٥ - (إسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدَّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبوأُسَامَة) حمّاد بن أُسامة، تقدَّم قبل بابين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ … إلخ) يعني: أن كلّا من عبد الرحيم، ويحيى بن سعيد، وأبي أسامة رووا هذا الحديث عن محمد بن أبي إسماعيل بالسند المذكور.
[تنبيه]: أما رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي إسماعيل، فقد ساقها النسائيّ ﵀، فقال:
(٢٤٦٠) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ له، قالا: حدّثنا يحيى، عن محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال، قال: قال جرير: أتى النبيَّ ﷺ ناس من الإعراب، فقالوا: يا رسول الله يأتينا ناس من مصدقيك يظلمون، قال: "أرضوا مصدقيكم"، قالوا: وإن ظَلَم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، ثم قالوا: وإن ظلم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، قال جرير: فما صدر عني مُصَدِّقٌ، منذ سمعت من رسول الله ﷺ إلا وهو راض. انتهى.
وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، وأبي أسامة، فلم أر من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩) - (بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزكَاةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٠] (٩٩٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدثنا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِس فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، قَالَ:
стр. 11097
فَجِئْتُ حتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أتقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الأكثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيل مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلِ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَمٍ، لَا يُؤَدي زَكَاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأًسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، كُلمَا نَفِدَتْ (١) أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الناسِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبت عابد، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُويدٍ) الأسديّ، أبوأميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) اسمه جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى أبي ذرٍّ ﵁، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ.
стр. 11098
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أقلّت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر"، وهو حديث صحيح (١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ) أي: وصلت (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ) يأتي تفسيره بقوله: "الأكثرون أموالاً" (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ") فيه جواز القسم بهذه الصيغة (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أتقَارَّ) أي: لم يمكني القرار والثبات (أَنْ قُمْتُ) "أن" بالفتح مصدريّة؛ أي: من القيام، وفي رواية النسائيّ: "فَقُلْتُ: مَا لِي؟ لَعَلِّي أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) مبتدأ وخبره (مَنْ هُمْ؟) أي: مَن هؤلاء الذين قلت في حقّهم: "هم الأخسرون"؟ (قَالَ) ﷺ ("هُمُ الأكثَرُونَ أَمْوَالاً) أي: هم الذين كانوا أكثر الناس أموالاً (إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قال السنديّ ﵀: استثناء من هذا الحكم، وفيه رجوع الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه، ومعنى: "إلا من قال هكذا": أي: إلا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب، وهو كناية عن كثرة التصدّق، فذاك ليس من الأخسرين.
وقوله: "قال" إما بمعنى "تصدّق"، وقوله: "هكذا" إشارة إلى حَثْيِهِ في الجوانب الثلاث؛ أي: تصدّق في جميع جهات الخير، تصدّقاً كالحثي في الجهات الثلاث، أو بمعنى "فَعَل" أي: إلا من فَعَلَ بماله فعلًا مثل الحثْيِ في الجهات الثلاث، وهو كناية عن التصدّق العامّ في جهات الخير، وحَثْيُهُ ﷺ بيان للمشار إليه بـ "هكذا"، والعرب تَجْعَل القول عبارة عن جميع الأفعال. انتهى كلام السنديّ ﵀.
стр. 11099
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ ﵀ حسن، إلا قوله: "أو بمعنى فَعَلَ إلخ"، فإنه لا فرق بين المعنى الأول والثاني، بل الثاني نفس الأول، فما الذي دعاه إلى أن يذكره احتمالًا ثانيًا؟، فليُتَأمل، والله تعالى أعلم.
(مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا تفسير لاسم الإشارة في قوله: "هكذا إلخ". وإشارته ﷺ إلى قُدّام، ووراء، والجانبين، فمعناه أنه يُنفق في وجوه الخير، ولا يقتصر على نوع واحد من وجوه البرّ، بل يبادر إلى أن ينفق متى حضر أمرٌ مهمّ، أفاده النوويّ (١).
(وَقَلِيل مَا هُمْ) مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، أو "قليل" مبتدأ، و "هم" فاعل سدّ مسدّ الخبر، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]:
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِياً … مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطيْرُ مَرَّتِ (٢)
و"ما" زائدة زيدت لتأكيد القلّة.
وقال في "الفتح": قوله: "وقليل ما هم": "ما" زائدة مؤكِّدة للقلة، وَيحْتَمِل أن تكون موصوفة، ولفظ "قليل" هو الخبر، و "هم" هو المبتدأ، والتقدير: وهم قليل، وقَدَّم الخبر للمبالغة في الاختصاص. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف كون "ما" موصوفة، بل لا وجه له، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتوكيد (صَاحِبِ إبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَمٍ، لَا يُؤَدي
стр. 11100
زَكَاتَهَا) هذا صريح في وجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، وقد تقدَّم أن هذا الحديث أصرح ما ورد في زكاة البقر، فتنبّه (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ) بفتح الطاء، وكسرها (بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا) بالفتح: جمع ظِلْف، وهو الْمُنشَق من القوائم، مختصّ بالبقر، والغنم، والظباء، والخفّ بالإبل، والحافر مختصّ بالفرس، والبغل، والحمار، والقدم للآدميّ، ذكره السيوطيّ في "حاشية التِّرمذيّ" (١). (كلَّمَا نَفِدَتْ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "نَفِدَت" بالدال المهملة، و "نَفَذَت" بالذال المعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأول من باب تَعِبَ، يقال: نَفِدَ الشيءُ يَنْفَدُ نَفَاداً: فَنِيَ، وانقَطَعَ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، والثاني من باب قعد، يقال: نَفَذَ السَّهْمُ يَنْفُذُ نَفَاذاً: خَرَقَ الرميةَ، وخرج منها، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، أفاده في "المصباح" (٣).
وقوله: (أُخْرَاهَا) مرفوع على الفاعليّة لـ "نفدت" (عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ الناسِ") أي: يمتدّ عليه هذا التعذيب إلى أن يفرغ الله تعالى من الحكم بين الناس في عرصات القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرٍّ ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٣٠٠ و ٢٣٠١] (٩٩٠)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٠) و "الإيمان والنذور" (٦٦٣٨)، و (التِّرمذيّ) في "الزكاة" (٦١٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ١٠ و ٢٩)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٧٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٠٨٤٤ و ٢٠٨٩٠ و ٢٠٩٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧١)، والله تعالى أعلم.
стр. 11101
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تغليظ العقوبة في منع الزكاة.
٢ - (ومنها): أن من كان أكثر الناس مالاً، ثم لم يَقُم بحقّه من أداء الزكاة، وغيره، يعاقب بالعقاب المذكور، وهو أن يكون جنسُ ذلك المال عذاباً يعذّب به.
٣ - (ومنها): الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنَّه لا يقتصر على نوع من وجوه البرّ، بل ينبغي له أن ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير.
٤ - (ومنها): جواز الحلف بغير تحليف، حيث قال: "وربّ الكعبة"، قال النوويّ ﵀: بل هو مستحبّ إذا كانت فيه مصلحة، كتوكيد أمر، وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله ﷺ في هذا النوع لهذا المعنى. انتهى (١).
٥ - (ومنها): أن فيه أن بعض العصاة يُعذّب عذاباً خاصًّا في عرصات القيامة قبل فصل القضاء.
٦ - (ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر الحيوانات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠١] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَر، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ، غَيْرَ أنهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُل يَمُوتُ، فَيَدع إِبِلاً، أَوْ بَقَراً، أَوْ غَنَماً، لَمْ يُؤَد زَكَاتَهَا").
стр. 11102
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم فَي "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضَّرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي معاوية.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش هذه ساقها التِّرمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٦١٧) - حدّثنا هناد بن السريّ التميميّ الكوفيّ، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذرّ، قال: جئت إلى رسول الله ﷺ ، وهو جالس في ظل الكعبة، قال: فرآني مقبلاً، فقال: "هم الأخسرون، ورب الكعبة يوم القيامة"، قال: فقلت: ما لي؟ لعله أنزل فيّ شيءٌ، قال: قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم الأكثرون، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا"، فحثا بين يديه، وعن يمينه، وعن شماله، ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يموت رجلٌ، فيدع إبلاً، أو بقراً، لم يؤد زكاتها، إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما نَفِدَت أُخراها، عادت عليه أولاها، حتى يُقْضَى بين الناس". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٢] (٩٩١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِي، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لي أُحُداً ذَهَباً، تَأتى عَلَي ثَالِثَةٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار، إِلَّا دِينَارٌ (١) أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ").
