وإضافة "سباب" إلى "المسلم" وكذا "قتال" إلى ضميره من إضافة المصدر إلى مفعوله.
فقوله: "سبابُ المسلم" مبتدأ خبره قوله: (فُسُوقٌ) - بضم فسكون - مصدر فَسَقَ يفسُق بالضمّ، من باب نَصَر، وحكى الأخفش يَفسِق بالكسر، من باب ضرب: أي فجور، يعني أن سبابه خروجٌ عن الذي يجب من احترام المسلم وحُرْمة عرضه وسبّه، أو هو من أعمال أهل الفسوق.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "فسوق": أي خروج عن الطاعة وواجبِ الشرع، وبه سُمّي الفاسق فاسقًا لخروجه عن ثِقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البرّ، يقال: فَسَقَت الرُّطَبَة: إذا خرجت من قشرها (١).
وقال في "الفتح": "الفسق" - في اللغة -: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧].
ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعُرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقًّا والنبي ﷺ يقول هذا؟. انتهى.
(وَقِتَالُهُ كُفْرٌ") أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يَقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلًّا فيؤدّي إلى عدم صحّة المقابلة؛ لكون السباب مستحلًّا كفرًا أيضًا.
وقال عياض رحمه الله تعالى: أي قتاله من أجل إسلامه، واستحلالُ ذلك منه كفرٌ، وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفرَ طاعة، وكفرَ نعمة وغَمْطَها، بأن جعلهما الله تعالى مسلمين، وأَلّف بين قلوبهما، ثم صار هو بعدُ يقاتله، وقيل: كفرٌ بحقّ المسلم وجَحْدٌ له بالمعنى؛ لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أُمر به من محبّته وصِلَته وإكرامه، فهو
стр. 1122
كفرٌ بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده، وقد يكون القتال الْمُشَارّةَ - يعني المخاصمة والمدافعة - كما قال في الحديث الآخر في المارّ بين يدي المصليّ: "فليُقاتله" (١)، وكلّه منهيّ عنه، وفاعله جاحد حقّ أخيه المسلم وحقَّ الله تعالى فيه. انتهى كلام القاضي (٢).
وقال في "الفتح": ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبّر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، مُعْتَمِدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨].
أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر.
وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ.
وقيل: أراد بقوله "كفر" أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل التفريق بين السِّبَاب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ ليَنْزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك من فعل الكفار (٣).
стр. 1123
ويأتي هذا أيضًا في قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويله، وهي عشرة أقوال، في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدلّ على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظًا.
وأما قوله ﷺ فيما رواه المصنّف: "لعن المسلم كقتله" فلا يُخالف هذا الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض وهذا في النفس. أفاده في "الفتح" (١).
[تنبيه]: ورد لهذا الحديث سببٌ، أخرجه البغويّ والطبريّ، من طريق أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى مجلس من مجالس الأنصار - ورجلٌ من الأنصار، كان عُرِف بالبذاء ومشاتمة الناس - فقال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ"، زاد البغويّ في روايته: فقال ذلك الرجل: والله لا أُسابُّ رجلًا (٢).
(قَالَ زُبَيْدٌ) الياميّ (فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ (يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) أبو وائل (نَعَمْ) أي سمعته منه، وإنما قال زُبيد هذا للتأكّد، وله سبب ذكره البخاريّ من طريق محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر".
قال في "الفتح": قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة": أي عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظَهَرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن
стр. 1124
مُعْتَقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى (١).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شعبة رواه عن زُبيد بدون قوله: "فقلت لأبي وائل … إلخ"، والله تَعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٠/ ٢٢٨ و ٢٢٩] (٦٤) و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٨) و"الأدب" (٦٠٤٤) و"الفتن" (٧٠٧٦)، وفي "الأدب المفرد" (٤٣١)، و (الترمذيّ) في "البر والصلة" (١٩٨٣) و"الإيمان" (٢٦٣٤) و (٢٦٣٥)، و (النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٢٧/ ٤١١١ و ٤١١٢ و ٤١١٣ و ٤١١٤ و ٤١١٥)، وفي "الكبرى" (٢٧/ ٣٥٧٤ و ٣٥٧٥ و ٣٥٧٦ و ٣٥٧٧ و ٣٥٧٨)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٩) و"الفتن" (٣٩٣٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٨ و ٢٥٨ و ٣٠٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣٦٣٩ و ٣٨٩٣ و ٣٩٤٧ و ٤١١٥ و ٤١٦٧ و ٤٢٥٠ و ٤٣٣٢ و ٤٣٨٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٨ و ٤٩٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٣٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٥٣ و ٦٥٤ و ٦٥٥ و ٦٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٨ و ٥٩ و ٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٩ و ٢٢٠ و ٢٢١) وفي "الحلية" (٥/ ٣٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٦٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠١٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٠ و ١٠/ ٢٠٩)، و (الخطيب البغدادي) في "تاريخه" ١٣/ ١٨٥، والله تعالى أعلم.
стр. 1125
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم سباب المسلم وهو أنه فسوق، وقتاله وهو أنه كفرٌ على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا.
٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وفي "صحيح البخاريّ" من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله - يعني ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه، أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، يعني أن مذهبهم هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ ﷺ هذا؟ فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور.
[فإن قيل]: هذا - وإن تضمّن الردّ على المرجئة - لكن ظاهره يقوّي مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي.
[أجيب]: بأن المبالغة في الرّدّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب - لأنه مفض إلى إزهاق الروح - عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يُرِد به الكفر المخرج عن الملّة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة وغيرها (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج النسائيّ من طريق أَبِي دَاوُدَ الطيالسيّ، عن شُعْبَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، وَزُبَيْدًا، يُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، مَنْ تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُورًا؟، أَتَتَّهِمُ زُبَيْدًا؟، أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَتَّهِمُ أَبَا وَائِلٍ.
стр. 1126
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن حمّادًا هنا هو ابن أبي سُليمان، وهو شيخٌ لشعبة وكان مرجئًا، والظاهر أنه جرى بينه وبين شعبة النِّقَاش في الإرجاء فذكر له شعبة هذا الحديث محتجًّا عليه، ثم قال له: أتتّهم هؤلاء الرواة أنهم حدّثوا بحديث غير ثابت عن النبيّ ﷺ ؟، فقال: لا أتّهمهم، وإنما أتّهم شيخهم أبا وائل.
وإنما اتّهم أبا وائل لأنه كان يردّ على هذا الرأي الباطل، ويذكر حديث ابن مسعود ﵁ هذا احتجاجًا على إبطاله، كما سبق من رواية البخاريّ في "صحيحه" عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر". وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظهرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة (٩٩)، وقيل: سنة (٨٢)، ففي ذلك دليلٌ على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى (١).
ثمّ إن اتّهام حماد لأبي وائل بهذا الحديث اتّهام باطلٌ، وذلك لأن أبا وائل من العدول الثقات، الذين شهد لهم أهل عصرهم ومن بعدهم بالعدالة والصيانة، وبَرّؤوهم من وصمة الإتهامات، فقال الأعمش عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعدّونه من خيارهم، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، لا يُسأل عنه، وقال وكيع: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن حبّان: سكن الكوفة، وكان من عُبّادها، وقال العجليّ: رجل صالح، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة (٢).
