← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

أخرج النسائي بإسناد صحيح، عن سلمان بن عامر الضبيّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة". ٣ - (ومنها): أن الأعمال لا يوجد ثوابها إلا بإخلاص النيّة لله تعالى. ٤ - (ومنها): أن ثواب الصدقة يحصل بالنفقة الواجبة، فمن أنفق على أهله من غير احتساب، لم يحصل له ثواب الصدقة، وإن سقط عنه الوجوب، قال في "العمدة": [فإن قلت]: كيف يكون إطعام الرجل أهله صدقةً، وهو فرض عليه؟. [قلت]: جعل الله الصدقة فرضًا وتطوعًا، ويُجْزَى العبدُ على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة. وقيل: إنما أطلق الشارع صدقة على نفقة الفرض؛ لئلا يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم. وقال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بالإجماع. وقال الطبريّ: النفقة على الأولاد ما داموا صغارًا فَرْضٌ عليه؛ لقوله ﷺ : "وأبدأ بمن تعُول"؛ لأن الولد ما دام صغيرًا فهو عيال. وقال ابن المنذر: واختلفوا فيمن بلغ من الأبناء، ولا مال له، ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن يُنفق على ولد صلبه الذكور حتى يحتلموا، والبنات حتى يُزَوَّجْنَ، فإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها، هان طلقها بعد البناء، أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، ولا نفقة لولد الولد على الجدّ، هذا قول مالك، ونفقة الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات واجية بشرط العجز، مع قيام الحاجة، وأما نفقة بني الأعمام، وأولاد العمات، فلا تجب عند عامة العلماء، خلافًا لابن أبي ليلى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11202

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) غُندر، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في "المجتبى"، فقال: (٢٥٤٥) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد، قال: حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ، يحدّث عن أبي مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا أنفق الرجل على أهله، وهو يحتسبها، كانت له صدقةً". انتهى. وأما رواية وكيع، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٤] (١٠٠٣) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ رَاغِبَة، أَوْ رَاهِبَةٌ، أفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ").

стр. 11203

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، اْبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقية عابذ [٨] (ت ١٩٢) عن بضع و (٧٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (أَسْمَاءٌ) بنت أبي بكر الصّدّيق ﵂، ماتت سنة (٣ أو ٧٤) عن مائة سنة (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١. والباقيان ذُكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته من رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من هشام، والباقيان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن أمه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّته ذات مناقب جمّة، فهي من السابقات إلى الإسلام، وكانت تسمّى ذات النطاقين؛ لما شقّت نطاقها نصفين، فربطت بأحدهما زاد النبيّ ﷺ ، وأبيها حين هاجرا، والقصّة مشهورة. شرح الحديث: (عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة، قال: أخبرني أبَي " (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﵄، وفي رواية ابن عيينة المذكورة: "أخبرتني أسماء"، قال في "الفتح": كذا قال أكثر أصحاب هشام، وقال بعض أصحاب ابن عيينة: عنه، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قال الدارقطنيّ: وهو خطأ. قال الحافظ: قلت: حَكَى أبو نعيم أن عُمَر بن عليّ المقدميّ، ويعقوب القارئ روياه عن هشام كذلك، فَيَحْتَمِل أن يكونا محفوظين، ورواه أبو معاوية، وعبد الحميد بن جعفر، عن هشام، فقالا: عن عروة، عن عائشة، وكذا

стр. 11204

أخرجه ابن حبان من طريق الثوريّ، عن هشام، والأول أشهر، قال الْبَرْقانيّ: وهو أثبت. انتهى. قال الحافظ: ولا يبعد أن يكون عند عروة عن أمه وخالته، فقد أخرجه ابن سعد، وأبو داود الطيالسيّ، والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير، قال: قدمت قُتَيْلَةُ -بالقاف والمثناة، مصغرةً- بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حِسْل- بكسر الحاء وسكون السين المهملتين- على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الْهُدْنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا زبيب، وسَمْن، وقَرَظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسوله الله ﷺ ، فقال: "لتدخلها … " الحديث، وعُرِف منه تسمية أم أسماء، وأنها أمها حقيقة، وأن من قال: إنها أمها من الرضاعة فقد وَهِمَ. ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قَيْلَة، قال الحافظ: ورأيته في نسخة مجردة منه بسكون التحتانية، وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا فمن قال قُتَيلة صَغّرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابني أبي بكر قَيْلة بنت عبد العزى، وساق نسبها إلى حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ، وأما قول الداوديّ: إن اسمها أم بكر، فقد قال ابن التين: لعله كنيتها. انتهى (١). (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيِّ) زاد في رواية البخاريّ من طريق الليث، عن هشام: "مع ابنها"، وكذا في رواية حاتم بن إسماعيل، عن هشام، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مُدرك بن عبيد بن عُمَر بن مخزوم، قال الحافظ: ولم أر له ذكرأ في الصحابة، فكأنه مات مشركًا، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ مع أبيها بموحدة ثم تحتانية، وهو تصحيف. انتهى. وفي الرواية التالية: "عن أسماء بنت أبي بكر ﵁، قالت: قَدِمت عليّ أمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله قَدِمَت عليّ أمّي، وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمك".

стр. 11205

ووقع في رواية حاتم بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: "في عهد قريش؛ إذ عاهدوا رسول الله ﷺ "، وأرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح. (وَهِيَ رَاغِبَة) جملة حاليّة (أَوْ رَاهِبَةٌ) هكذا بالشك في رواية عبد الله بن إدريس، عن هشام، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن إدريس المذكور: "راغبةٌ، وراهبةٌ" بالواو، وفي حديث عائشة ﵂ عند ابن حبان: "جاءتني راغبةً وراهبةً" بالواوأيضًا، وهو يؤيد رواية الطبرانيّ. والمعنى أنها قَدِمَت طالبة في بِرّ ابنتها لها، خائفةً من رَدّها إياها خائبةً، هكذا فسره الجمهور، ونقل المستغفريّ أن بعضهم أوّله فقال: وهي راغبة في الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، وردّه أبو موسى بانه لم يقع في شيء من الروايات ما يدلّ على إسلامها، وقولها: أراغبةٌ" أي: في شيء تأخذه، وهي على شركها، ولهذا استأذنت أسماء النبيّ ﷺ في أن تصلها، ولو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذن. انتهى. وقيل: معناه راغبةٌ عن ديني، أو راغبة في القرب مني، ومجاورتي، والتودُّد إليّ؛ لأنها ابتدأت أسماء بالهدية التي أحضرتها، ورَغِبت منها في المكافأة، ولو حُمِل قوله: "راغبة" أي: في الإسلام لم يستلزم إسلامها. ووقع في رواية عيسى بن يونس، عن هشام، عند أبي داود، والإسماعيليّ: "راغمة" بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ولم تَقْدُم مهاجرةً. وقال ابن بطال: قيل: معناه هاربة من قومها، وردّه بأنه أَبُو كان كذلك لكان مراغمةً، قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يفسِّر قوله: "مُرَاغَمًا" بالخروج عن العدوّ على رغم أنفه، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا كذلك، قال: وراغبة بالموحدة أظهر في معنى الحديث. انتهى (١). وقال في "الفتح" في موضع آخر: قولها: "راغبةٌ" هل هو بالميم، أو الموحدة؛ قال الطيبيّ: الذي تحرر أن قولها: "راغبة" إن كان بلا قيد، فالمراد راغبة في الإسلام لا غير، هاذا قرنت بقولها: "مشركة"، أو "في عهد قريش"، فالمراد راغبة في صلتي، وإن كانت الرواية "راغمة" بالميم فمعناه: كارهةٌ للإسلام.

