← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وهذا أشبه؛ لأنّا لَمْ نسمع له في ذكرًا (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٤): "ما من عبد قال: لا إله إلَّا الله … "، و (٥٥٣): "عُرضت عليّ أعمال أمتي … "، و (٧٢٠): "يُصبح على كلّ سُلامى من أحدكم … "، و (١٠٠٦): "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون … "، و (١٠٥٠): "لو كان لابن آدم واديان من مال … "، و (٢٦٥٠): "بل شيء قُضي عليهم، ومضى فيهم … ". ٨ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ، قيل: اسمه جُنْدب بن جُنَادة بن قيس بن عمرو بن مُلَيل بن صُعَيْر بن حَرَام بن عَفّان، وقيل: اسمه بُرَير بن جُنَادة، وقيل: ابن جُندب، وقيل: ابن عِشْرَقة، وقيل: ابن جُندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسة السُّلَميّ لأمه. روى عن النبي ﷺ ، وعنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخالد بن وُهبان ابن خَالة أبي ذر، وقيل: وهبان بن امرأة أبي ذر، وقيل: ابن أخته، وزيد بن وهب الْجُهَنيّ، وخَرَشة بن الْحُرّ، وجُبير بن نُفير، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الصامت، وزيد بن ظبيان، وعبد الله بن شقيق، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن غَنْم، وقيس بن عُبَاد، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الديلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك التيمي، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سالم الجيشاني، وأبو مُرَاوح الغِفَاري، وزِرّ بن حُبَيش، ورِبْعي بن حِرَاش، وعبد الرَّحمن بن شِمَاسة الْمَهْريّ، وخلق كثير. وقصّة إسلامه في "الصحيحين"، ولفظ البخاريّ من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄ قال: لَمّا بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو

стр. 1087

بالشعر، فقال: ما شَفَيتني مما أردت، فتزوّد، وحمل شَنّةً له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ، ولا يعرفه، وكَرِه أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرأَه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل عليّ مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لِتُرشِدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حقّ، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري"، قال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه. ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدِم رسول الله ﷺ المدينة، ومضت بدر وأحدٌ، ولم تتهيّأ له الهجرة إلَّا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا. وأخرج أحمد في "مسنده" من طريق عِراك بن مالك قال: قال أبو ذر ﵁: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله ﷺ ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أقربكم مني يوم القيامة مَنْ خَرَج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه"، وإنه والله ما منكم من أحد إلَّا وقد تَشَبّثَ منها بشيء غيري. رجاله ثقات، إلَّا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عراكًا لَمْ يسمع من أبي ذرّ. وأخرج أحمد والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1088

"ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، من رجل أصدق لهجة من أبي ذر" (١). وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهما، قال أبو إسحاق عن هانئ بن هانيّ، عن علي ﵁: أبو ذر وِعاءٌ مُلِئَ علمًا أُوكِئ عليه، فلم يخرج منه شيء، وقال الآجري عن أبي داود: لَمْ يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. قال خليفة، وعمرو بن علي، وغير واحد: مات بالرَّبَذَة سنة اثنتين وثلاثين، زاد المدائني: وصلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده بيسير، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف، فهو سند نازل، لأن أعلى سنده رباعيّات، وأنزلها عُشاريّات. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن ابن بُرَيدة هنا هو عبد الله بن بُريدة، وليس هو سليمان بن بريدة أخاه، وهو وأخوه سليمان ثقتان، تابعيان، جليلان، وُلدا في بطن واحد، في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء، والصحيح أن سليمان مات، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ثم ولي أخوه عبد الله مكانه إلى أن مات سنة (١١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الْجِلّة يروي بعضهم عن بعض: ابن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوّلين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن أبا الأسود رحمه الله تعالى كان من عقلاء الرجال، وهو أول من وضع علم النحو بأمر عليّ ﵁.

стр. 1089

٥ - (ومنها): أن أبا ذرّ وأبا الأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لأبي ذرّ ﵁ (٥٧) حديثًا، ولأبي الأسود سبعة أحاديث فقط، كما بينته آنفًا. ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ذرّ غير هذا، وجملة من يُكنى بأبي الأسود ستة: أحدهم هذا المترجم هنا، والثاني: أبو الأسود السلمي، صحابيّ له حديث عند النسائيّ فقط، وقيل: الصواب أبو اليسر السلمي، والثالث: أبو الأسود المحاربيّ، مولى عمرو بن حُريث، قاضي الكوفة، واسمه سُويد، مقبول من الطبقة الخامسة، عند النسائيّ أيضًا، والرابع: أبو الأسود المراديّ، واسمه النضر بن عبد الجبار، عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والخامس: أبو الأسود والد سوادة، واسمه: مسلم بن مِخراق، عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجة، والسادس: يتيم عروة، محمد بن عبد الرَّحمن، من رجال الجماعة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ممن اشتهر بكنيته، حتى وقع اختلاف كثير في اسمه، واسم أبيه، وكان رابع أربعة في الإسلام، وقيل: خامس خمسة، ذو مناقب جمة ﵁، كما أسلفناه في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحِّ ﵁ (أَنَّهُ يسَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ) "من" زائدة، و"رجل" اسم "ليس"، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها (١) (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (لِغَيْرِ أَبِيهِ) أي انتسب إليه، واتخذه أبًا رغبةً عن أبيه، والجملة صفة "رجل"، وقوله: (وَهُوَ يَعْلَمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه عالِمًا أباه، وهذا التقييد لا بدّ منه، فإن الإثم إنما يكون في حقّ العالم بالشيء (إِلا كَفَرَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: فيه تأويلان:

стр. 1090

[أحدهما]: أنه في حقّ المستحلّ. [والثاني]: أنه كَفَرَ النعمة والإحسان، وحقَّ الله تعالى، وحَقَّ أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال ﷺ : "يَكْفُرْنَ"، ثم فسّره بكفرانهنّ الإحسان، وكفران العشير. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا - يعني الانتساب لغير الأب - إنما يفعله أهل الْجَفَاء والجهل والكبر؛ لخِسّة منصب الأب، ودناءته، فيَرَى الانتساب إليه عارًا، ونقصًا في حقّه، ولا شكّ في أن هذا مُحَرَّم، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًّا، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مُستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغةً وشرعًا على ما قرّرناه، ويحتمل أن يقال: أَطلق عليه ذلك؛ لأنه تشبّه بالكفّار، أهل الجاهليّة، أهلِ الكبر والأنَفَة، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (١). [تنبيه]: وقع في رواية أبي ذرّ الهرويّ لـ "صحيح البخاريّ" قوله: "إلَّا كفر بالله" بزيادة لفظ "بالله"، فقال في "الفتح": كذا وقع هنا "كَفَرَ بالله"، ولم يقع قوله: "بالله" في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك، فالمراد مَن استحلّ ذلك، مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما وَرَدَ على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فَعَلَ فِعْلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر. انتهى (٢). (وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التبرّي المطلق، فيبقى على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويُتأَوَّل في حقّ غير المستحلّ بأنه ليس على طريقة النبيّ ﷺ ، ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْمٌ، وطريقة أهل الدين العدلُ، وترك الظلم، ويكون هذا