стр. 11103
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّام (١) الْجُمَحِي) مولاهم، أبو حرب البصريّ الأخباريّ (٢)، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) أو بعدها (م) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم) الجمحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (بخ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبتٌ ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٥) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن شيخه من أفراد المصنّف، لم يرو عنه من أصحاب الأصول غيره.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَا) نافية (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: سَرّه يسُرّه سُرُوراً بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّة منه، وهو ما يُسَرّ به الإنسان، والجمع الْمَسَارّ، والسَّرّاءُ: الخير والفضل (٣). (أَنَّ لِي أُحُداً ذَهَباً) بضمّتين؛ أي: مثل جبل أحُد، وهو الجبل المعروف بالمدينة، وقوله: (تَأتي عَلَيَ ثَالِثَةٌ) جملة حاليّة، ومعناه: ليلة
стр. 11104
ثالثة، قيل: قَيّد بالثلاث؛ لأنه لا يتهيّأ تفريق قدر أُحُد من الذهب في أقلّ منها غالبًا، ويعكُرُ عليه رواية "يوم وليلة"، فالأولى أن يقال: الثلاثة أقصى ما يُحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك، والواحدة أقلّ ما يُمكن (١).
وقوله: (وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) جملة حاليّة أيضًا (إِلَّا دِينَارٌ) وفي نسخة: "إلا ديناراً" بالنصب، ووجه الرفع أن قوله: "دينار" الأول في حيّز النفي، ووجه النصب أن المستثنى منه مطلق عامّ، والمستثنى مقيّد خاصّ، أفاده الطيبيّ ﵀.
(أَرْصدُهُ) أي: أَعُدّه، يقال: رَصَدته، من باب نَصَرَ: إذا قعدتَ له على طريقه تترقبه، وأرصدت له العقوبةَ: إذا أعددتها له، وحقيقته جعلتها على طريقه، كالمترقبة له، قاله في "النهاية" (٢).
وقال في "اللسان": الراصدُ بالشيء: الراقبُ له، رَصَدَه بالخير وغيره يَرْصُدُه رَصْداً، ورَصَداً: ترقبه، ورَصَدَه بالمكافأة كذلك، والترَصُّد: الترقب، قال الليث: يقال: أنا لك مُرْصِدٌ بإحسانك حتى أكافئك به، قال: والإرصاد في المكافأة بالخير، وقد جعله بعضهم في الشرّ أيضًا، وأنشد [من مشطور الرجز]:
لَاهُمَّ رَبَّ الرَّاكِبِ الْمُسَافِرِ … احْفَظْهُ لِي مِنْ أَعْيُنِ السَّوَاحِرِ
وَحَيَّةٍ تَرْصُدُ بِالْهَوَاجِرِ
فالحية لا تَرْصُدُ إلا بالشرّ، ويقال للحية التي تَرْصُد المارّة على الطريق لِتَلْسَعَ: رَصِيد، والرَّصِيد: السَّبُعُ الذي يَرْصُدُ لِيَثِبَ (٣).
(لِدَيْنِ عَلَيَّ") متعلّقٌ بـ "أرصُدُه"، و "الدَّين" بفتح الدال؛ أي: لقضاء دين واجب عليَّ؛ لأن قضاء الدين مقدّم على الصدقة المندوبة، وهذا الإرصاد أعمّ من أن يكون لصاحب دَين غائب حتى يحضُر، فيأخذه، أو لأجل وفاء دَين مؤجّل حين يَحُلّ أجله، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية البخاريّ بلفظ: "لو كان لي مثلُ أحُد ذهباً ما يسُرّني أن لا
стр. 11105
تمرّ عليّ ثلاث ليال، وعندي منه شيءٌ، إلا شيء أرصُده لدَين".
قال في "الفتح": قوله: "لو كان لي" زاد في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، عند أحمد في أوله: "والذي نفسي بيده"، وعنده في رواية همام، عن أبي هريرة: "والذي نفس محمد بيده".
وقوله: ("ما يَسُرني أن لي أُحُداً ذَهَباً") وفي رواية الأعرج: "لوأنّ أُحُدَكم عندي ذهباً".
وقوله: "ما يَسُرّني أن لا تَمُرّ عليّ ثلاثُ ليالٍ، وعندي منه شيءٌ إلا شيئًا أرصده لدين"، في رواية الأعرج: "إلا أن يكون شيءٌ أرصُدُه في دين عليّ"، وفي رواية همام: "وعندي منه دينارٌ أَجِدُ من يقبله ليس شيئًا أرصده في دين عليّ".
قال ابن مالك: في هذا الحديث وقوع التمني بعد "مثل" وجواب "لو" مضارعًا منفيًّا بـ "ما"، وحقُّ جوابها أن يكون ماضيًا مثبتًا، نحو: لو قام لقمت، أو بلم، نحو: لو قام لم أقم.
والجواب من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون وَضَعَ المضارع موضع الماضي الواقع جوابًا، كما وقع موضعه وهو شرط في قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧].
[ثانيهما]: أن يكون الأصل: ما كان يَسُرُّني، فحذف "كان"، وهو جواب، وفيه ضمير، وهو الاسم، و "يسُرُّني" خبر، وحَذْفُ "كان" مع اسمها، وبقاء خبرها كثيرٌ نظماً ونثراً، ومنه: المرء مَجْزيّ بعمله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ، قال: وأشبه شيء بحذف "كان" قبل "يسُرّني" حذفُ "جَعَلَ" قبل ﴿يُجَادِلُنَا﴾ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود: ٧٤] أي: جعل يجادلنا، والوجه الأول أولى.
وفيه أيضًا وقوع "لا" بين "أَنْ " و "تَمُرّ"، وهي زائدة، والمعنى: ما يسرني أن تمرّ.
وقال الطيبيّ: قوله: "ما يسُرّني" هو جواب "لو" الامتناعية، فيفيد أنه لم يسرّه المذكور بعده؛ لأنه لم يكن عنده مثلُ أُحُد ذهباً، وفيه نوع مبالغة؛ لأنه إذا لم يَسُرّه كثرة ما ينفقه، فكيف ما لا ينفقه؟ قال: وفي التّقييد بالثلاثة تتميم
стр. 11106
ومبالغة في سرعة الإنفاق، فلا تكون "لا" زائدة، كما قال ابن مالك، بل النفي فيها على حاله.
قال الحافظ: ويؤيد قولَ ابن مالك الروايةُ الآتيةُ بعدُ في حديث أبي ذرّ بلفظ: "ما يسُرُّني أن عندي مثلُ أحد ذهباً تمضي عليّ ثالثة". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٣٠٢ و ٢٣٠٣] (٩٩١)، و (البخاريّ) في "الاستقراض" (٢٢٥٩ و ٢٣٨٩) و "الرقاق" (٦٤٤٥)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٦ و ٤٦٧ و ٥٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢١٤ و ٦٣٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧١ - ٧٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٥٣)، وفوائد الحديث تأتي في شرح حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الثبت [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٨.
стр. 11107
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن محمد بن زياد هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤٥٧) فقال:
(٩٨٩٤) - ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبيّ ﷺ أنَّهُ قال: "ما أُحِبُّ أَنَّ لي مِثْلَ أحُدِ ذَهَباً- قال شُعْبَةُ: أو قال: ما أُحِبُّ أَنَّ لي أُحُداً ذَهَباً -أَدَعُ يوم أَمُوتُ ديناراً، إلا أَنْ أَرْصُدَهُ لِدَيْنِ". انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٤] (٩٤)(١) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِية، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حَرةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، وَنَحْنُ نَنْظرُ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "مَا أُحِبّ أَنَّ أُحُداً ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ (٣)، أَمْسَى ثَالِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِينَار، إِلَّا دِينَاراً أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أقولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا، حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ"، قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا، فَقَالَ: "يَا أبا ذَرٍّ"، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِن الأكثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، مِثْلَ مَا صنَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، قَالَ: ثم مَشَيْنَا، قَالَ: "يَا أبا ذَرٍّ كمَا أنتَ حَتَّى آتِيَكَ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ حتَّى تَوَارَى عَنِّي، قَالَ: سَمِعْتُ لَغَطاً، وَسَمِعْتُ صَوْتاً، قَالَ: فَقُلْتُ: لَعَل رَسولَ اللهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ، قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: "لَا تَبْرَحْ
стр. 11108
حَتَّى آتِيَكَ"، قَالَ: فَانْتظَرْتُهُ، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ، قَالَ: فَقَالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ أتانِيِ، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أمتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زنَى وَإِنْ سرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (زَيْدُ بْنُ وَهْب) الْجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ [٢] مات بعد (٨٠) وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٧/ ٣٧٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له التِّرمذيّ، وأمَّا أبو كريب فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وأبي ذرّ ﵁، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَر) الغِفَاريّ جُندب بن جُنادة ﵁، وفي رواية عند البخاريّ، عن زيد بن وهب: "حدّثنا والله أبو ذرّ بالرَّبَذَة"، بفتح الراء والموحّدة، بعدها معجمة: مكانٌ معروف من عَمَل المدينة النبويّة، وبينهما ثلاث مراحل، من طريق العراق، سكنه أبو ذرّ بأمر عثمان ﵄، ومات به في خلافته (١). (قَالَ:
стр. 11109
كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ) "الْحَرَّة" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء-: أرض ذات حجارة سُود، والجمع حِرَار، مثلُ كَلْبة وكِلاب، قاله الفيّوميّ (١).