وأيضًا، فلم ينفرد أبو وائل برواية هذا الحديث عن ابن مسعود ﵁، فقد تابعه أبو الأحوص وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، كما هو عند
стр. 1127
النسائيّ، وأبو عمرو الشيبانيّ عند أبي يعلى في "مسنده" (٤٩٩١)، والأسود وهُبيرة بن يَريم عند الخطيب البغداديّ في "تاريخه" (١٠/ ٨٦ - ٨٧)، ومسروق عند أبي نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٣)، سِتَّتهم عن ابن مسعود ﵁.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد اتّهَم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث، أما أبو وائل فليس بمتّهم، بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضًا أبو عمرو الشيبانيّ، وأبو الأحوص، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، لكن فيهم من وقَفَه، ورواه أيضًا عَن النبيّ ﷺ سعد بن أبي وقّاص وغيره. انتهى (١).
والحاصل أن اتهام حماد لأبي وائل في هذا باطلٌ، وإنما حمله عليه اعتقاده الباطل، والله المستعان على المتّهِمِين أهلَ الحقّ بالباطل زورًا وبُهتانًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن الأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديث.
٢ - (مَنْصُورٌ) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عَتَّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، لا يدلّس [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
стр. 1128
٤ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصّفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان إذا شكّ في الحرف تركه، وربّما وَهِمَ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الإمام الشهير تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث ومسائله تقدّمت هناك.
وقوله: (كلاهما) أي منصور والأعمش.
وقوله: (بمثله) أي بمثل حديث زُبيد عن أبي وائل.
[تنبيه]: رواية منصور والأعمش، عن أبي وائل ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٣) فقال:
(٥٩) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود (ح) وحدثنا يحيى بن عياش، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: أنبأ شعبة، قال: أخبرني الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣١) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠] (٦٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ").
стр. 1129
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان بُنْدار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، رجّح ابن معين أخاه المثنّى عليه [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ الْوَهْبِيليّ (١)، أبو مدرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وإبراهيم النخعيّ، وهلال بن يَسَاف، وتميم بن طَرَفة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي صالح.
ورَوَى عنه الأعمش، والمسعوديّ، وحَنَش بن الحارث، وأشعث بن سَوّار، وشعبة.
قال ابن معين والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالحٌ صدوقٌ، ثم قال: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمع من أبي مسعود البدريّ، ولأجل ذلك ذكره في التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة.
قال الحضرمي: مات سنة عشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١٠٦): "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة … ".
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم (٢)، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
стр. 1130
٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر الْبَجليّ الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٥١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ، وعبيد الله بن معاذ، فما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: محمد بن المثنى وابن بشار من التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: علي بن مُدْرك عن أبي زرعة، ورواية الراوي عن أبيه، والآخر عن جدّه.
٥ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، فللمصنّف إسنادان يلتقيان في شعبة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، مع أنه من أواخر من أسلم، قال: "ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك"، متّفقٌ عليه، وقال عمر بن الخطاب ﵁: نعم السيد أنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام. وكان سيّدًا مطاعًا، وكان بديع الجمال، كان عمر بن الخطّاب ﵁ يسمّيه يوسف هذه الأمة، كبير القدر، طويل القامة، يَصِل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعًا ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أنه (سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير (يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِير) بن عبد الله ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": قال رسول الله ﷺ : "يا جرير استنصت الناس … "، وهذا نصّ صريح في أنه ﷺ خاطب به جريرًا نفسه، ففيه ردّ على من زعم أن لفظ "لي" في الرواية زائدة؛ لأن جريرًا ﵁ إنما أسلم بعد حجة
стр. 1131
الوداع بنحو من شهرين، فقد جَزَم ابن عبد البر بأنه أسلم قبل موت النبي ﷺ بأربعين يومًا، قال في "الفتح": وما جَزَم به يعارضه قولُ البغويّ، وابنِ حِبّان أنه أسلم في رمضان سنة عشر. ووقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث في "باب حجة الوداع" بأنّ النبيّ ﷺ قال لجرير، وهذا لا يحتمل التأويل، فيُقَوّي ما قال البغوي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وكذا لفظ رواية المصنّف وأبي عوانة، بل هو أَيْضًا أصرح؛ لأن قوله: "قال لي"، وقوله: "يا جرير" لا احتمال فيه، والله تعالى أعلم.
(فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) متعلّق بـ "قال"، وسمّيت بذلك؛ لأن النبيّ ﷺ ودّع الناس فيها، وعلّمهم في خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها، فقال ﷺ : "ليُبلّغ الشاهد منكم الغائب". والمعروف في الرواية "حَجّةُ الوداع" بفتح الحاء، وقال الهرويّ وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الْحِجَج حِجّة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها؛ لكونها اسمًا للمرّة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتّى تُكسَر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع والفتح بالقياس. ذكره النوويّ (١).
وقال الفيّوميّ: الحجّ أي بالفتح: القصد للنسك، والاسم الْحِجّ بالكسر، والْحِجّةُ المرة بالكسر على غير قياس، والجمعُ حِجَجٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، قال ثعلبٌ: قياسه الفتح ولم يُسمَع من العرب، وبها سُمّي الشهر ذو الحِجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الْحِجّة. انتهى (٢).
وفي حديث ابن عمر ﵄ عند أبي عوانة في "مسنده" (٦٣) قال: "كنّا نتحدّث بحجة الوداع، ولا ندري أنه الوداع من رسول الله ﷺ ، فلما كان حجة الوداع حمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح … " الحديث (٣).
("اسْتَنْصِتِ النَّاسَ") بصيغة الأمر، وهو أمرٌ منه ﷺ لجرير ﵁ أن يأمر
стр. 1132
الناس بالإنصات له، هكذا رواية الشيخين بلفظ الأمر، ووقع في رواية للنسائيّ بلفظ: "أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع استنصت الناس … " بصيغة الماضي: أي طلب منهم الإنصات، وهو السكوت، ليمكنهم الإستماع لخطبته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: مُرْهم بالإنصات؛ ليسمعوا هذه الأمور المهمّة، والقواعد التي سأقرّرها لكم وأُحمّلكموها. انتهى (١).
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: نَصَتَ الرجلُ يَنْصِتُ نَصْتًا، وأنصت، وهي أعلى، وانتَصَتَ: سَكَتَ، وأنصته وأنصت له: مثلُ نَصَحَه، ونصح له، والإنصات: هو السكوت والإستماع للحديث، وأنشد أبو عليّ:
إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَأَنْصِتُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
ويُرْوَى: "فَصَدِّقُوهَا" بدل "فأنصتوها"، ويقال: أنصت: إذا سَكَتَ، وأنصت غيره: إذا أسكته، قال شَمِر: أنصت الرجلُ: إذا سَكَت له، وأنصته: إذا أسكته، جعله من الأضداد. وأنصت يُنصِت إنصاتًا: إذا سَكَت سكوتَ مستمع، وقد أنصت وأنصته: إذا أسكته، فهو لازم ومتعد. انتهى باختصار (٢).
وقال في "الفتح": وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ومعناهما مختلفٌ، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع وممن لا يستمع كأن يكون مفكّرًا في أمر آخر، وكذلك الإستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يشغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه.
