← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

المهملة، وتخفيف اللام، وهو المفصل، وجمعه سُلامَيات بفتح الميم، وتخفيف الياء، قال النوويّ ﵀ (١). وقال الفيّوميّ ﵀: السُّلامَى أُنثى، قال الخليل: هي عظام الأصابع، وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضًا، وقال قُطْرُبٌ: السُّلامَيَاتُ: عروقُ ظاهر الكفّ والقدم. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀: السُّلامَى: جمع سُلاميةٍ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحدة وجمعه سواءٌ، ويُجمع على سُلامَيَاتٍ، وهي التي بين كل مَفْصِلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامَى كلُّ عظم مُجَوَّفٍ من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقٌ، وقيل: إن آخر ما يبقى فيه المخّ من البعير إذا عَجفَ السُّلامَى والعينُ، قال أبو عُبيد: هو عظمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: ومقصود هذا الحديث أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتّى الحركاتُ والسكناتُ إلا بها، والأعصابُ رباطات، واللحوم والجلود حافظاتٌ وممكِّناتٌ، فهي إذاً أعظم نِعَمِ الله تعالى على الإنسان، وحقُّ الْمُنْعَم عليه أن يقابل كلَّ نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يُعطي صدقةً كما أعطي منفعةً، لكن الله تعالى لَطَفَ وخَفَّفَ بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطيّة، وكذلك التحميدةُ، وغيرها من أعمال البرّ وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأَتَمَّ تَمَامَ الفضل أن اكتَفَى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ، وقد نبّهنا على سرّ ذلك في "باب صلاة الضحى". انتهى (٤). قمال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: "بركعتين في الضحى" إلى ما تقدّم للمصنّف في "باب صلاة الضحى" (٥)، عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال:

стр. 11237

"يُصْبِح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ، وكل تحميدة صدقةٌ، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". (فإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) أي: وقتَ إذ فَعَلَ ذلك (وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ) أي: باعدها، ونَحّاها (عَنِ النَّارِ"، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع شيخه الثاني في روايته: (وَرُبَّمَا قَالَ) وفي نسخة: "قالت" والضمير لعائشة ﵂ (يُمْسِي) غرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في كلمة "يمشي"، فقال الحسن الحلوانيّ: "يمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، من المشي، وهو الذهاب، وقال أبو توبة: "يُمسي" بضمّ أوله، وبالسين المهملة، من الإمساء، وهو الدخول في وقت المساء. وقال النوويّ ﵀: ووقع لأكثر رواة "كتاب مسلم" الأول "يَمْشِي" بفتح الياء، وبالشين المعجمة، والثاني بضمها، وبالسين المهملة، ولبعضهم عكسه، وكلاهما صحيح، وأما قوله بعده في رواية الدارميّ، وقال: "إنه يُمْسِي" فبالمهملة لا غير. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٠ و ٢٣٣١ و ٢٣٣٢] (١٠٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11238

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَني مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زيدٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ"، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: أ- (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ الثقةٌ الفاضل المتقن [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّئَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثنَا عَلِيُّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، حَدَّثنا يَحْيَى، عَنْ زيدِ بْنِ سَلَّام، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُلِقَ كُل إِنْسَانٍ … "، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ) بن دِرْهَم الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].

стр. 11239

رَوَى عن عثمان بن سعد الكاتب، ومعاذ وعمر ابني العلاء، وسَلْم بن جعفر البكري، وإسماعيل بن سليمان الكحال، وشعبة وعبد الله بن أبي كثير، وعلي بن المبارك الْهُنَائيّ، وجماعة. وروى عنه ابنه الحسن، وعمرو بن عليّ، وأبو موسى، وبُنْدارٌ، ومحمد بن مَعْمَر الْبَحْرانيّ، وعبد الله بن الهيثم العبديّ، وعباس العنبريّ، وأبو بكر بن نافع العبديّ، وغيرهم. قال عباس العنبريّ: كان ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به باس، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠٠٧)، وحديث (١٢٤٠): "من شاء أن يجعلها عمرةً، فليجعلها … "، و (١٩٧٧): "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي … ". ٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليمامي، بصريّ الأصل، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) هنا "يَمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، لا غير، كما أسلفنا تحقيقه. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11240

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٣] (١٠٠٨) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةٌ"، قِيلَ: أَرَأيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدّقُ"، قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يَأمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوِ الْخَيْرِ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ (١) "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في أول الباب. ٢ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وأبي وائل، وأبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، ورِبْعيّ بن حِرَاش. وروى عنه قتادة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، وزيد بن أبي أُنيسة، وزكرياء بن أبي زائدة، ومسعر، وأبو عوانة، وغيرهم. قال الميمونيّ، عن أحمد بن حنبل: بَخٍ ثبتٌ في الحديث، وقال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": لم يسمع ابنُ أبي بردة من ابن عمر شيئًا، إنما يروي عن أبيه، عنه، وروايته عن جدِّه منقطعةٌ، لم يسمع منه شيئًا. وقال الصَّرِيفِينيّ: مات سنة (١٦٨)، قال الحافظ: كذا بخط مُغْلطاي، ولعلّه وثلاثين بدل وستين. انتهى.

стр. 11241

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٠٠٨) و (١٧٣٣) وكرّره أربع مرات، و (٢٣٠٩) و (٢٥٣١) و (٢٧٣٤) و (٢٧٦٧). ٥ - (أَبُوهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٦ - (جَدُّهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شعبة، فبصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى الأشعريّ ﵀ (عَنِ النَّبِيّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ") جملة من مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، والمعنى أن الصدقة كائنة على كلّ مسلم، ومثله المسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجل، والمراد على سبيل الاستحباب المتأكّد، أو على ما هو أعمّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب، كقوله: "على المسلم ستّ خصال … "، فذكر منها ما هو مستحبّ اتفاقًا، وزاد أبو هريرة في حديثه تقييد ذلك بكلّ يوم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "على كلّ مسلم صدقةٌ" هو هنا مطلقٌ، وقد قيّده في حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "في كلّ يوم"، وظاهر هذا اللفظ الوجوب، لكن خفّفه الله تعالى، حيث جَعَل ما خفّ من المندوبات مُسقطًا له؛

