال: "بابٌ مَن تَبعَ جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال"، وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ الآتي من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ: "إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع" ما نصّه: ورَوَى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال فيه: "حتى توضع بالأرض"، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال: "حتى توضع في اللحد"، وسفيان أحفظ من أبي معاوية. انتهى.
وكذا قال الأثرم، قال الحافظ ﵀: ورواه جرير، عن سهيل؛ أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فقال: "حتى توضع" حسبُ، وزاد سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" بهذه الزيادة، والبيهقيّ (٤/ ٢٦) وهو في مسلم بدونها.
قال الحافظ: ورَجَحَتْ روايةُ "حتى توضع بالأرض" عند البخاريّ بفعل أبي صالح؛ لأنه رواي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10738
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢١٧ و ٢٢١٨ و ٢٢١٩] (٩٥٨)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٠٧ و ١٣٠٨ و ١٣١٥)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٢)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٢)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٤٤)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٤٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٣٠٥ و ٦٣٠٦ و ٦٣٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٤٥ و ٤٤٦ و ٤٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩ - ٤٠)، (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٣٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه " (٧/ ٣٢٣ و ٣٢٤) و (الطحاويّ) (١/ ٤٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالقيام للجنازة.
٢ - (ومنها): أن هذا الأمر للاستحباب على الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب، أم هو منسوخ؟ في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الأمر يعمّ كل جنازة، سواء كانت لمسلم، أو لكافر، كما تدلّ عليه أحاديث الباب التالي.
٤ - (ومنها): أن القيام للجنازة قد جاء تعليله في الحديث الآتي بقوله: "إن الموت فَزَعٌ"، فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجَعْلِهِ من أهمّ ما يَخْطُر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر، ويأتي أيضًا تعليله بقوله: "أليست نفسًا"، وثبت في رواية أحمد، وابن حبان تعليله بقوله: "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس"، وفي رواية الحاكم بقوله: "إنما قمنا للملائكة"، ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
٥ - (ومنها): ما قاله في "الفتح" من أن حديث أبي سعيد الآتي أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة هذا، وهو يوضّح أن المراد بالغاية المذكورة
стр. 10739
مَن كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرّت به، فليس عليه القيام إلا قدر ما تمرّ عليه، أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا. وروى أحمد من طريق سعيد ابن مَرْجَانة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع".
وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختصّ بمن مرّت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا، فيَحْتَمِل أن يقال: ينبغي له أن يَقِفَ، ويكون الوقوف في حقّه كالقيام في حقّ القاعد. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله في هذا الحديث: "فإن لم يكن ماشيًا معها … إلخ"، وكذا في حديث أبي سعيد ﵁ لآتي: "فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع" على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان، ووجه ذلك أنه يدلّ على أن من لم يتبعها لا يقوم إلى أن توضع، بل حتى تخلّفه، فدلّ على أنه إن شاء اتبعها، ولا يجلس حتى توضع، وإن شاء لم يتبعها، ولكن يقوم حتى تخلّفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في القيام للجنائز إذا مرّت، فقالت طائفة: يقوم لها، فعل ذلك أبو مسعود البدريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وقيس بن سعد، وسهل بن حُنيف، وسالم بن عبد الله.
ورأت طائفة أن لا يقوم المرء للجنازة تمرّ به، مُرَّ على سعيد بن المسيّب بجنازة، فلم يقم لها، وكان عروة بن الزبير يَعيب من يفعل ذلك، وقال مالك: ليس على الرجل أن يقوم للجنازة إذا رآها، ولا يقعد حتى تجاوزه، مسلمًا كان، أو كافرًا، وقال الشافعيّ: لا يقوم للجنازة من لا يشهدها، والقيام لها منسوخ، وقال أحمد: إن قام لم يقعد، وإن قعد فلا بأس، وكذلك قال إسحاق، وقال أحمد: قوله: "فليقم" إنما ذا على القاعد يقوم، وقال أحمد: من قام للجنازة فذاك، ومن لم يقم ذهب إلى حديث عليّ ﵁: "قام رسول الله ﷺ ، فقمنا، وقعد، فقعدنا"، قال أبو عبد الله: أما أنا فلا أقوم.
стр. 10740
قال ابن المنذر ﵀: مذهب أحمد، وإسحاق حسن في الوجهين. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قال القاضي عياض: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ: القيام منسوخ، وقال أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون: هو مخيّر، قال: واختلفوا في قيام من يشيّعها عند القبر، فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به، وبهذا قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم، وعمل به آخرون، روي ذلك عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وغيرهم ﵃، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًّا، وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحبّ، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعودُ بيانًا للجواز، ولا يصحّ دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢)، وهو تحقيق نفيسٌ.
وقال في "الفتح": وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أكثر الصحابة، والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورَوَى البيهقيّ من طريق أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما أن القائم مثل الحامل -يعني في الأجر- وقال الشعبيّ، والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتجّ له برواية سعيد، عن أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄ (٣). انتهى (٤).