стр. 11206

قال الحافظ: أما التي بالموحدة فيتعين حمل المطلق فيه على المقيد، فإنه حديث واحد في قصة واحدة، ويتعين القيد من جهة أخرى، وهي أنها أَبُو جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تستأذن في صلتها؛ لشيوع التألف على الإسلام من فعل النبيّ ﷺ ، وأمره فلا يحتاج إلى استئذانه في ذلك. انتهى (١). (أفَأَصِلُهَا؟) أي: أحسن إليها بإعطاء ما طلبت من المال (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ") وفي الرواية التالية: "نعم صلي أمك"، زاد في رواية البخاريّ في "كتاب الأدب " عقب حديثه عن الحميديّ، عن ابن عيينة: "قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] "، وكذا وقع في آخر حديث عبد الله بن الزبير، ولعل ابن عيينة تلقاه منه. ورَوَى ابن أبي حاتم، عن السُّدّيّ أنها نزلت في ناس من المشركين، كانوا ألين شيء جانباً للمسلمين، وأحسنه أخلاقًا، ولا منافاة بينهما، فإن السبب خاصّ، واللفظ عامّ، فيتناول كلَّ من كان في معنى والدة أسماء. وقيل: نَسَخَ ذلك آيةُ الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: القول بالنسخ مما لا يخفى بعده؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [النساء: ٨٩] خاصّ بالمحاربين، لا يتناول المسالمين، بدليل قوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤]، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣٢٤ و ٢٣٢٥] (١٠٠٣)، و (البخاريّ) في

стр. 11207

"الهبة" (٢٦٢٠)، و"الجزية" (٣١٨٣)، و"الأدب" (٥٩٧٩)، و (أبو داود) في (١٦٦٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ٣٨ و ١٠/ ٣٥٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٤ و ٣٤٧ و ٣٥٥)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٧٨ - ٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩١ و ١٢٩/ ٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صلة القريب المشرك، قال الخطابيّ ﵀: فيه أن الزَحِمَ الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة. ٢ - (ومنها): أن فيه مستدلًّا لمن رأى وجوب النفقة للأب الكافر، والأم الكافرة على الولد المسلم، ويؤيّده قوله : ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]. ٣ - (ومنها): بيان جواز موادعة أهل الحرب، ومعاملتهم في زمن الهدنة والسفر في زيارة القريب. ٤ - (ومنها): بيان فضل أسماء ﵂ حيث تحرّت في أمر دينها، وكيف لا وهي بنت الصديق، وزوج الزبير ﵃، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج: ﵀ المذكور أولَ الكلتاب قال: [٢٣٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أو"مي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْش، إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَة، أفَاَصِلُ أُمِّي؛ قَالَ: "نَعَمْ صلِي أمِّكِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَهِيَ رَاِغِبَة … إلخ) وقع في هذه الرواية "راغبة" بلا شكّ، قال القاضي عياض ﵀: الصحيح "راغبة" بلا شكّ، قال: قيل: معناه راغبة عن

стр. 11208

الإسلام، وكارهة له، وقيل: معناه طامعةٌ فيما أعطيتها، حريصةٌ عليه، وفي رواية أبي داود: "قَدِمت عليّ أمي، راغبةَ في عهد قريش، وهي راغمةٌ مشركةٌ"، فالأول "راغبة" بالباء: أي: طامعة طالبة صلتي، والثانية بالميم، معناه: كارهة للإسلام، ساخطته، وفيه جواز صلة القريب المشرك، وأم أسماء اسمها قَيْلة، وقيل: قُتَيلة بالقاف وتاء مثناة من فوقُ، وهي قَيلة بنت عبد العُزَّى القرشية العامرية، واختَلَف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها؟ والأكثرون على موتها مشركة، قاله النوويّ ﵀، للهُ (١)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٦] (١٠٠٤) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا أتَى النّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.

стр. 11209

والباقيان تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة ﵁؛ لما أخرجه النسائيّ من طريق مالك، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج سعد بن عبادة، مع النبيّ ﷺ في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاةُ بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد، فتُوفيت قبل أن يَقْدَم سعد، فلما قَدِمَ سعد ذُكِر ذلك له، فقال: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال النبيّ ﷺ : "نعم"، فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه. (أتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ) هي: عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة، وقيل: بنت سعد بن قيس، وقيل: بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار، ماتت ﵂ في حياة النبي ﷺ سنة خمس، وقال ابن سعد: ماتت والنبيّ ﷺ في غزوة دُومة الجندل، في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبيّ ﷺ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها. (افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) -بضمّ المثناة، وكسر اللام-: أي: سُلِبَت، على ما لم يُسمّ فاعله، و"نفسها" بالرفع نائب الفاعل، يقال: افْتُلِتَ فلانٌ: أي: مات فجأةً، وافتُلتت نفسه كذلك، وضبطه بعضهم بفتح السين، إما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثان، والفَلْتَةُ، والإفلات: ما وقع بغتة، من غير رويّة، وذكر ابن قُتيبة بالقاف، وتقديم المثنّاة، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحبّ، ولمن مات فَجْاةً، والمشهور في الرواية بالفاء.