стр. 1091

كما قال: "ليس منا من ضَرَبَ الخدود، وشقَّ الْجُيُوب" (١)، ويقرُبُ منه: "من لَمْ يأخذ من شاربه، فليس منا" (٢) (وَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي فَلْيَنْزِل مَنْزِله منها، أو فليتخذ مَنْزلًا بها، وهو دعاء عليه، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، واستظهره النوويّ، ومعناه: هذا جزاؤه إن جوزي، ثم هو قد يُجَازَى بذلك، وقد يَعْفُو الله تعالى عنه، وقد يُوفِّقه للتوبة، فيسقط عنه ذلك. (وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ) أي ناداه به، كأن يقول له: يا كافرُ، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة لو دُعيت بذلك لكان الحكم كذلك (أَوْ قَالَ) له (عَدُوَّ اللهِ) بالنصب على حذف حرف النداء، أي يا عدوّ الله، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، خبرًا لمحذوف، أي أنت أو هو عدوّ الله، وقال النوويّ: ضبطنا "عدوّ الله" على وجهين: الرفع والنصب، والنصب أرجح على النداء، أي يا عدوَّ الله، والرفع على أنه خبرُ مبتدأ، أي هو عدوُّ الله كما تقدم في الرواية الأخرى: "قال لأخيه: كافر"، فإنا ضبطناه كافرٌ بالرفع والتنوين، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). (وَلَيْسَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أن ذلك الرجل ليس كما وصفه، بأن كان بريئًا من الكفر، ومتّقيًا لله تعالى (إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ) أي إلَّا رجع على القائل ذلك الدعاء، أي معرّته، وإثمه، كما أسلفنا تحقيقه. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا حار عليه": فمعناه: رجع عليه، والْحَوْرُ: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤]، وقوله ﷺ : "أعوذ بك من الْحَوْر بعد الْكَوْن"، رواه مسلم، وعند الترمذيّ وابن ماجة: "بعد الكَوْر" بالراء، قال القاضي: يكون "باء" ها هنا بمعنى رَجَعَ، كما جاء في الحديث نفسه، وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه، كما قال إذا لَمْ يكن لذلك أهلًا بكذبه عليه، وقيل: إذا قاله لمؤمن صحيح الإيمان مثله، ورماه بالكفر، فقد كفّر نفسه؛ لأنه مثله، وعلى دينه. انتهى (٤).

стр. 1092

وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا حار عليه" هذا الاستثناء قيل: إنه واقع على المعنى، وتقريره: ما يدعوه أحدٌ إلَّا حار عليه، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الأول، وهو قوله ﷺ : "ليس من رجل … "، فيكون الاستثناء جاريًا على اللفظ (١). ولفظ أبي عوانة: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالكفر إلَّا ارتدّت، إن لَمْ يكن صاحبها كذلك"، وفي رواية له: "من ادّعى إلى غير أبيه، فليس منا، ومن ادّعى ما ليس له، فليس منّا، ومن رمى رجلًا بالكفر، أو رماه بالفسق، وليس كذلك، ارتدّت عليه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٤] (٦١)، و (البخاريّ) في "مناقب قريش" ٤/ ٢١٩ (٣٥٠٨)، و"الأدب" ٨/ ١٨ (٦٥٤٥)، وفي "الأدب المفرد" (٤٣٢ و ٤٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٦ و ١٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٥ و ٥٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إطلاق الكفر على المعاصي، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو الغرض الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراد الحديث هنا. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادّعاء إلى غيره. ٣ - (ومنها): أن تقييده بالعلم مما لا بدّ منه في الحالتين: إثباتًا ونفيًا؛ لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمِّد له.

стр. 1093

٤ - (ومنها): بيان تحريم دعوى ما ليس له في كلّ شيء، سواءٌ تعلق به حقٌّ لغيره أم لا، وفيه أنه لا يَحِل له أن يأخذ ما حَكَم له به الحاكم، إذا كان لا يستحقُّه. قال في "الفتح": يؤخذ من الحديث تحريم الدعوى بشيء، ليس هو للمدعِي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها، مالًا، وعِلْمًا، وتعلُّمًا، ونَسَبًا، وحالًا، وصلاحًا، ونعمةً، وولاءً، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك. ٥ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ حرامًا، خلافًا لما نُقل عن بعضهم من أن حكمه يُحلّه، قال الكاسانيّ من الحنفيّة مبيّنًا هذا على مذهب أبي حنيفة: وأما بيان ما يُحلّه القضاء، وما لا يُحلّه، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحلّ عند أبي حنيفة ﵀، وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلًا لا يفيد الحلّ بالإجماع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من أغرب ما يُسمع من الأقوال الساقطة، فإن هذا مخالف لقوله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂ المتّفق عليه: "فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها"، فإنه لا فرق في هذا بين الأموال والفروج، وهؤلاء فرّقوا بينهما، فقالوا: إن قضاء القاضي لا يُحلّ المال الحرام، وأما الأبضاع، فيُحلّها، فلو جاء شخص بشاهدي زور، فأشهدهما على امرأة بأنها زوجته، فقضى القاضي بذلك قالوا: يحلّ له وطؤها، وهو يعلم أنه لَمْ يتزوجها قط، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله. قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حرّ أنه ملكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حرّيّته، فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لَمْ يحلّ له أن يسترقّه بالإجماع. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: القول بأن حكم الحاكم يُحلّ ظاهرًا

стр. 1094

وباطنًا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدة أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح حديث أم سلمة المذكور في "كتاب الأقضية" - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث يدخل تحته ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوي، من نصب مُسخَّر (٢) يدّعي في بعض الصور حفظًا لرسم الدعوى والجواب، وهذا المسخَّر يدّعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يُقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يُخَصَّ به عموم هذا الوعيد، وإنما المقصود الأكبر في القضاء إيصال الحقّ لمستحقّه، فانخرام هذه المراسيم الْحُكميّة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت هذا الوعيد العظيم الذي دلّ عليه، وهذه طريقة أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم. انتهى (٣)، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضًا: في هذا الحديث وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلق كثير من المتكلّمين، ومن المنسوبين إلى السنّة، وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلّظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخَرَقَ حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشويّة، وهذا الوعيد لاحقٌ بهم إذا لَمْ يكن خصومهم كذلك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد تقدّم تمام البحث في مسألة التكفير بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1095

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥] (٦٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) بن الْهَيْثَم بن محمد بن الْهَيْثَم بن فَيْروز التميمي الأَيْليُّ - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، وخالد بن أبي نِزَار، ومؤمل بن إسماعيل، وبشر بن بكر. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، ومحمد بن وَضَّاح، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والمعمريّ، وزكرياء الساجيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو عُمَر الْكِنديّ: كان فقيهًا، من أصحاب ابن وهب، وقال مسلمة بن قاسم: كان مُقَدَّمًا في الحديث فاضلًا. وقال ابن يونس: تُوُفّي في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقةً، وكان قد ضَعُفَ ولزم بيته. وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرحبيل المصريّ، ثقة [٥]. رَأَى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْديّ الصحابيّ، ورَوَى عن الأعرج،