стр. 11242

لُطْفًا منه وتفضّلًا. انتهى (١). (قِيلَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: ما يتصدّق به، وفي رواية البخاريّ: "قالوا: يا نبيّ الله، فمن لم يجد"، قال في "الفتح": كأنهم فَهِمُوا من لفظ الصدقة العطيّة، فسألوا عمن ليس عنده شيء من المال، فبيّن لهم أن المراد بالصدقة ما هوأعمّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوّع التي تُحْسَب يوم القيامة من الفرض الذي أخلّ به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها؛ لما تبيّن من حديث عائشة ﵂ الماضي أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: "فإنه يُمسي يومئذ، وقد زَحْزَح نفسه عن النار". انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ ("يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ) افتعال من العمل، للمبالغة، وفي رواية البخاريّ: "فيعمل" (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) أي: بما يكتسبه من صناعة، وتجارة، ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته، ويستغني بذلك عن ذلّ السؤال لغيره (وَيَتَصَدَّقُ") أي: ينفع غيره بإعطاء الصدقة، ويكتسب الأجر. قال القسطلّانيّ: وقوله: "فيعتملُ، فينفعُ، ويتصدّقُ" برفع الثلاثة خبر بمعنى الأمر، قاله ابن مالك. (قَالَ) أبو موسى ﵁ (قِيلَ) أي: قال قائل للنبيّ ﷺ ، ولا يُعرف من هو؟ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) أي: الاعتمال بيديه (قَالَ) ﷺ ("يُعِينُ) أي: بالفعل، أو بالقول، أو بهما (ذَا الْحَاجَه) أي: صاحب الاحتياج إلى المعونة (الْمَلْهُوفَ") بالنصب نعت و"ذا الملهوف". أي: المستغيثَ، وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا، أو عاجزًا، قاله في "الفتح". وقال النوويّ ﵀: الملهوف عند أهل اللغة يُطلق على المتحسّر، وعلى المضطرّ، وعلى المظلوم، وقولهم: يا لَهْفَ نفسي على كذا كلمة يُتحسّر بها على ما فات، ويقال: لَهِفَ -بكسر الهاء- يَلْهَفُ -بفتحها- لَهْفًا -بإسكانها-: أي: حَزِن، وتحسّر، وكذلك التلهّف. انتهى (٣).

стр. 11243

وقال القرطبيّ ﵀: "ذو الحاجة الملهوف" أي: صاحب الحاجة المضطز إليها الذي قد شغله همّه بحاجته عن كلّ ما سواها، ولا شكّ في أن قضاء حاجة من كانت هذه حاله يتعدّد فيها الأجر، ويكفُر بحسب ما كَشَفَ من كربة صاحبها. قال: ومقصود هذه الأحاديث الترغيبُ في أعمال البرّ والخير بطريق إظهار وجه الاستحقاق واللطف، والحمد لله. انتهى (١). (قَالَ) أبو موسى ﵁ (قِيلَ لَهُ) أي: للنبيّ ﷺ (أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) ما ذُكر من إعانة ذي الحاجة (قَالَ) ﷺ ("يَأمُرُ بِالْمَعْرُوفِ) (أَوِ) للشكّ (الْخَيْرِ") يَشْمَلُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإفادة العلميّة، والإفادة العمليّة، والنصيحة العمليّة، وللبخاريّ: "فليعمل بالمعروف" (قَالَ) الراوي (أَرَأَيْتَ اِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) أي: لم يتيسّر له ذلك (قَالَ) ﷺ ("يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ") وفي نسخة: ("فإنها له صدقةٌ"، قال في "الفتح": كذا وقع بضمير المؤنّث، وهو باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك، ووقع في رواية "الأدب": "فإنه" أي: الإمساك "له" أي: للممسك. وقال النوويّ ﵀: قوله: "تمسك عن الشرّ، فإنها صدقةٌ" معناه: صدقةٌ على نفسه، كما في غير هذه الرواية، والمراد أنه إذا أمسك عن الشرّ لله تعالى كان له أجرٌ على ذلك كما أن للمتصدّق بالمال أجرًا. انتهى (٢). وقال الزين ابن المنيّر؛ إنما يَحْصُل ذلك للممسك عن الشرّ؛ إذا نوى بالإمساك القربة، بخلاف محض الترك، والإمساك أعمّ من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدّق عليه بالسلامة منه، فإن كان شرّه لا يتعدَّى نفسه، فقد تصدّق على نفسه بأن منعها من الإثم، قال: وليس ما تضمّنه الخبر من قوله: "فإن لم يجد" ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده، فيتصدّق، وأن يُغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشرّ، فليفعل الجميع.

стр. 11244

ومحصّل ما ذُكر في حديث الباب أنه لا بدّ من الشفقة على خلق الله تعالى، وهي إما بالمال، أو غيره، والمال إما حاصل، أو مكتسبٌ، وغير المال إما فعلٌ، وهو الإغاثة، وإما تركٌ، وهو الإمساك. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: ترتيب هذا الحديث أنه نَدَبَ إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرُب منها، أو يقوم مقامها، وهو العمل، والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف؛ أي: مِن سوى ما تقدّم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يُطِق، فترك الشرّ، وذلك آخر المراتب، قال: ومعنى الشرّ هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات؛ إذا كان عجزه عن ذلك من غير اختيار. انتهى. قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ عند مسلم: "ويُجزئ عن ذلك كفه ركعتا الضّحى"، وهو يؤيّد ما قدّمناه أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختل من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمّل بالصلاة، ولا العكس، فدل على افتراق الصدقتين. واستُشْكِل الحديث مع تقدّم ذكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض الكفاية، فكيف تجزئ عنه صلاة الضّحى، وهي من التطوّعات؟. وأجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض، وكان في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضّحى. قال الحافظ: كذا قيل. وفيه نظرٌ، والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستّين حسنة التي يُستحبّ للمرء أن يسعى في تحصيلها كلّ يوم؟ لِيُعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أنّ المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذُكر معه، وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع الجسد، فتتحرّك المفاصل كلّها فيها بالعبادة. وَيحْتَمِل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قول وفعل؛ إذا جعلت كلّ حرف من القراءة مثلًا صدقة، وكانّ صلاة الضحى خُصّت بالذكر؛ لكونها أوّل تطوّعات النهار بعد الفرض، وراتبته، وقد أشار في حديث أبي ذرّ إلى أن صدقة السُّلامَى نهاريّة؛ لقوله: "يصبح على كلّ

стр. 11245

سُلامَى من أحدكم"، وفي حديث أبي هريرة: "كلّ يوم تطلع فيه الشمس"، وفي حديث عائشة ﵂: "فيمسي، وقد زحزح نفسه عن النار". انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٣] (١٠٠٨)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٤٥)، و"الأدب" (٦٠٢٢)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٨)، وفي "الكبرى" (٢٣١٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٣٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ و ٤١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٧٤٧)، و (البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٠٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨ و ١٠/ ٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن أنواع الصدقة لا يُقتصر فيها على الأموال فقط، بل كل ما كان فيه نفعٌ يُعَدّ صدقة. ٢ - (ومنها): أن الأحكام تجري على الغالب؛ لأن في المسلمين من يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: "على كلّ مسلم صدقة". ٣ - (ومنها): أن فيه مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العامّ. ٤ - (ومئها): أن فيه فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة. ٥ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على العمل، والتكسّب؛ ليجد المرء ما ينفق على نفسه، ويتصدّق به، ويُغنيه عن ذلّ السؤال.