стр. 11210

وقال في "النهاية": "افتُلتت نفسها": أي: ماتت فَجأةً، وأُخذت نفسُها فَلْتَةً، يقال: افتلته: إذا استلبه، وافتُلت فلان بكذا: إذا فُوجئ قبل أن يستعدّ له، ويُروى بنصب "النفس"، ورفعها، فمعنى النصب: افتلتها الله نفسها، مُعدّى إلى مفعولين، كما تقول: اختلسه الشيءَ، واستلبه إياه، ثم بُني الفعل لما لم يُسمّ فاعلُهُ، فتحوّل المفعول الأول مُضمراً، وبقي الثاني منصوبًا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأمّ: أي: افتُلِتت هي نفسَهَا. انتهى. وقال النوويّ ﵀: قوله: "افتُلِتَتْ نفسُها" ضبطناه "نفسَها"، و"نفسُها" بنصب السين ورفعها، فالرفع على أنه مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والنصب على أنه مفعولٌ ثالغ، قال القاضي عياضٌ: أكثر روايتنا فيه بالنصب، وقوله: "افتُلِتت" بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم، ورواه ابن قتيبة: "اقتُتِلت نفسها" بالقاف، قال: وهي كلمة تقال لمن مات فَجْأَةً، ويقال أيضًا لمن قتلته الجنّ والعشق، والصواب الفاء، قالوا: ومعناه: ماتت فَجْأَةً، وكلُّ شيء فُعِل بلا تَمَكّث، فقد افْتَلَتَ، ويقال: افْتَلَتَ الكلامَ، واقترحه، واقتضبه: إذا ارتجله. انتهى (١). (وَلَمْ تُوصِ) قد سبق في رواية النسائيّ المذكورة سبب عدم وصيّتها، وهو أنه لا مال لها، وإنما المال لولدها سعد (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ) أي: أَبُو اتسّع وقت مرضها، ولم يَفْجأها الموت (تَصَدَّقَتْ) أي: أوصت بالصدقة، وهذا لا ينافي ما سبق آَنفًا؛ لأنه يمكن أن يكون المعنى لأمرَته أن يتصدّق عنها، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ في "الوصايا" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: "وأُراها أَبُو تكلّمت تصدّقت"، وهو بضمّ همزة "أُراها". قال في "الفتح": وهو يُشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك، عند النسائيّ، بلفظ: "وإنها أَبُو تكلّمت" تصحيفٌ، وظاهره أنها لم تتكلّم، فلم تتصدّق، لكن في "الموطّأ" عن سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جذه، قال: "خرج سعد بن عبادة مع النبيّ ﷺ في بعض

стр. 11211

مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، قيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد، فتُوفّيت قبل أن يقدم سعد"، فذكر الحديث، فإن أمكن تأويل رواية الباب بان المراد أنها لم تتكلّم؛ أي: بالصدقة، "ولو تكلّمت لتصدّقت"؛ أي: فكيف أُمْضِي ذلك؟، أو يُحْمَل على أن سعدًا ما عَرَف بما وقع منها، فإن الذي روى هذا الكلام في "الموطّأ" هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده شُرَحبيل مرسلًا، فعلى التقديرين لم يتّحد راوي الإثبات، وراوي النفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية "الموطّأ" التي ذكرها هي رواية النسائيّ أيضًا. وحاصل الجواب أن المراد أنها لم تتكلّم بصدقة شيء معيّن، وإنها لما قيل لها: أوصي، قالت: الوصيّة تعتمد على المال الموصى به، وليس لي ذلك، وإنما هو لسعد، فلما جاء سعد ﷺ بعد موتها، وأُخبر بما قالت: أراد أن يتصدّق عنها، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمره به. والحاصل أن دعوى التصحيف في رواية النسائيّ المذكورة غير صحيحة؛ للجمع بين الروايتين بما ذكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (أفَلَهَا أَجْز اِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) قال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة بكسر الهمزة من "إِنْ " على الشرطيّة، ولا يصحّ قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عمّا لم يفعله. انتهى (١). وفي الرواية الآتية في "الوصايا" من طريق يحيى القطّان، عن هشام: "فَلِي أَجْر أَنْ أَتَصَدقَ عنها؟ "، وفي رواية النسائيّ: "هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ "، ووقع في بعض الروايات بلفظ: "أتصدّق عليها، أو أصرفه على مصلحتها؟ " (قَالَ) ﷺ "نَعَمْ") زاد في رواية النسائيّ: "فَتَصَدَّقَ عَنْهَا"، وفي رواية له: "فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سمّاه"، وفي رواية ابن عبّاس ﵄ عنده: "قال: فإن لي مَخْرَفًا، فأُشهدك أني قد تصدّقت به عنها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11212

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٣٢٦ و ٢٣٢٧] (١٠٠٤)، وفي "الوصايا" (٣٦٥٠)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٨٨)، و"الوصايا" (٢٧٦٠)، و (أبو دا ود) في "الوصايا" (٢٨٨١)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٧٦)، وفي "الكبرى" (٦٤٧٦)، و (ابن ماجه) في "الوصايا" (٢٧١٧)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه " (٧/ ٧١ و ٩/ ٦٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥١)، و (مالك) في "الموطأ" في "الأقضية" (٢/ ٧٦٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٤١٠)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢١٧)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٤٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الصدقة لمن مات فَجْأة. ٢ - (ومنها): جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولا سيّما إن كان من الولد، وهو مخصّص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، ويلتحق بالصدقة العتق عنه. وقال في "العمدة": دل الحديث على أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، على الخصوص. قال ابن المنذر: أما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا ثبتٌ عن رسول الله ﷺ ، وقد ثبتٌ عن عائشة ﵂ أنها أعتقت عبدًا عن أخيها عبد الرحمن، وكان مات ولم يوص، وأجاز ذلك الشافعي، قال بعض أصحابه: لمّا جاز أن يتطوع بالنفقة، وهي مال، فكذا العتق، وفَرَّق غيره بينهما، فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خير فيه، بل في

стр. 11213

قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" دلالة على منعه؛ لأن الحيّ هو المعتق بغير أمر الميت، فله الولاء؛ إذا ثبتٌ له الولاء فليس للميت منه شيء. وتعُقّب قوله: "والعتق لا خير فيه" بأنه ليس بصحيح؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبيّ ﷺ : إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أُعتق عنها؛ قال: "نعم لما، فدل على أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة ﵂ الذي سبق. انتهى (١)، وهو بحث جيّد، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة مستوفى في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): أن ترك الوصيّة جائزٌ؛ لأنه ﷺ لم يذُمّ أم سعد على ترك الوصيّة، قاله ابن المنذر. وتُعُقّب بأن الإنكار عليها قد تعذّر لموتها، وسقط عنها التكليف. وأجيب بأن فائدة إنكار ذلك أَبُو كان منكرًا ليتّعظ غيرها ممن سمعه، فلما أقز على ذلك دلّ على الجواز. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من استشارة النبيّ ﷺ في أمور الدين. ٥ - (ومنها): العمل بالظنّ الغالب؛ لقوله: "وأظنّها أَبُو تكلّمت تصدّقت". ٦ - (ومنها): مشروعيّة الجهاد في حياة الأمّ، وهو محمول على أنه استأذنها؛ لأن أم سعد ماتت وهو مع النبيّ ﷺ في غزوة دومة الجندل، كما سبق قريبًا. ٧ - (ومنها): السؤال عن التحمّل، والمسارعة إلى عمل البرّ، والمبادرة إلى برّ الوالدين. ٨ - (ومنها): أن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها، وهو عند اغتنام صدق النيّة فيه. ٩ - (ومنها): أن للحاكم تحمّل الشهادة في غير مجلس الحكم، نبّه على ذلك أبو محمد بن أبي جمرة ﵀، ونقله الحافظ في "الفتح"، وقال: وفي بعضه نظرٌ لا يخفى، وكلامه على أصل الحديث، وهو في حديث ابن

