يخرج من حلمة ثدييه" بإفراد الثدي في الأول، وتثنيته في الثاني، وكلاهما صحيح (١).
(قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ) أي: أطرقوها متخشّعين، أو مستثقلين، يدلّ عليه قوله: "إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا"
(فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَع إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: ما رَدُّوا عليه شيئًا مما حدَّثهم ذلك الرجل؛ لأنه صحابيّ ثقةٌ عدل عندهم، فما أخبرهم به لا يكون إلا صدقًا، أو لكراهتهم مناقشته في ذلك (قَالَ) الأحنف (فَأَدْبَرَ) أي: ولّى الرجل بعد أن أخبرهم بما ذُكر (وَاتبَعْتُهُ) أي: لأتبيّن من هو؟، ففي رواية البخاريّ: وأنا لا أدري من هو؟ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيةٍ) هي الأسطوانة، والجمع سَوَارٍ، مثلُ جاريةٍ وجَوَارٍ (فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ) لعل ذلك أنهم يرون أن الوعيد الذي ذكّرهم لا ينطبق عليهم، حيث إنهم يؤدّون الزكاة، وما أدّيت زكاته فليس بكنز، فمذهبهم خلاف مذهب أبي ذرّ ﵁، فهو وإن حدّثهم بالصدق، إلا أنه فهم منه الإطلاق، وهم فهموا منه التقييد بما لم تُؤدّ زكاته، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁، وفي نسخة: "فقال" (إِن هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) بَيَّن وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا … إلخ.
وفي الرواية التالية من طريق خُلَيد الْعَصَريّ، عن الأحنف، فقلت: إ من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرّ، فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم ﷺ "، وفي هذه الزيادة رَدّ لقول من قال: إنه موقوف على أبي ذرّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد من طريق يزيد الباهليّ، عن الأحنف: "كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يَفِرّ منه الناس حين يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذرّ، قلت: ما نفر الناس عنك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله ﷺ ".
(إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "أترَى أحُدًا؟ ") بضقتين الجبل المعروف بالمدينة، وإنما استفهمه عن رؤيته؛ لتحقّق رؤيته حتى يشبّه له
стр. 11132
به ما أراده بقوله: "ما يسُرّني أن لي … إلخ" (فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) ثم بيّن سبب نظره الشمس، بقوله: (وَأنَا أَظُنُّ أنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ) يعني: أنه ظنّ أنه ﷺ يرسله إلى أُحُد لقضاء حاجة، فاراد أن يعلم قدر الباقي من الوقت، هل يكفيه للذهاب والرجوع أم لا؟ (فَقُلْتُ: أَرَاهُ) أي: أُحُدًا (فَقَالَ) ﷺ ("مَا) نافية (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: يُفرِحني (أَن لِي مِثْلَهُ) أي: مثل احُد (ذَهَبًا) منصوب على التمييز (أنْفِقُهُ كُلَّهُ) بالنصب توكيد للضمير المنصوب (إِلا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ") قال القرطبيّ ﵀، ﵀: يعني: دينارًا يرصُده لدين؛ أي: يؤخّره، ودينارًا لأهله، ودينارًا لإعتاق رقبة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا فسّر القرطبيّ الثلاثة الدنانير بهذا التفسير، ولم يذكر مُستنده في ذلك، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر احتجاج أبي ذرّ ﵁ بهذا الحديث وشبهه أن الكنز المتوعّد عليه هو جَمْعُ ما فَضَلَ عن الحاجة، وهكذا نُقل من مذهبه، وهو من شدائده ﵁، ومما انفرد به، وقد رُوي عنه خلاف ذلك، وحُمِل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هَجَرهم، وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن حمل إنكار أبي ذرّ ﵁ على سلاطين وقته باطلٌ؛ لأنهم هم الخلفاء الراشدون، فلا يمكن أن يفعلوا ذلك، بل الصواب أن مذهب أبي ذرّ ﵁ أنه يرى أن أخذ ما فضل عن حاجة الإنسان يُعتبر من الكنز المتوعّد عليه، وهذا تشدّد منه ﵁.
(قَالَ) الأحنف (قُلْتُ: مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ثبتٌ لك (وَلِإخْوَتك مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ) أي: تزورهم وتأتيهم تطلب حاجتك منهم، يقال: عَرَوْته واعتروته، واعتريته، واعتررته براءين: إذا أتيته تطلب حاجتك منه، ومن الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهو الزائر، وقوله: (وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟) مؤكّد لما قبله؛ أي: تأخذ من أموالهم
стр. 11133
حاجتك (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلهُمْ) "لا" الأولى نافية، والثانية مؤكّدة لها، فُصِل بينهما بالقسم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وقوله: (عَنْ دُنْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول "عن دُنيا"، وفي رواية البخاريّ: "لا أسألهم دُنيا" بحذف "عن"، وهو الأجود؛ أي: لا أسألهم شيئًا من متاع دنياهم (١). (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) أي: لا أستفتيهم، وأطلب منهم أن يُفتوني عن أمرٍ دينيّ (حَتَّى ألحَقَ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولهِ) ﷺ ؛ أي: حتى أموت، أراد أبو ذرّ ﵁ بذلك أنه مستغن عنهم دُنيا ودينًا، أما من حيث الدنيا، فإنه لا حاجة فيها؛ لكونه لا يأخذ منها إلا قوته، وأما من حيث الدين، فإنه أعلم منهم؛ لكونه عاش مع النبيّ ﷺ طويلًا، وعلّمه من أمور الدين ما يُغنيه عن سؤال غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٣٠٦ و ٢٣٠٧] (٩٩٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٠ و ١٦٧ و ١٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٥٩ و ٣٢٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧٣ - ٧٤)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو
стр. 11134
ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: "بَشّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أقفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ"، قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى، فَقَعَدَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيهِمْ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ، فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السعديّ العُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ) هو: خُليد بن عبد الله، أبو سُليمان البصريّ، يقال له: مولى لأبي الدرداء، صدوق يُرسل [٤].
رَوَى عن عليّ، وسلمان، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، والأحنف، وزيد بن صوحان، وقرأ عليه القرآن.
وروى عنه أبان بن أبي عياش، وأبو الأشهب العُطَارديّ، وعوف الأعرابيّ، وقتادة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: لم يسمع خُليد بن عبد الله من سلمان، قال: فقلت: يقول: لَمّا ورد علينا سلمان، قال: يعني: بالبصرة. انتهى.
قال الحافظ: وعلى هذا فيبعد سماعه من عليّ، وأبي ذرّ ﵄، وأما أبو الدرداء ﵁، فقال ابن حبان في "الثقات" لما ذكره: يقال: إن هذا مولى لأبي الدرداء ﵁.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديث واحد فقط.
[تنبيه]: قوله: "الْعَصَريّ" -بفتح العين، والصاد المهملتين-: منسوب إلى بني عَصَر، وهو بطن من عبد القيس، وهو عَصَر بن عوف بن عمرو بن
стр. 11135
عوف بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاله في "اللباب" (١).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ) "الكيّ" بفتح الكاف، وتشديد الياء التحتانيّة: مصدر كَوَى، يقال: كواه يَكْويه كَيًّا: إذا أحرق جلده بحديدة ونحوها (٢).