стр. 11246

٦ - (ومنها): أنّ فيه الحثَّ على فعل الخير، مهما أمكن، وأنّ من قصد شيئًا منها، فتعسّر عليه، انتقل إلى غيره، مما يسهل عليه. ٧ - (ومنها): أن فيه تقديم النفس على الغير في الإحسان، والمراد بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه. ٨ - (ومنها): بيان جواز صدقة العبد؛ لقوله: "على كلّ مسلم صدقة"، ووجه ذلك أن العبد داخل في عموم "كل مسلم"، فهو مأمور بأن يتصدّق، كما أُمر غيره من عموم المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (عأ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. و"شعبة" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٩٠٣٧) - حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ﷺ قال: "على كل مسلم صدقةٌ"، قال: أفرأيت إن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده، فينفع نفسه، ويتصدق"، قال: أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: "يُعِين ذا الحاجة الملهوفَ"، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: لا يأمر بالخير، أو بالعدل"، قال: أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: "يُمسك عن الشرّ، فإنه له صدقة". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11247

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٥] (١٠٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَة، كُل يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، قَالَ: تَعْدِلُ (١) بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَة، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: وَالْكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُل خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الصنعانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرة) ﵁، تقدّم قريبًا أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.

стр. 11248

شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَذكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ سُلَامَى) مبتدأ أول خبره جملة "عليه صدقة"، وهو -بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم، مقصورًا-: جمع سُلامية، وقيل: واحدة وجمعه سواءٌ، ويُجْمَع على سُلامَيَات، واختُلِف في معناها، فقيل السُّلامية الأَنْمَلة من أنامل الأصابع، وقيل: السُّلامَى كلُّ عظم مُجَوَّف من صغار العظام، وقال أبو عبيد: هو عظم يكون في فِرْسِن البعير. قال في "الطرح": والصواب أن السُّلامَى هي المفاصل، وأنها ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا، كما ثبت ذلك مبينًا في "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قال: "إنه خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل … " الحديث المذكور قبل حديث. انتهى (١)، وقد مرّ البحث فيه قريبًا. وقوله: (مِنَ النَّاسِ) أي: من كلّ واحد منهم، وهو متعلّق بصفة و"سُلامى" (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) جملة من مبتدأ وخبر خبرٌ للمبتدأ الأول، والراجع إلى المبتدأ الضمير المجرور في الخبر. وقال في "الفتح": قوله: "عليه" مُشكِلٌ، قال ابن مالك ﵀: المعهود في "كُلّ" إذا أضيفت إلى نكرة، من خبر، وتمييز، وغيرهما، أن تجيء على وفق المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٥]، وقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، وهنا جاء على وفق "كلّ" في قوله: "كل سلامى عليه صدقة"، وكان القياس أن يقول: عليها صدقة؛ لأن السُّلامَى مؤنثة، لكن دلّ مجيئها في هذا الحديث على الجواز، ويَحْتَمِل أن يكون ضَمَّنَ "السُّلامَى" معنى العظم، أو الْمَفْصِل، فأعاد الضمير عليه كذلك. والمعنى: على كل مسلم مكلّف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له، بأن جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض

стр. 11249

والبسط، وخُصَّت بالذكر؛ لما في التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص بها الآدمي. وقال في "الطرح": معنى هذا الحديث أن كل عظم، أو مَفْصِل من ابن آدم عليه صدقةٌ، وإذا كان كذلك، فظاهر التعبير بقوله: "عليه" أن ذلك من الواجبات؛ لأن السنن لا توصف بأنها على المكلف. والجواب أن هذا قد يُطْلَق في الفعل المتأكد، وإن لم يكن واجبًا، كقوله ﷺ : "للمسلم على المسلم ستُّ خصال، يسلم عليه إذا لقيه … " الحديث، ومعلوم أن البداءة بالسلام سنةٌ، وإنما لم يُجعَل مجموع هذه الخصال واجبة، وإن كان بعضها من فروض الكفايات؛ لما ورد في "صحيح مسلم" من حديث أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ … "، فذكر الحديث، وقال في آخره: "وُيجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، ومعلوم أن النوافل لا تُجزي عن الواجبات، مع الاتفاق على عدم وجوب صلاة الضحى على عموم الناس، والله أعلم. على أنه يمكن أن تؤول هذه الأفعال المذكورة في الباب على الوجوب، كما سيأتي. انتهى (١). (كُلُّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "صدقةٌ"، وقوله: (تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "يوم"، وهي صفة تخصّص اليوم عن مطلق الوقت بمعنى النهار، وقال السنديّ وصف اليوم بذلك؛ لإفادة التنصيص، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]. والحاصل أن الشيء إذا وُصف بوصف يعمّ جميع أفراده يصير نصًّا في التعميم. انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ (تَعْدِلُ) وفي بعض النسخ "يعدل" بالياء التحتانيّة، وكذا باقي الأفعال؛ أي: تصلح (بَيْنَ الِاثْنَيْنِ) متحاكمين، أو متخاصمين، أو متهاجرين (صَدَقَةٌ) أي: أجره كأجر الصدقة، وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "تعدل إلخ" أي:

стр. 11250

تُصلح بين المتخاصمين، وتدفع ظلم الظالم، وهو مبتدأ خبره "صدقةٌ" على تأويل "أن تعدل"، فحُذف "أن" فارتفع الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ونحو: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه"، ويؤيّده عطف قوله: "والكلمة الطيّبة صدقةٌ" عليه، وكذا: "وكلُّ خطوة إلخ" (١). وقال في "الطرح": قوله: "تَعْدِل بين اثنين" يَحْتَمِل أن يراد به العدل في الأحكام من القضاة والأمراء، ويَحْتَمِل أن يراد به الإصلاح بين الناس، وإن كان من غير من له ولاية على ذلك، ولا تسليط، وهو الظاهر؛ لأن عدل القضاة والأمراء واجب لا تطوُّع، وقد أدخله البخاريّ في "صحيحه" في "باب الإصلاح بين الناس"، وإن أريد حمله على الواجب حقيقةً، فيُحْمَل على عدل الحكام. انتهى. (وَتُعِينُ الرَّجُلَ) أي: تساعده (فِي دَابَّتِهِ) أي: دابّة الرجل، أو دابّة المعين (فَتَحْمِلُهُ) بفتح حرف المضارعة، وسكون السين المهملة، وكسر الميم؛ أي: تحمل الرجل (عَلَيْهَا) أي: على الدابّة بأن تعينه في الركوب، أو تَحْمِله كما هو، وقوله: (أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) "أو" هنا للتنويع، وذكر في "الفتح" احتمال كونها للشكّ، والأول هو الظاهر، والله تعالى أعلم (صَدَقَةٌ) أي: له أجر الصدقة بالمال. وقال في "الطرح": قوله: "وتعين الرجل في دابته، تحمله عليها" هو أن تُرْكِب العاجز عن الركوب على دابته، وهكذا أن تَحْمِل معه على دابته متاعه، وبَوَّب عليه البخاريّ في "صحيحه": "باب فضل من حَمَلَ متاع صاحبه في السفر"، ويمكن أن يُجعل على الوجوب في المكاري، فإنه يجب عليه إركاب الشيخ؛ لعجزه عن الركوب وحده، ويجب عليه إبراك الجمل للمرأة؛ لعجزها أو المشقة عليها في ركوب البعير قائمًا، والله أعلم. انتهى. (قَالَ) ﷺ (وَالْكَلِمَةُ الطَّيَّبَةُ صَدَقَةٌ) يَحْتَمِل أن يراد بها المخاطبة للناس، كأن يجيب السائل بكلمة طيبة من غير إفحاش، ونحو ذلك، وهو الظاهر، كما