وقال ابن الأثير: الحرّة: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سُودٌ كثيرة. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": الحرّة: مكان معروف بالمدينة، من الجانب الشماليّ منها، وكانت به الوقعة المشهورة في زمن يزيد بن معاوية، وقيل: الحرّة الأرض التي حجارتها سُود، وهو يَشْمَل جميعَ جهات المدينة التي لا عمارة فيها. انتهى (٣).
وقوله: (عِشَاءً) منصوب على الظرفيّة متعلّقٌ بـ "أمشي"؛ أي: وقت عشاء، أفادت هذه الرواية تعيين الزمان والمكان، وهذا يدلّ على أن قوله في رواية المعرور بن سُويد الماضية عن أبي ذرّ: انتهيت إلى النَّبيّ ﷺ ، وهو في ظلّ الكعبة، وهو يقول: "هم الأخسرون، ورب الكعبة … " الحديث، قصة أخرى مختلفة الزمان والمكان والسياق، أفاده في "الفتح" (٤).
(وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ) بضمّتين: الجبل المعروف، والجملة حاليّة (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "مَا) نافية (أُحِبُّ أَنَّ أُحُداً ذَاكَ عِنْدِي ذَهَب) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، أما الرفع، فعلى أنه خبر لـ "أَنّ" بعد خبر، أو هو الخبر، و "عندي" حال، أو هو خبر لمحذوف؛ أي: وهو ذهب، والجملة حال، وأما النصب فعلى الحال، وهذا مما جاز فيه وقوع الحال جامدةً؛ لكونه نوعاً لصاحبه، كهذا مالك ذهباً (٥). (أَمْسَى ثَالِثَةً) منصوب على الظرفيّة؛ أي: ليلةً ثالثة، والظرف متعلّقٌ بـ "أمسى"، وقوله: (عِنْدِي) خبر "أمسى"، وقوله: (مِنْهُ) نعت مقدّم على النكرة، فيُعرب حالًا، على حدّ قول الشاعر:
стр. 11110
لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلٌ
وقوله: (دِينَارٌ) اسم "أمسى" مؤخّرٌ (إِلَّا دِينَاراً) تقدَّم أن النصب والرفع فيه جائزان؛ لأن المستثنى منه مطلق عامّ، والمستثنى مقيَّدٌ خاص، فاتجه النصب، وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي.
ووقع في رواية سويد بن الحارث، عن أبي ذرّ: "وعندي منه دينار، أو نصف دينار"، وفي رواية سالم، ومنصور: "أَدَعُ منه قيراطاً، قال: قلت: قِنطاراً، قال: قيراطاً"، وفيه: ثم قال: "يا أبا ذر إنما أقول الذي هو أقلُّ".
ووقع في رواية الأحنف: "ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير".
فقال في "الفتح": ظاهره نفي محبة حصول المال، ولو مع الإنفاق، وليس مراداً، وإنما المعنى نفي إنفاق البعض مقتصراً عليه، فهو يحب إنفاق الكل إلا ما استثنى، وسائر الطرق تدلّ على ذلك، ويؤيده أن في رواية سليمان بن يسار، عن أبي هريرة عند أحمد: "ما يسرّني أن أحُدَكم هذا ذهباً أنفق منه كل يوم في سبيل الله، فيمرّ بي ثلاثة أيام، وعندي منه شيءٌ، إلا شيء أرصده لدَين".
ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد بالكراهة الإنفاق في خاصة نفسه، لا في سبيل الله فهو محبوب. انتهى (١).
(أَرْصدُهُ لِدَيْنٍ) أي: أُعِدّه، أو أحفظه، وتقدّم أن هذا الإرصاد أعمّ من أن يكون لصاحب دَين غائب، حتى يحضر فيأخذه، أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يَحُلَّ فيُوَفَّى.
(إِلَّا أَنْ أقولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ) هو استثناء بعد استثناء، فيفيد الإثبات، فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيَّدة بعدم الإنفاق، فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق، فما دام الإنفاق مستمِرًّا لا يكره وجود المال، وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر، ولو كان قدر أُحُدٍ، أو أكثر مع استمرار الإنفاق.
стр. 11111
[تنبيه]: "أقول" هنا، ومثله "قال" فيما يأتي ليس من القول بمعنى الكلام، بل معناه أَصرِفُ، أوأُفَرِّق، أوأُعطي، ونحو ذلك؛ لأن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتُطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده: أي: أخذه، وقال برجله: أي: مشى، وقال الشاعر:
وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً
أي: أومأت، وقال بالماء على يده: أي: قَلَبه، وقال بثوبه: أي: رفعه، وكلُّ ذلك على المجاز والاتساع، كما رُوي في حديث السَّهو: "قال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صَدَقَ"، قيل: إنهم أومأوا برؤوسهم؛ أي: نعم، ولم يتكلموا، وفيه نظرٌ تقدَّم في محلّه، ويقال: قال بمعنى أقبل، وبمعنى مات ومال، واستراح، وضرب، وغلب، وُيعبّر بها عن التهيّؤ للأفعال، والاستعداد لها، فيقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلّم، ونحو ذلك.
وقد نظمت معاني ما تأتي ما لفظة "قال"، فقلت:
تَجِيءُ "قَالَ" لِمَعَان تُجْتَلَى … تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … وِللتَّهَيُّؤِ لِفِعْل يُجْتَبَى
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ … فَاحْفَظْ فَإِنَّهَا مَعَال نَامِيَهْ
(هَكَذَا حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ") وفي رواية البخاريّ: "هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه"، قال في "الفتح": هكذا اقتصر على ثلاث، وحُمِل على المبالغة؛ لأن العطيّة لمن بين يديه هي الأصل، والذي يظهر لي أن ذلك من تصرفات الرواة، وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ثم وجدته في الجزء الثالث من "البشرانيات"، من رواية أحمد بن ملاعب، عن عُمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، بلفظ: "إلا أن أقول به في عباد الله، هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وأرانا بيده"، كذا فيه بإثبات الأربع، وقد أخرجه البخاريّ في "الاستئذان" عن عُمَر بن حفص مثله، لكن اقتَصَر من الأربع على ثلاث، وأخرجه أبو نعيم من طريق سهل بن بحر، عن عمر بن حفص، فاقتصر على ثنتين. انتهى.
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (ثُمَّ مَشَيْنَا، فَقَالَ) ﷺ ("يا أبا ذَرً"، قَالَ: قُلْتُ: لبّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ("إِنَّ الأكثَرِينَ هُمُ الْأَقلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وهكذا عند البخاريّ في
стр. 11112
رواية أبي شهاب، في "الاستقراض"، ورواية حفص في "الاستئذان" بلفظ: "هم الأقلّون" بالهمزة في الموضعين، وله من رواية عبد العزيز بن رُفَيع في "الرقاق": "إن المكثرين هم المقلون" بالميم في الموضعين، ولأحمد من رواية النُّعمان الغفاريّ، عن أبي ذر: "إن المكثرين الأقلون".
والمراد الإكثار من المال، والإقلال من ثواب الآخرة، وهذا في حقِّ مَن كان مكثراً، ولم يتصف بما دلّ عليه الاستثناء بعده من الإنفاق.
(إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا") معناه إلَّا مَن صرف المال على الناس يمينًا، وشمالاً، وأماماً (مِثْلَ مَا صنَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأولَى) أي: أشار مثل الإشارة السابقة، وهي الإشارة إلى ما بين يديه، وعن يمينه، وعن شماله.
وفي رواية البخاريّ: "إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه"، قال في "الفتح": وفي رواية أبي شهاب: "إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا، وأشار أبو شهاب بين يديه، وعن يمينه، وعن شماله"، وفي رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عند أحمد: "إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، فحثا عن يمينه، ومن بين يديه، وعن يساره".
فاشتملت هذه الروايات على الجهات الأربع، وإن كان كلٌّ منها اقتصر على ثلاث، وقد جمعها عبد العزيز بن رُفَيع في روايته، ولفظه: "إلا من أعطاه الله خيرًا- أي: مالاً- فنفح- بنون، وفاء، ومهملة؛ أي: أعطى كثيرًا بغير تكلُّف- يمينًا، وشمالاً، وبين يديه، ووراءه"، وبقي من الجهات فوق وأسفلُ، والإعطاء من قِبَلِ كُلّ منهما ممكن، لكن حُذِف لندوره.