وقوله: (مِنْ جُنُوبِهِمْ) بالضمّ: جمع جَنْب، بفتح، فسكون، كفَلْس وفُلُوس، وجنب الإنسان: ما تحت إبطه إلى كشحه (٣).
وقوله: (أقفَائِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع قَفًا، قال الفيّوميّ ﵀: الْقَفَا مقصورًا: مؤخّرُ العُنُق، ويذكّر ويؤنّث، وجمعه على التذكير أَقْفيةٌ، وعلى التأنيث أقفاء، مثلُ أَرْجاء، قاله ابن السّرّاج، وقد يُجمَع على قُفِيّ، والأصل مثلُ فُلُوس، وعن الأصمعيّ أنه سَمِع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجّاج: التذكير أغلب، وقال ابن السّكّيت: القَفَا مذكّر، وقد يؤنّث، وألفه واوٌ، ولهذا يثنّى قَفَوينْ. انتهى (٤).
وقوله: (جِبَماهِهِمْ) بالكسر: جمع جبهة، كلكلبة وكِلاب، قال الخليل: هي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (٥).
وقو له: (قُبَيْلُ) تصغير " قَبْلُ".
وقوله: (مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ ﵀: أراد ما يُعطاه الرجلُ من بيت المال على وجه يستحقّه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لعمر ﵁: "ما أتاك من هذا المال، وأنت غيرُ مُشرِفٍ، ولا سائل فخُذه، وما لا، فلا تُتبعه نفسك" (٦)، متّفقٌ عليه.
وقوله: (مَعُونَةً) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، ووزنها مَفْعُلةٌ بضمّ
стр. 11136
العين، وبعضهم يجعل الميم أصليّة، ويقول: هي مأخوذةٌ من الماعون، ويقول: هي فَعُولةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ) أي: إذا كنت لا تتوصّل إليه إلا بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمّ من نَيْل الدنيا، فكيف إذا انتهى الأمر إلا أن لا يسلم دِينٌ، ولا تنال دُنيا؟ ومَن أخسر صَفْقةً ممن خسر الآخرة والأولى؟ نعوذ بالله تعالى من سخطه (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتبشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٨] (٩٩٣) - (حَدَّثَنِي (٣) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أنفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْأنُ، سَحَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا شَيءٌ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
стр. 11137
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ جملة حاليّة، ومعناها: يرفع الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وإنما عدل عن الصيغ المشهورة، مثل "قال"، أو "حدّث"، أو "أخبر"، ونحوها؛ لكونه نسي الصيغة، مع تأكّده بإسناده إلى النبيّ ﷺ ، فأتى بصيغة تَحْتَمل الجميع، فتنبّه.
(قَالَ) ﷺ "قَالَ اللهُ ﵎ هذا هو الذي يُسمّى بالحديث القدسيّ، وهو ما يُسنده النبيّ ﷺ إلى الله تعالى على سبيل الحكاية، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بلفظه، بخلاف هذا، فإنه لم يُتعبّد بتلاوته، فتنبّه.
(يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ) بقطع الهمزة، أمر من الإنفاق (أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بضمّ الهمزة مجزوم على أنه جواب الأمر؛ أي: أعطك عوض ما أعطيته، وهذا معنى قوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٤] فيتضمن الحثّ
стр. 11138
على الإنفاق معنًى في وجوه الخير، والتبشير بالْخَلَف من فضل الله تعالى (١).
(وَقَالَ) ﷺ (يَمِينُ الله مَلْأَى) مبتدأ وخبره، وهو فعلى تأنيث ملآن بالنون (وَقَالَ) محمد بن عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) شيخه الثاني في روايته (مَلْآنُ) بالنون، قال النوويّ ﵀: هكذا وقعت رواية ابن نُمير بالنون، قالوا: وهو غلطٌ منه، وصوابه "ملآى"، كما في سائر الروايات، ثم ضبطوا رواية ابن نمير من وجهين: أحدهما: إسكان اللام، وبعدها همزة، والثاني: "ملان" بفتح اللام بلا همز. انتهى (٢).
ووقع في رواية للبخاريّ "يد الله" بدل "يمين الله"، قال في "الفتح": ويُتَعقَّب برواية "يمين الله" على مَن فَسَّر اليد هنا بالنعمة، وأبعدُ منه من فسّرها بالخزائن، وقال: أَطْلق اليد على الخزائن؛ لتصرّفها فيها. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد صاحب "الفتح" حيث تعقّب من فسّر اليد بالنعمة، أو بالخزائن، فالحقّ أن اليد صفة ثابتة لله تعالى على ظاهرها كما يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقوله: "مَلْآى" بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر: تأنيث ملآن، ووقع بلفظِ ملآن في رواية لمسلم، وقيل: هي غلط، ووَجَّهَهَا بعضهم بإرادة اليمين، فإنها تُذَكَّر وتؤنّث، وكذلك الكَفّ (٤).
قال: والمراد من قوله: ملآى، أو ملآن لازمه، وهو أنه في غاية الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق. انتهى (٥).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الملء باللازم ليس صوابًا؛ إذ فيه دعوى المجاز، والحقّ أن يُفسّر بالملزوم واللازم معًا، فإن صفات الله تعالى ثابتة له حقيقةً لا مجازًا، ولا محذور في إثباتها على حقيقتها؛ لأن الملء إذأ نُسب
стр. 11139
إلى الله تعالى يكون على ما يليق به، فلا يلزم منه التشبيه، فتنبّه لهذه الدقائق، فمانها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (سَخَاءُ) صيغة مبالغة، من السَّحِّ، وهو الصبّ الدائم، وهو خبر ثانٍ لـ"يمين الله".
وقال النوويّ ﵀: ضَبَطُوا "سحاء" بوجهين: أحدهما: "سَحًّا" بالتنوين على المصدر، وهذا هو الأصح الأشهر، والثاني: حكاه القاضي "سَحَّاءُ" بالمد على الوصف، ووزنه فعلاء، صفة لليد، والسَّحّ الصبّ الدائم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه الثاني هو الموجود في النسخ التي عندنا، فتنبّه.
وقال في "الفتح": قوله: "سَحَّاء" بفتح المهملتين، مُثَقَّلًا ممدودًا؛ أي: دائمةُ الصبِّ، يقال: سَحَّ بفتح أوله مثقلًا يَسُحُّ بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمها، وضُبِطَ في مسلم "سَحًّا" بلفظ المصدر. انتهى.
وفي الرواية التالية: "سحّاءُ الليل والنهار"، والمراد عدم الانقطاع لعطائه؛ أي: هي دائمة الانصباب في الليل والنهار.
وقال السنديّ ﵀: قيل: ما أتمّ البلاغة، وأحسن هذه الاستعارة، فلقد نبّه رسول الله ﷺ بهذا اللفظ على معان دقيقة:
[منها]: وَصْفُ يده تعالى في الإعطاء بالتفوّق والاستعلاء، فإن السحّ إنما يكون من عُلْو.
[ومنها]: أنها المعطية عن ظهر غنًى؛ لأن الماء إذا انصبّ من فوقُ انصبّ بسهولة.