стр. 11214

عباس (١) أبسط من حديث عائشة ﵂، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وصول ثواب الصدقة وغيرها إلى الميت: قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: وهذا الحديث مُجْمَع على القول بمعناه، ولا خلاف بين العلماء أن صدقة الحي عن الميت جائزة، مَرْجُوٌّ نفعُها وقبولها؛ إذا كانت من طَيِّب، فإن الله لا يقبل إلا الطيب، وليس الصدقة عندهم من باب عمل البدن في شيء، فلا يجوز لأحد أن يصلي عن أحد، وجائز له أن يتصدق عن وليّه، وعن غيره، وهذا مما ثبتت به السنة، ولم تختلف فيه الأمة. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدَّين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصحّ الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام، وكذا إذا وصّى بحجّ التطوع على الأصح عندنا، واختَلَف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه؛ للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور في مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال جماعة من أصحابنا: يصله ثوابها، وبه قال أحمد بن حنبل. وأما الصلاة، وسائر الطاعات، فلا تصله عندنا، ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصله ثواب الجميع، كالحج. انتهى (٣).

стр. 11215

وقال الشوكانيّ ﵀: وأحاديث الباب تدلّ على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخَصَّص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبتٌ أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها. وقد اختُلِف في غير الصدقة من أعمال البرّ، هل يصل إلى الميت؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شيء، واستدلوا بعموم الآية، وقال في "شرح الكنز": إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان، أو صومًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةَ قرآن، أو غير ذلك من جميع أنواع البرّ، وَيصِلُ ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة. انتهى. والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعيّ إلى أنه يصل، كذا ذكره النوويّ في "الأذكار". وفي "شرح المنهاج " لابن النحويّ: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي، فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفًا على استجابة الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أن الدعاء مُتَفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد، بوصية وغيرها، وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. انتهى. وقد حَكَى النوويّ في "شرح مسلم" الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وكذا حَكَى أيضًا الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت، ويصل ثوابها، ولم يقيد ذلك بالولد، وحَكَى أيضًا الإجماع على لحوق قضاء الدين. قال الشوكانيّ ﵀: والحق أنه يُخَصَّص عموم الآية بالصدقة من الولد، كما في أحاديث الباب، وبالحج من الولد، كما في خبر الخثعمية، ومن غير

стр. 11216

الولد أيضًا، كما في حديث المحرم عن أخيه شُبْرُمة، ولم يستفصله ﷺ ، هل أوصى شُبْرُمةُ أم لا؟، وبالعتق من الولد، كما وقع في البخاريّ في حديث سعد، خلافًا للمالكية على المشهور عندهم، وبالصلاة من الولد أيضًا؛ لما رَوَى الدارقطنيّ أن رجلًا قال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرّهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ﷺ : "إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك". قال الجامع عفا الله عنه: حديث: "إن من البرّ … إلخ " ضعيف؛ لانقطاع سنده، كما تقدّم تحقيقه في "شرح المقدّمة"، فتنبّه. قال: وبالصيام من الولد؛ لهذا الحديث (١)، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄ (٢). ولحديث ابن عباس ﵄ عند البخاريّ ومسلم: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر؟، فقال: "أرأيت أَبُو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك". وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ من حديث بُريدة ﵁ أن امرأة قالت: إنه كان على أمي صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها". ومن غير الولد أيضا؛ لحديث: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه"، متفق عليه من حديث عائشة ﵂. وبقراءة ﴿يس (١)﴾ من الولد وغيره؛ لحديث: "اقرؤوا على موتاكم يس". قال الجامع عفا الله عنه: حديث "اقرؤوا على موتاكم يس" أخرجه

стр. 11217

أحمد، وأبو داود، وهو ضعيفٌ؛ لأن في سنده أبا عثمان رجل مجهول، كما قال ابن المدينيّ وغيره، فتنبّه. قال: وبالدعاء من الولد؛ لحديث: "أو ولد صالح يدعو له"، ومن غيره؛ لحديث: "استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيت، فإنه الَان يسأل"، أخرجه أبو داود بإسناد حسن، ولحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، ولما ثبتٌ من الدعاء للميت عند الزيارة، كحديث بُريدة عند مسلم، وأحمد، وابن ماجه، قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، هانا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". وبجميع ما يفعله الولد لوالديه، من أعمال البر؛ لحديث: "ولدُ الإنسان من كسبه"، أخرجه أحمد، وأصحاب "السنن" بإسناد صحيح. وكما تُخَصِّص هذه الأحاديث الآية المتقدمة، كذلك يُخَصَّصُ حديثُ أبي هريرة ﵁ عند مسلم، وأهل "السنن" قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فإنه ظاهره أنه ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائنًا ما كان. وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرُها، فَيَلْحَق الميت كلُّ شيء فعله غيره. وقال في "شرح الكنز": إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]. وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه. وقيل: ليس له من طريق العدل، وهو له من طريق الفضل، وقيل: اللام بمعنى "على" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الآية [غافر: ٥٢]؛ أي: وعليهم. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ بزيادة (١).

стр. 11218

وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في تحقيق هذه المسألة، ودونك نصّ البحث في "مجموع الفتاوى": وسئل ﵀ عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]؛ وقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصلُ إليه شيء من أفعال البر؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ليس في الآية، ولا في الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له، وبما يُعمَل عنه من البرّ، بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمَن خالف ذلك كان من أهل البدع. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ الآية [غافر: ٧]. فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة، ووقاية العذاب، ودخول الجنة، ودعاء الملائكة ليس عملًا للعبد. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرًا بذلك، وإخبارًا عنهم بذلك. ومن السنن المتواترة التي من جحدها كَفَرَ صلاة المسلمين على الميت، ودعاؤهم له في الصلاة، وكذلك شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، فإن السنن فيها متواترةٌ، بل لم ينكر شفاعته ﷺ لأهل الكبائر إلا أهل البدع، بل قد ثبتٌ أنه يشفع لأهل الكبائر، وشفاعته دعاؤه، وسؤاله الله ﵎، فهذا وأمثاله من القرآن، والسنن المتواترة، وجاحد مثل ذلك كافرٌ بعد قيام الحجة عليه. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرةٌ، مثل ما في الصحاح عن ابن