وقد فَسَّر بعضهم الإنفاق من وراءه بالوصية، وليس قيداً فيه، بل قد يَقْصِد الصحيح الإخفاء، فيدفع لمن وراءه ما لا يعطي به مَن هو أمامه.
وقوله: "هكذا" صفة لمصدر محذوف؛ أي: أشار بيده إشارةً مثل هذه الإشارة.
وقوله: "عن يمينه … إلخ" بيان للإشارة، وخصّ "عن" باليمين والشمال؛ لأن الغالب في الإعطاء صدوره عن اليدين، وزاد في رواية عبد العزيز بن رُفيع: "وعَمِل فيه خيرًا"؛ أي: حسنة، وفي سياقه جناس تام في قوله: "أعطاه الله خيرًا"، وفي قوله: "وعمل فيه خيرًا"، فمعنى الخير الأول
стр. 11113
المال، والثاني الحسنة (١).
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (ثُمَّ مَشَيْنَا، قَالَ) ﷺ ("يَا أبا ذَرٍّ كَمَا أنتَ) الكاف بمعنى "على"؛ أي: كن واقفاً على ما أنت عليه الآن من المكان (حَتَّى آتِيَكَ") أي: إلى أن أتيك، وفي رواية البخاريّ: "ثم قال لي: مكانك، لا تبرح حتى آتيك".
فقوله: "مكانك" بالنصب؛ أي: الزم مكانك، وقوله: "لا تَبْرح" تأكيد لذلك، ورَفْع لتوهّم أن الأمر بلزوم المكان ليس عامًّا في الأزمنة، وقوله: "حتى آتيك" غاية للزوم المكان المذكور، وفي رواية حفص: "لا تبرح يا أبا ذر حتى أرجع"، ووقع في رواية عبد العزيز بن رُفيع: "فمشيت معه ساعة، فقال لي: اجلس ها هنا، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة"؛ أي: أرض سهلة مُطْمَئِنَّة.
(قَالَ) أبو ذرّ (فَانْطَلَقَ) أي: ذهب النَّبيّ ﷺ ، وفي رواية البخاريّ: "ثم انطلق في سواد الليل"، وفيه إشعار بأن القمر كان قد غاب (حَتَّى تَوَارَى عَنِّي) أي: غاب شخصه ﷺ عن أبي ذرّ ﵁، وفي رواية حفص: "حتى غاب عني"، وفي رواية عبد العزيز: "فانطلق في الحرّة- أي: دخل فيها- حتى لا أراه"، وفي رواية أبي شهاب: "فتقدَّم غير بعيد"، زاد في رواية عبد العزيز: "فأطال اللَّبْثَ".
(قَالَ) أبو ذرّ (سَمِعْتُ لَغَطاً) بفتحتين: كلام فيه جَلَبَةٌ، واختلاطٌ، ولا يتبيّن، يقال: لَغَطَ لَغَطاً، من باب نَفَعَ، وألغط بالألف لغة (٢)، فقوله: (وَسَمِعْتُ صَوْتاً) مؤكّد لما قبله، وفي رواية البخاريّ: "فسمعت صوتًا قد ارتَفَعَ" (قَالَ) أبو ذرّ (فَقُلْتُ: لَعَل رَسُولَ اللهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: تعرّض له أحد بسوء، وفي رواية البخاريّ: "فتخوّفت أن يكون أَحَدٌ عَرَضَ للنبيّ ﷺ ".
(قَالَ) أبو ذرّ (فَهَمَمْتُ) أي: قصدت، يقال: هَمْمتُ بالشيء هَمًّا، من باب نصر: إذا أردته، ولم تفعله، وفي الحديث: "لقد هممتُ أن أنهى عن
стр. 11114
الْغِيلةِ"؛ أي: عن إتيان المرضع (١). (أَنْ أتَّبِعَهُ) "أن" بالفتح مصدريّة، و "أتّبعه" بتشديد التاء، من الاتّباع، ويَحْتَمِل أن يكون بتخفيفها، من باب تَعِبَ، والمصدر المؤول مجرور بالباء المقدّرة؛ أي: هممتُ باتّباعه (قَالَ) أبو ذرّ (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: "لَا تَبْرَحْ) أي: لا تزل، يقال: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَحُ، من باب تَعِبَ بَرَاحاً: زال من مكانه (حَتَّى آتِيَكَ"، قَالَ) أبو ذرٍّ (فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ) وفي رواية البخاريّ: "قلت: يا رسول الله، لقد سمعت صوتًا تخوّفت، فذكرت له"، وفي رواية عبد العزيز بن رُفيع التالية: "ثمّ إني سمعته وهو يقول: وإن سرق وإن زنى، فقلت: يا رسول الله، من تكلم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئًا".
(قَالَ) أبو ذرّ (فَقَالَ) ﷺ ("ذَاكَ) أي: الذي سمعت صوته، أو الذي كنت أخاطبه (جِبْرِيلُ) ﵇ (أتانِي) زاد في رواية حفص عند البخاريّ: "فأخبرني"، ووقع في رواية عبد العزيز التالية: "عَرَضَ لي في جانب الحرّة، فقال: بَشِّر أمتك"، قال الحافظ: "ولم أر لفظ التبشير في رواية الأعمش". انتهى.
(فَقَالَ) جبريل ﵇ (مَنْ) شرطيّة (مَاتَ مِنْ أمّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً) وقوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) جواب الشرط، رَتَب دخولَ الجنة على الموت بغير إشراك بالله تعالى، وقد ثبت الوعيد بدخول النار لمن عَمِلَ بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عَمِلها فلذلك وقع الاستفهام بقوله: "قلت: وإن زنى … إلخ".
(قَالَ) ﷺ (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالك ﵀: حرف الاستفهام في أول هذا الكلام مقدَّرٌ، ولا بُدّ من تقديره، وقال غيره: التقدير أَوَ إن زنى، أَوَ إن سرق دخل الجنة؟، وقال الطيبيّ: أَدَخَل الجنة، وإن زنى وإن سرق؟ والشرط حال، ولا يذكر الجواب مبالغة وتتميماً لمعنى الإنكار.
(قَالَ) جبريل ﵇ (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ") وفي رواية عبد العزيز التالية: قلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال: نعم، وكررها ثلاثًا، وزاد في آخر الثالثة: "وإن شَرِبَ الخمر"، وكذا وقع التكرار ثلاثًا في رواية أبي
стр. 11115
الأسود، عن أبي ذرٍّ ﵁ عند البخاريّ في "اللباس"، لكن بتقديم الزنا على السرقة، كما في رواية الأعمش هنا، ولم يقل: "وإن شرب الخمر"، ولا وقعت في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود: "على رَغْم أنف أبي ذرّ، قال: وكان أبو ذر إذا حَدث بهذا الحديث يقول: وإن رُغِم أنفُ أبي ذر".
وزاد حفص بن غياث في روايته، عن الأعمش، قال الأعمش: قلت لزيد بن وهب: إنه بلغني أنه أبو الدرداء، قال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالرَّبَذَة، قال الأعمش: وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه.
وأخرجه أحمد عن ابن نُمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء، بلفظ: "إنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، نحوه، وفيه: "وإن رغم أنف أبي الدرداء".
[تنبيه]: قال الإمام البخاري ﵀ في بعض النسخ عقب رواية حفص: حديثُ أبي الدرداء مرسلٌ، لا يصحّ، إنما أردنا للمعرفة؛ أي: إنما أردنا أن نذكره للمعرفة بحاله، قال: والصحيح حديث أبي ذرّ، قيل له: فحديث عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء؟ فقال: مرسل أيضًا، لا يصحّ، ثم قال: اضربوا على حديث أبي الدرداء.
قال الحافظ ﵀: فلهذا هو ساقط من معظم النسخ، وثبت في نسخة الصغاني، وأوله: قال أبو عبد الله: حديث أبي صالح، عن أبي الدرداء مرسل، فساقه … إلخ.
ورواية عطاء بن يسار التي أشار إليها، أخرجها النسائي، من رواية محمد بن أبي حَرْملة، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، "أنه سمع النَّبيّ ﷺ ، وهو يقُصّ على المنبر يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، فقلت: وإن زنى، وإن سرق يا رسول الله؟ قال: "وإن زنى، وإن سرق"، فأعدت فأعاد، فقال في الثالثة قال: "نعم، وإن رغم أنف أبي الدرداء"، وقد وقع التصريح بسماع عطاء بن يسار له، من أبي الدرداء، في رواية ابن أبي حاتم، في "التفسير"، والطبرانيّ في "المعجم"، والبيهقيّ في "الشعب"، قال البيهقيّ: حديث أبي الدرداء هذا غير حديث أبي ذرّ، وإن كان فيه بعض معناه.