وإنما أمر النبيّ ﷺ جريرًا ﵁ بالإستنصات؛ لأنه أراد أن يخطب الناس، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحجّ، وقد قال لهم: "خُذُوا عنّي مناسككم"، كما سيأتي للمصنّف في "كتاب الحجّ"، فلما خطبهم ليعلّمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات (٣).
стр. 1133
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ ﷺ بعد أن استنصت له جرير ﵁ الناس ("لَا تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا، قال ابن مالك: "رجع" هنا استُعمل استعمال "صار" معنًى وعملًا: أي لا تصيروا بعدي كُفّارًا، فعلى هذا "كُفّارًا" منصوب؛ لأنه خبر "لا ترجعوا" (بَعْدِي) أي بعد موتي، أو بعد مجلسي هذا.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قال الطبريّ: أي بعد فراقي لموقفي هذا، وقال غيره: خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به.
ويحتمل أنه ﷺ عَلِم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته، وقال المظهريّ: يعني إذا فارقت الدنيا، فاثبُتُوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تُحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، وقال محيي السنّة: أي لا تكن أفعالكم شبيهةً بأفعال الكفّار في ضرب رقاب المسلمين. انتهى (١).
(كُفَّارًا) بضم الكاف وتشديد الفاء: جمع كافر، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
وقد ذكر الحافظ في "الفتح" جملة ما قيل في معناه، وهي عشرة أقوال:
[أحدها]: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
[ثانيها]: هو في المستحلّ.
[ثالثها]: المعنى كُفّارًا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
[رابعها]: تفعلون فعل الكفّار في قتل بعضهم بعضًا.
[خامسها]: لابسين السلاح، يقال: كَفَرَ دِرْعه: إذا لبس فوقها ثوبًا.
[سادسها]: كُفّارًا بنعمة الله.
[سابعها]: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا.
[ثامنها]: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيَكْفُرُ أحدهما (٢).
стр. 1134
[تاسعها]: المراد سَتْرُ الحقّ، والكفر لغةً: الستر؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن ينصره ويُعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقّه الثابت له عليه.
[عاشرها]: أن الفعل المذكور يُفضي إلى الكفر؛ لأن من اعتاد الهُجُوم على كبار المعاصي جرّه شؤم ذلك إلى أشدّ منها، فيُخشى أن لا يُختَم له بخاتمة الإسلام.
قال: واستَشْكَلَ بعضُ الشرّاح غالبَ هذه الأجوبة بأنّ راوي الخبر - وهو أبو بكرة ﵁، فَهِم خلاف ذلك.
والجواب أن فهمه ذلك إنما يُعْرَف من توقّفه عن القتال، واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون توقّفه بطريق الإحتياط؛ لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كُفْر من باشر ذلك، ويؤيّده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال أوامرهم ولا غير ذلك، مما يدلّ على أنه لا يعتقد فيهم حقيقته. انتهى (١).
(يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ") بجزم "يَضْرِبْ" على أنه جواب النهي، وبرفعه على الإستئناف أو يُجعل حالًا، فعلى الأول يُقوّي الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويحتاج إلى التأويل بالمستحلّ مثلًا، وعلى الثاني لا يكون متعلّقًا بما قبله، ويحتمل أن يكون متعلّقًا وجوابه ما تقدّم، قاله في "الفتح" (٢).
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: "يَضْرِبُ" برفع الباء (٣)، وهو الصواب، وهو الرواية التي رواها المتقدّمون والمتأخّرون، وفيه وجوه:
[أحدها]: أن يكون صفة لـ "كفّارًا": أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا متّصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثاني]: أن يكون حالًا من ضمير "لا ترجعوا": أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض.
стр. 1135
[والثالث]: أن يكون جملة استئنافيّةً، كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفّارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض.
فعلى الأول يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدين بعدي، فتصيروا مرتدّين مقاتلين، يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ على وجه التحقيق، وأن يكون: لا ترجعوا كالكفّار المقاتل بعضكم بعضًا، على وجه التشبيه بحذف أداته.
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تَكْفُروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يَعرِض بينكم لاستحلال القتل بغير حقّ، وأن يكون: لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفّار في الإنهماك في تهييج الشرّ، وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب.
وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ، فإنه فعل الكفّار، وأن يكون: "لا يضربُ بعضكم رقاب بعض"، كفعل الكفّار على ما تقدّم. وجوّز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من "لا ترجعوا"، وأن يكون جزاءً لشرط مقدّر على مذهب الكسائيّ: أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وقيل: يجوز الجزم بأن يكون جوابَ النهي على مذهب من يُجوّز "لا تكفرْ، تدخلِ النار".
وقال القاضي عياض: رواه من لم يَضْبِط "يضرب" بالإسكان، وهو إحالة للمعنى، والصواب ضمّ الباء، نهاهم عن التشبّه بالكفّار، فتشبّهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا ومُحاربة بعضهم لبعضٍ، وهذا أولى ما يتأوّل عليه الحديث.
ويؤيّده ما رُوي (١) مما جَرَى بين الأنصار بمحاولة يهود، وتذكيرهم أيامهم، ودخولهم في الجاهليّة، حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١]، أي تفعلون فعل الكفّار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به، من تحريم
стр. 1136
دمائهم، وكفّرهم في ذلك بقتالهم لا بقولهم واعتقادهم، أو أن يَتَكَفَّرُوا في السلاح بقتل بعضهم بعضًا، أو عن كفر نعمة الله بتأليف قلوبهم، وتوادّهم، وتراحمهم الذي به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضدّ ذلك.
وعلى سكون الباء فإنها نهي عن الكفر مجرّدًا، ثم يجيء ضرب الرقاب جواب النهي، ومجازات الكفر، ومساق الخبر، ومفهومه يدلّ على النهي عن ضرب الرقاب، والنهي عما قبله بسببه.
وقال الخطّابيّ: معناه: لا يُكفّر بعضكم بعضًا، فتستحلّوا قتال بعضكم بعضًا. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣١/ ٢٣٠] (٦٥)، و (البخاريّ) في "كتاب العلم" (١٢١) و"المغازي" (٤٤٠٥) و"الديات" (٦٨٦٩) و"الفتن" (٧٠٨٠)، و (النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٢٩/ ٤١٣٣ و ٤١٣٤)، وفي "الكبرى" (٢٩/ ٣٥٩٦ و ٣٥٩٧)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١٨٦٨٦ و ١٨٧٣٢ و ١٨٧٧٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٩٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٢٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مقاتلة المؤمنين بعضهم بعضًا، وأن ذلك ينافي الإيمان وأنه من سمة أهل الكفر.
٢ - (ومنها): أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلّمين؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فتوقير النبيّ ﷺ
стр. 1137
واجب فكذلك العلماء؛ لأنهم ورثة النبيّ ﷺ ، فهم يُحيُون سنّته، ويدعون الناس إليها، ويذبّون عنها وعن حريمها، فلهم الإجلال والإحترام.
٣ - (ومنها): أن الإنصات سبب لفتح باب العلم، قال سفيان الثوريّ وغيره: أوّل العلم الإستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعيّ تقديم الإنصات على الإستماع، وقد ذكر عليّ ابن المدينيّ أنه قال لابن عُيينة: أخبرني معتمر بن سليمان، عن كَهْمَس، عن مُطرّف، قال: الإنصات من العينين، فقال ابن عيينة: وما نَدْرِي كيف ذلك؟، قال: إذا حَدَّثتَ رجلًا فلم ينظر إليك لم يكن منصتًا. انتهى.