стр. 1096

وعِرَاك بن مالك، وأبي سلمة، وبُكير بن الأشجّ، وبكر بن سَوَادة، والزهريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه بَكْر بن مُضَر، وحَيْوَة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة، والليث، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، وهو من أقرانه. قال أحمد: كان شيخًا من أصحاب الحديث، ثقةً، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال الآجري، عن أبي داود: لم يسمع من الزهريّ، وقال الطحاويّ: لا نعلم له من أبي سلمة سماعًا. وقال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغِفَاريُّ الكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت سلمة، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ونوفل بن معاوية الدِّيليّ، والزهريّ، وهو أصغر منه. ورَوَى عنه ابناه: خُثَيم، وعبد الله، وسليمان بن يسار، وهو من أقرانه، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن أبي حبيب المصريّ، وزياد بن أبي زياد، مولى ابن عباس، وجعفر بن ربيعة المصريّ، ومكحول الشاميّ، وعُقَيل بن خالد، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال أيوب بن سُويد، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يَعْدِل بعراك بن مالك أحدًا، وقال أبو الْغُصْن: فرأيته يصوم الدهر، وقال أحمد بن حنبل، فيما رَوَى ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن الأثرم، وذكر حديث خالد بن أبي الصَّلْت، عن عراك: سمعت عائشة مرفوعًا: "حَوِّلُوا مقعدتي إلى القبلة"، فقال: مرسلٌ، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة؟،

стр. 1097

إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، ثم قال: من يَرْوِي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذّاء، ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة: ليس فيه: سمعت، وقال أحمد في موضع آخر: أحسن ما رُوِيَ في الرخصة - يعني في استقبال القبلة - حديثُ عِرَاك، وإن كان مرسلًا، فإن مَخْرَجه حسن. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال موسى بن هارون: لا نعلم لِعِراك سماعًا من عائشة. وقال الزُّبير بن بَكّار، عن محمد بن الضحاك، عن المنذر بن عبد الله: إن عِرَاك بن مالك كان من أشدّ أصحاب عمر بن عبد العزيز علي بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فَلَمّا وَلي يزيد بن عبد الملك وَلَّى عبد الواحد النَّصْريّ على المدينة، فَقَرَّب عِرَاكًا، وقال: صاحب الرجل الصالح، وكان يَجلس معه على سريره، فبينا هو يومًا معه، إذ أتاه كتاب يزيد: أَنِ ابْعَث مع عِرَاك حَرَسِيًّا حتى يُنْزِله دَهْلَك، وخُذ من عِرَاك حَمُولته، فقال عبد الواحد لحرسيّ: خذ بيد عِراك فابتع من ماله راحلةً، ثم توجه إلى دَهْلَك حتى تُقِرّه بها، ففعل الْحَرسيّ ذلك، وما تركه يَصِل إلى أمه، قال: وكان أبو بكر بن حزم قد نَفَى الأحوص الشاعر إلى دَهْلَك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك أرسل إلى الأحوص، فأقدمه عليه، فمدحه الأحوص، فأكرمه، وقال ضِمَام بن إسماعيل، عن عُقَيل بن خالد: كُنت بالمدينة في الْحَرَس، فلما صليتُ العصر إذ برجل يتخطى الناس، حتى دنا من عِرَاك بن مالك، فلطمه حتى وقع، وكان شيخًا كبيرًا، ثم جَرّ برجله، ثم انطلق به حتى حَصّل في مركب في البحر إلى دَهْلك، فكان أهل دهلك يقولون: جزى الله عنا يزيد خيرًا، أخرج إلينا رجلًا عَلّمنا اللهُ الخيرَ على يديه. قال ابن سعيد وغيره: مات بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك، قال الحافظ: فإن صحّ هذا، فمقتضاه أنه لم تَطُل إقامته بدهلك، ولم أر من صَرّح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد، وكلهم قالوا: مات في زمن يزيد بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.

стр. 1098

٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، وعراك، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جعفر، عن عِرَاك. ٥ - (ومنها): أن هارون، وجعفرًا، وعِرَاكًا هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لهارون (١١٢) ولجعفر (١٢) ولعِراك (١٧) حديثًا، كما أسلفته آنفًا. ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد من يُسمّى بعراك في الكتب الستّة إلا ابن مالك هذا، ولهم راوٍ آخر يقال له: عراك بن خالد المرّيّ الدمشقيّ، متروك من الطبقة السادسة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما روى له أبو داود في "كتاب القدر" له فقط، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عِرَاكِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء (ابْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أي لا تتركوا الانتساب إليهم، فتتنسبوا لغيرهم؛ رغبةً عنهم، وجحدًا لأبوّتهم، قال النوويّ: يقال: رَغِبَ عن أبيه: أي تَرَك الانتساب إليه، وجَحَدَه، ويقال: رَغِبتُ عن الشيء: تركتُهُ، وكَرِهتُهُ، ورَغِبتُ فيه: اخترتُهُ، وطلبته. انتهى. وقال في "القاموس": رَغِبَ فيه، كسَمِع رَغْباءً، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغَبَ، ورَغِبَ عنه: لم يُرده، ورَغِبَ إليه رَغَبًا محرَّكةً، ورَغْبَى، ويُضمّ، ورَغْبَاءً، كصحراءَ، ورَغَبُوتًا، ورَغَبُوتى، ورَغَبَانًا، محرّكات، ورُغْبَةً، ويُحرَّك: ابتَهَلَ، أو هو الضَّرَاعة والمسألة. انتهى (١).

стр. 1099

وفي "المصباح": رَغِبتُ في الشيء، ورَغِبتُهُ، يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى بفتح الراء وضمها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (١). (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ) أي كَرِه الانتساب إليه، وقوله: (فَهُوَ كُفْرٌ) على حذف مضاف، أي ذو كفر، أو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، أي كافر، أو وُصف به مبالغةً، كما يقال: زيدٌ عدْلٌ. ويحتمل أن يكون "هو" راجعًا إلى الرَّغَبِ المفهوم من "رَغِبَ"، أي رغَبُهُ كفر، ولفظ أبي نعيم: "فقد كفر". قال المازريّ رحمه الله تعالى: هذا يُتأول على ما تقدّم من الاستحلال، أو يكون أراد الكفر اللغوي، بمعنى جَحَدَ حقّ الله، وستره. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه أن الانتساب إلى غير الأب يكون عن عقوق، أو كذب، أو قذف، وليس شيء من ذلك كفرًا يُخرج عن الملّة، ولذلك تأول أهل السنّة هذا الحديث على نحو ما تأولوا الأحاديث السابقة، وأنه لا ينصرف إلى الكفر الْمُخْرِج عن الملّة إلا في حق المستحلّ، فيكون المراد كفرَ النعمة، وجحدَ الإحسان، أو يكون المعنى أن عمله شبيه بعمل أهل الكفر، فإن هذا عمل من أعمال الجاهليّة، كما سبق تحقيقه. وقال في "الفتح": قوله: "فهو كفر" كذا للأكثر، وكذا لمسلم، ووقع للكشميهني: "فقد كَفَرَ"، وسيأتي في "باب رجم الحبلى من الزنا" في حديث عمر الطويل: "لا ترغبوا عن آبائكم، فهو كفر بربكم". قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ليس معنى الحديث أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أنه يدخل في الوعيد، كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد به مَنْ تَحَوَّل عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالِمًا عامدًا مختارًا، وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يَتَبَنَّى الرجلُ ولدَ غيره ويصير الولد يُنْسَب إلى الذي تبناه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَنُسِب كل واحد إلى أبيه