стр. 11116
قال الحافظ: وهما قصتان متغايرتان، وإن اشتركتا في المعنى الأخير، وهو سؤال الصحابيّ بقوله: "وإن زنى، وإن سرق"، واشتركا أيضًا في قوله: "وإن رغم"، ومن المغايرة بينهما أيضًا وقوع المراجعة المذكورة بين النَّبيّ ﷺ وجبريل في رواية أبي ذرّ دون أبي الدرداء، وله عن أبي الدرداء طرُق أخرى:
منها: للنسائيّ من رواية محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي الدرداء، نحو رواية عطاء بن يسار.
ومنها: للطبرانيّ من طريق أم الدرداء، عن أبي الدرداء، رفعه بلفظ: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، فقال أبو الدرداء: وإن زنى، وإن سرق؟ فقال النَّبيّ ﷺ : "وإن زنى، وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء".
ومن طريق أبي مريم، عن أبي الدرداء نحوه.
ومن طريق كعب بن ذهل: سمعت أبا الدرداء، رفعه: "أتاني آت من ربي، فقال: من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه، ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، فقلت: يا رسول الله وإن زنى، وإن سرق؟ قال: نعم، ثم ثلثت، فقال: على رغم أنف عويمر، فرددها، قال: فأنا رأيت أبا الدرداء يضرب أنفه بإصبعه".
ومنها: لأحمد من طريق واهب بن عبد الله المعافريّ، عن أبي الدرداء رفعه: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء، قال: فخرجت لأنادي بها في الناس، فلقيني عمر، فقال: ارجع فإن الناس إن يَعْلَمُوا بهذا اتكلوا عليها، فرجعت، فأخبرت النَّبيّ ﷺ ، فقال: صدق عمر" (١).
وقد وقعت هذه الزيادة الأخيرة لأبي هريرة ﵁، وقد تقدَّم البحث فيها مستوفى في "كتاب الإيمان"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11117
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٣٠٤ و ٢٣٠٥] (٩٤) وتقدّم مختصراً في "كتاب الإيمان" من طريق أخرى برقم [٤٢/ ٢٧٩] (٩٤)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٣٧) و "الاستقراض" (٢٣٨٨) و "بدء الخلق" (٣٢٢٢) و "الاستئذان" (٦٢٦٨) و "الرقاق" (٦٤٤٣ و ٦٤٤٤) و "اللباس" (٥٨٢٧) و "التوحيد" (٧٤٨٧)، و (التِّرمذيّ) في "الزكاة" (٢٦٤٤)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١١٨ و ١١١٩ و ١١٢١ و ١١٢٢ و ١١٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٢ و ١٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩ و ١٧٠ و ١٩٥ و ٢١٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٨ و ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الترغيب في الصدقة، والحثّ عليها.
٢ - (ومنها): بيان أدب أبي ذرّ ﵁ مع النَّبيّ ﷺ ، وترقبه أحواله، وشفقته عليه، حتى لا يدخل عليه أدنى شيء مما يتأذَّى به.
٣ - (ومنها): بيان حسن الأدب مع الأكابر، وأن الصغير إذا رأى الكبير منفردًا لا يتسوَّر عليه، ولا يجلس معه، ولا يلازمه إلا بإذن منه، وهذا بخلاف ما إذا كان في مَجْمَع، كالمسجد، والسوق، فيكون جلوسه معه بحسب ما يليق به.
٤ - (ومنها): بيان جواز تكنية المرء نفسه لغرض صحيح، كأن يكون أشهر من اسمه، ولا سيما إن كان اسمه مشتركاً بغيره، وكنيته فردةً.
٥ - (ومنها): جواز تفدية الصغير الكبير بنفسه وبغيرها.
٦ - (ومنها): جواز إجابة المنادي بمثل لبيك وسعديك زيادة في الأدب.
٧ - (ومنها): مشروعيّة الانفراد عند قضاء الحاجة.
٨ - (ومنها): بيان أن امتثال أمر الكبير، والوقوف عنده أولى من ارتكاب
стр. 11118
ما يخالفه بالرأي، ولو كان فيما يقتضيه الرأي توَهُّم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك، فيكون دفع المفسدة أولى.
٩ - (ومنها): استفهام التابع من متبوعه على ما يحصل له فائدة دينية، أو علمية، أو غير ذلك.
١٠ - (ومنها): الأخذ بالقرائن؛ لأن أبا ذرّ ﵁ لما قال له النَّبيّ ﷺ : "أَتُبْصِر أُحُداً؟ " فَهِم منه أنه يريد أن يرسله في حاجة، فنظر إلى ما على أُحُدٍ من الشَّمس؛ ليعلم هل يبقى من النهار قدر يسعها.
١١ - (ومنها): أن محل الأخذ بالقرينة إن كان في اللفظ ما يُخَصِّص ذلك، فإن الأمر وقع على خلاف ما فهمه أبو ذرّ من القرينة، فيؤخذ منه أن بعض القرائن لا يكون دالًّا على المراد، وذلك لضعفه.
١٢ - (ومنها): أن فيه المراجعةَ في العلم بما تقرَّر عند الطالب في مقابلة ما يسمعه، مما يخالف ذلك؛ لأنه تقرّر عند أبي ذرّ ﵁ من الآيات، والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار، وبالعذاب، فلما سمع أن من مات لا يشرك دخل الجنة استَفْهَم عن ذلك بقوله: "وإن زنى وإن سرق"، واقتَصَرَ على هاتين الكبيرتين؛ لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله، وحق العباد، وأما قوله في الرواية الأخرى: "وإن شرب الخمر"، فللإشارة إلى فُحْش تلك الكبيرة؛ لأنها تؤدِّي إلى خلل العقل الذي شُرِّف به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر.
١٣ - (ومنها): أن الطالب إذا ألحّ في المراجعة يُزْجَر بما يليق به أخذاً من قوله: "وإن رَغِم أنف أبي ذرّ".
١٤ - (ومنها): أنه قد حَمَلَ هذا الحديث البخاريّ ﵀ على من تاب عند الموت، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاة على المعصية، والأول هو وَفْقُ ما فهمه أبو ذرّ ﵁، والثاني أولى؛ للجمع بين الأدلة، ففي الحديث حُجّةٌ لأهل السنة، ورَدّ على من زعم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات عن غير توبة يُخَلَّد في النار.
قال الحافظ ﵀: لكن في الاستدلال به لذلك نظر؛ لما مر من سياق
стр. 11119
كعب بن ذُهل، عن أبي الدرداء أن ذلك في حقّ مَن عمل سوءاً، أو ظَلَم نفسه، ثم استغفر، وسنده جَيِّدٌ عند الطبراني.
وحمله بعضهم على ظاهره، وخَصّ به هذه الأمة؛ لقوله فيه: "بَشِّر أمتك"، و "أن من مات من أمتي".
وتُعُقِّب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عصاة هذه الأمة يعذبون، ففي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "المفلس من أمتي … " الحديث.
وفيه تَعَقب على من تأوّل في الأحاديث الواردة في أن من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، وفي بعضها: حُرِّم على النار؛ أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، والأمر، والنهي، وهو مروي عن سعيد بن المسيِّب، والزهريّ.
ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه، فهو على خلاف هذا التأويل.
وحمله الحسن البصري على من قال الكلمة، وأدَّى حقها بأداء ما وجب، واجتناب ما نُهِي، ورجحه الطيبيّ، إلا أن هذا الحديث يَخْدُش فيه.
وأشكل الأحاديث، وأصعبها قوله: "لا يلقى الله بهما عبدٌ، غير شاكّ فيهما، إلا دخل الجنة"، وفي آخره: "وإن زنى وإن سرق".
وقيل: أشكلها حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم بلفظ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار"؛ لأنه أتى فيه بأداة الحصر، و "مِن" الاستغراقية، وصَرح بتحريم النار، بخلاف قوله: "دخل الجنة"، فإنه لا ينفي دخول النار أوّلاً، قال الطيبيّ: لكن الأول يترجح بقوله: "وإن زنى وإن سرق"؛ لأنه شرط لمجرد التأكيد، ولا سيما وقد كَرَّره ثلاثًا مبالغةً، وخُتم بقوله: "وإن رغم أنف أبي ذرّ"؛ تتميماً للمبالغة، والحديث الآخر مطلق يقبل التّقييد، فلا يقاوم قوله: "وإن زنى وإن سرق".