قال الحافظ: وهذا محمول على الغالب. ذكره في "الفتح" (١).
٤ - (ومنها): بيان تحريم دم المسلم على المسلم.
٥ - (ومنها): تحذير الأمّة من وقوع ما يُحْذَر منه.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: وفيه ما يدلّ على أن النبيّ ﷺ كان يَعْلَم ما يكون بعده في أمّته من الْفِتَن والتَّقاتُل، ويدلّ أيضًا على قرب وقوع ذلك من زمانه، فإنه خاطب بذلك أصحابه وظاهره أنه أرادهم؛ لأنه بهم أعنَى وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غير ذلك. انتهى (٢).
٧ - (ومنها): ما قاله المازريّ رحمه الله تعالى: أنه تعلّق بهذا الحديث من أنكر حجيّة الإجماع من أهل البدع، قال: لأنه نَهَى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز اجتماعها عليه، لما نهاها عنه، وإذا جاز اجتماعها على الكفر، فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعًا اجتماعها عليه لم يصحّ النهي عنه.
وهذا الذي قاله خطأ؛ لأنّا إنما نشترط في التكليف أن يكون ممكنًا متأتّيًا من المكلّف، هذا أيضًا على رأي من منع تكليف ما لا يُطاق، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان ممتنعًا، فإنه لم يمتنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتّى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع، وقد قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ
стр. 1138
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥] والشرك قد عُصم منه النبيّ ﷺ ، وبعد هذا نزل عليه مثل هذا، على أن المراد بهذا الخطاب كلّ واحد في عينه أو جمهور الناس، وهذا لا يُنكر أحدٌ أن يكون مما يصحّ حمل هذا الخطاب عليه. انتهى المقصود من كلام القاضي (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١] (٦٦) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الْعَدَويّ المدنيّ، ثقة [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (أَبُوه) هو: مُحَمَّدُ بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الْعَدَويّ المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٣ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث جرير ﵁، يعني أن حديث شعبة عن واقد بن محمد مثل حديثه عن عليّ بن مُدرك.
[تنبيه]: رواية شعبة عن واقد بن محمد التي أحالها المصنّف - رحمه الله تعالى - هنا ساق لفظها الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ٨٧)، فقال:
(٥٣٤٧) حدثنا عبد الرحمن (٢)، حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يَضْرِب بعضكم رقابَ بعض".
стр. 1139
وشرح الحديث وفوائده تقدّمت مستوفاةً في حديث جرير ﵁، فلتراجعها، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣١/ ٢٣١ و ٢٣٢] (٦٦)، و (البخاريّ) في "الأدب" (٦١٦٦) و"الديات" (٦٨٦٨) و"الفتن" (٧٠٧٧)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٦)، و (النسائيّ) في "تحريم الدم" (٢٩/ ٤١٢٧ و ٤١٢٨)، وفي "الكبرى" (٢٩/ ٣٥٩٠ و ٣٥٩١)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "المصنّف" (١٥/ ٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥٥٥٣ و ٥٥٧٢ و ٥٧٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٢ و ٦٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٢٣ و ٢٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٥٨ و ٦٥٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يُحَدِّثُ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "وَيْحَكُمْ - أَوْ قَالَ -: وَيْلَكُمْ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠]، مات سنة (٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
стр. 1140
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: ("ويحَكُمْ، أَوْ قَالَ: وَيْلَكُمْ) "أو" للشكّ من الراوي، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هما كلمتان، استَعْمَلتهما العرب بمعنى التعجب والتوجع، قال سيبويه رحمه الله تعالى: "ويل" كلمة لِمَنْ وَقَعَ في هَلَكَة، و"ويح" تَرَحُّمٌ، وحُكِيَ عنه: "ويحٌ" زَجْرٌ لمن أشرف على الْهَلَكة، وقال غيره: ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهَلَكة، ولكن الترحم والتعجب، ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "وَيْحٌ" كلمة رحمة، وقال الْهَرَويّ: "ويح" لمن وَقَع في هَلَكَة لا يستحقُّها، فيُتَرَحَّم عليه ويُرْثَى له، و"ويلٌ" للذي يستحقّها، ولا يُتَرَحَّم عليه. انتهى (١).
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى في "لسان العرب" (٢/ ٦٣٨):
"ويحَ" كلمةٌ تقال رحمةً، وكذلك "وَيْحَمَا"، قال حُمَيد بن ثور [من الطويل]:
أَلَا هَيَّمَا مِمَّا لَقِيتُ وَهَيَّمَا … وَوَيْحٌ لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا هُنَّ وَيْحَمَا
وقال الليث: "وَيْحَ" يقال: إنه رحمةٌ لمن تنزل به بَلِيّةٌ، وربما جُعِل مع "ما" كلمةً واحدةً، وقيل: وَيْحَمَا، و"ويح" كلمةُ تَرَحُّم وتَوَجُّع، وقد يقال بمعنى المدح والعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرْفَع، وتضاف، ولا تضاف، يقال: ويحَ زيد، وويحًا له، وويحٌ له.
وقال الجوهريّ: "ويح" كلمة رحمة، و"ويلٌ" كلمةُ عذاب، وقيل: هما بمعنًى واحد، وهما مرفوعتان بالإبتداء، يقال: ويحٌ لزيد، وويلٌ لزيد، ولك أن تقول: ويحًا لزيد، وويلًا لزيد، فتنصبهما بإضمار فعل، وكأنك قلت: ألزمه الله وَيْحًا ووَيْلًا، ونحو ذلك، ولك أن تقول: وَيْحَكَ، وويحَ زيد، وويلَك، وويل زيد بالإضافة، فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل، وأما قوله تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ و ﴿بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وما أشبه ذلك، فهو منصوب أبدًا؛ لأنه لا تصح إضافته بغير لام؛ لأنك لو قلت: فتعسهم أو بُعْدهم، لم يصلح، فلذلك افترقا.
стр. 1141
وقال الأصمعيّ: الويل قُبُوحٌ، والويحُ تَرَحُّمٌ، وويسٌ تصغيرها، أي هي دونها.
وقال أبو زيد: الويل هلكة، والويح قُبُوحٌ، والويس ترحُّم.
وقال سيبويه: الويل يقال لمن وقع في الهلكة، والويح زَجْرٌ لمن أشرف على الهلكة، ولم يَذكُر في الويس شيئًا.
وقال ابن الفرج: الويح والويل والوَيس واحد.
وقال ابن سِيدَهْ: وَيْحَهُ كويله، وقيل: ويح تقبيح، وقال ابن جني: امتنعوا من استعمال فِعْلِ الويح؛ لأن القياس نفاه ومَنَع منه، وذلك لأنه لو صُرِّفَ الفعل من ذلك لوجب اعتلال فائه كوَعَدَ، وعينه كباع، فتحامَوْا استعماله لِمَا كان يُعْقِب من اجتماع إعلالين، قال: ولا أدري أَأَدْخَل الألف واللام على الويح سماعًا أم تبَسُّطًا وإِدْلالًا؟.
وقال الخليل: وَيْسٌ كلمة في موضع رأفة واستملاح، كقولك للصبيّ: ويحه ما أملحه، وويسه ما أملحه، قال: وليس بينه وبين الويل فرقٌ، إلا أنه ألين قليلًا.