стр. 11251

قال في حديث آخر: "تَبَسُّمُك في وجه أخيك صدقة"، وفي حديث آخر: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه"، وَيحْتَمِل أن يراد بها الكلمة من الأذكار، كالتهليل، والتسبيح، والتحميد، كما هو مصرح به في حديث عائشة ﵂ المتقدم في ذكر السُّلامَى: "فمن كبّر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله … " الحديث، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤] أن المراد "لا إله إلا الله"، وكذا قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الآية [فاطر: ١٠]. انتهى (١). (وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا) "الخَطْوَة" بفتح الخاء المعجمة: المرّة الواحدة من الْخَطْو، وهو المشيُ، مثل ضَرْب وضرَبة، والْخُطوة بالضمّ: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَاتٌ على لفظه، مثلُ شَهْوة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفات في وجوهها (٢). وقال في "الطرح": في قوله: "كلُّ خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، ما يقتضي أن ثواب الْخُطَا إنما هو الذهاب إلى المسجد دون الرجوع، وهو مُحْتَمِل، لكن قد ورد التصريح في مسند أحمد بقوله: "ذاهبًا وراجعًا"، قال: وإن حملناه على الوجوب فيُمْكِن أن يُحْمَل على السعي الواجب، كالسعي للجمعة، إلا أنه يَرُدُّه قوله: "كل يوم تطلع الشمس"، فإنما يجب السعي مرة في الجمعة، نعم يُحْمَل على قول من أوجب الجماعة في كل صلاة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في أبواب الجماعة أن الصحيح قول من أوجب صلاة الجماعة على الرجال البالغين دون عذر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (إِلَى الصّلَاةِ) يَحْتَمِل أن تكون الألف واللام للعهد، وهو الظاهر، فيكون المراد منه الصلوات المكتوبة، وَيحْتَمِل أن تكون للجنس، وعليه يدخل فيه كل صلاة يُشْرَع المشي إليها، كالعيد، والجنازة، واستبعد هذا الاحتمال في "الطرح" (٣). (صَدَقَةٌ) أي: أجر صدقة المال.

стр. 11252

(وَتُمِيطُ) بضمّ أوله، من الإماطة، والإزالة، والتنحية، قال الفيّوميّ ﵀: ماط مَيْطًا، من باب باع: تباعد، ويتعدّى بالهمزة، والحرف، فيقال: أماطه غيرُهُ إماطةً، ومنه إماطة الأذى عن الطريق، وهي التنحية؛ لأنها إبعاد، وماط به مثلُ ذَهَبَ به، وأذهبته، وذهبتُ به، ومنهم من يقول: الثلاثيّ والرباعيّ يُستعمَلان لازمين، ومتعدّيين، وأنكره الأصمعيّ، وقال: الكلام ما تقدّم. انتهى (١). (الْأذَى) بفتحتين مقصورًا؛ أي: كل ما يؤذي المارّة (عَنِ الطَّرِيقِ) متعلّق بـ "تُميط" (صَدَقَةٌ") أي: له أجر صدقة. والمعنى: أن إزالة كلّ ما يؤذي المارّة، من نحو شوك، أو عظم، أو حجر، وكذا قطع الأحجار من الأماكن الْوَعْرَة، كما يُفْعَل في طريق، وكذا كنس الطريق من التراب الذي يتأذى به المارُّ، ورَدْمُ ما فيه من حُفْرة، أو وهَدَّة، وقطع شجرة تكون في الطريق له أجر صدقة المال. وفي معنى ما ذُكر توسيعُ الطرق التي تضيق على المارة، وإقامة مَن يبيع، أو يشتري في وسط الطرق العامّة، كمحل السعي بين الصفا والمروة، ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذى عن الطريق. ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب، كالبئر التي في وسط الطريق التي يُخْشَى أن يسقط فيها الأعمى، والصغير، والدابة، فإنه يجب طَمُّها، أو التحويط عليها، إن لم يضر ذلك بالمارّة، قاله في "الطرح" (٢). [تنبيه]: وحَكَى ابن بطال عن بعض من تقدمه أن قوله: "وتميط الأذى عن الطريق" من قول أبي هريرة ﵁ موقوف، وتعقّبه بأن الفضائل لا تُدرك بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا من النبيّ ﷺ ، قاله في "الفتح" (٣). [تنبيه آخر]: وزاد البخاريّ ﵀ في هذا الحديث: "ودَلُّ الطريقِ صدقةٌ"، وهو أن يدل مَن لا يَعْرِف الطريق عليها، قاله في "الطرح" (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11253

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٥] (١٠٠٩)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٧٠٧ و ٢٨٩١ و ٢٩٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٢ و ٣١٦)، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٤٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٧ و ١٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٤٥)، وأما فوائده فقد سبقت في المسائل المذكورة في الأحاديث الماضية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٧) - (بَابٌ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِكِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٦] (١٠١٠) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، حَدّثَني مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلا مَلَكانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الْهَيْثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.

стр. 11254

٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٤ - (مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) -بضمّ الميم، وفتح الزاي، وتشديد الراء المكسورة- واسمه عبد الرحمن بن يسار، مولى بني هاشم المدنيّ، ليس به بأسٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمة سعيد بن يسار أبي الْحُباب، ويزيد بن رُومان، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وزياد بن أبي زياد المخزوميّ، وجماعة. ورَوى عنه يزيد بن الهاد، وهو من أقرانه، وسليمان بن بلال، وابن المبارك، وحاتم بن إسماعيل، ووكيع، وجعفر بن عون، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالحٌ، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠١٠)، وحديث (٢٥٥٤): "أما ترضين أن أصل من وصلك؟ … "، و (٢٥٥٥): "الرحم معلّقةٌ بالعرش … ". ٥ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقةٌ مُتقن [٣] (ت ١١٧) أو قبلها (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥/ ١٦١٤. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) وهو عم معاوية بن مُزَرِّد الراوي عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما مِنْ يَوْمٍ) يعني: ليس من يوم،