стр. 1100

الحقيقيّ، وتُرِك الانتساب إلى من تبناه، لكن بقي بعضهم مشهورًا بمن تبنّاه، فيُذكَر به؛ لقصد التعريف، لا لقصد النسب الحقيقيّ، كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبنّاه، واسم أبيه الحقيقيّ عمرو بن ثَعْلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرَانِيّ، وكان أبوه حَلِيف كِندَة، فقيل له الكنديّ، ثم حالف هو الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنى المقدادَ، فقيل له: ابن الأسود. انتهى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا. قال: وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يُخَلَّد صاحبها في النار، وبسط القول في ذلك، وقال بعض الشراح: سبب إطلاق الكفر هنا أنه كَذِبٌ على الله، كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان، وليس كذلك؛ لأنه إنما خلقه من غيره. واستُدِلّ به على أن قوله ﷺ في الحديث المتّفق عليه: "ابنُ أخت القوم من أنفسهم"، وقوله: "مولى القوم من أنفسهم" ليس على عمومه؛ إذ لو كان على عمومه، لجاز أن يُنْسَب إلى خاله مثلًا، وكان مُعارضًا لحديث الباب المصرِّح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فعُرِفَ أنه خاصّ، والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة، ونحو ذلك. انتهى ما في "الفتح" (١). وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٥] (٦٢)، و (البخاريّ) في "الفرائض" (٦٧٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢١٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٥٩٠ و ٥٩١ و ٥٩٢)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٣٦٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1101

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦] (٦٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو والنَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَن ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلَام، غَيْرَ أَبِيه، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيه، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ) السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (خَالِدٌ) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل (١) البصريّ، ثقةٌ، يُرسل [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرحمن بن مِلّ النَّهْديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. [تنبيه]: "النَّهْديُّ" بفتح النون، و"مِلّ" بفتح الميم، وكسرها، وضمها، مع تشديد اللام، ويقال: مِلْء - بالكسر، مع إسكان اللام وبعدها همزة - قاله النوويّ (٢). ٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو بَكْرَةَ) هو: نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن عِلاج بن أبي

стр. 1102

سلمة، واسمه عبد الْعُزّى بن غِيَرَة بن عوف بن قيس، وهو ثَقِيف، الثَّقَفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، وبه جزم ابن إسحاق، وقيل: هو ابن مسرح، وبه جزم ابن سعد، وقيل: كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستَلْحَق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد ابن سُمَيَّة لأمه، وكانت سُمَيِّة أمةً للحارث بن كَلَدة، وإنما قيل له: أبا بَكْرَة لأنه تَدَلَّى من حِصْن الطائف إلى النبيّ ﷺ ، فأعتقه يومئذ، مات سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، وهُشيمًا، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: خالد الحذّاء، عن أبي عثمان. ٥ - (ومنها): أن أبا عثمان ممن اشتهر بكنيته، وهو مخضرم، معمّر، يقال: عاش (١٣٠) ويقال: (١٤٠) سنة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهليّة ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك (١)، واسم أبيه "مَلّ" مثلّث الميم، ومشدّد اللام، ولا مشارك له في ذلك. ٦ - (ومنها): أن أبا بكرة لقب بصورة الكنية، وقد سبق آنفًا سبب تلقيبه به. ٧ - (ومنها): أن هذا الحديث من مسند سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة، فأبو عثمان يرويه عن كليهما ﵄، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: لَمَّا

стр. 1103

ادُّعِيَ) بضم الدال، وكسر العين، مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقوله: (زِيَادٌ) مرفوع على أنه نائب فاعله، أي ادعاه معاوية بن أبي سفيان ﵁ أخًا له، وذكر أبو عمرو بن الصلاح أنه وجده مضبوطًا بخط الحافظ أبي عامر الْعَبْدريّ: "ادَّعَى" بفتح الدال مبنيًّا للفاعل، وعليه فزيادٌ مرفوع على الفاعليّة، يعني أن زيادًا هو الفاعل للدعوة، ومعنى ادّعائه تصديقه لمعاوية، وذلك أن معاوية لَمّا ادّعاه، وصدَّقه زياد صار زياد مُدَّعيًا أنه ابن أبي سفيان. وأصل هذا أن زيادًا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد ابن أبيه، ويقال: زياد ابن أمه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وكان يعرف بزياد بن عُبيد الثقفيّ، ثم ادّعاه معاوية بن أبي سفيان، وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: "ما هذا الذي صنعتم؟ "، وكان أبو بكرة ﵁ ممن أنكر ذلك، وهَجَرَ بسببه زيادًا، وحلَفَ أن لا يكلمه أبدًا، قاله النوويّ (١). وقال في "الفتح": والمراد بزياد الذي ادُّعِي هو زياد ابن سُمَيَّة، وهي أمه، كانت أمة للحارث بن كَلَدَة، زوّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه، وهم بالطائف قبل أن يُسْلِم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد، عند عمر، وكان بليغًا فأعجبه، فقال: إني لأعرف مَن وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي ﵁، فأراد مداراته فأطمعه في أن يُلحِقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب، إلى أن ادّعاه معاوية، وأمَّره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية، محتجين بحديث: "الولد للفراش"، وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار؛ لأن زيادًا كان أخاه من أمه (٢). (لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ) ﵁ (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟) قال النوويّ