وقال الأزهريّ: وقد قال أكثر أهل اللغة: إن الويل كلمة تقال لكل من وقع في هلكة وعذاب، والفرق بين ويح وويل، أن ويلًا تقال لمن وقع في هلكة أو بَلِيَّة لا يُتَرّحم عليه، وويحًا تقال لكل من وقع في بَلِيَّة يُرْحَم ويُدْعَى له بالتخلص منها، ألا ترى أن الويل في القرآن لمستحقي العذاب بجرائمهم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] وما أشبهها؟ ما جاء ويل إلا لأهل الجرائم، وأما ويح فإن النبيّ ﷺ قالها لعمار الفاضل، كأنه أُعْلِم ما يُبْتَلَى به من القتل، فتوجع له وترحم عليه. قال: وأصل "ويح" و"ويس"، و"ويل" كلمة كلُّه عندي وُصِلت بحاء مرةً، وبسين مرةً، وبلام مرةً.
قال سيبويه: سألت الخليل عنها، فزعم أن كُلَّ مَن نَدِمَ فأظهر ندامته، قال: وَيْ، ومعناها التنديم والتنبيه.
وقال ابن كيسان: إذا قالوا له: ويلٌ له، وويحٌ له، وويسٌ له؛ فالكلام فيهن الرفع على الإبتداء، واللام في موضع الخبر، فإن حُذفت اللام لم يكن
стр. 1142
إلا النصب، كقوله: وَيْحَهُ، وَوَيْسَهُ. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قريبًا، فلتراجعهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) حرملة بن عِمران التَّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وجدّه زيد، وعم أبيه سالم، وابن عم أبيه عبد الله بن واقد بن عبد الله، وابني عم أبيه الآخر القاسم وأبي بكر بني عُبيد الله بن عبد الله، وأخويه: زيد وأبي بكر بني محمد، وزيد بن أسلم، وحفص بن عاصم، ونافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن يسار الأعرج، وعُمر بن عبد الله مولى غُفْرَة.
ورَوى عنه أخوه عاصم، وشعبة، ومالك، والسفيانان، وابن المبارك، ويزيد بن زُريع، والوليد بن مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وابن وهب، وأبو بَدْر شُجاع بن الوليد، ومحمد بن ربيعة الكلابيّ، وأبو عاصم النبيل وغيرهم.
стр. 1143
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، ليس به بأس، روى عنه الثوريّ، وأثنى عليه، وقال حنبل عن أحمد: ثقةٌ، وكذا قال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، وقال الدُّورِيُّ عن ابن معين: مات بعسقلان، وكان مُرَابِطًا بها، وكان ولده بها، وكان صالح الحديث، وقال أبو حاتم: هم خمسة إخوة أوثقهم عُمر، وهو ثقة صدوق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال علي بن نصر الْجهضميّ، عن عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، عن سفيان الثوريّ: لم يكن في آل عمر أفضل من عمر بن محمد بن زيد العسقلانيّ، وقال ابن عيينة: حدثني الصَّدُوق الْبَرُّ عمر بن محمد بن زيد، وقال يحيى بن حكيم عن أبي عاصم: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مقامه بالشام، قَدِمَ إلى بغداد، فانجفل الناس إليه (١)، وقالوا: ابنُ عمر بن الخطاب، ثم قَدِمَ الكوفة، فأخذوا عنه، وكان له قدر وجلالة، وقال الآجريّ عن أبي داود: قال عبد الله بن داود - يعني الْخُريبِيَّ -: ما رأيت رجلًا قَط أطول منه، وبلغني أنه كان يَلْبَس درع عمر، فيسحبها، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه أيضًا العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، والبزار.
مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وخرج محمد سنة (١٤٥) وقُتِل في السنة التي خرج فيها، أجمع على ذلك أهل التاريخ.
روى له الجماعة سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا، وعند ابن ماجه حديث واحد، وهو حديث الباب فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (أن أباه) هو محمد بن زيد المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ) يعني أن حديث عبد الله بن وهب عن عمر بن محمد، مثل حديث شعبة عن أخيه واقد بن محمد.
стр. 1144
[تنبيه]: رواية عبد الله بن وهب، عن عمر بن محمد التي أحالها المصنّف رحمه الله تعالى هنا، ساق لفظها أبو نُعيم في "المسند المستخرج" (١/ ١٥٢)، فقال:
(٢٢٤) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو يعلى، ثنا أحمد بن عيسى المصريّ، ثنا ابن وهب، أخبرني عُمر بن محمد بن زيد، أن أباه حدثه، عن عبد الله بن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "ويحكم لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَب، وَالنِّيَاحَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤] (٦٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَن الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ المذكور قبل حديث.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ المذكور قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الهمداني الكوفيّ المذكور قريبًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ المذكور قريبًا أيضًا.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أُميّة - واسمه عبد الرحمن، ويقال:
стр. 1145
إسماعيل - الطَّنَافسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [٩] (١).
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وابن إسحاق، ووائل بن داود، ويزيد بن كيسان وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وأبو خَيْثمة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبد الله، وهناد بن السري، ويحيى بن موسى الْبَلْخي، ومحمد بن عيسى بن الطباع وغيرهم.
قال الأثرم: وسألته - يعني أحمد بن حنبل - عن عُمر بن عبيد، ومحمد بن عبيد، ويعلى بن عبيد، فوثّقهم، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت يحيى بن معين - وسئل عن وَلَدِ عبيد: محمد، وعُمر، ويعلى - فقال: كانوا ثقات وأثبتهم يعلى، وقال المفضل الغلابي عن يحيى: بنو عُبيد ثقات، وقال ابن عمار: كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وعمر شيخهم، وكان الأخ الرابع لا يُحسِن قليلًا ولا كثيرًا، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان عثمانيًّا، وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها، وقال الآجري عن أبي داود: حدّث محمد بن عبيد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يَضْرِب ولده على اللحن، فقال له رجل: لو أخذناك بهذا ما رفعنا عنك العصا، وقال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: محمد، وعُمر، ويعلى، وإدريس، وإبراهيم بنو عُبيد، كلهم ثقات، وأبوهم ثقة حدّث أيضًا، وكان أبو طالب الحافظ - يعني أحمد بن نصر - يقول: عُبيد بن أبي مَيَّةَ، وأهل الحديث يقولون: ابن أبي أُمَيَّة. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: أتيناه، وكان لا يجترئ على قراءة كتابه، حتى نُعينه عليه، أو نحو هذا، قاله يحيى، وما ذكره إلا بخير، وقال الدوري: سمعت محمد بن عبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيّها ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتّقوا، لا يَخْدَعكم هؤلاء الكوفيون. وقال حرب عن أحمد: كان محمد رجلًا صدوقًا،
стр. 1146
وقال: يعلى أثبت منه، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان محمد يُظهر السنة، وكان يخطئ ولا يرجع عن خطئه، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صاحب سنة.
وقال يعقوب بن شيبة: مات قبل أخيه يعلى، سنة أربع ومائتين، سمعت علي بن المديني يقول: كان كَيِّسًا، وقال خليفة ومطيّن: مات سنة خمس، وقال ابن قانع وابن حبان: مات سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وقال الخطيب: كان مولده سنة أربع وعشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١)(٩٧٦): "استاذنت ربي في أن أستغفر لها … "، و (٢٦٤١): "المرء مع من أحبّ".