стр. 11255

وكلمة "مِنْ" زائدة؛ لتأكيد الاستغراق، و"يوم اسم "ما" الحجازيّة، وقوله: (يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ) صفة و"يوم". وفي حديث أبي الدرداء ﵁: "ما من يوم طَلَعَتْ فيه الشمسُ إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هَلُمُّوا إلى ربكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهم أَعْطِ منفقًا خَلَفًا، وأعط ممسكًا مالًا تلفًا"، رواه أحمد. (إِلا مَلَكَانِ) مبتدأ، خبره قوله: (يَنْزِلَانِ) أي: فيه، وهذه الجملة مع ما يتعلّق بها في محلّ الخبر لـ"ما". وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "ملكان" مُسْتَثْنًى من متعلّق محذوف، هو خبر "ما"، والمعنى ليس يومٌ موصوف بهذا الوصف، ينزل فيه أحدٌ، إلَّا ملكان يقولان: كيت وكيت، فحُذِف المستثنى منه، ودُل عليه بوصف الملكين، وهو "ينزلان"، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بعد "إلَّا" في الاستثناء المفرَّغ قولك: ما اخترتُ إلا رفيقًا منكم، التقدير: ما اخترتُ منكم أحدًا إلَّا رفيقًا. انتهى (١). وفي حديث أبي الدرداء ﵁: "إلا وبجنبتيها ملكان"، والجنبة بسكون النون: الناحيةُ (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا) قال السنديّ ﵀: لا يقال: لا فائدة في هذا القول على تقدير عدم سماع الناس له؛ إذ لا يحصل به ترغيب، ولا ترهيبٌ بدون السماع؛ لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع، فينبغي للعاقل أن يلاحظ كلّ يوم هذا الدعاء كأنه يسمعه من الملكين، فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل، وهذه فائدة إخبار النبيّ ﷺ بذلك، على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا، سواءٌ عَلِموا به أم لا؟. انتهى (٢). (اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع الهمزة، من الإعطاء رباعيًّا (مُنْفِقًا) أي: منفق مال (خَلَفًا) -بفتح اللام- أي: عِوَضًا عظيمًا، وهو العوض الصالح، أو عِوَضًا في

стр. 11256

الدنيا، وبدلًا في العقبى، قيل: أبهم الخلف؛ ليتناول المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف الماليّ، فيكون خلفه الثواب المعدّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السوء ما يقابل ذلك (١). قال الطيبيّ ﵀: يقال: خَلَف الله لك خَلَفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا؛ أي: أبدلك بما ذهب منك، وعوّضك منه (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: وأخلف عليك بالألف: رَدّ عليك مثل ما ذَهَبَ منك، وأخلف الله عليك مالك، وأخلف لك مالك، وأخلف لك بخير، وقد يُحذف الحرف، فيقال: أخلف الله عليك، ولك خيرًا، قاله الأصمعيّ، والاسم الْخَلَفُ بفتحتين، قال أبو زيد: وتقول العرب أيضًا: خَلَف الله لك بخير، وخَلَفَ عليك بخير يَخْلُفُ بغير ألف. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن خَلَف ثلاثيًّا، وأخلف رباعيًّا يُستعملان لمعنى عوّض، وأبدل، ولكن أخلف أكثرُ استعمالًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (ويقُولُ الآخَرُ: اللَهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا) أي: من يُمسك خيره عن غيره (تَلَفًا") بفتح اللام: أي: هلاكًا وضياعًا. قال في "الفتح": التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة؛ لأن التلف ليس بعطيّة، وأفاد حديث أبي هريرة ﵁ أن الكلام المذكور مُوَزَّع بينهما، فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء ﵁ نسبة المجموع إلى المجموع، وتضمنت الآية -يعني: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ الآية [الليل: ٥]- الوعد بالتيسير لمن يُنفق في وجوه البرّ، والوعيد بالتعسير لعكسه، والتيسير المذكور أعمّ من أن يكون لأحوال الدنيا، أو لأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخَلَف يَحْتَمِل الأمرين، وأما الدعاء بالتَّلَف فيَحْتَمِل تَلَف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البرّ بالتشاغل بغيرها.

стр. 11257

قال النوويّ ﵀: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال، والضيفان، والتطوعات. وقال القرطبيّ ﵀: وهو يعمّ الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحقّ هذا الدعاء، إلا أن يَغْلِب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحقّ الذي عليه ولو أخرجه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قوله في حديث أبي موسى: "طَيِّبَةً بها نفسه". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٣٣٦] (١٠١٠)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٥٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٩١٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ الآية [سبأ: ٣٩]، ولقوله: "ابن آدم أَنْفِق أُنْفِق عليك"، وهذا يعم الواجب والمندوب. ٢ - (ومنها): بيان أن الممسك يستحقّ تَلَفَ ماله، ويراد به الإمساك عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحقّ هذا الدعاء، اللهم إلَّا أن يغلب عليه البخل بها، وان قَلّت في نفسها، كالحبة واللقمة، ونحوهما، فهذا قد يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه، وقلّما يكون كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات، أو لا يطيبُ نفسًا بها، قاله القرطبيّ ﵀ (٢).

стр. 11258

٣ - (ومنها): أن فيه الحضَّ على الإنفاق في الواجبات، كالنفقة على الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض. ٤ - (ومنها): أن فيه دعاء الملائكة، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله ﷺ : "من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، قاله في "العمدة" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ الْمُبَادَرةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٧] (١٠١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْب يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا (٢)، فَأمَّا الْآنَ (٣) فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدِ) بن مُزَين، ويقال: ابن مُرَي -مصغّرًا- ابن حارثة بن ناصرة بن عمرو بن سعيد بن علي بن رُهْم بن رَبَاح بن يَشْكُر بن عدوان بن عَمرو بن قيس عَيْلان بن مُضر بن نِزار الْجَدَليّ -بجيم، ومهملة مفتوحتين-

стр. 11259

الْقَيْسيّ العابد، أبو القاسم الكوفيّ القاصّ، وجَدِيلة هي أم يَشْكُر، وهي بنت مُرّ بن أُدّ بن طابخة، ثقةٌ عابدٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الخزاعيّ، والمستورد بن شَدّاد الفِهْريّ، وزيد بن عقبة الفزاري، ومسروق، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، وعاصم بن بَهْدلة، ومغيرة بن مقسم، ومسعر، وشعبة، والثوريّ، وأبو شيبة، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقةً إن شاء الله تعالى، قليل الحديث، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ، والعجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: وكل هؤلاء كوفيون ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا صابرًا على التهجد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد، وقال ابن معين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لَمّا قَدِم الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير، جلس يَعْرِض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الجَدَليّ، وكان قصيرًا دميمًا، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّةً على معرفته وفهمه. قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غَنّام: مات في ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة ثمان عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٠١١) و (٢١٩٥) وأعاده بعده، و (٢٢٩٨) و (٢٨٥٣) وأعاده بعده. ٥ - (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ الصحابيّ، نزل الكوفة، وكان عمر زوج أمه (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٣/ ١٥٩٨. والباقون تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 11260