стр. 11219

عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : إن أمي توفيت، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: "نعم"، قال: إن لي مَخْرَفًا -أي: بستانًا- أشهدكم أني تصدقت به عنها. وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : إن أمي افتُلِتت نفسُها، ولم توص، وأظنها أَبُو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". وفي "صحيح مسلم" عن أبى هريرة ﵁ أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : إن أبي مات، ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: "نعم". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نَحَر حصته خمسين، وأن عمرًا سال النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: "أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصمت عنه، أو تصدقت عنه، نفعه ذلك" (١). وفي "سنن الدارقطنيّ" أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان، وكنت أبرّهما حال حياتهما، فكيف لي ببرّهما بعد موتهما؟ فقال النبيّ ﷺ : "إن من البرّ بعد البرّ أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدّق لهما مع صدقتك". وقد ذكر مسلم في أول كتابه، عن أبي إسحاق الطالقانيّ، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: ة إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك "؟ (٢) قال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن خِرَاش، قال: ثقةٌ، قال: عمن؟ قالت: عن الحجاج بن دينار، فقال: ثقةٌ، قال: عمن؟ قلت: عن رسول الله ﷺ ، قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج وبين رسول الله ﷺ مفاوز تقطع فيها أعناق المطيّ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف، والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك، فمان هذا الحديث مرسل. والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تَصِلُ إلى الميت، وكذلك العبادات المالية، كالعتق، صوانما تنازعوا في العبادات البدنية، كالصلاة، والصيام،

стр. 11220

والقراءة، ومع هذا ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه". وفي "الصحيحين"، عن ابن عباس ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صيام نذر؟، قال: "أرأيتِ إن كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك". وفي "الصحيح" عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أختي ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين؟، قال: "أرأيتِ أَبُو كان على أختك دين، أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فحقُّ الله أحقّ". وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن بُريدة بن حصيب، عن أبيه أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفيجزي عنها أن أصوم عنها؟ قال: "نعم". فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نَذَر، وأنه شَبَّهَ ذلك بقضاء الدين، والأئمة تنازعوا في ذلك، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة مَن بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وقد تقدَّم حديث عمرو ﵁ بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه، وأما الحج فيجزي عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلاف شاذّ. وفي "الصحيحين" عنِ ابن عباس ﵄ أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي نَذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال: "حجي عنها، أرأيت أَبُو كان على أمك دين، أكنت قاضيته عنها؟، اقضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء". وفى رواية البخاريّ: "إن أختي نذرت أن تحج"، وفى "صحيح مسلم" عن بُرَيدة ﵁ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، ولم تحج، أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها" قال: "نعم". ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ أمر بحج الفرض عن الميت، وبحج النذر، كما أمر بالصيام، وأن المأمور تارة يكون ولدًا، وتارة يكون أخًا، وشَئه النبيّ ﷺ ذلك بالذين يكون على الميت، والدَّين يصح قضاؤه من

стр. 11221

كل أحد، فدلّ على أنه يجوز أن يُفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك بالولد، كما جاء مصرحاً به في الأخ. فهذا الذي ثبتٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع عِلْمٌ مُفَصَّل مُبَيَّن، فعُلم أن ذلك لا ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث … "، بل هذا حقّ، وهذا حق. أما الحديث فإنه قال: "انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"، فذكر الولد ودعاؤه له خاصين؛ لأن الولد من كسبه، كما قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ٢]، قالوا: إنه ولده، وكما قال النبيّ ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (١)، فلما كان هو الساعي في وجود الولد، كان عمله من كسبه، بخلاف الأخ، والعم، والأب، ونحوهم، فإنه ينتفع أيضًا بدعائهم، بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله، والنبيّ ﷺ قال: "انقطع عمله إلا من ثلاث"، لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع، وإذا دعا له غيره لم يكن من عمله، لكنه ينتفع به. وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددةٌ، كما قيل: إنها تختص بشرع من قبلنا، وقيل: إنها مخصوصة، وقيل: إنها منسوخةٌ، وقيل: إنها تنال السعي مباشرة وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه وششحقه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حقّ وملك لذلك الغير لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره. فـ"من صلى على جنازة فله قيراط"، فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته، والميتُ أيضًا يُرْحَم بصلاة الحيّ عليه، كما قال: "ما من مسلم يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة"، وُيرْوَى

стр. 11222

"أربعين"، ويُروى "ثلاثة صفوف، ويشفعون فيه إلا شفّعوا فيه"، أو قال: "إلا غُفِر له"، فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له، ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحيّ لدعائه له، وصدقته عنه، وصيامه عنه، وحجه عنه. وقد ثبتٌ في "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما من جل يدعو لأخيه دعوةً إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه دعوةً قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله"، فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه، يثيب الله هذا، ويرحم هذا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحيّ أو يرحم به يكون من سعيه، بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي، فالذي لم يجز إلا به أخصّ من كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله، وهو كالدَّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، لكن ليس له ما وفى به الدَّين، وينبغي له أن يكون هو الموفي له، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيش جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: الذي ظهر لي بعد النظر فيما سبق من أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ، والصوم، والدعاء فالحقّ أنه يصل إلى الميت؛ عملًا بالنصوص الكثيرة الواردة بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، ونحو ذلك، فلا ينبغي قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، ولا عن السلف، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فتبصّر بالإنصاف، وقد تقدّم هذا التحقيق في "شرح المقدّمة" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبو أسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ

стр. 11223

مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أسَامَةَ: "وَلَمْ تُوصِ"، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيًدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٢. ٤ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. ٥ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٤/ ١٤١٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإسنادِ) الضمير ليحيى القطّان، وأبي أسامة، وعليّ بن مُسهر، وشُعيب بن إسحاق، كلّ هؤلاء الأربعة رووا عن هشام بن عروة بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٣٧٣٠) - حدّثنا يحيى، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرتني عائشة، أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ إن أمي افتُلِتَتْ نفسُها، وأظنها أَبُو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن أتصدق عنها؟ قال: "نعم". انتهى. وأما رواية أبي أسامة، عن هشام، فساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (٢٧١٧) - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن أمي افتُلِتَتْ

стр. 11224

نفسُها، ولم توص، وإني أظنها أَبُو تكلمت لتصدقت، فلها أجر إن تصدقت عنها؟ ولي أجر؟ قال: "نعم". انتهى. وأما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فلم أر من ساقها، فليُنظر. وأما رواية شعيب بن إسحاق، عن هشام، فساقها أبو نعيم في "مستخرجه" متابعةً، فقال (٣/ ٨٤): (٢٢٥٤) - حدّثنا جعفر بن محمد، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد العزيز، عن هشام بن عروة، عن أبيه (ح) وثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا هشام، أخبرني أبي، أخبرتني عائشة، أن رجلًا قال (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا سعيد بن هشام، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، ثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتَت، وأظنها أَبُو تكلمت لتصدقت، فهل من أجر أن أتصدق عنها؛ فقال النبيّ ﷺ : "نعم"، قال: لفظ عبد العزيز (١). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَة) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٨] (١٠٠٥) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَة").