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور قريبًا أيضًا.
٧ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات الكوفيّ المذكور قريبًا أيضًا.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور قريبًا أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ الناس لأحاديث الأعمش، وهو أحفظ الناس لأحاديث أبي صالح.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٥ - (ومنها): أن محمد بن عبيد هذا أول محل ذكره في الكتاب، وجملة ما رواه عنه المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، كما أوضحتها آنفًا.
٦ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمحمد بن عبيد في الكتب الستة نحو
стр. 1147
أحد عشر راويًا، فمنهم في "الصحيحين" ثلاثة: أحدهم: هذا المترجم هنا عند الجماعة، والثاني: محمد بن عبيد بن حساب الْغُبريّ البصريّ من شيوخ المصنّف، وأبي داود، وروى له النسائيّ بواسطة، ولا رواية له عند غيرهم، والثالث: محمد بن عبيد بن ميمون المدني التَّبّان، من شيوخ البخاريّ وابن ماجه فقط، ولا رواية له عند غيرهم، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي: الأعمش، عن أبي صالح.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اثْنَتَانِ) مبتدأ سوّغه وصفه بقوله: (فِي النَّاسِ) أي كائنان في الناس، أو سوّغه وصفه بمقدّر، أي خصلتان اثنتان، و"في الناس" حال، (هُمَا) مبتدأ ثان أو هو ضمير فصل، (بِهِمْ) أي فيهم، فالباء بمعنى "في"، وقوله: (كُفْر) خبر المبتدأ، والمراد به كفر دون كفر إلا للمستحلّ، فإنه كفر مخرج عن الملّة، وقال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه أقوال:
[أصحّها]: أن معناه أنهما من أعمال الكفّار وأخلاق الجاهليّة.
[والثاني]: أنه يؤدّي إلى الكفر.
[والثالث]: أنه كفر النعمة والإحسان.
[والرابع]: أن ذلك في المستحلّ، ذكر هذا كله النوويّ في "شرحه" (١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "كُفْرٌ" أي من أعمال أهل الكفر وعادتهم، وأخلاق الجاهليّة. انتهى.
(الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ) خبر لمحذوف، أي أحدهما الطعن في النسب، وهو بفتح الطاء وسكون العين: مصدر طَعَنَ، يقال: طَعَنَ فيه بالقول وطَعَنَ عليه، من بابي قتل ونَفَعَ، طَعْنًا وطَعْنَانًا: إذا قَدَح فيه وعاب (٢).
стр. 1148
ومعنى الطعن في النسب قدح بعض الناس في نسب بعضهم بغير علم (١).
(وَ) الثاني (النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ") بكسر النون وتخفيف الياء: اسم من النَّوْح، يقال: ناحت المرأة زوجها وعليه نَوْحًا، من باب قال، والاسم النُّوَاح بالضمّ وزانُ غُرَاب، وربّما قيل: النِّياحُ، بالكسر، ومَنَاحةً، فهي نائحة (٢).
و"النياحة": رفع الصوت بالنَّدْب (٣) وهو تعديد محاسن الميت وشمائله مع البكاء، كقوله: واكهفاه، واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها، وهو حرام (٤).
وقال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: النوح: هو ما كانت الجاهليّة تفعله، كان النساء يَقِفن متقابلات يَصِحْنَ، وَيحْثين التراب على رؤوسهنّ، ويَضْربن وجوههنّ. انتهى.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين قوله هنا: "اثنتان في الناس هما بهم كفر … إلخ" وبين ما أخرجه المصنف في "كتاب الجنائز" من حديث أبي مالك الأشعري زحبه أن النبيّ ﷺ قال: "أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة … " الحديث (٥).
وما أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والْعَدْوَى؛ جَرِبَ بعيرٌ فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟ والأنواءُ؛ مطرنا بنوء كذا وكذا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهو كما قال.
[قلت]: يُجمع بينها بأنه ﷺ أوحي إليه باثنتين فأخبر بهما، ثم أوحي إليه
стр. 1149
بعد ذلك بالزائد فأخبر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٢/ ٢٣٤] (٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٧ و ٤٤١ و ٤٩٦)، ولأبي داود الطيالسيّ (٢٣٩٥)، وأحمد (٢/ ٤١٥ و ٤٥٥ و ٥٢٦)، و (الترمذيّ) (١٠٠١) من طريق المسعوديّ وشعبة، كلاهما عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا بلفظ: "أربعة من أمر الجاهليّة لن يدعهنّ الناس … " الحديث، وقد أسلفته آنفًا، ولأحمد (٢/ ٢٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلاث من عمل الجاهليّة، لا يتركهنّ أهل الإسلام: النياحة، والاستسقاء بالأنواء، والتعاير" يعني بالأنساب.
وفي الباب عن جنادة بن مالك عند البزّار (٧٩٧)، والطبرانيّ (٢١٧٨)، والبخاريّ في "تاريخه" (٢/ ٢٣٣)، وعن سلمان الفارسيّ ﵁ عند الطبرانيّ (٦١٠٠)، وعن عمرو بن عوف عند البزار (٧٩٨). انظر: "مجمع الزوائد" (٣/ ١٢ - ١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الطعن في النسب والنياحة كفر، فيكون منافِيًا للإيمان، وهو وجه المناسبة في إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في أبواب الإيمان.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هما خصلتان مذمومتان محرّمتان في الشرع، "وقد كان النبيّ ﷺ يأخذ على النساء في بيعتهنّ أن لا يَنُحْنَ"، متّفقٌ عليه، وقال: "ليس منّا من لَطَمَ الْخُدُود، وشَقَّ الْجُيُوب، ودعا بدعوى الجاهليّة"، متّفقٌ عليه.
стр. 1150
وكذلك نَهَى النبيّ ﷺ عن السُّخْريّة، واللَّمْز، والنَّبْزِ (١)، والغيبة، والْقَذْف، وكلُّ هذا من أعمال أهل الجاهليّة، فقد أخرج أبو داود في "سننه" بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ (٢) الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تَقِيّ، وفاجر شَقِيٌّ، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرهم بأقوام، إنما هم فَحْمٌ من فَحْمِ جهنم، أو ليكونُنّ أهون على الله من الْجعْلان التي تَدْفعُ بأنفها النَّتِنَ" (٣).
وقال الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، فعرّف نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل، فمن تسوّر على قطعها والْغَمْص فيها، فقد كفر نعمة ربّه وخالف مراده.
وكذلك أمر الله تعالى بالصبر، وأثنى على الصابرين، ووعدهم رحمته وصِلاته، ووصفهم بهدايته، وحتَمَ الموت على عباده، فمن أبدى السُّخْط والكراهة لقضاء ربّه، وفَعَلَ ما نهاه عنه، فقد كفر نعمته فيما أعدّ للصابرين من ثوابه، وتشبّه بمن كفر من الجاهليّة به. انتهى كلام القاضي ببعض تصرف (٤).
٢ - (ومنها): عناية الشارع بتنبيه الناس على البعد من أعمال الجاهليّة، فإنها منافية للإسلام ومناقضة للعهد الذي أخذه النبيّ ﷺ بقوله فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمه، ولا يُسْلِمه … " الحديث.