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون سوى ابن المثنّى، وابن جعفر، وشعبة. ٤ - (ومنها): أن صحابيه من المقلِّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث فقط، انظر: "تحفة الأشراف" (٣/ ١٠/ ١٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) الْجَدَليّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدّقُوا) أَمرٌ بالصدقة، ثم عَلّل الأمر بها بالفاء التعليليّة، فقال (فَيُوشِكُ) مضارع أوشك، قال الفيّوفي ﵀: يُوشك أن يكون كذا من أفعال المقاربة، والمعنى الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ: الإيشاك: الإسراع، وفي "التهذيب" في "باب الحاء": وقال قتادة: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن لنا يومًا أوشك أن نستريح فيه، ونَنْعَمَ، لكن قال النحاةُ: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضيًا ثلاثيًّا، فقالوا: وَشُكَ، مثلُ قَرُبَ وُشْكًا. انتهى (١). وقال في "القاموس": وَشُكَ الأمر، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوَشَّكَ، وأوشك: أسرع السير، كواشك، ويوشِكُ الأمر أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفْتَحُ شِينه، أو لغة رديّة. انتهى (٢). (يُوشكُ الرّجُلُ) أي: يَقْرُب (يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) أي: طالبًا للمحتاج حتى يدفعها إليه، وفي رواية النسائيّ: "فَإِنَّهُ سَيَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ" (فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا) أي: عُرضت عليه، وهو بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصدقة، والمعنى: يقول الذي يُراد أن يُعطَى الصدقة؛ أي: يريد المتصدّق إعطاءه إيّاها (لَوْ جِئْتَنَا

стр. 11261

بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا) وفي نسخة: "قبلتها منك"؛ أي: لاحتياجي إليها فيه (فَأمّا) وفي نسخة: "وأما" (الآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) قال القرطبيّ ﵀: يعني: أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآتي: "تقيء الأرض أفلاذ كَبِدها أمثال الأسطوانة من الذهب"، وهذا كناية عما تُخرج الأرض من الكنوز والنَّدَرَات (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ٢] أي: كنوزها على أحد التفسيرين، وقيل: موتاها. انتهى (٢). (فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا") والظاهر أنّ ذلك يقع في آخر الزمان، حين يَفيض المال، كثرةً، عند قرب الساعة، ومن ثمّ أورده البخاريّ ﵀ في "كتاب الفتن"؛ لأن كثرة المال من الفتن، ويدلّ عليه حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فَيَفِيضَ، حتى يُهِتم ربَّ المال، من يقبل صدقته، وحتى يَعرِضَه، فيقول الذي يَعرِضه عليه: لا أرب لي"، متّفق عليه. وحديثُ أبي موسى ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ليأتينّ على الناس زمان، يطوف الرجل فيه بالصدقة، من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ الواحد، يتبعه أربعون امرأة، يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال، وكثرة النساء". متّفق عليه. وقال ابن التين ﵀: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى ﵇، حين تُخرِجُ الأرض بركاتها، حتّى تُشبع الرُّمّانةُ أهلَ البيت، ولا يبقى في الأرض كافر. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن التين ﵀ محتمل، وَيحْتَمِل أن يكون قبل ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب ﵁ هذا متّفق عليه.

стр. 11262

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٨/ ٢٣٣٧] (١٠١١)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١١ و ١٤٢٤)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٦)، و (أبو داود الطيالسي) في "مسنده" (١/ ١٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الصدقة، والمبادرة بأدائها إلى مستحقّها قبل أن لا يوجد من يقبلها، قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث، والأحاديث بعده مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته الحثُّ على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذُّرها، وقد صَرَّح بهذا المعنى بقوله ﷺ في أول الحديث: "تصدقوا، فيوشك الرجل … " إلى آخره، وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في "الصحيح" بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادّخارهم المال، وكثرة الصدقات، والله أعلم. انتهى (١). ٢ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته. ٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع في آخر الزمان. ٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن فتح الدنيا لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ ﷺ ، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفِتَن التي تقع عند قرب الساعة، نسأل الله تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، وغافر السيّئات آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11263

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٨] (١٠١٢) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَاس زَمَانٌ، يَطُوفُ الرّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا مِنْهُ، ويُرَى الرّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأةً يَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ"، وَفي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ: "وَتَرَى الرَّجُلَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ برّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. والباقون تقدّموا قبل باب، وأبو أسامة اسمه حمّاد بن اسامة. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد الله بن بزاد، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة في الرواية عنهم بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه لا يوجد في "الصحيحين" من اسمه بُريد إلا المذكور في هذا السند، وكنيته أبو بُردة مثل جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد بن عبد الله، وأبو موسى أبوه.

стр. 11264

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) -بضم الباء الموحدة، مصغّرًا- اسمه عامر، وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ) اللام هي الموطّئة للقسم، و"يأتيَنّ" مؤكّد بالنون الثقيلة، جواب للقسم المقدّر؛ أي: والله ليأتينّ (عَلَى النّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ) أي: يدور (الرَّجُلُ فِيهِ) أي: في ذلك الزمان (بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذهَبِ) خصّه بالذكر؛ مبالغةً في عدم مَن يَقْبَل الصدقة؛ لأن الذهب أعزّ المعدنيات، وأشرف الأموال، فإذا لم يوجد من يأخذ هذا، ففي غيره بالطريق الأولى. وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "يطوف الرجل بصدقته من الذهب" إنما هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحدٌ، فكيف الظن بغيره؟. قال: وقوله: "يطوف" إشارة إلى أنه يتردد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها، فتحصل المبالغة والتنبيه على عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء: كونه يَعْرِضُها، ويطوف بها، وهي ذَهَبٌ. انتهى (١). (ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا) أي: الصدقة (مِنْهُ، ويُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (يَتْبَعُهُ) جملة في محل النصب على الحال (أَرْبَعُونَ امْرَأةً) قال الكرمانيّ ﵀: التخصيص بعدد الأربعين لا يدلّ على نفي الزائد؛ أي: فلا ينافي رواية "خمسين امرأة" (يَلُذْنَ بِهِ) أي: يَلتجئن إليه، ويرغبن فيه، وهو بضم اللام، وسكون الذال المعجمة: من لاذ يلوذ لَوْذًا، كقال يقول قولًا (٢): إذا التجأ به، وانضمّ إليه، واستغاث به، وذلك إما لكونهن نساءه وسراريّه، وقيل: من البنات والأخوات، وشِبْهِهِنّ من القرابات. وقال القرطبيّ ﵀: معنى "يَلُذْن" يستترن ويتحرّزن به، من الملاذِ الذي هو السترة، لا من اللذّة، وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم، كما

стр. 11265

سيأتي في "كتاب الفتن". انتهى (١). (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ") وتكون قلة الرجال من اشتداد الفتن، وترادف الْمِحَن، فيقلّ الرجال. وقال النوويّ ﵀: معنى "يَلُذْنَ به": أي: ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهن، وَيذُبّ عنهن، كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط، وبقيت نساؤها، فَيَلُذْن بذلك الرجل؛ لِيَذُبّ عنهنّ، ويقوم بحوائجهنّ، ولا يطمع فيهنّ أحد بسببه، وأما سبب قلة الرجال وكثرة النساء، فهو الحروب والقتال الذي يقع في آخر الزمان، وتراكم الملاحم، كما قال ﷺ : "ويكثُر الْهَرْج": أي: القتل. انتهى (٢). (وَفي رِوَايَةِ) عبد الله (ابْنِ بَرَّادٍ) شيخه الأول ("وَتَرَى الرَّجُلَ") بتاء الخطاب، والبناء للفاعل، ونصب "الرجل" على المفعوليّة، قال النوويّ ﵀: قوله: "وُيرَى الرجل الواحدُ" ثم قال: وفي رواية ابن براد: "وتَرَى"، هكذا هو في جميع النسخ: الأول "يُرَى" بضم الياء المثناة تحتُ، والثاني بفتح المثناة فوقُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٣٨] (١٠١٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٨٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الاهتمام بالمبادرة في أداء الصدقة إلى مستحقّها، واغتنام إمكانها قبل تعذرها، وفي "الصحيحين" عن حارثة بن