стр. 1104

رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة ﵁، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، أو يكون مراده بقوله: "ما هذا الذي صنعتم؟ " أي ما هذا الذي جرى من أخيك؟ ما أقبحه! وأعظم عقوبته! فإن النبيّ ﷺ حَرَّم على فاعله الجنة. انتهى. (إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قال النوويّ: هكذا ضبطناهَ "سَمِعَ" بكسر الميم، وفتح العين، و"أذناي" بالتثنية، وكذا نَقَل الشيخ أبو عَمْرو كونه "أذناي" بالألف على التثنية، عن رواية أبي الفتح السَّمَرْقَنديّ، عن عبد الغافر، قال: وهو فيما يُعْتَمَد من أصل أبي القاسم العساكريّ وغيره: "أُذُنِي" بغير ألف. وحَكَى القاضي عياض أن بعضهم ضبطه بإسكان الميم، وفتح العين، و"أُذُني" بلفظ الإفراد، قال: ضبطناه من طريق الْجَيَّانيّ بضم العين، مع إسكان الميم، وهو الوجه، قال سيبويه: العرب تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا يقول كذا، وحَكَى عن القاضي الحافظ أبي عليّ بن سكرة أنه ضَبَطَه بكسر الميم، كما ذكرناه أوّلًا، وأنكره القاضي وليس إنكاره بشيء، بل الأوجُهُ المذكورة كلُّها صحيحة ظاهرة، ويؤيد كسر الميم قوله في الرواية الأُخرى: "سمعته أذناي، ووعاه قلبي". انتهى كلام النوويّ (١). (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أو هي المفعول الثاني على قول بعض النحاة: إن "سمع" من أخوات "ظنّ" تنصب مفعولين إذا كان الثاني مما يُسْمَعُ ("مَنْ) شرطيّة (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (أَبًا فِي الإِسْلَامِ) متعلّق بـ "ادّعى" خرج به من ادّعى، وانتسب في الجاهليّة، فإنه لا يُحرم الجنّة؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وإنما يبطل انتسابه فقط (غَيْرَ أَبِيهِ) منصوب على المفعوليّة لـ "ادّعَى"، وقوله: (يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، واحترز به عن من ادّعى غير عالم لذلك، فإنه لا يُحرم عليه، ولا يُحرم الجنّة؛ لعدم علمه (فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ") أي ممنوعة الدخول عليه.

стр. 1105

قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه التأويلان اللذان قدمناهما في نظائره: [أحدهما]: أنه محمول على مَن فعله مُسْتَحِلًّا له. [والثاني]: أن جزاءه أنها مُحَرّمة عليه أوّلًا عند دخول الفائزين، وأهل السلامة، ثم إنه قد يُجازَى، فيُمنعها عند دخولهم ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لا يُجَازَى، بل يعفو الله عنه. انتهى (١). (فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ) ﵁ (وَأَنَا سَمِعْتُهُ) أي سمعتُ هذا الكلام المشتمل على الوعيد الشديد (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) يعني أبو بكرة بذلك أنه سمعه بنفسه من النبيّ ﷺ ، ولذا أنكر على أخيه زياد، وحلف أن لا يكلّمه أبدًا؛ هجرًا له، وسيأتي ما قاله أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية ﵁ زيادًا هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي عثمان النهديّ رحمه الله تعالى، عن سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٩/ ٢٢٦ و ٢٢٧] (٦٣)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٢٦)، و"الفرائض" (٤٣٢٧ و ٦٧٦٦ و ٦٧٦٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٨٥ و ١٩٩)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥١١٣)، و (ابن ماجه) في "الحدود" (٢٦١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٩ و ١٧٤ و ١٧٩ و ٥/ ٣٨ و ٤٦) و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٤٤ و ٣٤٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٥ و ٤١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥ و ٧٦ و ٧٧ و ٧٨ و ٧٩ و ٨٠ و ٨١)، و (أبو نُعيم) (٢١٧ و ٢١٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية ﵁ زيادًا هذا:

стр. 1106

وقد أجاد الكلام في ذلك القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ رحمه الله تعالى في كتابه النافع "العواصم من القواصم"، فأطال النفس فيه، ومما قاله فيه خلال كلامه الطويل: أما نكتة الكلام، وهو القول في استلحاق معاوية زيادًا، وأخذ الناس عليه في ذلك، فأيّ أخذ عليه فيه، إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأيُّ عار على أبي سُفيان في أن يُليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهليّة؟ فمعلوم أن سُميّة لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدةُ زَمْعَة لعُتبة، لكن كان لعتبة منازع تعيّن القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد. اللهم إن ها هنا نكتةً اختَلَف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استلحق أخًا يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع، بل كان وحده، فقال مالك: يرث، ولا يثبتُ النسب، وقال الشافعيّ في أحد قوليه: يثبت النسب، ويأخذ المال، هذا إذا كان الْمُقَرّ به غير معروف النسب. قال: فالحارث بن كَلَدَة لم يَدّع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمته وُلد على فراشه، أي في داره، فكلُّ من ادّعاه فهو له، إلا أن يُعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مَغْمَز، بل فَعَل فيه الحقّ على مذهب مالك. فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة ﵃؟. قلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يَلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك، وعظّمه. انتهى كلامه باختصار (١)، وهو دفاع نفيسٌ عن هذا الصحابيّ الجليل معاوية ﵁، وهكذا ينبغي أن ندافع عن الصحابة ﵃، فإنهم إن أصابوا فيما اجتهدوا فيه فلهم أجران، وإن أخطئوا، فخطؤهم مغفور، ولهم أجر في اجتهادهم ﵃. ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، حيث قال خلال كلامه الطويل: وكذلك استلحاق معاوية ﵁ زياد ابن أبيه المولود على فراش الحارث بن كَلَدَة لكون أبي سفيان كان يقول: إنه من نطفته، مع أنه ﷺ قد قال: "من

стр. 1107

ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام"، وقال: "من ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقْبَل الله منه صرفًا ولا عدلًا"، حديث صحيح، وقَضَى أن الولد للفراش، وهو من الأحكام المجمع عليها، فنحن نعلم أن مَن انتسب إلى غير الأب الذي هو صاحب الفراش، فهو داخل في كلام الرسول ﷺ ، مع أنه لا يجوز أن يُعَيَّن أحد دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، فيقالَ: إن هذا الوعيد لاحق به؛ لإمكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله ﷺ بأن الولد للفراش، واعتقدوا أن الولد لمن أحبل أمه، واعتقدوا أن أبا سفيان هو الْمُحْبِل لسُمَيّة، أم زياد، فإن الحكم قد يَخْفَى على كثير من الناس، لا سيما قبل انتشار السنة، مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضَى للوعيد، أن يَعْمَل عمله من حسنات تمحو السيئات، وغير ذلك. وهذا باب واسع، فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو سنة، إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم، فاستحلُّوها، أو عارض تلك الأدلة عندهم أدلة أخرى، رأوا رجحانها عليها، مجتهدين في ذلك الترجيح، بحسب عقلهم وعلمهم، فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق، وغير ذلك، لكن لها شروط وموانع، فقد يكون التحريم ثابتًا، وهذه الأحكام منتفية؛ لفوات شرطها، أو وجود مانع، أو يكون التحريم منتفيًا في حقّ ذلك الشخص، مع ثبوته في حق غيره. وانما ردّدنا الكلام؛ لأن للناس في هذه المسألة قولين: [أحدهما]: وهو قول عامّة السلف، والفقهاء أن حكم الله واحد، وأن من خالفه باجتهاد سائغ مخطئٌ معذورٌ مأجورٌ، فعلى هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول بعينه حرامًا، لكن لا يترتب أثر التحريم عليه؛ لعفو الله تعالى عنه، فإنه لا يُكَلِّف نفسًا إلا وسعها. [والثاني]: في حقه ليس بحرام؛ لعدم بلوغ دليل التحريم له، وإن كان حرامًا في حقّ غيره، فتكون نفس حركة ذلك الشخص، ليست حرامًا، والخلاف متقارب، وهو شبيه بالاختلاف في العبارة. فهذا هو الذي يمكن أن يقال في أحاديث الوعيد، إذا صادفت محل