أومئها،: جزالة عطاياه ، فإن السحّ يُستعمل فيما ارتفع عن حدّ التقاطر إلى حدّ السيلان.
[ومنها]: أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوقُ لم يستطع أحدٌ أن يردّه. انتهى. وهو توجيه وجيه، والله تعالى أعلم.
(لَا يَغِيضهَا شَيءٌ) أي: لا يَنْقُصها شيء من الإنفاق، يقال: غاض الماءُ
стр. 11140
يَغِيض، من باب سار غَيْضًا ومَغَاضًا: نَضَبَ؛ أي: ذهب في الأرض، وغاضه الله يتعدّى، ولا يتعدّى، وغاض الشيءُ: نقَصَ، ومنه يقال: غاض ثمن السلعة: إذا نقص، وغِضْتُهُ: نقصتُهُ، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ") في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة، تنازع فيهما "لا يَغيضها"، و"سحّاء"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٣٠٨ و ٢٣٠٩] (٩٩٣)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٦٨٤ و ٥٣٥٢)، و" التوحيد" (٧٤١٩ و ٧٤٩٦)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٤٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٦٣)، و (ابن ماجه) في "السنّة" (١٩٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و ٤٦٤ و ٥٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٣٤)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٥٥٣)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات " (٣٩٥ و ٣٩٦)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كثرة جود الله ، وأنه ينفق كيف يشاء.
٢ - (ومنها): سعة رزقه تعالى، بحيث لا ينقصه الإنفاق.
٣ - (ومئها): أنه يستفاد من الرواية التالية أنه يرفع الميزان بأفعال العباد، وأرزاقهم، ويخفضه، كيف يشاء، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
стр. 11141
٤ - (ومنها): الردّ على الجهميّة في إنكارهم الصفات الثابتة لله في نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، وهي اليد، واليمين، وأنه تعالى يرفع القسط، ويخفضه، وكلها صفات لائقة بجلاله، ثابتة له كما أثبتها هذا النصّ الصريح الصحيح، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل.
قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قال أبو عيسى: هذا حديث قد رَوَته الأئمةُ، نؤمن به كما جاء، من غير أن يُفَسَّر، أو يُتَوَهَّم، هكذا قال غيرُ واحد من الأئمة، منهم سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك، أنه تُرْوَى هذه الأشياء، وُيؤمَنُ بها، ولا يقال: كيف؟. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مراد الترمذيّ ﵀ بقوله: "من غير أن يُفَسَّر" تفسير الكيفيّة، كما أوضحه آخر كلامه، فتنبّه، فإن بعض الناس يَحْمِل تفويض السلف على أنهم يفوّضون المعنى، وهذا غلطٌ عليهم، فإنهم يعلمون معنى الصفات على ظاهرها، وُيثبتونها كذلك، وإنما يجهلون، ويفوّضون معنى كيفيّتها، فتفطّن لهذه الدقيقة فإنها من مزالّ الأقدام، فقد زلّ فيها كثير ممن ينتسب إلى العلم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الزَزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مًا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ قَالَ لِي: أَنفِقْ أُنفِقْ عَلَيْكَ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا، سَحَّاءُ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ (١) وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِض").
стр. 11142
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ بْنُ هَمَّام) أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ) الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان، ٢٦/ ٢١٣.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ" ذُكر قبله.
وقوله: (أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) المتوفّى سنة بضع عشرة ومائة، وستأتي ترجمته في [٣٤/ ٢٣٩٠] "باب النهي عن المسألة"، وهمّام أكبر سنًّا من أخيه وهب، لكن تأخّرت وفاته عنه، فقد تُوُفّي سنة (١٣٢) على الصحيح.
وقوله: (قَالَ: هَذَا … إلخ) أي: قال همّام بن منبّه مشيرًا إلى ما كتبه في صحيفته من حديث أبي هريرة ﵁، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: "مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ … إلخ".
وقوله: (فَذَكرَ) أي: همّام (أَحَادِيثَ) كثيرة، وهي نحو (١٣٨) حديثًا.
وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: "وقال: قال رسول الله ﷺ … إلخ " لقصد لفظه، فهو محكيّ.
(لَا يَغِيضُهَا) أي: لا ينقصها شيء من الإنفاق، ففاعله مقدّر، يدلّ عليه السياق، وقد جاء مصرّحاً به في الرواية السابقة، حيث قال: "لا يغيضها شيء".
وقوله: (سَحَّاءُ) بالمدّ والهمز والرفع على أنه خبرٌ لـ "يمينُ الله" بعد خبرين، وقوله: "الليل والنهار" في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة متعلّقان بما في "سحّاء" من معنى الفعل، قال القرطبيّ ﵀: هذه هي الرواية المشهورة، وعند أبي بحر: "سَحًّا" منصوبًا منوّنًا على أنه مصدر، حُذف فعله؛
стр. 11143
أي: تسُحّ سحًّا، والسخ الصبّ الكثير (١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بوجهين: نصب "الليلَ والنهارَ"، ورفعهما، فالنصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل.
وقال في "الفتح "؛ بالنصب على الظرفيّة؛ أي: فيهما، ويجوز الرفع، ووقع في رواية لمسلم: ة سَحُّ الليلِ والنهارِ" بالإضافة، وفتح الحاء، ويجوز ضمها. انتهى (٢).
[تنبيه]: قال الطيبيّ ﵀: يجوز أن تكون "ملآى"، و"لا يَغِيضها"، و"سحّاء"، و"أرأيت" على تأويل مقول فيه أخبارًا مترادفةَ و"يمين الله"، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافاَ و"ملآى"، ويجوز أن يكون "أرأيت" استئنافًا وفيه معنى الترقّي، كأنه لَمّا قيل: "ملآى" أَوْهَم جواز النقصان، فأزاله بقوله: "لا يَغِيضها شيءٌ"، وربما يمتلئ الشيءُ، ولا يغيض، فقيل: سَحَاءُ، ليؤذن بالغيضان، وقرنها بما يدلّ على الاستمرار، من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعها بما يدلّ على أن ذلك ظاهر غير خافٍ على ذي بصر وبصيرة بعد أن انتقل من ذكر الليل والنهار إلى المدّة المتطاولة بقوله: "أرأيتم" مستأنفًا؛ لأنه خطاب عامّ، والهمزة فيه للتقرير، قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، وبسط اليد في العطاء. انتهى كلامه ببعض تصرّف (٣).
وقوله: (أَرَأَيْتُمْ) بضمير الجمع، وفي رواية ابن ماجه: "أريت" بضمير المخاطب الواحد، وهو تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة.
وقوله: (مَا أنفَقَ) "ما" مصدريّة؛ أي: أتعلمون إنفاق الله تعالى (مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ) الضمير راجع إلى الإنفاق (لَمْ يَغِضْ)، بِالغين والضاد المعجمتين، وهو بمعنى ينقص، وفاعله ضمير الإنفاق أيضًا؛ أي: لم ينقص ذلك الإنفاق (ما فِي يَمِينِهِ) "ما" هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول "يَغِض"، وفي رواية البخاريّ: "ما في يده".