وقال النووي ﵀ بعد أن ذكر المتون في ذلك، والاختلاف في هذا الحكم: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقناً بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دَيِّناً، أو سليماً من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحُرِّم على النار، وإن كان من المخلِّطين بتضييع الأوامر، أو بعضها، وارتكاب النواهي، أو بعضها، ومات عن غير توبة، فهو في خطر
стр. 11120
المشيئة، وهو بصدد أن يُمْضَى عليه الوعيدُ إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة. انتهى.
وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره: وإن زنى وإن سرق دخل الجنة، لكنَّه قبل ذلك إن مات مصرًّا على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثاني: حرّمه الله على النار إلا أن يشاء الله، أو حرّمه على نار الخلود، والله أعلم.
قال الطيبيّ: قال بعض المحقّقين: قد يُتَّخَذ من أمثال هذه الأحاديث المبطلة ذريعةٌ إلى طرح التكاليف، وإبطال العمل ظنًّا أن ترك الشرك كافٍ، وهذا يستلزم طيّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع عن الدين، والانحلال عن قيد الشريعة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سُدًى مُهْمَلين، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا، بعد أن يفضي إلى خراب الأخرى، مع أن قوله في بعض طرق الحديث: "أن يعبدوه"، يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: "ولا يشركوا به شيئًا"، يشمل مسمى الشرك الجليّ والخفيّ، فلا راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحْمَل مطلقها على مقيّدها؛ ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق (١).
١٥ - (ومنها): أن فيه جواز الحلف بغير تحليف، ويستحب إذا كان لمصلحة، كتأكيد أمر مهمّ، وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وفي قوله في بعض طرقه: "والذي نفس محمد بيده" تعبير الإنسان عن نفسه باسمه، دون ضميره، وقد ثبت بالضمير في الطريق الأخرى: "والذي نفسي بيده"، وفي الأول نوع تجريد، وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن نفسه، وهي أعز الأشياء عليه بيد الله تعالى، يتصرف فيها كيف يشاء، استَشْعَر الخوف منه، فارتدع عن الحلف على ما لا يتحققه، ومن ثَمّ شُرع تغليظ الإيمان بذكر الصفات الإلهية، ولا سيما صفات الجلال.
١٦ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير، وأن النَّبيّ ﷺ
стр. 11121
كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا، بحيث إنه لا يُحِبّ أن يبقى بيده شيء من الدنيا، إلا لإنفاقه فيمن يستحقه، وإما لإرصاده لمن له حقّ، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية همام، عن أبي هريرة ﵁ بقوله: "أجد من يقبله" (١).
١٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء؛ إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يَعْزِل القدر الواجب من ماله، ويجتهد في حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير في حبسه.
١٨ - (ومنها): أن فيه تقديمَ وفاء الدين على صدقة التطوع.
١٩ - (ومنها): جواز الاستقراض، وقيده ابن بطال باليسير؛ أخذاً من قوله: "إلا ديناراً"، قال: ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصُد لأدائه ديناراً واحدًا؛ لأنه كان أحسن الناس قضاءً، قال: ويؤخذ من هذا أنه لا ينبغي الاستغراق في الدين، بحيث لا يجد له وفاءً، فيَعْجِز عن أدائه.
وتُعُقِّب بأن الذي فَهِمه من لفظ الدينار من الوحدة ليس كما فَهِم، بل إنما المراد به الجنس، وأما قوله في الرواية الأخرى: "ثلاثة دنانير"، فليست الثلاثة فيه للتقليل، بل للمثال، أو لضرورة الواقع، وقد قيل: إن المراد بالثلاثة أنها كانت كفايته فيما يحتاج إلى إخراجه في ذلك اليوم، وقيل: بل هي دينار الدَّين، كما في الرواية الأخرى: "ودينار للإنفاق على الأهل، ودينار للإنفاق على الضيف"، ثم المراد بدينار الدَّين الجنس، ويؤيده تعبيره في أكثر الطرق بالشيء على الإبهام، فيتناول القليل والكثير.
٢٠ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على وفاء الديون، وأداء الأمانات.
٢١ - (ومنها): جواز استعمال "لو" عند تمني الخير، وحملُ الحديث
стр. 11122
الوارد في النهي عن استعمال "لو" على ما يكون في أمر غير محمود شرعًا.
٢٢ - (ومنها): أنه ادَّعَى المهلَّب أن قوله في رواية الأحنف، عن أبي ذرّ: "أَتُبصِر أُحُداً؟ قال: فنظرت ما عليه من الشَّمس … " الحديث أنه ذُكِر للتمثيل في تعجيل إخراج الزكاة، وأن المراد ما أحِب أن أَحْبِس ما أوجب الله عليَّ إخراجه بقدر ما بقي من النهار.
وتعقبه القاضي عياض، فقال: هو بعيد في التأويل، وإنما السياق بَيِّنٌ في أنه ﷺ أراد أن ينبهه على عِظَم أُحُدٍ ليضرب به المثل في أنه لو كان قدره ذهباً ما أحب أن يُؤَخَّر عنده إلا لما ذُكِر من الإنفاق، والإرصاد، فظنّ أبو ذر أنه يريد أن يبعثه في حاجة، ولم يكن ذاك مراداً إذ ذاك كما تقدم.
وقال القرطبيّ: إنما استفهمه عن رؤيته ليستحضر قدره حتى يُشَبّه له ما أراد بقوله: "لو كان لي مثله ذهباً".
٢٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: قد يَحْتَجّ به مَن يُفَضِّل الفقر على الغني، وقد يَحْتَجّ به مَن يُفَضِّل الغني على الفقر، ومأخذ كل منهما واضح من سياق الخبر.
٢٤ - (ومنها): أن فيه الحضَّ على إنفاق المال في الحياة، وفي الصحة، وترجيحه على إنفاقه عند الموت، وسيأتي فيه حديث: "أن تَصَدَّق، وأنت صحيحٌ شحيح" (١)، وذلك أن كثيرًا من الأغنياء يَشِحّ بإخراج ما عنده ما دام في عافية، فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه، وقهر نفسه؛ إيثاراً لثواب الآخرة فاز، ومَن بَخِلَ بذلك لم يَأمَنِّ الجور في الوصيَّة، وإن سَلِمَ لم يأمن تأخير تنجيز ما أوْصَى به، أو تركه، أو غير ذلك من الآفات، ولا سيما إن خلف وارثاً غير مُوَفَّق فيبذره في أسرع وقت، ويبقى وباله على الذي جمعه، والله المستعان (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] (ت ١٠٣) وقيل: بعدهاً (ع) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَان) تأكيد لقوله: "وحده"، ويَحْتَمِل أن يكون لرفع توهّم أن يكون معه أحد من غير جنس الإنسان، من ملك، أو جنيّ.
وقوله: (فِي ظِل الْقَمَرِ) أي: في المكان الذي ليس للقمر فيه ضوء؛ ليُخفِي شَخْصه، وإنما استمر يمشي؛ لاحتمال أن يطرأ للنبيّ ﷺ حاجة، فيكون قريبًا منه.
وقوله: (فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ ") كأنه ﷺ رأى شخصه، ولم يتبيّن له من هو؟.
وقوله: (فَقُلْتُ: أبو ذَرٍّ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أنا أبو ذر.
وقوله: (تَعَالَه) بهاء السكت، قال الداوديّ: فائدة الوقوف على هاء السكت أن لا يقف على ساكنين، نقله ابن التين، وتُعُقّب بأن ذلك غير مطّرد.
وقوله: (إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْراً) أي: مالاً.
وقوله: (فَنَفَحَ فِيهِ) بالفاء، والحاء المهملة، ومعناه: أعطى، وأصله الرمي بالشيء؛ يعني: أنه ضرب يديه فيه بالعطاء.
وقوله: (يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَرَاءَهُ) كلّها منصوبة على الظرفيّة، معمولة لـ "نَفَحَ"، وذكر الجهات كناية عن كثرة العطاء، فكأنه يعطي السُّؤَّال من أي جهة أتوه (١).
وقوله: (وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) أي: طاعة لله تعالى، وقال النوويّ ﵀: المراد بالخير الأول المال، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨]؛ أي: المال، والمراد بالخير الثاني طاعة الله تعالى، والمراد بيمينه وشماله ما سَبَق أنه جميع وجوه المكارم والخير.
وقوله: (فَأجْلَسَني في قَاعٍ) القاع: المستوي من الأرض في انخفاض.
يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلإخْوَتكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ، وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا وَرَبِّكَ، لَا أَسْألهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى ألحَقَ بِاللهِ وَرَسُوله).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصرىّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
٥ - (الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ) بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر البصريّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، وقيل: الحارث، والأحنف لقب، ثقة مخضرم [٢].