стр. 1108

خلاف؛ إذ العلماء مُجْمِعُون على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوَعَّد عليه، سواء كان محلَّ وفاق، أو خلاف، بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في موارد الخلاف، لكن اختلفوا في الاستدلال بها على الوعيد، إذا لم تكن قطيعة على ما ذكرناه. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو شافٍ كافٍ في إزالة مشكلة حديث الباب لمن تأمّله بإنصاف ذوي الألباب. وقد ضرب على هذا أمثلة كثيرة قبل هذا يوضّح المسألة، حيث قال في معرض البحث عن نصوص الوعيد: وهذه القاعدة تظهر بأمثلة منها: أنه قد صَحّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لَعَن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه"، وصحّ عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يدًا بيد: "أَوَّهْ عينُ الربا"، كما قال: "البر بالبر ربًا إلا هاءَ وهاءَ … " الحديث، وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل، وربا النسأ في الحديث. ثم إن الذين بلغهم قولُ النبيّ ﷺ : "إنما الربا في النسيئة"، فاستَحَلُّوا بيع الصاعين بالصاع يدًا بيد، مثل ابن عباس ﵄، وأصحابه: أبي الشَّعْثاء، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم، من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة، علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يَعتقد أن أحدًا منهم بعينه، أو مَن قَلَّده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فَعَلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة. وكذلك ما نُقِل عن طائفة من فُضلاء المدنيين، من إتيان الْمَحَاش (١) مع ما رواه أبو داود عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من أتى امرأة في دبرها، فهو كافر بما أنزل على محمد ﷺ "، أفيستحلُّ مسلم أن يقول: إن فلانًا وفلانًا كانا كافرين بما أنزل على محمد ﷺ ؟. وكذلك قد ثبت عنه ﷺ أنه لَعَن في الخمر عشرةً: عاصرَ الخمر، ومعتصرها، وشاربها، وثبت عنه من وجوه أنه قال: "كلُّ شراب أسكر فهو خمر"، وقال: "كل مسكر خمر"، وخطب عمر ﵁ على منبره، فقال بين

стр. 1109

المهاجرين والأنصار: "الخمر ما خامر العقل"، وأنزل الله تحريم الخمر، وكان سبب نزولها ما كانوا يشربونه في المدينة، ولم يكن لهم شراب إلا الفَضِيخ، لم يكن لهم من خمر الأعناب شيء. وقد كان رجال من أفاضل الأمة علمًا وعملًا، من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يُسْكِر، ويشربون ما يعتقدون حِلّه، فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد؛ لما كان لهم من العذر الذي تأوّلُوا به، أو لموانع أُخَر، فلا يجوز أن يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها، فإن سبب القول العامّ لا بُدّ أن يكون داخلًا فيه، ولم يكن بالمدينة خمر من العنب. ثم إن النبيّ ﷺ قد لَعَنَ البائع للخمر، وقد باع بعض الصحابة خمرًا، حتى بَلَغَ عمر ﵁ فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ وقال: "لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها"؟ ولم يكن يَعْلَم أن بيعها مُحَرَّمٌ، ولم يمنع عمر ﵁ علمه بعدم علمه أن يُبَيِّن جزاء هذا الذنب؛ ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به، وقد لَعَنَ العاصر والمعتصر، وكثير من الفقهاء يُجَوِّزون للرجل أن يَعْصِر لغيره عِنَبًا، وإن عَلِم أن من نيته أن يتخذه خمرًا، فهذا نصٌّ في لعن العاصر، مع العلم بأن المعذور تَخَلَّف الحكمُ عنه لمانع. وكذلك لَعَن الواصلة والموصولة في عِدّة أحاديث صحاح، ثم من الفقهاء من يَكْرَهه فقط. وقال النبيّ ﷺ : "إن الذي يَشْرَب في آنية الفضة، إنما يُجَرجِر في بطنه نار جهنم"، ومن الفقهاء من يَكْرَهه كراهة تنزيه. وكذلك قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين بغير حقّ، ثم إنا نَعلم أن أهل الْجَمَل وصِفِّين ليسوا في النار؛ لأن لهما عُذْرًا، وتأويلًا في القتال، وحسناتٍ مَنَعَت الْمُقْتَضَى أن يَعْمَل عَمَله. وقال ﷺ في الحديث الصحيح: "ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء، يمنعه ابنَ

стр. 1110

السبيل، فيقول الله له: اليومَ أمنعُك فضلي، كما مَنَعتَ فضل ما لم تَعْمَل يداك، ورجل بايع إمامًا، لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطاه رضي، وإن لم يُعطه سَخِطَ، ورجل حَلَف على سِلعة بعد العصر كاذبًا، لقد أَعْطَى بها أكثر مما أَعْطَى". فهذا وعيدٌ عظيمٌ لمن منع فضل مائه، مع أن طائفة من العلماء يُجَوِّزون للرجل أن يمنع فضل مائه، فلا يمنعنا هذا الخلافُ أن نعتقد تحريمَ هذا، محتجين بالحديث، ولا يمنعنا مجيء الحديث، أن نعتقد أن المتأَوِّل معذورٌ في ذلك، لا يَلْحَقه هذا الوعيد. وقال ﷺ : "لَعَنَ الله المحلل، والمحلل له"، وهو حديث صحيح، قد رُوي عنه من غير وجه، وعن أصحابه، مع أن طائفة من العلماء، صَحَّحوا نكاح المحلِّل مطلقًا، ومنهم من صححه إذا لم يُشْتَرط في العقد، ولهم في ذلك أعذار معروفة، فإن قياس الأصول عند الأول أن النكاح لا يَبْطُل بالشروط، كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين، وقياس الأصول عند الثاني أن العقود المجرَّدة عن شرط مُقتَرِن لا تغير أحكام العقود، ولم يبلغ هذا الحديث مَن قال هذا القول، هذا هو الظاهر، فإن كتبهم المتقدمة لم تتضمنه، ولو بلغهم لذكروه، آخذين به، أو مجيبين عنه، أو بلغهم وتأوَّلوه، أو اعتقدوا نسخه، أو كان عندهم ما يُعارضه، فنحن نَعلم أن مثل هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد، لو أنه فَعَل التحليل مُعتقدًا حِلّه على هذا الوجه، ولا يمنعنا ذلك أن نَعلم أن التحليل سبب لهذا الوعيد، وإن تخلف في حق الأشخاص؛ لفوات شرط، أو وجود مانع. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ،

стр. 1111

كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: "مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيه، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) خالد أو هُبَيرة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه إلا القطّان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو عثمان" هو: النَّهْديّ، وسعدٌ هو ابن أبي وقّاص، وأبو بكرة هو: نُفيع بن الحارث. وقوله: (مُحَمَّدًا ﷺ ) نُصب على أنه بدل من الضمير المنصوب في "سمعته أُذناي"، كما قال في "الخلاصة": التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا … وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا كَـ "زُرْهُ خَالِدًا وَقَبِّلْهُ الْيَدَا … واعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلًا مُدَى" ومعنى قوله: "وعاه قلبي": أي حَفِظه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" رواية عاصم هذه، وفيها قصّة، فقال: (٤٣٢٦) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان، قال: سمعت سعدًا - وهو أول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة، وكان تَسَوَّر حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبيّ ﷺ ، فقالا: سمعنا النبيّ ﷺ يقول: "مَن ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم فالجنة عليه حرام".