стр. 11144
وقوله: (قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) فيه إشارة إلى أنه لم يكن تحت العرش قبل السماوات والأرض شيء إلا الماء، وإلى أن جوده تعالى لا نهاية له، ولا حصر.
وقال في "الفتح": مناسبة ذكر العرش هنا أن السامع يتطلع من قوله: "خلق السماوات والأرض" ما كان قبل ذلك، فذَكَرَ ما يدل على أن عرشه قبل خلق السماوات والأرض كان على الماء، كما وقع في حديث عمران بن حصين ﵄ بلفظ: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض". انتهى.
وقوله: (وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أحدهما: "الْفَيْضُ" بالفاء والياء المثناة تحتُ، والثاني: "الْقَبْضُ" بالقاف والباء الموحدة، وذكر القاضي أنه بالقاف، وهو الموجود لأكثر الرواة، قال: وهو الأشهر والمعروف، قال: ومعنى القبض الموت، وأما الفيض بالفاء فالإحسان والعطاء والرزق الواسع، قال: وقد يكون بمعنى القبض بالقاف؛ أي: الموت، قال البكراويّ: والفيض الموت، قال القاضي: قَيْسٌ يقولون: فاضت نفسه بالضاد: إذا مات، وطَيّئٌ يقولون: فاظت نفسه بالظاء، وقيل: إذا ذكرت النفس فبالضاد، وإذا قيل: فاظ من غير ذكر النفس فبالظاء، وجاء في رواية أخرى: "وبيده الميزان، يَخْفِض ويرفع"، فقد يكون عبارةً عن الرزق ومقاديره، وقد يكون عبارة عن جملة المقادير، ومعنى "يخفض، ويرفع"، قيل؛ هو عبارة عن تقدير الرزق، يُقَتِّره على من يشاء، ويوسعه على من يشاء، وقد يكونان عبارة عن تصرف المقادير بالخلق بالعز والذل، والله أعلم. انتهى (١).
ووقع في رواية البخاريّ: "وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع"؛ أي: يخفض الميزان ويرفعها، قال الخطابيّ: الميزان مَثَلٌ والمراد القسمة بين الخلق، وإليه الإشارة بقوله: "يخفض وبرفع"، وقال الداوديّ: معنى الميزان أنه قدّر الأشياء، ووقّتها، وحددها، فلا يملك أحد نفعًا ولا ضرًّا إلا منه وبه.
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": وعنى قوله: "وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى
стр. 11145
الْمِيزَانُ" كما ذكروا في "اليمين" من المجاز، فليُتأمل، قال: والوجه مذهب السلف، فالواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك التصرّف فيه بالعقل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد السنديّ ﵀ في آخر كلامه، فإن مذهب السلف هو الأسلم، والأعلم، والأحكم، فيا ليته التزم هذا المذهب في كلّ كتابه لأفاد وأجاد، ولكنك في بعض المواضع ترى منه العجب العُجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": ووقع في رواية همام؛ يعني: عند البخاريّ: "وبيده الأخرى الفيض، أو القبض"، الأولى بفاء وتحتانية، والثانية بقاف وموحدة، كذا للبخاريّ بالشك، ولمسلم بالقاف والموحدة بلا شك، وعن بعض رواته فيما حكاه عياض بالفاء والتحتانية، والأول أشهر، قال عياض: المراد بالقبض قبض الأرواح بالموت، وبالفيض الإحسان بالعطاء، وقد يكون بمعنى الموت، يقال: فاضت نفسه إذا مات، ويقال: بالضاد وبالظاء. انتهى.
قال الحافظ: والأولى أن يُفَسَّر بمعنى الميزان؛ ليوافق رواية الأعرج التي في هذا الباب، فإن الذي يوزن بالميزان يَخِفّ وَيرْجَح، فكذلك ما يُقْبَض، وَيحْتَمِل أن يكون المراد بالقبض المنع؛ لأن الإعطاء قد ذُكِر في قوله قبل ذلك: "سَحَّاءُ الليل والنهار"، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
ووقع في حديث النَّوّاس بن سَمْعان ﵁ عند مسلم: "الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً، ويَضَعُ آخرين".
وفي حديث أبي موسى ﵁ عند مسلم، وابن حبان: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يَخْفِض القسط، ويرفعه"، وظاهره أن المراد بالقسط الميزان، وهو مما يؤيد أن الضمير المستتر في قوله: "يخفض ويرفع" للميزان، كما بدأت الكلام به، وقد تقدّم على هذا الحديث في "كتاب الإيمان" (٢)، فراجعه، تستفد.
стр. 11146
وقال المازريّ: ذكر القبض والبسط وإن كانت القدرة واحدة؛ لتفهيم العباد أنه يفعل بها المختلفات، وأشار بقوله: "بيده الأخرى" إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأشياء باليدين معًا، فعبّر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين؛ لتفهيم المعنى المراد بما اعتادوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه المازريّ، وكذا القرطبيّ في "المفهم" من تفسيره اليد بالقدرة مذهب منابذٌ لظواهر الكتاب والسنّة، ومذهب السلف الصالح، وقد بيّنّا بطلانه في هذا الشرح في غير موضع، وكذا في شرح النسائيّ، وشرح ابن ماجه في عذة مواضع بما يكفي ويشفي.
والحاصل أن الله له صفة اليد كما أن له صفة القدرة، وله سائر صفاته العليّة على ما يليق بجلاله، فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٢) - (بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ، وَإِثْمِ مَنْ حَبَسَ عَنْهُمْ قُوتَهُمْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٠] (٩٩٤) - (حَدَّثنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ (١)، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أفضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ"، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثئَم قَالَ أَبُو
стр. 11147
قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ، أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ (١)، وَبُغْنِيهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أيَّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، وفيه نصث يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مرثد الرَّحَبيّ الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٧ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدر الهاشميّ مولى النبيّ ﷺ ، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، مات ﵁ بحِمْص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في كيفيّة صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي قلابة، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان شاميّان.
стр. 11148
٤ - (ومنها): أن ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) بن بُجْدُد ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أفضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ) يراد به العموم؛ أي: أكثر الدنانير إذا أُنفقت (دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الياء التحتانيّة: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّل، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ، ويقال: عال الرجل اليتيم عَوْلًا، من باب قال: إذا كَفَلَهُ، وقام به (١).
والمعنى: أن أفضل ما يُنفقه الرجل من الدنانير دينارٌ يُنفقه على من يعولهم، وتلزمه نفقتهم ومؤنتهم، من نحو زوجة، وولد، وخادم، وهذا إذا نوى به وجه الله تعالى؛ لما أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت عليها، حتى ما تَجعَل في فم امرأتك".
وأخرجا عن أبي مسعود البدريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا أنفق الرجل على أهله يَحتسبها، فهو له صدقة"، ولفظ مسلم: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقةً، وهو يحتسبها، كانت له صدقةً".
(وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ الله) متعلّق بحال من "دابته"؛ أي: حال كونها مربوطة، أو مجاهَدًا بها في سبيل الله ، وفي رواية ابن ماجه: "على فرس في سبيل الله " (وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونهم مجاهدين في سبيل الله تعالى، والمراد رُفقاؤه الغُزاة، وقيل: المراد بـ "سبيل الله" كلُّ طاعة.