стр. 11225

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبَّاد بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩. ٥ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشجَعِيُّ) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. ٦ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة- العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل، أو حِسْل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٥٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأبو مالك علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن السند الثاني مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، وأعلمه النبي ﷺ بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما صحّ ذلك في "صحيح مسلم". شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵄ (فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ) بن سعيد شيخه الأول

стр. 11226

(قَالَ) أي: حذيفة ﵁ (قَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْيَةَ) شيخه الثاني (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) غرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في صيغتي الأداء، فقتيبة قال في روايته: "عن حذيفة قال: قال نبيّكم ﷺ " وأما أبو بكر بن أبي شيبة فقال في روايته: "عن حُذيفة، عن النبيّ ﷺ " أنه (قَالَ: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ") مبتدأ وخبره؛ أي: كلّ شيء عُرِف شرعًا بأنه من أعمال البرّ، فله حكم الصدقة بالمال في الثواب، فلا ينبغي أن يحتقر الإنسان شيئًا من المعروف، ولا أن يبخل به. وقال ابن بطال ﵀: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء، أو يقوله من الخير، يكتب له به صدقة، وقد فُسِّر ذلك في حديث أبي موسى المذكور في الباب بعد أربعة أحاديث، وزاد عليه أن الإمساك عن الشر صدقة. وقال الراغب الأصفهانيّ ﵀: المعروف اسم كُلِّ فعل يُعْرَف حسنهُ بالشرع والعقل معًا، ويُطْلَق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السَّرَف. وقال ابن أبي جمرة: يُطْلَق اسم المعروف على ما عُرِف بأدلة الشرع أنه من أعمال البرّ، سوا: جرت به العادة أم لا؟، قال: والمراد بالصدقة الثواب، فإن قارنته النية أُجِر صاحبه جزمًا، وإلا ففيه احتمالٌ، قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار مثلًا، بل كل واحد قادرٌ على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه البخاريّ من حديث جابر ﵁، فقال في "كتاب الأدب" من "صحيحه": (٥٦٧٥) - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ، حدّثنا أبو غَسَّانَ، قال: حدّثني

стр. 11227

محمد بن الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بن عبد اللهِ ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "كُلُّ مَعْرُوفِ صَدَقَةٌ". انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٢٨] (١٠٠٥)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٣٣)، و (أبو داود) في "الأدب" (٤٩٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣ و ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٤٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٥)، وفي "الحلية" (٧/ ١٩٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٩] (١٠٠٦) - (حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَّرٍّ، أَن نَاسًا (١) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلَي، ويَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِن بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُل تَكْبِيرةٍ صَدَقَةً، وَكُل تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَة، وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَة"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا: في الْحَلَالِ، كانَ لَهُ أَجْرًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.

стр. 11228

٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧. ٣ - (وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (بخ م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٣/ ١٢٣٧. ٤ - (يَحْيى بْنُ عُقَيْلٍ) -بالتصغير- البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوقٌ [٣] (بخ م في س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٣/ ١٢٣٧. ٥ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٦ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل: غير ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤. ٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جُنْدُب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات ﵁ سنة (٣٢) في خلافة عثمان ﵁ (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: يحيى بن عُقيل، عن يحعى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوَّلَين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَزّ) جُندُب بن جُنادة الغفاريّ ﵁ (أَنَّ نَاسًا) وفي نسخة: "أناسًا" (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِي ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ) "الدُّثُور" بضمّ الدال: جمع دَثْر بفتحها، وهو المال الكثير (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَبَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالهِمْ، قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟) قال النوويّ ﵀: الرواية فيه بتشديد الصاد

стр. 11229

والدال جميعًا، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. انتهى (١). وقال القاضي عياضٌ ﵀: يَحْتَمِل تسمية هذه الأشياء صدقةً أن لها أجرًا كما للصدقة أجرٌ، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقةً على طريق المقابلة، وتجنيس الكلام، أو يكون سمّاها من معناها؛ إذ في اسم الصدقة ما يدلُّ على صدق إيمان العبد وصحّته، وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه؛ أي: بهذه الحسنات. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: مقصود هذا الحديث أن أعمال الخير إذا حسُنت النيّات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيّما في حقّ من لا يقدر على الصدقة، ويُفهَم منه أن الصدقة في حقّ القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. انتهى (٣). (إِن بِكُل تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً) قال النوويّ ﵀: رويناه بوجهين: رفع "صدقة"، ونصبه، فالرفع على الاستئناف، والنصب عطف على "إنَّ بكل تسبيحة صدقةً". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما يوجّه به النصب أن يكون قوله: "وكلِّ تكبيرةٍ" مجرورًا عطفًا على "بكلّ تسبيحة"، و"صدقةً" منصوب عطفًا على "صدقةً" الأولى، فيكون من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين؛ لأن الواو نائب مَنَابَ "إِنَّ"، والباءِ، وفيه الخلاف بين النحاة، كما هو معلوم في محلّه، وقد لخّص اختلافهم شيخنا المناسيّ ﵀ في "نظم المغني"، حيث قال: وَإِنْ عَلَى مَعْمُولَي الْعَامِلِ جَا … عَطْفٌ فَجَائِزٌ لَدَى ذَوِي الْحَجَا وَإِنْ لِعَامِلَيْنِ فَالنَّاسُ اخْتَلَفْ … قَالَ ابْنُ مَالِكٍ نَهَى كُلُّ السَّلَفْ إِنْ لَمْ يَكُ الْمَجْرُورُ فِي الْمَعْطُوفِ جَا … وَالْفَارِسِيْ جَوَازَهُ قَدْ أَخْرَجَا أَيْ مُطْلَقًا عَنْ أُمَّةٍ مِنْهُمْ يُعَدْ … أَخْفَشُهُمْ بِقِيلَ مَرْوِيًّا وَرَدْ وَإِنْ يَكُ الْمَجْرُورُ مَعْ تَأَخُّرِ … فَمَنْعُهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَإِنْ يَكُنْ مُقَدَّمًا … فَالأَشْهَرُ لِسِيبَوَيْهِ مَنْعُهُ مُقَرَّرُ كَذَا الْمُبَرِّدُ مَعَ السَّرَّاجِ … هِشَامُهُمْ أَيْضًا بِذَا الْمِنْهَاجِ