стр. 1112

(٤٣٢٧) وقال هشام: وأخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي العالية، أو أبي عثمان النَّهْديّ، قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة، عن النبيّ ﷺ ، قال عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما، فأوَّلُ مَن رَمَى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنَزَل إلى النبيّ ﷺ ثالثَ ثلاثة وعشرين من الطائف. قال في "الفتح" ما ملخّصه: قوله: "عن عاصم" هو ابن سليمان، وأبو عثمان هو النَّهديّ، وأبو بكرة: اسمه نُفيع بن الحارث، وكان مولى الحارث بن كَلَدة الثقفيّ، فَتَدَلَّى من حصن الطائف ببكرة، فكُنِيَ أبا بكرة لذلك، أخرج ذلك الطبرانيّ بسند لا بأس به، من حديث أبي بكرة ﵁. وكان ممن نَزَل من حِصْن الطائف من عبيدهم، فأسلم فيما ذَكَر أهل المغازي منهم مع أبي بكرة: الْمُنْبَعِث، وكان عبدًاًا لعثمان بن عامر بن مُعَتِّب، وكذا مرزوق، والأزرق زوج سُمَيّة والدة زياد بن عُبيد الذي صار يقال له: زياد ابن أبيه، والأزرق أبو عُقبة وكان لكَلَدة الثقفي، ثم حالف بني أمية؛ لأن النبيّ ﷺ دفعه لخالد بن سعيد بن العاص ليعلّمه الإسلام، ووَرْدان وكان لعبد الله بن ربيعة، ويُحَنَّس النبال وكان لابن مالك الثقفيّ، وإبراهيم بن جابر وكان لِخَرَشة الثقفيّ، وبشّار وكان لعثمان بن عبد الله، ونافع مولى الحارث بن كَلَدة، ونافع مولى غيلان بن سلمة الثقفيّ، ويقال: كان معهم زياد ابن سُمَيَّة، والصحيح أنه لم يَخرُج حينئذ؛ لصغره، قال الحافظ: ولم أعرف أسماء الباقين. قال: ورَوَى ابن أبي شيبة وأحمد، من حديث ابن عباس ﵄ قال: أعتق رسول الله ﷺ يومَ الطائف كلَّ مَن خَرَج إليه من رقيق المشركين، أخرجه ابن سعد مرسلًا من وجه آخر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 1113

٣٠ - (بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨] (٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ؛ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) - بالراء المفتوحة، وتشديد الياء التحتانيّة - الْهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وفُليح بن سليمان، وقيس بن الربيع، وفَرَج بن فَضَالة، وجعفر بن سليمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابنه إبراهيم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وموسى بن هارون، وحنبل بن إسحاق، وعبد الله ابن أحمد وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأسًا، وقد حدّثنا عن بعضهم منهم محمد بن بكار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال صالح بن محمد: صدوق يُحَدِّث عن الضعفاء، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 1114

قال ابن أبي خيثمة: سمعته يقول في سنة ثنتين وثلاثين: أنا اليوم ابن (٨٧) سنة، وقال البخاري وغيره: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط (١)، هذا الحديث، وحديث رقم (٤٠٦): "قولوا: اللهم صلّ على محمد … "، و (٦٤٩): "صلاة الرجل في جماعة تزيد … "، و (١٣٤٦): "أُتي وهو في مُعَرَّسه من ذي الحليفة … "، و (٢٣٤١): "لم يبلغ الخضاب، كان في لحيته شعرات … "، و (٢٤٠٨): "أما بعد، ألا أيها الناس … ". ٢ - (عَوْن بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - القرشيّ، أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وزهير بن معاوية، وأبي بكر النَّهْشليّ، وأبي زبيد عَبْثَر بن القاسم، وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وأحمد بن عثمان بن حكيم، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، وموسى بن هارون الحمّال، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ وغيرهم. قال صالح بن محمد: لا بأس به، وقال البغويّ: وكان ضرير البصر، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مستقيم الحديث، وفي "الميزان": كان صدوقًا، وقد لُيِّنَ شيئًا. وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقةً. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط (٢)، هذا الحديث، وحديث رقم (٥٧٢): "إنما أنا بشر مثلكم … "، و (٦١٩): "فشكونا إليه حرّ الرمضاء … "، و (٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و (٧٠٥): "صلى رسول الله ﷺ الظهر … "، و (٩٧٨): "أُتِي النبيّ ﷺ برجل … "، و (١٠١٦): "من استطاع منكم أن يستتر من النار … ".

стр. 1115

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّف الياميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٧]. رَوَى عن أبيه، وحميد الطويل، وزُبَيد الياميّ، والأعمش، وعبد الأعلى بن عامر، وحميد بن وهب، وعثمان بن يحيى، والعلاء بن عبد الكريم الياميّ وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسماعيل بن عيّاش، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسيّ، وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأسد بن موسى، وشبابة بن سَوّار، وحجاج بن محمد، وأبو نعيم، وعون بن سلام وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا بأس به، إلا أنه كان لا يكاد يقول في شيء من حديثه: حَدَّثنا، وقال ابن معين: كان يقال: ثلاثة يُتَّقَى حديثهم: محمد بن طلحة، وأيوب بن عُتبة، وفُليح بن سليمان، سمعت هذا من أبي كامل، مُظَفَّر بن مُدْرِك، وكان رجلًا صالِحًا، وعن أبي كامل قال: قال محمد بن طلحة: أدركت أبي كالحلم، وقد رَوَى عن أبيه أحاديث صالحة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: محمد بن طلحة صالح، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة: صالح، وقال النسائيّ: ليس بالقوي، وقال عفان: كان محمد بن طلحة يروي عن أبيه - وأبوه قديم الموت - وكان الناس كأنهم يكذبونه، ولكن مَن يجترئ أن يقول له: أنت تكذب، كان من فضله وكان، قال أبو داود: كان يخطئ، وقال العقيليّ: قال أحمد: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، إلا أنه سمع من أبيه وهو صغير، وقال بشر بن الوليد: كان سيدًا كريمًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، مات سنة سبع وستين ومائة، وفيها أَرَّخه ابن سعد، وقال: كانت له أحاديث منكرة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "مسند علي"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و (٢٥٤٨): "أمّك، ثم أمك، ثم أمك … ". ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قريبًا.