стр. 11266

وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها". ٢ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ بكثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته، حتى يحصل له من ذلك همّ، قال النوويّ: وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في "الصحيح" بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة الناس وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادّخارهم المال، وكثرة الصدقات. ٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما يكون في آخر الزمان، وسيقع ذلك لا محالة، كما أخبر ﷺ ؛ لأن خبره ﷺ صدق مطابق للواقع، لا يتخلّف بوجه من الوجوه. ٤ - (ومنها): الإعلام بما يكون بعده ﷺ من كثرة الأموال، حتى لا يجد صاحب الصدقة من يقبلها، والظاهر أن ذلك بعد قتل عيسى ﵇ الدجال وهلاك الكفّار، فإنه إذا نزل لا يجد أحد من الكفّار نفَسه إلا مات، ونفَسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه، كما سيأتي عند المصنّف في "كتاب الفتن" -إن شاء الله تعالى-، ففي ذلك الوقت لا يبقى بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون، لا يدّخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتردّ الأرض إذ ذاك بركاتها، حتى تكفي الجماعة الرُّمانة الواحدة، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها، وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره، أو ما خلقه الله تعالى في الأرض، ويكثر المال، حتى لا يتنافس فيه الناس. ٥ - (ومنها): أنه استنبط منه بعضهم أنه إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه، وهو واضح الحكم والتعليلِ؛ إذ لم يقع منه تقصير، ولا منع، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بان هذا سيقع، أما كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثومًا أو غير مأثوم، فليس فيه تعرّض له، قاله في "الطرح" (١).

стр. 11267

٦ - (ومنها): بيان أن الرجال سيقلّون، وتكثر النساء، حتى يكون لأربعين امرأة، أو لخمسين القيّم الواحد، وسبب ذلك كثرة الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، قال في "الفتح": وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدّة موطوءات. وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيه نظر؛ لأنه صرّح بالقلة في حديث أبي موسى ﵁-يعني: المذكور في الباب- فقال: "من قلة الرجال، وكثرة النساء"، والظاهر أنها علامة محضةٌ، لا لسبب آخر، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يَقِلّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل، ورفع العلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَكْثُرَ الْمَالُ، ويفِيضَ، حَتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأنهَارًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) -بتشديد التحتانيّة (٢) - المدنيّ نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] [ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.

стр. 11268

٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يعقوب، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (تَقُومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة، قال ابن الأثير ﵀: الساعة في الأصل تُطلَق على معنيين: [أحدهما]: أن تكون عبارةً عن جزء من أربعة وعشرين جزءًا، هي مجموع اليوم والليلة. [والثاني]: أن تكون عبارةً عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك ساعةً من النهار؛ أي: وقتًا قليلًا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة، قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقتُ الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعةٌ خفيفةٌ يَحدُث فيها أمرٌ عظيمٌ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعةً، والله أعلم. انتهى كلام ابن الأثير ﵀ (١). (حَتى يَكْثُرَ الْمَالُ، ويفِيضَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من فاض، من باب ضرب: أي: يكثر، يقال: فاض السيل يَفِيض فيضًا: كثُر وسال من شَفَة

стр. 11269

الوادي، وأفاض بالألف لغة، وفاض الإناء فَيْضًا: امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الماء والدم: قَطَرَا، وفاض كلُّ سائل: جَرَى، وفاض الخير كَثُر، وأفاضه الله كثَّره، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقال في "الطرح": قوله: "ويفيض" بفتح أوله، فسره أهل اللغة بأن معناه يكثر، وحينئذ فيشكل عطفه عليه في قوله: "حتى يكثر فيكم المال، فيفيض"، والذي يظهر لي أن في الفيض زيادةً على الكثرة، ولذلك قال في "المشارق" في قوله: "يفيض المال" أي: يكثر حتى يَفْضُل منه بأيدي مُلاكه ما لا حاجة لهم به. انتهى (٢). (حَتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ) أي: ليدفعها لمستحقّها (فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ) لاستغنائهم عنها (وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ) قال القرطبيّ ﵀: أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضَى عاداتهم من انتجاع الغيث، والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربيّة الكريمة الأبيّة إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض، وعمارتها، وإجراء مياهها، كما شُوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم. انتهى (٣). وقال النوويّ ﵀: معناه -والله أعلم- أنهم يتركونها، ويُعْرِضون عنها، فتبقى مُهْمَلة لا تُزْرَع ولا تُسْقَى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: ما فسّر به النوويّ هذا الحديث من أن المراد به تعطيل الأراضي، وعدم عمارتها مما لا يخفى بعده، بل الظاهر ما فسّر به القرطبيّ في كلامه المذكور آنفًا؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر سياق الحديث. وحاصله أن المراد إقبال العرب على استثمار أراضيها، وإحيائها، بإجراء الأنهار، وغرس الأشجار، وزرع الحبوب، وتركها ارتحالها وتنقّلاتها من مكان إلى مكان؛ طلبًا للكلأ، على ما هو المعتاد لها، فإن هذا هو المطابق للواقع،

стр. 11270

كما هو مشاهدٌ اليومَ في المملكة العربيّة السعوديّة، وغيرها من البلاد العربيّة، ففيه عَلَم من أعلام النبوّة حيث وقع ما أخبر به النبيّ ﷺ ، كما أخبر، والله تعالى أعلم. (مُرُوجًا) بضمّ الميم: جمع مَرْج بفتح فسكون، كفلس وفُلُوس: وهي أرض ذات نبات ومَرْعًى، قاله الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: "الْمَرْج": الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيه الدوابّ؛ أي: تُخلّى تَسْرَحُ مُختلطةً، كيف شاءت. انتهى (١). (وَأنهَارًا") بالفتح: جمعِ نَهَر بفتحتين، كسَبَب وأسباب، وهو الماء الجاري المتّسع، ويقال فيه: نهْرٌ بفتح، فسكون، فعلى هذا يُجمَع على نُهُر بضمّتين، وأنْهُر، قاله الفيّوميّ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠] (١٠١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٠ و ٤١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٨١ و ٦٧٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٩)، و"الحلية" (٧/ ١٤١)، وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ").