стр. 11230

وَالأَخْفَشُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ … كَذَا الْكِسَائِي بِالْجَوَازِ حَاجُوا (١) وَاشْتَرَطَ الأَعْلَمُ مَعْ جَمَاعَةِ … أَنْ يَلِيَ الْمَجْرُورُ لِلْعَاطِفَةِ وَالْعَطْفُ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ … مَعْ عَامِل أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَيْنِ (٢) وإن أردت تفصيل معاني الأبيات، وتحقيق المسألة، فارجع إلى شرحي المسمّى "فتح القريب المجيب في شرح مُدْني الحبيب" (٣)، تزدد علمًا، وبالله تعالى التوفيق. وإعراب قوله: (وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً) كإعراب ما قبله. (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَة) قال الطيبيّ ﵀: أسقط المضاف هنا إما اعتمادًا على السابق، ويدلّ عليه رواية الجرّ، أو قطعًا له عن ذلك الحكم، وأن قليلًا من هذا النوع يقوم مقام تلك الأمور السابقة، فكيف بالكثير؟. انتهى (٤). وقال النوويّ ﵀: فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولهذا نَكَّره، والثواب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد يتعين، ولا يُتَصَوَّرُ وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل، ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل؛ لقوله في الحديث القدسيّ: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضت عليه"، رواه البخاريّ من رواية أبي هريرة ﵁، ونقل إمام الحرمين عن بعضهم أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. انتهى (٥). (وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ") "البُضْعُ" بضمّ الموحّدة: الجماع، وأصله الفرج، قال الأصمعيّ: يقال: ملك فلان بُضع فلانة: إذا ملك عَقْدَ نكاحها،

стр. 11231

وهو كناية عن موضع الْغَشَيان، والمباضعة: المباشرة، والاسم الْبُضع، وفيه دليلٌ على أن النيّات الصادقات تَصْرِف المباحات إلى الطاعات، قاله القرطبيّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: "الْبُضْعُ" بضم الباء، يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسِهِ، وكلاهما تصحّ إرادته هنا، وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادةً إذا نوى به قضاء حقّ الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسِهِ، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهمّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. انتهى (٢). وقال في "المرعاة": في إدخال "في" في قوله: "وفي بُضع أحدكم" إشارة إلى أن ذاته ليست صدقةً، بل ما تضمّنه من التحصين، وأداء حقّ الزوجة، وطلب الولد الصالح، وأما الأمور المذكورة قبله فذواتها صدقة؛ لأنها أذكار وقربات. انتهى بتصرّف (٣). وقال الطيبيّ ﵀: الباء في قوله: "إن بكلّ تسبيحة صدقةً" بمعنى "في"، وإنما أعيدت في قوله: "وفي بضع أحدكم"؛ لأن هذا النوع من الصدقة أغرب من الكلّ، حيث جُعل قضاء الشهوة بهذا الطريق مكانًا للصدقة، ومقرّها. انتهى بتصرّف (٤). (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟) قال القرطبيّ ﵀: هذا استفهام من استَبْعَدَ حصولَ أجرٍ بفعل مُستلذّ يحُثّ الطبع عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفّح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصُل في العبادات الشاقّة على النفوس المخالفة لها، ثم إنه ﷺ أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: "أرأيتم لو وضعها في حرام … إلخ"، ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يُقابَل به الآخرُ من الذوات والأحكام،

стр. 11232

وقد اختَلَف الأصوليّون في هذا النوع من القياس، هل يُعمل به أم لا؟ على قولين، وهذا الحديث حجة لصحّة العمل بهذا النوع. انتهى كلام القرطبيّ (١). (قَالَ) ﷺ (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَام، أكانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟) قال الطيبيّ ﵀: أقحم همزة الاستفهام على سبيل التقرير بين "لو" وجوابها تأكيدًا للاستخبار في قوله: "أرأيتم". انتهى (٢). (فَكَذَلِكَ اِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْرًا") قال النوويّ ﵀: ضبطنا "أجرًا" بالنصب والرفع، وهما ظاهران. انتهى. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٢٩] (١٠٠٦) وقد تقدّم بسياق آخر مختصرًا في "كتاب صلاة المسافرين وقصرها" برقم [١٦٧١]، (٧٢٠)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥٢٤٣ و ٥٢٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٧ و ١٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن كلّ نوع من المعروف صدقةٌ. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة التسبيح، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحضار النية في المباحات. ٣ - (ومنها): ذكر العالم دليلًا لبعض المسائل التي تَخْفَى. ٤ - (ومنها): تنبيه المفتي على مختصر الأدلة.

стр. 11233

٥ - (ومنها): جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يَخْفَى من الدليل؛ إذا عَلِم من حال المسئول أنه لا يَكْرَه ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب. ٦ - (ومنها): جواز القياس، وهو مذهب العلماء كافّةً، ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، وذكر ابن تيميّة ﵀ أن هذا من بِدَعهم، قال النوويّ ﵀: وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذمّ القياس فليس المراد به القياس الذي يعتمده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور في الحديث هو من قياس العكس، واختَلَف الأصوليون في العمل به وهذا الحديث دليل لمن عمل به، وهو الأصح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال: [٢٣٣٠] (١٠٠٧) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أنَهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أنَهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكةً، أَوْ عَظْمًا، عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ"، قَالَ أَبو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ (١): "يُمْسِي"). رجال الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِي الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.

стр. 11234

٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةَ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة ١/ ٥٤٠. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) القُرشيّ التيميّ مولى عائشة ﵄ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عائشة، وأبي هريرة، وروى عنه شداد بن عمار، وأبو سلام الحبشيّ، ومبارك بن أبي حمزة الزبيريّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: مجهول، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقةٌ. روى له مسلم حديثين وأخرج أبو داود أحدهما وهو أنا سيد ولد آدم والآخر في الذكر بعدد المفاصل أخرج له المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٠٧)، وحديث (٢٢٧٨): "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة … ". ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، سوى شيخه، فحلوانيّ، ثم مكيّ، وأبي توبة، فحلبيّ، ثم طَرَسُوسيّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع، إلا في موضع. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أخيه، عن أبيهما. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو سلّام، عن ابن فرّوخ، وهو من رواية الأقران. شرح الحديث: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ فَرُّوخَ (أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ) ببناء الفعل