وقال القاري ﵀ (٢): يعني: أن الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم، ذكره ابن الملك.
قال: ولا دلالة في الحديث على الترتيب؛ لأن الواو لمطلق الجمع، إلا
стр. 11149
أن يقال: الترتيب الذكريّ الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، فالأفضل ذلك، إلا أن يوجد مخصِّصٌ، ولذا قال ﷺ : "فابدءوا بما بدأ الله به"، رواه أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن (١).
(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد الْجَرْميّ (وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) منوّهًا بتقديم العيال على غيرهم، ومنبّهًا على عظم أجر الإنفاق عليهم (وَأَيُّ رَجُلٍ) مبتدأ خبره قوله: (أَعْظَمُ أَجْرًا) منصوب على التمييز (مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإعفاف؛ أي: يمنعهم الله تعالى بسببه من مذلّة السؤال (أَوْ) للشكّ من الراوي (يَنْفَعُهُمُ) بفتح أوله، من النفع، وقوله (اللهُ بِهِ) تنازعه الفعلان قبله، وفي بعض النسخ: "يُعفّهم الله، أو ينفعهم"، وعليه فلا تنازع (وَيُغْنِيهِمْ) بضمّ أوله، من الإغناء، وهو مؤكّد لما قبله.
وهذا الذي قاله أبو قلابة يدلّ له ما يأتي في حديث أبي هريرة ﵁ التالي: "أعظمها نفقةً الذي أنفقته على أهلك"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان -رضي الله عن - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١٠] (٩٩٤)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٧٤٨)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصّلَة" (١٩٤٤)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٩١٨٢)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٧ و ٢٧٩ و ٤٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٨) و (٧/ ٤٦٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 11150
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على النفقة على العيال، وبيان عظم الثواب فيه؛ لأن منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبةً، وتكون صدقةً وصلةً، ومنهم من تكون واجبةً بملك النكاح، أو ملك اليمين، وهذا كله فاضل محثوثٌ عليه، وهو أفضل من صدقة التطوع، ولهذا قال ﷺ في الرواية التالية: "أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك"، مع أنه ذكر قبله النفقة في سبيل الله، وفي العتق، والصدقة، ورَجَّحَ النفقة على العيال على هذا كله؛ لما ذكرناه وزاده تأكيدًا بقوله ﷺ في الحديث الآخر: "كفى بالمرء إثمًا أن يَحْبِس عمن يملك قوته" (١).
٢ - (ومنها): الحثّ على العناية بالخيل ونحوه من عُدّة الجهاد في سبيل الله .
٣ - (ومنها): الحثّ على التعاون في الجهاد، والإنفاق على الغزاة المعوزين فيه؛ لأنه من باب التعاون على البرّ والتقوى، قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١١] (٩٩٥) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُزَاَحِمِ بْنِ زُفَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دِينَارٌ أنفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أنفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أنفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
стр. 11151
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بن الحارث الضبّيّ، ويقال: الثوريّ، ويقال: العلاليّ الجعفريّ العامريّ الكوفيّ، وهو مزاحم بن أبي مُزَاحم، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والشعبيّ والربيع بن عبد الله التيميّ، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم.
ورَوَى عنه مِسْعَز، والمسعوديّ، ومنصور بن أبي الأسود، والثوريّ، وشعبة، وشريك، وغيرهم.
قال أبو داود، عن شعبة: أخبرني مُزاحم بن زُفَر الضبيّ، وكان كخير الرجال، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات يوم النهر غازيًا مع قتيبة بن مسلم. انتهى.
عَلَّقَ له البخاريّ، عن عمر بن عبد العزيز أَثَرًا، وروى له مسلم والنسائي حديث مجاهد عن أبي هريرة: دينار أعطيه في سبيل الله تعالى … الحديث، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٧ - (مُجَاهِدُ) بن جبر أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام في التفسير [٣] (ت ١٠١) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم في كيفية التحمّل والأداء.
стр. 11152
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأول والثاني، فما أخرج لهما الترمذيّ، وسوى مزاحم، فانفرد به المصنّف والنسائيّ، وأما شيخه الثالث، فممن اتّفق الجماعة على الرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ومجاهد، فمكيّ، وأبو هريرة ﵁، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "دِينَارٌ أنفَقْتَهُ) قوله: "دينار" مبتدأ، خبره جملة "أعظمها أجرًا … إلخ"، وقوله: "أنفقته … إلخ " في محلّ رفع صفة لـ "دينارٌ"، وما بعده عطف عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، وقيل: المراد عموم سبيل الطاعة، كالحجّ، وطلب العلم (وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ) أي: في فكّها، أو إعتاقها (وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أنفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) وقوله: (أَعْظَمُهَا) مبتدأ (أَجْرًا) منصوب على التمييز، وخبر المبتدأ قوله: (الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ") والجملة خبر "دينارٌ"، كما مرّ آنفًا، وفيه دليلٌ على أن إنفاق الرجل على أهله أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب، ومن الصدقة على المساكين، وإنما كان أعظمها أجرًا؛ لكونه فرضًا، وهي تطوّع، والفرض أفضل من التطوّع، ولأنه صدقةٌ وصلةٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١١] (٩٩٥)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٧٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٧٣ و ٤٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11153
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٢] (٩٩٦) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) -بفتح الجيم، وسكون الراء- الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع، من كبار [١١] (تخ م د ق) تقدم في "الصلاة" ٣٤/ ١٠١٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ٢٣١) (م س) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠٠٩.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (م دت س) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٢.
٤ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ) بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ، ثقةٌ قاريءٌ فاضلٌ [٥] (ت ١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٥ - (خَيْثَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذويب الْجَهْنيّ الكوفيّ -لأبيه ولجده صحبةٌ، وَفَدَ جده أبو سَبْرَة إلى النبيّ ﷺ ومعه ابناه: سَبْرة، وعزيز- ثقةٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، والبراء بن عازب، وعَديّ بن حاتم، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
ورَوَى عنه زِرّ بن حُبَيش، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف، وعمرو بن مُرّة الْجَمَليّ، وقتادة، والأعمش، ومنصور، وغيرهم.
стр. 11154
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقةٌ، وكان رجلًا صالحًا، وكان سَخِيًّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلاهو وإبراهيم النخعيّ، وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرِّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما.
قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل، وقال غيره: مات بعد سنة ثمانين، وأرّخه ابن قانع سنة (٨٠)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وساق بسنده إلى نُعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: لم يسمع خيثمةُ من ابن مسعود، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زرعة: خيثمة عن عمر مرسلٌ، وقال ابن القطان: يُنظَر في سماعه من عائشة ﵂.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٩٩٦) و (١٠١٦) وكرره ثلاث مرات، و (١٠٦٦) و (٢٠١٧) و (٢٥٨٦) و (٢٨٧١).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيّين، سوى الصحابيّ، فمصريّ، ثم طالفيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، من السابقين إلى الإسلام، ومن الصحابة المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ﵃.