وأخرجا أيضًا من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا
стр. 1151
تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
٣ - (ومنها): تحريم الطعن في النسب بنحو ذمّ وعيب، بأن يقدح في نسب أحد من الناس، فيقول: ليس هو من ذرّيّة فلان؛ لأنه هجوم على الغيب، ودخول فيما لا يعني، وتحقير للمسلم، وكسر قلبه بإدخال العار عليه.
٤ - (ومنها): تحريم النياحة، وهو تعديد محاسن الميت وشمائله، كقوله: واكهفاه، واجبلاه، واسنداه، واكريماه ونحوها، وهو حرام، وإن لم يكن معه بكاء؛ لأن في ذلك تسخطًا لقضاء الله تعالى، ومعارضة لأحكامه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِرًا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥] (٦٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ مِنْ مَوَالِيه، فَقَدْ كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ"، قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللهِ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْغُدَانيّ (١) الأشلّ البصريّ، صدوق يَهِم [٦].
стр. 1152
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، وعامر الشعبيّ، والحسن البصري.
وروى عنه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البَلْخِيَّ، وشعبة بن الحجاج، وبشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح رَوَى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال: حَدّث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس، وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَب حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ إمام مشهور فقيه فاضل [٣] (ت بعد المائة)، وله نحو ثمانين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (جَرِير) بن عبد الله الصحابيّ الشهير ﵁ المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعني ابن عُليّة"، هذه العناية من المصنّف رحمه الله تعالى، وذلك أن شيخه لم ينسب إسماعيل، فلما أراد أن ينسبه أتى بـ "يعني" فصلًا بين ما زاده وبين كلام شيخه.
٣ - (ومنها): أن منصورًا ليس له رواية في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كما نبّهتُ عليه آنفًا.
٤ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمنصور بن عبد الرحمن في الكتب الستة اثنان فقط:
[أحدهما]: هذا المترجم هنا عند المصنّف وأبي داود فقط.
[والثاني]: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الْعَبْدريّ الْحَجَبيّ المكّي عند الجماعة إلا الترمذيّ.
стр. 1153
ولهم ثالث يُذكَر للتمييز، وهو منصور بن عبد الرحمن الْبُرْجُميّ.
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (٢/ ٥٩) ما نصّه: وفي الرواة خمسةٌ يقال لكلّ واحد منهم منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ نقله عن الحافظ أبي بكر الخطيب في كتابه "المتّفق" والمفترق" (٣/ ١٩٢٢)، فقد قال فيه: منصور بن عبد الرحمن خمسة، منهم اثنان ذكرهما البخاريّ في "تاريخه"، ثم قال: منصور بن عبد الرحمن بن الأحوص القرشيّ، من بني عبد شمس، مدنيّ، حدّث عن زيد بن ثابت، روى عنه الزهريّ، ثم ذكر الثلاثة المذكورين هنا، ثم قال: ومنصور بن عبد الرحمن حدّث عن الحسن البصريّ، روى عنه إبراهيم بن طهمان، ثم أورد الخطيب حديثًا من طريقه.
قال الجامع: أما منصور بن عبد الرحمن القرشيّ، فقد ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣٤٤) باسم منصور بن عبد الله، وكذا هو في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٧٤) لابن أبي حاتم، و"الثقات" (٥/ ٤٢٩) لابن حبّان، ولكن أشار في هامش "التاريخ الكبير" أنه وقع باسم: منصور بن عبد الرحمن، ولعل الخطيب اعتمد على هذه النسخة، والظاهر أنها غير صحيحة؛ لأن ابن أبي حاتم، وابن حبان ذكراه بابن عبد الله، والله تعالى أعلم.
وأما منصور الأخير فلم أر له ذكرًا عند غيره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِير) بن عبد الله البجليّ ﵁ (أَنَّهُ) أي منصورًا (سَمِعَهُ) أي جريرًا ﵁ (يَقُولُ: "أَيُّمَا عَبْدٍ) "أيُّ" اسم شرط مبتدأ، وفي خبره الخلاف، هل هو جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معًا؟ كما هو موضّح في كتب النحو، و"ما" زائدة، و"أيُّ" مضاف إلى "عبد" (أَبِقَ) بكسر الموحّدة وفتحها، يقال: أَبِقَ
стр. 1154
العبدُ، كسَمِعَ، وضَرَبَ، وقَتَل (١) أَبْقًا، ويُحَرَّكُ، وإِبَاقًا، ككتاب: ذهب بلا خوفٍ ولا كذ عَمَل، أو استخفى ثم ذهب، فهو آبقٌ وأَبُوقٌ، وجمعه ككُفّار ورُكَّع، قاله في "القاموس" (٢)، وفي "المصباح": أَبِقَ العبدُ أَبْقًا، من بابي تَعِبَ وَقَتَلَ في لغة، والأكثر من باب ضَرَب: إذا هَرَبَ من سيّده من غير خوفٍ ولا كدّ عَمَلٍ، هكذا قيّده في "كتاب العين"، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوبُ العبد من سيّده، والإِبَاقُ بالكسر اسمٌ منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أُبّاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى (٣).
وقال النوويّ في "شرحه": "وأبِقَ" بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٤٠]. انتهى (٤).
(مِنْ مَوَالِيهِ) متعلّق بـ "أبق"، وهو جمع مولى بمعنى السيّد، وقد سبق أنه يُطلق على أحد وعشرين معنى، جمعتها في أبيات تقدّم ذكرها، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَدْ كَفَرَ) تقدّم في الباب الماضي أقوال أهل العلم في المعنى المراد بالكفر هنا، وأن الأصحّ أنه كفر دون كفر، وليس كفرًا مخرجًا من الإسلام إلا لمن استحلّه (حَتَّى يَرْجِعَ) بفتح أوله وكسر ثالثه، من باب ضرب (إِلَيْهِمْ") فيه أن رجوعه إليهم يُعدّ توبة في حقّه.
(قَالَ مَنْصُور) هو ابن عبد الرحمن الراوي عن الشعبيّ (قَدْ وَاللهِ) قسم معترض بين "قد" ومدخولها (رُوِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير الحديث المذكور.
والمعنى: أن هذا الحديث الذي رواه الشعبيّ عن جرير ﵁ موقوفًا عليه مرويّ (عَن النَّبِيِّ ﷺ ) مرفوعًا.
ولفظ أبي نُعيم في "مستخرجه": "قال منصور: وقد والله قاله رسول الله ﷺ ".
стр. 1155
ورواه ابن منده في "الإيمان" من طريق شعبة عن منصور الأشلّ، قال: سمعت الشعبيّ يُحدّث عن جرير، قال شعبة: حدّثنيه مرّتين، ورفعه آخر مرّة عن النبيّ ﷺ قال: "إن العبد الآبق … " الحديث.
ورواه الخطيب البغداديّ في كتابه "المتّفق والمفترق" بسند المصنّف، وفيه: "قال منصور: قد والله رواه عن النبيّ ﷺ … ".
(وَلَكِنِّي أَكْرَهُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ (أَنْ يُرْوَى عَنِّي) ببناء الفعل للمفعول، أي ينقله الناس عنّي (هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ) بفتح الموحّدة وكسرها: المدينة المعروفة بالعراق، بُنيت في عهد عمر زعنه سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولذا دخلت في حدوده دون حكمه، قاله الفيّوميّ (١).