стр. 11271

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بْنِ يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠. "أبو هريرة" ذُكر قبله. وقوله: (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ إلخ) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أجودهما، وأشهرهما "يُهِمّ" بضم الياء، وكسر الهاء، ويكون "ربَّ المال" منصوبًا مفعولًا، والفاعلُ "مَنْ"، وتقديره: يُحْزنُه، وَيهْتَمّ له. والثاني: "يَهُمّ" بفتح الياء، وضم الهاء، ويكون "ربَّ المال" مرفوعًا فاعلًا، وتقديره: يَهُمّ ربُّ المال من يقبل صدقته؛ أي: يقصده، قال أهل اللغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهَمَّهُ: إذا أذابه، ومنه قولهم: هَمَّكَ ما أَهمَّك؛ أي: أذابك الشيءُ الذي أحزنك، فأذهب شحمك، وعلى الوجه الثاني هو من هَمَّ به إذا قَصَدَهُ. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام النوويّ أن همّ ثلاثيًّا لا يأتي بمعنى "أحزن"، وإنما هو بمعنى "قصد" فقط، وليس كذلك، فقد ذكر أهل اللغة أنه يأتي بمعنى أحزن، قال الفيّوميّ ﵀: والْهَمّ الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قَتَل مثلُهُ. انتهى (٢). وقال المجدّ ﵀: "الْهَمّ": الْحُزن، جمعه هُمُومٌ، وما هَمَّ به في نفسه، وهَمَّهُ الأمر هَمًّا: ومَهَمَّةً: حَزَنَهُ، كأهمّه، فاهتمّ. انتهى (٣).

стр. 11272

وقوله: (وَيُدْعَى إِلَيْه الرَّجُلُ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير المجرور للصدقة، بتأويل المال. وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فِيهِ) بفتحتين، ويقال فيه: الإِرْبةُ بالكسر، والْمَأرُبةُ بفتح الراء، وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل مصدر، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ، على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمعُ آرابٌ، مثلُ حِمْل وأحمال، وفي الحديث: "وكان أملككم لإِرْبِهِ"؛ أي: لنفسه عن الوقوع في الشهوة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وذكر في "القاموس" من معنى الإِرْب بالكسر الحاجةَ، كالإرْبة بالكسر، والضمّ، والأَرَب محرّكةً، والْمَأرِبة مثلّثة الراء (٢). وقوله: (لا أَرَبَ لي فِيهِ) أي: لا حاجة لي في المال بمعنى الصدقة. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤١] (١٥١٣) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (تَقِيءُ الْأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِق، فَيَقُولُ: في هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأخُدُونَ مِنْهُ شَيْئًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.

стр. 11273

٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رِفَاعة بن سَمَاعة العِجْليّ، أبو هشام الرِّفاعيّ الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠]. روى عن عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، ومحمد بن فضيل، وأبي بكر بن عياش، ومعاذ بن هشام، وسعيد بن عامر الضبعيّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وعثمان بن خُرّزاذ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي خيثمة، وأحمد بن عليّ الأَبّار، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة، وغيرهم. وذكر ابن عديّ أن البخاريّ روى عنه (١)، قال ابن محرز: سألت ابن معين، فقال: ما أرى به بأسً، وقال العجليّ: كوفيّ لا بأس به، صاحب قرآن، قرأ على سُلَيم، وولي قضاء المدائن، وقال البخاريّ: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الحسين بن إدريس: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو هشام الرفاعيّ رجل حسن الخلق، قارئ للقرآن، قال: ثم سألت عثمان وحدي عن أبي هشام الرفاعيّ، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يَسْرِق حديث غيره فيرويه، قلت: أعَلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟، فقال: كيف يكون تدليسًا، وهو يقول: حدَّثنا؟، وقال ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله الحضرميّ: أَلْقَيتُ على ابن نُمير حديثًا، فقال: أَلْقِه على أهل الكوفة كلِّهم، ولا تُلْقِه على أبي هشام فيسرقه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن نمير عنه، فقال: كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب، وقال ابن عديّ: سمعت عبدان يقول: كنا مع أبي بكر بن أبي شيبة في جنازة، فأقبل أبو هشام، فقلت: يا أبا بكر ما تقول فيه؟ فقال: انظر إليه، ما أحسن خضابه؟

стр. 11274

وقال أحمد بن عليّ الآبار: سألوا عبد الله بن عمر؛ يعني: ابن أبان، عن أبي هشام، فلم يعجبه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استُقضي أبو هشام الرفاعي في سنة اثنتين وأربعين، وهو رجل من أهل القرآن والعلم والفقه والحديث، قرأ علينا ابن صاعد أكثر كتابه في القراءات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وقال الْبَرْقانيّ: ثقة، أمرني الدارقطنيّ أن أخرج حديثه في الصحيح. قلت: وقال أبو عمرو الدانيّ: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه، قال ابن عديّ: أُنكِر على أبي هشام أحاديثُ عن ابن إدريس، وأبي بكر، وغيرهما مما يطول ذكره، وقال الدارقطنيّ: تكلم فيه أهل بلده، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم، وقال مسلمة: لا بأس به. قال ابن حبان: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين في سلخ شعبان، وقال طلحة بن محمد: مات سنة تسع، وقال الخطيب: الأول أصحّ. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠١٣)، وحديث (١٥٧): "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … ". قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأكثرين على تضعيف أبي هاشم الرفاعي، فيُعتذر عن المصنّف في روايته عنه بأنه إنما روى عنه حديثين فقط متابعة، فقد روى عنه هنا مع واصل بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وروى عنه (١٥٧) حديث: "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … " مع عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح مُشكدانة، فتنبّه. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. ٤ - (أَبُوهُ) فُضَيل بن غَزْوان بن جرير الضّبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥. ٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.

стр. 11275

والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: واصل، والرفاعيّ، كما أسلفت آنفًا، وأما أبو كُريب فمن شيوخ الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. شرح الحديث: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقِيءُ) مضارع قاء؛ أي: تلقي (الأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا) -بفتح الهمز-: جمع الْفِلْذة، وهي القطعة المقطوعة طولًا، وسُمِّي ما في الأرض كَبِدًا تشبيهًا بالكبد التي في بطن البعير؛ لأنها أحبّ ما هو مُخَبَّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبه إلى العرب، وإنما قلنا في بطن البعير؛ لأن ابن الأعرابيّ قال: الْفِلْذ لا يكون إلا للبعير، فالمعنى تُظْهِر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها، قاله في "المرقاة" (١). وقال في "المشارق": قيل: معادنها، وقيل: كنوزها، وما خُبِئ فيها، وكَبِدها بطونها، وعَبَّر عمّا تُخرجه من ذلك بفِلْذَة الكَبِد، وهي القطعة منه. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: الْفِلْذة: بالذال المعجمة: القِطعة من الشيء، والجمع فِلَذٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وفَلَذْتُ له من الشيء فَلْذاً، من باب ضرب: قطعتُ. انتهى (٣). وقال ابن السِّكِّيت: الْفِلْذ: القطعة من كَبِد البعير، وقال غيره: هي القطعة من اللحم، ومعنى الحديث التشبيه: أي: تُخْرِج ما في جوفها من الْقِطَع
следующие страницы →