شرح الحديث:
(عَنْ خَيْثَمَةَ) بن عبد الرحمن الْجُهنيّ أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) بالضمّ: جمع جالس (مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص ﵄ (إِذْ جَاءَهُ) فجائيّة؛ أي: فاجأه
стр. 11155
مجيء (قَهْرَمَانٌ لَهُ) -بفتح القاف، وإسكان الهاء، وفتح الراء-: هو الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل، وهو بلسان الْفُرْس (١). (فَدَخَلَ) أي: القهرمان (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو ﵄ لقهرمانه (أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ) أي: العبيد، فهو هنا بمعنى الجمع، قال الفيّوميّ ﵀: ويُطلق الرقيق على الذكر والأنثى، وجمعه أَرِقّاءُ، مثلُ شَحِيحٍ وأَشِحّاء، وقد يُطلق على الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رَقِيقٌ، ومنه: "وليس في الرقيق صدقةٌ" أي: في عَبِيد الخدمة. انتهى (٢). (قُوتَيمْ؟) بالضمّ: ما يُؤكل ليُمسك الرَّمَقَ، قاله ابن فارس، والأزهريّ، والجمع: أقوات، ويقال: قاته يقوته قَوْتًا، من باب قال: أعطاه قُوتًا (٣). (قَالَ) القهرمان (لَا) أي: لم أُعطهم قوتهم (قَالَ) عبد الله بن عمرو ﵄ (فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ) وقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) جملة تعليليّة لأمره بإعطائهم قوتهم ("كَفَى بِالْمَرْءِ) الباء زائدة في المفعول؛ أي: كفى المرء (إِثْمًا) منصوب على التمييز، وقوله: (أَنْ يَحْبِسَ) في تأويل المصدر فاعل "كَفَي"، ومعنى "يحبس": يمنع (عَمَّنْ يَمْلِكُ) "من" موصولة، والعائد محذوف؛ لكونه فضلةً؛ أي: عن الشخص الذي يملكه (قُوتَهُ") منصوب على المفعوليّة و"يَحْبِس".
والمعنى أنه أَبُو لم يكن للشخص ذنب غير منعه مملوكه قوته، لكفاه ذلك إثمًا يوجب له دخول النار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١٢] (٩٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٤١)، و (أبو نعيم) في "الحلية" (٤/ ١٢٢ و ٥/ ٢٣ و ٨٧)، و (البيهقيّ) في "الصغرى" (٦/ ٥٧٠)، والله تعالى أعلم.
стр. 11156
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب النفقة على العبيد.
٢ - (ومنها): بيان كون التقصير في نفقة العبيد إثمًا، وهو معنى حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يَقُوت".
٣ - (ومنها): عناية الشريعة بحقوق جميع الناس، حتى العبيد والبهائم، حيث أوجبت على ملّاكها الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم، فما أكمل الشريعة، وأشملها، وأقومها، وأعدلها، وأوفاها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٣) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ في النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ بِالأَهْلِ، ثُمَّ الأقَارِبِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٣] (٩٩٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ألَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ "، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ، بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ الله ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَليْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا"، يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ").
стр. 11157
رجال هذا الإسناد:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْن رُمْحٍ) التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) الإمام الحجة الثبت المشهور المصري [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "لإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهوأعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٤٦) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية من طريق أيوب، عن أبي الزبير: "أن رجلًا من الأنصار، يقال له: أبو مذكور أعتق غلامًا له" (مِنْ بَني عُذْرَةَ) -بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء- نسبة إلى عُذْرة، من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة (١).
стр. 11158
(عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ) وفي الرواية التالية: "أعتق غلامًا له، يقال له: يعقوب"، زاد في الرواية الآتية في "كتاب الأيمان والنذور" من طريق عمرو بن دينار، عن جابر: "لم يكن له مالٌ غيره"، وفي رواية: "دبّر رجلٌ من الأنصار غلامًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول الله ﷺ ، فاشتراه ابن النحّام، عبدًا قبطيًّا، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير".
[تنبيه]: "المدبّر": اسم مفعول، من دبّر الرجل عبده تدبيرًا: إذا أعتقه بعد موته، ويقال: أعتق عبده عن دُبُر: أي: بعد دُبُر؛ أي: في آخر أمره، وقال في "الفتح": المدبّر: هو الذي عَلّق مالكه عتقه بموته، سُمّي بذلك؛ لأن الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه، فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر، وهو آخره. انتهى (١).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: عتقه المذكور (رَسُولَ الله ﷺ ) منصوب على المفعوليّة (فَقَالَ) ﷺ للرجل ("أَلكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ "، فَقَالَ: لا) أي: قال الرجل: ليس لي مالٌ غيره.
فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: "أنّ رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ ﷺ ، فقال: "من يشريه منّي … " الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدَّين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: "أعتق غلامًا له، وعليه دين"، وقد جاءت رواية أخرى بيّنت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: "أنّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دينك".
стр. 11159
والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدين، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي"؟) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث.
ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين.
ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد.
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": من لا يرى بيع المدبّر، منهم من يَحْمِله على أنه كان مدبّرًا مقيّدًا بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا -يعني: الحنفيّة- ومنهم من يَحْمِله على أنه دبّره، وهو مديون، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ إنصاف منه حيث رذ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، ولا يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النص بالتأويل البعيد، اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
(فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد الله بن أُسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ "النحّام"، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال له: "دخلت الجنة، فسمعت نَحْمة من نُعيم"، وأخرج ابن قتيبة في "الغريب" من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ، فأتينا القوم خلوفًا، فقاتل نعيم بن النحّام العدويّ يومئذ قتالًا شديدًا.
و"النحْمَةُ" هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها.
وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّة أيضًا، من رهط عمر، وقال البخاريّ: له صحبة.
стр. 11160
وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل فتح مكّة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بايّ دِين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح.
وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ ﷺ : "يا نُعيم، قومك كانوا خيرًا لك من قومي"، قال: بل قومك خير يا رسول الله، قال: "إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك"، فقال نعيم: يا رسول الله، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها.
وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه، وقال ابن أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا، وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ، أنّ نعيماً استُشْهِد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر، وكذا قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في "الفتوح"، وأبو سليمان بن زَبْر، قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك، سنة خمس عشرة، وقال ابن الْبَرْقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة في حياة النبيّ ﷺ ، وكذا قال ابن الكلبيّ.
وأما ما ذكره عمر بن شبّة في "أخبار المدينة" عن أبي عبيد المدنيّ، قال: ابتاع مروان من النحّام داره بثلاثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضًا: النحّام. ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم هاجر عام الحديبية، ومعه أربعون من أهل بيته، واستُشهد في فتوح الشام، زمنَ أبي بكر، أو عمر، وروى الحارث في "مسنده" بإسناد حسن: أن النبيّ ﷺ سماه صالحًا، وكان اسمه الذي يعرف به نُعيمًا.
وكان يُعرف بـ "النحام " بالنون والحاء المهملة الثقيلة، عند الجمهور،
стр. 11161
وضبطه ابن الكلبي بضم الثون، وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، وهو لقب نُعيم، وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، قال النووي: وهو غلط؛ لقول النبيّ ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت فيها نَحْمَةً من نعيم". انتهى. وكذا قال ابن العربي، وعياض، وغير واحد.