стр. 11235

للمفعول (مِنْ بَنِي آدَمَ) بيان لإفادة التعميم (عَلَى سِتَينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ) بالإضافة، وهو بفتح الميم، وكسر الصاد: مُلتقى العظمين في البدن، وقال الفيّوميّ-﵀: الْمَفْصِلُ وزانُ مسجد أحد مفاصل الأعضاء. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: المفاصل هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض. انتهى (١). (فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ) أي: عظّمه، أو قال: الله أكبر، قاله القاري (وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ) أي: وحّده، أو قال: لا إله إلا الله (وَسَبّحَ اللهَ) أي: نزّهه عما لا يليق به من الصفات، أو قال: سبحان الله (وَاستَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا) من باب ضرب: أي: نحّاه، وأزاله (عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا) "أو" للتنويع (عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ) بصيغة الماضي، وكذا ما بعده (بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَددَ تِلْكَ السِّتِّينَ) أي: بعددها، فهو منصوب بنزع الخافض كتعلّق بالأذكار وما بعدها، أو بفعل مقدّر؛ يعني: من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد تلك الستين (وَالثَّلَاثِ مِائَةِ) بإضافة "ثلاث" إلى "مائة" مع تعريف الأول، وتنكير الثاني، والمعروف لأهل العربيّة عكسه، وهو تنكير الأول، وتعريف الثاني. وأجيب بأن الألف واللام زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما، قال الطيبيّ ﵀: ولو ذُهب إلى أن التعريف بعد الإضافة كما في الخمسة عشر بعد التركيب لكان وجهًا حسنًا، وقيل: "مائةً" منصوب على التمييز على قول بعض أهل العربيّة (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "والثلاثمائةٍ السُّلامَى" كذا وقعت الرواية، وصوابه في العربيّة "ثلاثمائةٍ السُّلامَى"؛ لأنه لا يُجمع بين الألف واللام والإضافة إلا في الإضافة غير المحضة بشرط دخول الألف واللام على المضاف والمضاف إليه. انتهى (٣). وقوله: (السُّلَامَى) بدل من "الثلاثمائة والستّين"، وهو بضمّ السين

стр. 11236

المهملة، وتخفيف اللام، وهو المفصل، وجمعه سُلامَيات بفتح الميم، وتخفيف الياء، قال النوويّ ﵀ (١). وقال الفيّوميّ ﵀: السُّلامَى أُنثى، قال الخليل: هي عظام الأصابع، وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضًا، وقال قُطْرُبٌ: السُّلامَيَاتُ: عروقُ ظاهر الكفّ والقدم. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀: السُّلامَى: جمع سُلاميةٍ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحدة وجمعه سواءٌ، ويُجمع على سُلامَيَاتٍ، وهي التي بين كل مَفْصِلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامَى كلُّ عظم مُجَوَّفٍ من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقٌ، وقيل: إن آخر ما يبقى فيه المخّ من البعير إذا عَجفَ السُّلامَى والعينُ، قال أبو عُبيد: هو عظمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: ومقصود هذا الحديث أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتّى الحركاتُ والسكناتُ إلا بها، والأعصابُ رباطات، واللحوم والجلود حافظاتٌ وممكِّناتٌ، فهي إذاً أعظم نِعَمِ الله تعالى على الإنسان، وحقُّ الْمُنْعَم عليه أن يقابل كلَّ نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يُعطي صدقةً كما أعطي منفعةً، لكن الله تعالى لَطَفَ وخَفَّفَ بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطيّة، وكذلك التحميدةُ، وغيرها من أعمال البرّ وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأَتَمَّ تَمَامَ الفضل أن اكتَفَى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ، وقد نبّهنا على سرّ ذلك في "باب صلاة الضحى". انتهى (٤). قمال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: "بركعتين في الضحى" إلى ما تقدّم للمصنّف في "باب صلاة الضحى" (٥)، عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال:

стр. 11237

"يُصْبِح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ، وكل تحميدة صدقةٌ، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". (فإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) أي: وقتَ إذ فَعَلَ ذلك (وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ) أي: باعدها، ونَحّاها (عَنِ النَّارِ"، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع شيخه الثاني في روايته: (وَرُبَّمَا قَالَ) وفي نسخة: "قالت" والضمير لعائشة ﵂ (يُمْسِي) غرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في كلمة "يمشي"، فقال الحسن الحلوانيّ: "يمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، من المشي، وهو الذهاب، وقال أبو توبة: "يُمسي" بضمّ أوله، وبالسين المهملة، من الإمساء، وهو الدخول في وقت المساء. وقال النوويّ ﵀: ووقع لأكثر رواة "كتاب مسلم" الأول "يَمْشِي" بفتح الياء، وبالشين المعجمة، والثاني بضمها، وبالسين المهملة، ولبعضهم عكسه، وكلاهما صحيح، وأما قوله بعده في رواية الدارميّ، وقال: "إنه يُمْسِي" فبالمهملة لا غير. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٠ و ٢٣٣١ و ٢٣٣٢] (١٠٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11238

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَني مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زيدٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ"، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: أ- (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ الثقةٌ الفاضل المتقن [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّئَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثنَا عَلِيُّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، حَدَّثنا يَحْيَى، عَنْ زيدِ بْنِ سَلَّام، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُلِقَ كُل إِنْسَانٍ … "، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ) بن دِرْهَم الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].

стр. 11239

رَوَى عن عثمان بن سعد الكاتب، ومعاذ وعمر ابني العلاء، وسَلْم بن جعفر البكري، وإسماعيل بن سليمان الكحال، وشعبة وعبد الله بن أبي كثير، وعلي بن المبارك الْهُنَائيّ، وجماعة. وروى عنه ابنه الحسن، وعمرو بن عليّ، وأبو موسى، وبُنْدارٌ، ومحمد بن مَعْمَر الْبَحْرانيّ، وعبد الله بن الهيثم العبديّ، وعباس العنبريّ، وأبو بكر بن نافع العبديّ، وغيرهم. قال عباس العنبريّ: كان ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به باس، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠٠٧)، وحديث (١٢٤٠): "من شاء أن يجعلها عمرةً، فليجعلها … "، و (١٩٧٧): "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي … ". ٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليمامي، بصريّ الأصل، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) هنا "يَمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، لا غير، كما أسلفنا تحقيقه. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11240

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٣] (١٠٠٨) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةٌ"، قِيلَ: أَرَأيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدّقُ"، قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يَأمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوِ الْخَيْرِ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ (١) "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في أول الباب. ٢ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وأبي وائل، وأبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، ورِبْعيّ بن حِرَاش. وروى عنه قتادة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، وزيد بن أبي أُنيسة، وزكرياء بن أبي زائدة، ومسعر، وأبو عوانة، وغيرهم. قال الميمونيّ، عن أحمد بن حنبل: بَخٍ ثبتٌ في الحديث، وقال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": لم يسمع ابنُ أبي بردة من ابن عمر شيئًا، إنما يروي عن أبيه، عنه، وروايته عن جدِّه منقطعةٌ، لم يسمع منه شيئًا. وقال الصَّرِيفِينيّ: مات سنة (١٦٨)، قال الحافظ: كذا بخط مُغْلطاي، ولعلّه وثلاثين بدل وستين. انتهى.
следующие страницы →