стр. 10741
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عليّ ﵁ الذي استدلّوا به على النسخ هو الآتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي أن عليّا ﵁ لَمّا ذُكر له القيامُ على الجنازة حتى توضع، قال: قام رسول الله ﷺ ، ثم قعد.
ورواه أحمد، وابن حبان، وغيرهما بلفظ: "كان رسول الله- ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس"، ولفظ البيهقيّ: "ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود".
ثم إن حديث علي باللفظ الأول لا يدلّ على النسخ، وإنما غايته أن يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وأما حديثه باللفظ الثاني، فلو صحّ لكان دالًّا على النسخ؛ لقوله فيه: "وأمرنا بالجلوس"، لكنه بهذا اللفظ لا يصحّ؛ لمخالفة محمد بن عمرو بن علقمة لمن هوأحفظ منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما أخرجه مسلم وغيره من طريقه، وتابعه شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن مسعود بن الحكم، باللفظ الأول، وليس عندهما زيادةُ: "وأمرنا بالجلوس"، وإنما هو حكاية فعله عدم، وهو يدلّ على الندب، كما ذكرنا، لا على النسخ.
وأما ما أخرجه أبو داود والترمذيّ، وابن ماجه، والبزّار عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: كان رسول الله- ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبيّ ﷺ ، وقال: "اجلسوا، خالفوهم".
فإنه ضعيف؛ لأن في سنده بشر بن رافع، وقد ضعّفه غير واحد، وقال عنه في "التقريب": فقيه ضعيف الحديث، من السابعة، وفيه أيضًا عبد الله بن سليمان، قال البخاريّ: فيه نظر، لا يتابع على حديثه، وأبوه سليمان، قال البخاريّ، وأبو حاتم: منكر الحديث.
وأما ما أخرجه أحمد في "مسنده" (١/ ١٤٢)، والحازمي في "الناسخ والمنسوخ" (ص ١٢١) من طريق أبي معمر، قال: "كنا مع عليّ، فمر به جنازة، فقام لها ناس، فقال عليّ: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى، قال: إنما فعل رسول الله ﷺ مرّة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهِي انتهى". لفظ أحمد، ولفظ الحازميّ: "فلما نُسِخ ذلك، ونُهِي عنه انتهى". ففي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك.
стр. 10742
والحاصل أن دعوى النسخ، غير صحيحة؛ فإن أحاديث الأمر بالجلوس، لا تصحّ، وكذا حديث عليّ المذكور الدالّ على النسخ، لا يثبت، فلا ينبغي الالتفات إليها، في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة، بل المتحتّم الأخذ بها، واعتقاد أنها مستحبّة، مَن فعلها، فقد أحسن، ومن لا، فلا لوم عليه؛ لأنه ﷺ قام، وقعد، وهذا هو الحق، كما تقدّم ترجيح النوويّ ﵀ له، مخالفًا لمشهور مذهبه، من دعوى النسخ، فجزاه الله تعالى خيرًا على اتباعه الدليلَ، وعدم تعصّبه لمشهور مذهبه، كما هو ديدن المتفقهة، ولا سيما المتأخرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ (١)، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ (٢)، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٣)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَاً قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُم الْجَنَازَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ، حَتَّى تُخَلِّفَهُ، أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلَفَهُ ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب.
٤ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قريبًا.
стр. 10743
٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٧ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ) يعني أن كلًّا من الليث بن سعد، ويونس بن يزيد رويا هذا الحديث عن ابن شهاب بسنده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة ﵄.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) بيّن به أن في رواية يونس بن يزيد صرّح عامر بن ربيعة بأنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذا رأيت الجنازة، فقوموا لها … إلخ".
وقوله: (أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ) فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية بلفظ: "أو توضع"، وسيأتي من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها".
[تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ، فقال:
(١٩١٦) - أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة العدويّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، حتى تُخَلِّفكم، أو توضع".
وأما رواية يونس، عن ابن شهاب، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد (ح) وَحَدثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدثنا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُوبَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا ابْنُ أَبِي
стр. 10744
عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيث ابْنِ جُرَيْجٍ، قَال النَّبِيُّ ﷺ " (١): "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا، حَتَى تُخَلِّفَهُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّبِعِهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير الدورقيّ.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٦ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٨ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٩ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، تقدّم قريبًا.
١٠ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
١١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
١٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
١٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
١٤ - (نَافِعٌ) ذُكر قبله.
стр. 10745
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ)؛ أي: أن كلًّا من حماد بن زيد، وإسماعيل بن عليّة رويا هذا الحديث عن أيوب السختياني.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أيوب السختيانيّ، وعبيد الله العمريّ، وعبد الله بن عون، وابن جُريج رووا هذا الحديث عن نافع مولى ابن عمر بهذا الإسناد الماضي، وهو: عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ ﷺ .