قال الحافظ ﵀: لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي، وهو ضعيف، ولا تُرَدُّ الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضًا، كان يقال له: النّحّام، و"النَّحْمَة" -بفتح النون، وإسكان المهملة-: الصوت، وقيل: السَّعْلَة، وقيل: النحنحة. انتهى (١).
(بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) قال في "الفتح": اتفقت الطُّرُق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: "سبعمائة، أو تسعمائة". انتهى. (فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي: أتى نعيم بن عبد الله بتلك الدراهم (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أي: دفع النبيّ ﷺ تلك الدراهم إلى الرجل المعتق، زاد في رواية الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: "أنت أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه".
[تنبيه]: قال في "الفتح" ما حاصله: اتفقت الروايات على أن بيع ذلك المدبر كان في حياة الذي دبره، إلا ما رواه شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلًا مات، وترك مدبراً، ودينًا، فأمرهم النبيّ ﷺ ، فباعه في دينه بثمانمائة درهم"، أخرجه الدارقطني، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري، أن شريكاً أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش وغيره، عن سلمة، وفيه: "ودفع ثمنه إليه"، وفي رواية النسائي من وجه آخر، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ودفع ثمنه إلى مولاه"، وقد رواه أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: "أن رجلًا دبر عبدًا له، وعليه دين، فباعه النبيّ ﷺ في دين مولاه"، وهذا شبيه برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كان تغير حفظه، لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصح،
стр. 11162
ومنهم أسود المذكور. انتهى (١).
وقال أيضًا في "كتاب العتق" "باب بيع المدبّر" ما حاصله: وقد اتفقت طرق رواية عمرو بن دينار، عن جابر أيضًا على أن البيع وقع في حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذيّ، من طريق ابن عيينة عنه، بلفظ: "أن رجلًا من الأنصار دَبّر غلامًا له، فمات، ولم يترك مالًا غيره" الحديث، وقد أعلّه الشافعي بأنه سمعه من ابن عيينة مرارًا، لم يذكر قوله: "فمات"، وكذلك رواه الأئمة: أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، والحميديّ، وابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، ووَجَّهَ البيهقي الرواية المذكورة، بأن أصلها: أن رجلًا من الأنصار، أعتق مملوكه، إن حدث به حادث فمات، فدعا به النبيّ ﷺ ، فباعه من نعيم، كذلك رواه مَطَرٌ الوراق، عن عمرو، قال البيهقي: فقوله: "فمات" من بقية الشرط: أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخبارًا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث"، فوقع الغلط بسبب ذلك، والله أعلم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ للرجل ("ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه" (فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ فَلِأَهْلِكَ) أي: فهو لأهلك، فتنفقه عليهم، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": "ابدأ بنفسك، فتصدّق عليها، ثمّ على أبويك، ثمّ على قرابتك، ثمّ هكذا، ثمّ هكذا" (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي: لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا) أي: تتصدّق به في وجوه الخير، كما بيّن المشار إليه بقوله (يَقُولُ) أي: يشير ﷺ ، وفيه إطلاق القول على الإشارة، (فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ)، وهذا التفسير من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11163
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثائية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٢٣١٣ و ٢٣١٤] (٩٩٧)، وفي (الأيمان والنذور" (٣١٥٥)، و (البخاريّ) في "البيوع" (١٩٩٧)، و (أبو داود) في "العتق" (٣٤٤٥ و ٣٤٤٦)، و (الترمذيّ) في "البيوع" (١١٤٠)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٦)، و" الكبرى" (٢٣٢٦)، و"البيوع" (٤٦٥٢ و ٤٦٥٣)، و"الكبرى" (٦٢٤٨ و ٦٢٤٩ و ٦٢٥٠)، و (ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٥٠٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٦٦٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٤٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠١ و ٣٠٥ و ٣٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٤٥ و ٢٤٥٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٣٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تدبير المملوك، قال القرطبيّ وغيره: اتَّفَقُوا على مشروعية التدبير، واتفقوا على أنه من الثلث، غير الليث، وزفر، فإنهما قالا: من رأس المال، واختلفوا هل هو عقد جائز، أو لازم؟ فمن قال: لازم منع التصرف فيه، إلا بالعتق، ومن قال: جائز أجاز، وبالأول قال مالك، والأوزاعي، والكوفيون، وبالثاني قال الشافعي، وأهل الحديث، وحجتهم حديث الباب، ولأنه تعليق للعتق بصفة، انفرد السيد بها، فيتمكن من بيعه، كمن عَلَّق عتقه بدخول الدار مثلًا، ولأن من أوصى بعتق شخص، جاز له بيعه باتفاق، فيلحق به جواز بيع المدبر؛ لأنه في معنى الوصية، وقيد الليث الجواز بالحاجة، وإلا فيكره، وأجاب الأول بأنها قضية عين، لا عموم لها، فيُحْمَل على بعض الصور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، وهو مشهور
стр. 11164
مذهب أحمد، والخلاف في مذهب مالك أيضًا، وأجاب بعض المالكية عن الحديث، بأنه ﷺ ، رَدَّ تصرف هذا الرجل؛ لكونه لم يكن له مال غيره، فيُسْتَدَلّ به على ردّ تصرف من تصدق بجميع ماله، وادَّعَى بعضهم أنه ﷺ ؛ إنما باع خدمة المدبر، لا رقبته، واحتَجَّ بما رواه ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: أنه ﷺ قال: "لا بأس ببيع خدمة المدبر"، أخرجه الدارقطني، ورجال إسناده ثقات، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، ولو صحّ لم يكن فيه حجة؛ إذ لا دليل فيه على أن البيع الذي وقع في قصة المدبر، الذي اشتراه نعيم بن النحّام، كان في منفعته، دون رقبته، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بجواز بيع المدبّر للحاجة، كما هو ظاهر حديث الباب، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائي" في "كتاب البيوع"، فراجعه تستفد (٢)، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): بيان أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدّم الأوكد، فالأوكد.
٤ - (ومنها): أن الأفضل في صدقة التطوّع أن ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها.
٥ - (ومنها): بيان أن الدَّين مقدّم على التبرّع بالتدبير.
٦ - (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم.
٧ - (ومنها): بيان أنه يُحْجَر على السفيه، وُيردّ عليه تصرّفه، وقد اختَلَف العلماء في ذلك، وسيأتي البحث فيه مستوفى في "كتاب البيوع" عند شرح حديث الرجل الذي كان يُخدَع في البيوع رقم (١٥٣٣) -إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11165
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الذَوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ أيُوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأنصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ، أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبث فقيه عابدٌ حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٤٦٥٣) - أخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا من الأنصار يقال له: أبو مذكور، أعتق غلامًا له عن دبر، يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره، فدعا به رسول الله ﷺ ، فقال: "من يشتريه؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم، فدفعها إليه، وقال: "إذا كان أحدكم فقيرأ فليبدأ بنفسه، فإن كان فضلًا فعلى عياله، فإن كان فضلًا فعلى قرابته، أو على ذي رحمه، فإن كان فضلًا فها هنا وها هنا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11166
(١٤) - (بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالأَقرَبِينَ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمينَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٥] (٩٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكثَرَ أنصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا، وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِن اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالي إِلَي بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَة للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الْأَقرَبِينَ"، فَقَسَمَهَا أَبُو طلحَةَ فِي أقَارِبِهِ، وَبَنى عَمِّهِ).