أدرك النَّبيّ ﷺ ، ولم يسلم، وُيرْوَى بسند لَيِّن أن النَّبيّ ﷺ دعا له، رَوَى عن عمر، وعليّ، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأبي ذرّ ﵃، وغيرهم.
وروى عنه الحسن البصريّ، وأبو العلاء بن الشِّخِّير، وطَلْق بن حَبِيب، وغيرهم.
قال الحسن: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف، ومناقبه كثيرة، وحِلْمُه يُضْرَب به الْمَثَلُ، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، قال: وكان ثقةً مأموناً قليل الحديث، وذكر الحاكم أنه الذي افتَتَحَ مَرْوَ الرُّوذ، وقال مصعب بن الزبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد في "الزهد": حدّثنا أبو عُبيدة الحداد، ثنا عبد الملك بن مَعْن، عن خير بن حبيب، أن الأحنف بَلَّغَهُ رجلان دعاء النبي ﷺ له فسجد، ومن طريق الحسن، عن الأحنف قال: لست بحليم، ولكني أتحالم.
стр. 11127
قيل: مات سنة (٦٧) وقيل: سنة (٧٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٩٢) وأعاده بعده، و (٢٦٧٠): "هلك المتنطّعون … "، و (٢٨٨٨): "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما … "، وأعاده بعده.
٦ - (أبو ذَرّ) الغفاريّ ﵁ تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وأبي ذرّ ﵁، فرَبَذِيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين البصريين الثقات روى بعضهم عن بعض: الجريريّ، عن أبي العلاء، عن الأحنف، وأن الأحنف هذا أول محلّ ذكره في الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) سعيد بن إياس (عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير (عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ) ووقع عند البخاريّ، من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه التصريح بالتحديث من الجريريّ، وأبي العلاء، ولفظه: "وحدّثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا الْجُريريّ، حدّثنا أبو العلاء بن الشِّخِّير، أن الأحنف بن قيس حدّثهم، قال: جلست إلى مل! من قريش … " (قَالَ) الأحنف (قَدِمْتُ) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة (فَبَيْنَا) هي "بين " الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم البحث فيها مستوفى غير مرّة (أنا فِي حَلْقَةٍ) بسكون اللام، وحكى الجوهريّ لُغيّة رديئة في فتحها؛ أي: بين أوقاتي قعودي في حلقة، قاله النوويّ ﵀ (١).
стр. 11128
(فِيهَا مَلَأٌ- بفتح الميم- مهموزاً: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لكَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبةً، والجمع أملاءٌ، مثلُ سَبَب وأسباب (١).
(مِنْ) للبيان مع التبعيض (قُرَيْشٍ) أي: من قبيلة قريش، وهم مَن ولدهم النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: هم بنو فهر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، والأول قول الأكثرين، والثاني أصحّ، كما قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة":
أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
(إِذْ) بكسر، فسكون هي الْفُجائيّة (جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ) بالخاء المعجمة، من الخُشُونة، وهو ضدّ اللين (أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ) قال النوويّ ﵀: هو بالخاء والشين المعجمتين في الألفاظ الثلاثة، ونقله القاضي هكذا عن الجمهور، وهو من الخشونة، قال: وعند ابن الحذّاء في الأخير خاصّةً "حَسَنُ الوجه"، من الحسن، ورواه القابسيّ في البخاريّ "حَسَنُ الشعر، والثياب، والهيئة"، من الحسن، ولغيره "خَشِنُ" من الخشونة، وهو أصوب. انتهى.
ولفظ البخاريّ: "فجاء رجل خَشِن الشعر، والثياب، والهيئة"، قال في "الفتح": قوله: "خشن الشعر … إلخ " كذا للأكثر بمعجمتين، من الخشونة، وللقابسي بمهملتين، من الحسن، والأول أصح؛ لأنه اللائق بزيّ أبي ذرّ ﵁، قال: وليعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال، عن الأحنف، قَدِمتُ المدينة، فدخلت مسجدها؛ إذ دخل رجل آدم، طُوال، أبيض الرأس واللحية، يشبه بعضه بعضأ، فقالوا: هذا أبو ذرّ. انتهى (٢).
(فَقَامَ) أي: وقف (عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) بالنون والزاي، من كَنَزَ يَكْنِزُ، من باب ضرب، في المشهور، وحكى بعضهم أيضًا أنه من باب
стр. 11129
نصر (١)، وفي رواية الإسماعيليّ: "بَشِّر الكَنَّازين" بتشديد النون، جمع كَنّاز مبالغةُ كانز، وقال ابن قرقول: وعند الطبريّ، والهرويّ: "الكاثرين" بالثاء المثلثة والراء، من الكثرة، والمعروف هو الأول.
وقوله: "بَشِّر" من باب التهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٢] و [التوبة: ٤٣] و [الانشقاق: ٤٢] (٢).
قال النوويّ ﵀: أما قوله: "بَشِّر الكانزين"، فظاهره أنه أراد الاحتجاج لمذهبه في أن الكنز كلُّ ما فَضَل عن حاجة الإنسان، هذا هو المعروف من مذهب أبي ﵁، وروي عنه غيره، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الكنز هو المال الذي لم تؤدَّ زكاته، فأما إذا أديت زكاته، فليس بكنز، سواءٌ كَثُر أم قلّ.
وقال القاضي عياض: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله القاضي باطل؛ لأن السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم، ولم يخونوا في بيت المال، إنما كان في زمنه اْبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، وتُوُفّي في زمن عثمان ﵁ سنة ثنتين وثلاثين. انتهى (٣).
(بِرَضْفٍ) بفتح الراء، وسكون المعجمة، بعدها فاء: هي الحجارة الْمُحْمَاةُ، واحدها رَضْفَة (يُحْمَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يوقد (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الكنز (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) في "جهنّم " مذهبان لأهل العربية: أحدهما أنه اسم عجمئ فلا ينصرف؛ للعُجْمة، والعلميّة، قال الواحديّ: قال يونس: وأكثر النحويين هي أعجمية، لا تنصرف؛ للتعريف والعجمة، وقال آخرون: هو اسم عربيٌّ، سُفيت به؛ لبعد قَعْرها، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث، قال قطرب، عن رؤبة: يقال: بئر جِهِنّامٌ: أي: بعيدة القَعْر، وقال الواحديّ في موضع آخر: قال بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ
стр. 11130
الوجه؛ أي: غليظه، وسُمِّيت جهنم؛ لغلظ أمرها في العذاب (١).
(فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) الْحَلَمة: هي اللحمة الناتئة على رأس الثدي، قال الفيّوميّ ﵀: الْحَلَمُ -بفتحئين-: الْقُرَاد الضَّخْمُ، الواحدة حَلَمَةٌ، مثلُ قَصَب وقَصَبَؤ، وقيل لرأس الثدي، وهي اللَّحْمة الناتئة حَلَمَةٌ على التشبيه بقدرها، قال الأزهريّ، والْحَلَمة: الْحَبّةُ على رأس الثدي من المرأة، ورأس الثَّنْدُوة من الرجل. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز استعمال الثَّدْي في الرجُل، وهو الصحيح، ومن أهل اللغة من أنكره، وقال: لا يقال ثَدْيٌ إلا للمرأة، ويقال في الرجل: ثَنْدُوَة، وقد سبق بيان هذا مبسوطًا في "كتاب الأيمان" في حديث الرجل الذي قَتَلَ نفسه بسيفه، فجعل ذُبابه بين ثدييه، وسبق أن الثَّدْيَ يُذَكَّر ويؤنث، قاله النووي ﵀ (٣).
(حَتى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ) بضم النون، وسكون المعجمة، بعدها ضاد معجمة: العظنم الدقيق الذي على طَرَف الكتف، وقيل: هو أعلى الكتف، ويقال له الناغض؛ أيضًا، قال الخطابيّ: هو الشاخص منه، وأصل النُّغْض الحركة، فسُمِّي ذلك الموضع نُغْضاً؛ لأنه يتحرك بحركة الإنسان، من قولهم: أنغض رأسه: أي: حرّكه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٥١]؛ أي: يُحرّكونها استهزاءً (٤). (وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ) بزايين معجمتين: أي: يضطرب، ويتحرّك؛ يعني: أن الرَّضْفَ يتزلزل من النُّغْض إلى الْحَلَمَة، وفي رواية الإسماعيليّ: "فيتجلجل " بجيمين، قال القاضي عياضٌ ﵀: قيل: معناه أنه بسبب نضجه يتحرك؛ لكونه يهتري، قال: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرَّضْف؛ أي: يتحرك من نُغْض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
ووقع في بعض النسخ: "على حلمة ثدي أحدهم -إلى قوله-: حتى
стр. 11131
يخرج من حلمة ثدييه" بإفراد الثدي في الأول، وتثنيته في الثاني، وكلاهما صحيح (١).
(قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ) أي: أطرقوها متخشّعين، أو مستثقلين، يدلّ عليه قوله: "إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا"
(فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَع إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: ما رَدُّوا عليه شيئًا مما حدَّثهم ذلك الرجل؛ لأنه صحابيّ ثقةٌ عدل عندهم، فما أخبرهم به لا يكون إلا صدقًا، أو لكراهتهم مناقشته في ذلك (قَالَ) الأحنف (فَأَدْبَرَ) أي: ولّى الرجل بعد أن أخبرهم بما ذُكر (وَاتبَعْتُهُ) أي: لأتبيّن من هو؟، ففي رواية البخاريّ: وأنا لا أدري من هو؟ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيةٍ) هي الأسطوانة، والجمع سَوَارٍ، مثلُ جاريةٍ وجَوَارٍ (فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ) لعل ذلك أنهم يرون أن الوعيد الذي ذكّرهم لا ينطبق عليهم، حيث إنهم يؤدّون الزكاة، وما أدّيت زكاته فليس بكنز، فمذهبهم خلاف مذهب أبي ذرّ ﵁، فهو وإن حدّثهم بالصدق، إلا أنه فهم منه الإطلاق، وهم فهموا منه التقييد بما لم تُؤدّ زكاته، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁، وفي نسخة: "فقال" (إِن هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) بَيَّن وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا … إلخ.
وفي الرواية التالية من طريق خُلَيد الْعَصَريّ، عن الأحنف، فقلت: إ من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرّ، فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم ﷺ "، وفي هذه الزيادة رَدّ لقول من قال: إنه موقوف على أبي ذرّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد من طريق يزيد الباهليّ، عن الأحنف: "كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يَفِرّ منه الناس حين يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذرّ، قلت: ما نفر الناس عنك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله ﷺ ".
(إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "أترَى أحُدًا؟ ") بضقتين الجبل المعروف بالمدينة، وإنما استفهمه عن رؤيته؛ لتحقّق رؤيته حتى يشبّه له
стр. 11132
به ما أراده بقوله: "ما يسُرّني أن لي … إلخ" (فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) ثم بيّن سبب نظره الشمس، بقوله: (وَأنَا أَظُنُّ أنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ) يعني: أنه ظنّ أنه ﷺ يرسله إلى أُحُد لقضاء حاجة، فاراد أن يعلم قدر الباقي من الوقت، هل يكفيه للذهاب والرجوع أم لا؟ (فَقُلْتُ: أَرَاهُ) أي: أُحُدًا (فَقَالَ) ﷺ ("مَا) نافية (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: يُفرِحني (أَن لِي مِثْلَهُ) أي: مثل احُد (ذَهَبًا) منصوب على التمييز (أنْفِقُهُ كُلَّهُ) بالنصب توكيد للضمير المنصوب (إِلا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ") قال القرطبيّ ﵀، ﵀: يعني: دينارًا يرصُده لدين؛ أي: يؤخّره، ودينارًا لأهله، ودينارًا لإعتاق رقبة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا فسّر القرطبيّ الثلاثة الدنانير بهذا التفسير، ولم يذكر مُستنده في ذلك، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر احتجاج أبي ذرّ ﵁ بهذا الحديث وشبهه أن الكنز المتوعّد عليه هو جَمْعُ ما فَضَلَ عن الحاجة، وهكذا نُقل من مذهبه، وهو من شدائده ﵁، ومما انفرد به، وقد رُوي عنه خلاف ذلك، وحُمِل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هَجَرهم، وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن حمل إنكار أبي ذرّ ﵁ على سلاطين وقته باطلٌ؛ لأنهم هم الخلفاء الراشدون، فلا يمكن أن يفعلوا ذلك، بل الصواب أن مذهب أبي ذرّ ﵁ أنه يرى أن أخذ ما فضل عن حاجة الإنسان يُعتبر من الكنز المتوعّد عليه، وهذا تشدّد منه ﵁.
(قَالَ) الأحنف (قُلْتُ: مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ثبتٌ لك (وَلِإخْوَتك مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ) أي: تزورهم وتأتيهم تطلب حاجتك منهم، يقال: عَرَوْته واعتروته، واعتريته، واعتررته براءين: إذا أتيته تطلب حاجتك منه، ومن الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهو الزائر، وقوله: (وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟) مؤكّد لما قبله؛ أي: تأخذ من أموالهم
стр. 11133
حاجتك (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلهُمْ) "لا" الأولى نافية، والثانية مؤكّدة لها، فُصِل بينهما بالقسم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وقوله: (عَنْ دُنْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول "عن دُنيا"، وفي رواية البخاريّ: "لا أسألهم دُنيا" بحذف "عن"، وهو الأجود؛ أي: لا أسألهم شيئًا من متاع دنياهم (١). (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) أي: لا أستفتيهم، وأطلب منهم أن يُفتوني عن أمرٍ دينيّ (حَتَّى ألحَقَ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولهِ) ﷺ ؛ أي: حتى أموت، أراد أبو ذرّ ﵁ بذلك أنه مستغن عنهم دُنيا ودينًا، أما من حيث الدنيا، فإنه لا حاجة فيها؛ لكونه لا يأخذ منها إلا قوته، وأما من حيث الدين، فإنه أعلم منهم؛ لكونه عاش مع النبيّ ﷺ طويلًا، وعلّمه من أمور الدين ما يُغنيه عن سؤال غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٣٠٦ و ٢٣٠٧] (٩٩٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٠ و ١٦٧ و ١٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٥٩ و ٣٢٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧٣ - ٧٤)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو
стр. 11134
ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: "بَشّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أقفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ"، قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى، فَقَعَدَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيهِمْ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ، فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السعديّ العُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ) هو: خُليد بن عبد الله، أبو سُليمان البصريّ، يقال له: مولى لأبي الدرداء، صدوق يُرسل [٤].
رَوَى عن عليّ، وسلمان، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، والأحنف، وزيد بن صوحان، وقرأ عليه القرآن.
وروى عنه أبان بن أبي عياش، وأبو الأشهب العُطَارديّ، وعوف الأعرابيّ، وقتادة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: لم يسمع خُليد بن عبد الله من سلمان، قال: فقلت: يقول: لَمّا ورد علينا سلمان، قال: يعني: بالبصرة. انتهى.
قال الحافظ: وعلى هذا فيبعد سماعه من عليّ، وأبي ذرّ ﵄، وأما أبو الدرداء ﵁، فقال ابن حبان في "الثقات" لما ذكره: يقال: إن هذا مولى لأبي الدرداء ﵁.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديث واحد فقط.
[تنبيه]: قوله: "الْعَصَريّ" -بفتح العين، والصاد المهملتين-: منسوب إلى بني عَصَر، وهو بطن من عبد القيس، وهو عَصَر بن عوف بن عمرو بن
стр. 11135
عوف بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاله في "اللباب" (١).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ) "الكيّ" بفتح الكاف، وتشديد الياء التحتانيّة: مصدر كَوَى، يقال: كواه يَكْويه كَيًّا: إذا أحرق جلده بحديدة ونحوها (٢).
وقوله: (مِنْ جُنُوبِهِمْ) بالضمّ: جمع جَنْب، بفتح، فسكون، كفَلْس وفُلُوس، وجنب الإنسان: ما تحت إبطه إلى كشحه (٣).
وقوله: (أقفَائِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع قَفًا، قال الفيّوميّ ﵀: الْقَفَا مقصورًا: مؤخّرُ العُنُق، ويذكّر ويؤنّث، وجمعه على التذكير أَقْفيةٌ، وعلى التأنيث أقفاء، مثلُ أَرْجاء، قاله ابن السّرّاج، وقد يُجمَع على قُفِيّ، والأصل مثلُ فُلُوس، وعن الأصمعيّ أنه سَمِع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجّاج: التذكير أغلب، وقال ابن السّكّيت: القَفَا مذكّر، وقد يؤنّث، وألفه واوٌ، ولهذا يثنّى قَفَوينْ. انتهى (٤).
وقوله: (جِبَماهِهِمْ) بالكسر: جمع جبهة، كلكلبة وكِلاب، قال الخليل: هي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (٥).
وقو له: (قُبَيْلُ) تصغير " قَبْلُ".
وقوله: (مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ ﵀: أراد ما يُعطاه الرجلُ من بيت المال على وجه يستحقّه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لعمر ﵁: "ما أتاك من هذا المال، وأنت غيرُ مُشرِفٍ، ولا سائل فخُذه، وما لا، فلا تُتبعه نفسك" (٦)، متّفقٌ عليه.
وقوله: (مَعُونَةً) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، ووزنها مَفْعُلةٌ بضمّ