وقوله: (فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا) ظاهره أنه يقوم بمجرّد رؤيتها قبل أن تصل إليه، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقوله: (حَتَّى تُخَلِّفَهُ) بضمّ التاء، وكسر اللام المشدّدة: أي: تصيِّره وراءها، غائبًا عنها.
وقوله: (إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتّبِعِهَا) فيه أن اتّباع الجنائز كفائيّ، وليس من الواجبات العينيّة.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٥٢٥٨) - حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت جنازةً، فإن لم تك ماشيًا معها، فقم لها حتى تُخَلِّفك، أو توضع"، قال: فكان ابن عمر ربما تقدّم الجنازة، فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام، حتى توضع، وربما سترته.
وأما رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال:
(١٥٢٤٨) - حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا رأى أحدكم الجنازة، ولم يكن ماشيًا معها، فليقم حتى تجاوزه، أو توضع".
وأما رواية ابن جريج، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال:
(١٥٢٥٠) - حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: حدّثنا ابن جريج،
стр. 10746
قال: سمعت نافعًا يقول: كان عبد الله بن عمر يَأْثُرُ عن عامر بن ربيعة، أنه كان يقول: قال النبيّ ﷺ : "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها، حتى تُخَلِّفه؛ إذا كان غير متبعها".
وأما رواية بن عون، فساقها البزار في "مسنده" (٩/ ٢٦٧) فقال:
(٣٨٠٩) - وحدّثنا يحيى بن حكيم، قال: نا أبو بحر، وأزهر بن سعد، قالا: نا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن معها ماشيًا، فليقم لها حتى تُخَلِّفه، أو توضع". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٠] (٩٥٩) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي قالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا اتبعْتُمْ جَنَازَةً، فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنة (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدني، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥ أو ٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٥.
وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 10747
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢٢٠ و ٢٢٢١] (٩٥٩)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (٣٠٩ و ٣١٠)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٣)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٥٤٣)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٤٣ - ٤٤ و ٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٢٥ و ٤١ و ٤٨ و ٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢١] ( … ) - (وَحَدَّثَني سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي (١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتى تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت هـ ٢٣) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٢٠٢.
٢ - (عَلِي بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ) تقدّم قريبًا.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (١٣٢) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 10748
وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو متّفق عليه، وتقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٢] (٩٦٠) - (وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّة، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ) القرشيّ، مولى ابن أبي نَمِر المدنيّ، ثقةٌ مشهور [٤].
رَوَى عن جابر، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي صالح السمّان، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار.
وروى عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأبو حازم بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عجلان، ويحيى بن أبي كثير، وداود بن قيس الفرّاء، وإسحاق بن حازم المدنيّ، وبكير بن عبد الله بن الأشج.
قال أبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، ووَثَّقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٩٦٠) و (١١٩٨) و (١٩١٥) و (١٩٣٥) و (٢٥٧٨) و (٢٧٨٨).
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ ﵄، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 10749
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائي، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبيد الله بن مقسم ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن عبيد الله.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله ﵄ صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنه (قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ) فيه تجوّز؛ لأن المارّ حاملها بها (فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ)؛ أي: لا تستحقّ التكريم لها (فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ) وفي رواية النسائيّ: "إن للموت فَزَعًا"، قال القرطبيّ ﵀: معناه: إن الموت يُفزَع إليه، إشارةٌ إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت؛ لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَم استوى فيه الميت مسلمًا، أو غير مسلم.
وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغة، كما يقال: رجل عدلٌ.
وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف؛ للمبالغة، أو فيه تقديرٌ؛ أي: الموت ذو فزَعٍ.
ويؤيّد الثاني- كما قال الحافظ ﵀ رواية النسائيّ، وابن ماجه بلفظ: "إن للموت فَزَعًا"، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَق من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهَر منه عدم الاحتفال (١) والمبالاة.
стр. 10750
قاله في "الفتح" (١).
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": قوله: "إن للموت فزعًا": أي: فلا ينبغي الاستمرار على الغفلة على رؤية الميت، فالقيام لترك الغفلة، والتشمير للجدّ والاجتهاد في الخير، وفي بعض النسخ: "إن الموت فَزَعٌ"؛ أي: ذو فزع، أو هو من باب المبالغة. انتهى.
(فَإذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا")؛ أي: تعظيمًا لهول الموت وفَزَعه، لا تعظيمًا للميت، فلا يختصّ القيام بميت دون ميت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢٢٢ و ٢٢٢٣ و ٢٢٢٤] (٩٦٠)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣١١)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٤)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٢٢ و ١٩٢٨) و"الكبرى" (٢٠٤٩ و ٢٠٥٦)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (٥٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٩ و ٣٣٤ و ٣٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠ - ٤١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَّنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (٣)، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ (٤) لِجَنَازَةٍ مَرَّتْ بِهِ، حَتَّى تَوَارَتْ).