ومعنى كلام منصور رحمه الله تعالى هذا أنه رَوَى هذا الحديثَ عن الشعبيّ، عن جرير موقوفًا عليه، ثم قال منصور بعد روايته إياه موقوفًا: والله إنه مرفوعٌ إلى النبيّ ﷺ ، فاعلموه أيها الخواصّ الحاضرون، فإني أكرَه أن أُصَرِّح برفعه في لفظ روايتي، فَيَشِيَع عنيّ في البصرة التي هي مملوءة من المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد، فَيَحْكُمُون بكفره، ولهم شبهة في التعلّق بظاهر هذا الحديث، وقد قَدَّمنَا تأويله، وبطلان مذاهبهم بالدلائل القاطعة الواضحة التي ذكرناها في مواضع من هذا الكتاب، قاله النوويّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير ﵁ عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٣/ ٢٣٥ و ٢٣٦ و ٢٣٧] (٦٨)، و (أبو داود) في "الحدود" (٤٣٦٠)، و (النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٤٠٥١ و ٤٠٥٢ و ٤٠٥٣ و ٤٠٥٤ و ٤٠٥٥ و ٤٠٥٦ و ٤٠٥٧ و ٤٠٥٨)، وفي "الكبرى"
стр. 1156
(٣٥١٢ و ٣٥١٣ و ٣٥١٤ و ٣٥١٥ و ٣٥١٦ و ٣٥١٧ و ٣٥١٨ و ٤٥١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٧ و ٣٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٠ و ٧١ و ٧٢ و ٧٣ و ٧٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٢٦ و ٢٢٧ و ٢٢٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٦٦ و ٦٦٧ و ٦٦٨ و ٦٦٩)، والبيهقيّ في "الكبرى" (٨/ ٢٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن إباق العبد من مواليه معصية كبيرة، تُضادّ مقتضيات الإيمان من وجوب الطاعة لهم، وهذا هو وجه إدخال المصنّف لهذا الحديث في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الإباق يعتبر كفرًا، وقد سبق أنه كفر دون كفر، فهو كفر لنعمة الله تعالى عليه.
٣ - (ومنها): أن قول منصور بن عبد الرحمن: "ولكني أكره أن يُرْوَى عني ها هنا بالبصرة" فيه ما كان عليه السلف من تيقّظهم وتحفّظهم من أن يتعلّق المبتدعون بالنصوص التي يروونها فيما يؤيّد بِدَعَهُم، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون يَقِظًا متحفّظًا، لا ينشر من العلم بين العوامّ ما فيه مُتمسَّك لأهل الضلال وإن كان في نفسه حقًّا، فلا يورد النصوص التي ظواهرها تؤيّد أفكارهم، وعلى ذلك بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا"، ثم أخرج بسنده عن عليّ ﵁ قال: حدّثوا الناس بما يَعرِفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟ "، وأورد أيضًا حديث معاذ ﵁ عنه حين قال للنبيّ ﷺ : أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "لا تبشّرهم فيتكلوا"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في (١١/ ١٥٢) فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦] (٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ").
стр. 1157
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (دَاوُد) بن أبي هند الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) قال القرطبيّ: أي ذمّة الإيمان وعهدُه، وخَفَارته، إن كان مستحلًّا للإباق فيجب قتله بعد الاستتابة لأنه مرتدّ، وإن لم يكن كذلك فقد خرج عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته على إباقه، وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءها السيّد، ويقال: بَرِئْتُ من الرجل، والدين بَرَاءةً، وبَرِئت إليه بُرْءًا وبُرُوءًا، ويقال أيضًا: بَرُئت - بضم الراء - أبرُؤ. انتهى (١).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: "فقد برئت منه الذمّة": أي لا ذمّة له حينئذ، و"الذمة" هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذِّمَام، وهو الحرمة، ويجوز أن تكون من قَبِيل ما جاء في قوله: له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ : أي ضمانه، وأمانته، ورعايته، وكلاءته، ومن ذلك أن الآبق كان مَصُونًا عن عقوبة السيد له وحبسه، فزال ذلك بإباقه، والله أعلم. انتهى (٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧] (٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَن الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ").
стр. 1158
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
والباقيان تقدّما قريبًا.
وقوله: (إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء، فإن القبول هو أن يكون العملُ سببًا لحصول الأجر والرضا والقرب من الله تعالى، والإجزاء كونه سببًا لسقوط التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا أجر له عليها، قاله السنديّ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالإجزاء وسقوط التكليف مع عدم القبول فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو قول بلا دليل ولا حجة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "لم تُقبل له صلاةٌ" إن كان مستحلًّا حُمل الحديث على ظاهره؛ لأنه يكون كافرًا ولا يُقبل لكافر عملٌ، وإن لم يكن كذلك لم تصحّ صلاته على مذهب المتكلّمين في الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنه منهيّ عن الكون في المكان الذي يُصلّي فيه ومأمور بالرجوع إلى سيّده، وأما على مذهب الفقهاء المصحّحين لتلك الصلاة، فيُمكن أن يُحمل الحديث على مذهبهم على أن الإثم الذي يلحقه في إباقه أكثر من الثواب الذي يدخل عليه من جهة الصلاة، فكأن صلاته لم تُقبَل؛ إذ لم يتخلّص بسببها من الإثم، ولا حصل له منها ثواب يَتخلّص به من عقاب الله على إباقه، فكان هذا كما في قوله ﷺ : "إن شارب الخمر لا تُقبل له صلاةٌ
стр. 1159
أربعين يومًا" (١). انتهى كلام القرطبيّ (٢).
قال الجامع: القول بعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة هو الحقّ، كما سيأتي، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ في "شرحه": أَوَّلَ الإمام المازريّ وتبعه القاضي عياض رحمهما الله تعالى هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق، فيَكْفُر، ولا تُقبل له صلاة ولا غيرها، ونبّه بالصلاة على غيرها.
وأنكر الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الصلاح - هذا التأويل، وقال: بل ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحّة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحّتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله تعالى.
قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها، ورأيت في "فتاوى أبي نصر بن الصبّاغ" من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أَبُو مَنْصُور، قَالَ: الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَام أَصْحَابنَا بِالْعِرَاق، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَة، يَسْقُط بِهَا الْفَرْض، وَلَا ثَوَاب فِيهَا، قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَان اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاة، قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي "الْكَامِل" أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، ويَحْصُل الثَّوَاب عَلَى الْفِعْل، فَيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله عَاصِيًا بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصوب، فَإِذَا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَاب، قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا، وَالله أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
стр. 1160
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنها لا تصحّ ولا يسقط بها الطلب؛ لظاهر حديث الباب، والفرق بين الصحّة والقبول مما لا يؤيّده دليلٌ، وقد ذكر ذلك في "شرح الكوكب الساطع" في الأصول، عند قوله:
مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ … كُرْهًا فَفِي الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا … مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى
فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ … وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُمْ فِي الأَشْهَرِ
وَقِيلَ لَا تَصِحُّ لَكِنْ حَصَلَا … سُقُوطُهُ وَالْحَنْبَلِيُّ لَا وَلَا
وقوله: "والحنبليّ لا ولا" يعني أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: لا تصحّ الصلاة، ولا ثواب فيها، وهذا هو الحقّ، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ بَيَانِ كفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨] (٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْل، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِرٌ، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِه، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَب، وَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) المذكور في السند الماضي.