رجال الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، إمام دار الهجرة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّة [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 11167
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف ﵀، وهو (١٤٧) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن عمّه، فإن أنسًا عمّ لإسحاق.
٥ - (ومئها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، ثم نال دعوته المباركة، فطال عمره، وكثر ماله، وأولاده بسببها، وأنه آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، وعمره جاوز المائة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنَّهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: كَمانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ المشهور، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات ﵁ سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠. (أَكثَرَ أَنْصَارِيٍّ) أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة التفضيل سائغ، قاله في "الفتح" (١)، وفي رواية البخاريّ: "أكثر الأنصار" (بِالْمَدِينَةِ مَالًا) نُصب على التمييز؛ أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى) اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه، قال القاضي عياض ﵀: رَوَينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها، مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء، قال الباجيّ ﵀: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ: "الْبَيْرَحَى" بفتح الراء على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي
стр. 11168
الصُّوريّ: هي بالفتح، واتفقا على أن من رفع الراء، وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة قبليّ المسجد، وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف "بَرِيحَاء" بفتح الباء وكسر الراء، وكذا سمعناه من أبي بحر، عن العذريّ، والسمرقنديّ، وكان عند ابن سعيد، عن البحريّ، من رواية حماد "بِيرَحاء" بكسر الباء وفتح الراء، وضبطه الْحُمَيديّ من رواية حماد "بَيْرَحَاء" بفتح الباء والراء، ووقع في كتاب أبي داود: "جَعَلتُ أرضي بَارِيحَا لله"، وأكثر رواياتهم في هذا الحرف بالقصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين، وبالمد، وجدته بخط الأصيليّ، وهو حائط يُسَمَّى بهذا الاسم، وليس اسم بئر، والحديث يدل عليه. انتهى آخر كلام القاضي ﵀.
وقال في "الفتح": اختَلَفُوا في ضبطه على أوجه، جمعها ابن الأثير في "النهاية"، فقال: يُرْوَى بفتح الباء الموحدة وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة "بَرِيحا" بفتح أوله وكسر الراء، وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي "سنن أبي داود": "باريحا" مثله، لكن بزيادة ألف.
وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصورًا، وكذا جزم به الصغانيّ، وقال إنه فَيْعَلَى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الباء الموحدة، وظن أنها بئر من آبار المدينة، فقد صَحَّف. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: رُويت هذه اللفظة بكسر الباء الموحّدة، وبفتح الراء وضمّها، وبمدّها وقصرها، فالنصب على أنه خبر "كان"، وحينئذ يُرفع "أحبُّ " على أنه اسمها، ورفعُ "بيرحى" على أنه اسم "كان"، وحينئذ يُنصب "أحبَّ" على أنه خبرها، فأما مدّ "حاء" وقصرها فلغتان، وهو حائط نخلٍ سُمّي بهذا الاسم، بموضع يُعرف بقصر بني جديلة، وليس ببئر، ولذلك قال الباجيّ: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ الهرويّ بنصب الراء على كلّ حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي الصوري: بيرحاء بنصب الراء،
стр. 11169
قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين، وقد رَوَى هذا الحرف في مسلم حمّاد بن سلمة بَرِيحا بكسر الراء وفتح الباء. انتهى (١).
(وَكَانَتْ) أي: بيرحى (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أي: في مقابلته، وقال النوويّ: وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبليّ المسجد، وفي "التلويح": هو موضع بقرب المسجد يُعْرَف بقصر بني حُدَيلة وضبطها بالكتابة بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، قال في "العمدة": الصواب بالجيم. انتهى (٢).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا) أي: بيرحى (وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي: في بيرحى (طَيِّب) بالجرّ صفة و"ماءٍ" (قَالَ أنسٌ) ﵁ (فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس ﵂ في رواية أبي صالح: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة؛ أي: بعفما تحبون من الأموال، وقال الضحاك: يعني: لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون؛ يعني: تخرجون زكاة أموالكم طَيِّبةً بها أنفسكم، وفي رواية عن ابن عباس ﵄: هذه الآية منسوخة نسختها آية الزكاة، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الصدقة وصلة الرحم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] أي: ما يخفى عليه، فَيُثيبكم عليه (٣).
(قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) متعلّق بحال محذوف؛ أي: قام حال كونه منتهيًا إليه ﷺ (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة للمذهب الصحيح، وقولِ الجمهور: إنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى يقول، كما يقال: إن الله قال، وقال مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير التابعيّ، لا يقال: الله يقول، وإنما يقال: قال الله، أو الله قال، ولا يُسْتَعْمَل مضارعًا، وهذا غلطٌ، والصواب جوازه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال ذلك، وقد أشرت إلى طرف منها في "كتاب الأذكار"، وكأن مَن كَرِهه ظَنَّ أنه
стр. 11170
يقتضي استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وهذا ظَنّ عجيبٌ، فإن المعنى مفهومٌ، ولا لبس فيه، وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق مما يُحَبّ، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات وغيرها. انتهى (١).
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها، والْبِرّ -بالكسر-: اسم جامعٌ لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال: أرجو ثواب برّها (وَذُخْرَهَا) أي: أُقدّمها، فأدّخرها (عِنْدَ اللهِ) ؛ لأجدها عنده (فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ) قال في "القاموس": "بَخْ" كقَدْ: أي: عَظُمَ الأمرُ، وفَخُمَ، تقال وحدها، وتُكرّر بَخٍ بَخْ الأول منوّنٌ، والثاني مُسكّنٌ، وقل في الإفراد: بَخْ ساكنةً، وبَخِ مكسورةً، وبني منوّنةً، وبخٌ منوّنة مضمومة، ويقال: بَخْ بَخْ مُسكّنين، وبَني بَخٍ منوّنين، وبخِّ بخِّ مشدّدين: كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": قوله: "بخ" هذه كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وممَرَّر للمبالغة، فإن وُصِلَتْ خُفِّفَتْ، ونُوِّنتْ، وربما شُدِّدت كالاسم، ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورةً، وقال القاضي: حُكِي بالكسر بلا تنوين، ورُوي بالرفع، فإذا كُرّرت فالاختيار تحريك الأول منونًا، وإسكان الثاني، وقال ابن دُريد: معناه تعظيم الأمر، وتفخيمه، وسُكّنت الخاء فيه كسكون اللام في "هل"، و"بل"، ومن نوّنه شبّهه بالأصوات، كـ "صَهْ"، و"مَهْ"، وفي "الواعي": قال الأحمر: في "بخ" أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف، وقال ابن بطال: هي كلمةُ إعجاب، وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب عند المدح والْمَحْمَدَة، وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وكلها متقاربة في المعنى. انتهى (٣).
(ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالباء الموحدة؛ أي: يربح فيه صاحبه