стр. 1116

٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الحجة الحافظ الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٨ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الحافظ المشهور، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. ٩ - (زُبَيْد) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ - بالتحتانيّة - ويقال: الأَيَاميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦]. رَوَى عن مُرّة بن شَرَاحيل، وسعد بن عُبيدة، وذَرّ بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعُمارة بن عُمير، وأبي وائل، وإبراهيم النخعيّ، وإبراهيم التيميّ، ومجاهد وجماعة. ورَوَى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وجرير بن حازم، وشعبة، والثوريّ، وزُهير، والحسن بن حي، وشَريك، ومالك بن مَغْوَل، ومِسْعر، ومنصور، ومغيرة، والأعمش - وهم من أقرانه - وغيرهم. قال القطان: ثبتٌ، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال ليث عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة فيهم زُبيد، وقال ابن شُبْرمة: كان يصلي الليل كله، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيارٌ، إلا أنه كان يميل إلى التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، وكان علويًّا، وحَكَى ابن أبي خيثمة عن شعبة قال: ما رأيت بالكوفة شيخًا خَيْرًا من زُبيد، وقال سعيد بن جبير: لو خُيِّرت عبدًا ألقى اللهَ في مِسْلاخه اخترتُ زُبيدًا الياميّ، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال عمرو بن مُرّة: كان زُبيد صدوقًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الْخشُن مع الفقه في الدين، ولزوم الورع الشديد، وقال

стр. 1117

محمد بن طلحة بن مُصَرِّف: ما كان بالكوفة ابنُ أبٍ وأخٌ أشدَّ مُجانبًا من طلحة بن مُصَرِّف وزبيد اليامي، كان طلحةُ عثمانيًّا، وكان زُبيد علويًّا. قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نُمير: مات سنة (٢٤)، وأرَّخه الإمام أحمد، وابن قانع سنة (٢٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و (٩٧٧): "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها … "، و (١١٢٧): "كنا نصومه، ثم تُرك"، و (١٢٢٤): "لا تصلح المتعتان إلا لنا … "، و (١٨٤٠): "لو دخلتموها لم تزالوا فيها … "، و (١٩٦١): "إن أول ما نبدأ في يومنا هذا نصلي … "، و (٢٧٢٣): "أمسينا وأمسى الملك لله … " وأعاده. ١٠ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة إلى السند الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة إلى السندين الأخيرين. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من عون. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) مرتين إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف فيه ثلاثة أسانيد، كلها تلتقي في زُبيد، والأول أعلى بدرجة، والباقيان متساويان. ٤ - (ومنها): أنه وقع في هذا السند قوله: "كلهم عن زُبيد … إلخ"، فقال النوويّ: هكذا ضبطناه، وكذا وقع في أصلنا وبعض الأصول، ووقع في الأصول التي اعتمدها الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى بطريقي محمد بن طلحة وشعبة، ولم يقع فيها طريق محمد بن المثنّى، عن ابن مهديّ، عن سفيان، وأنكر الشيخ قوله: "كلّهم" مع أنهما اثنان: محمد بن طلحة

стр. 1118

وشعبة، وإنكاره صحيح على ما في أصوله، وأما على ما اعتمدنا فلا إنكار، فإن سفيان ثالثهما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. ٥ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستّة من يُسمّى زُبيدًا غير ابن الحارث الياميّ هذا، ويوجد في "الموطّأ" "زُييد" بضم الزاي وكسرها، وبتحتانيتين، وهو ابن الصلت بن مَعْدي كَرِب الكنديّ التابعيّ، ولا ذكر له في الكتب الستة، كما أنه لا ذكر لزُبيد بن الحارث في "الموطأ" أيضًا. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر الصحابة ﵁، ومن السابقين للإسلام، ومن المجوّدين للقرآن، أثنى عليه النبيّ ﷺ في القراءة، وحثّ على تلقّي القراءة منه، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح (٣٥) من طريق زِرّ بن حُبَيش، عن عبد الله، أن أبا بكر وعمر ﵄ بشّراه، أن رسول الله ﷺ قال: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وأخرج أيضًا (١٧٠) من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان، أنه أَتَى عمر ﵁، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بها رجلًا يُملي المصاحف عن ظهر قلبه. فغَضِب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. فما زال يُطْفَأُ ويُسَرَّى عنه الغضب، حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد، هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك، كان رسول الله ﷺ لا يزال يَسمُر عند أبي بكر ﵁ الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سَمَر عنده ذات ليلة، وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: "سل تعطه، سل تعطه"، قال عمر ﵁: قلت: والله لأغدوَن إليه، فلأبشّرنه، قال: فغدوت إليه لأبشّره، فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشّره، ولا والله ما سبقته إلى خير قط إلا وسبقني إليه. وهذا إسناد صحيح، والله تعالى أعلم.

стр. 1119

شرح الحديث: (عَنْ زُبَيْدٍ) تقدم أنه بالزاي والموحدة مُصَغّرًا، وهو ابن الحارث الياميّ بياء تحتانية وميم خفيفة (١). [تنبيه]: قد رَوَى هذا الحديث شعبة أيضًا عن منصور وعن الأعمش، وهي الرواية التالية هنا، ورواه ابن حبّان من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الثلاثة جميعًا، عن أبي وائل. وقال الحافظ في "كتاب الإيمان" (٢/ ٦٧٢): رَوَى هذا الحديث عن أبي وائل سبعةُ نَفَر، فأما الأعمش فرفعه عنه بعضهم، وأوقفه بعضٌ، وكذلك منصور، ولم يَخْتَلف أصحاب زُبيد في رفعه، ورواه جماعة عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ مرفوعًا (٢)، ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن ابن مسعود مرفوعًا، وأوقفه يحيى القطان، وجماعة، ورواه أبو الأحوص (٣)، وأبو الزَّعراء (٤)، والأسود، وهُبَيْرَة بن مُرّة، وأبو عبد الرحمن السلميّ، والقاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، وفي رفع مَن رفعه شيء. ورُوي من حديث سعد (٥) والنعمان بن مقرن (٦)، وأبي هريرة (٧)، وابن مغفل (٨)، وعقبة بن عامر، وأنس رفعه. انتهى (٩) كلام ابن منده رحمه الله تعالى.

стр. 1120

[تنبيه آخر]: قد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ مصحّحًا، ولفظه: "قتال المسلم أخاه كفرٌ، وسبابه فسوقٌ"، ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا (١). قال الجامع عفا الله عنه: ورواه أيضًا النسائيّ (٢٧/ ٤١٠٦) من حديث سعد بن أبي وقّاص أيضًا مرفوعًا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرّد به. (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ("سِبَابُ الْمُسْلِمِ) كذا هو في معظم الروايات، ولأحمد عن غُنْدَر، عن شعبة: "المؤمن"، فكأنه رواه بالمعنى، قاله في "الفتح". والسِّباب والقتال بالكسر مصدرا سابّه وقاتله، كما قال في "الخلاصة": لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ و"السّبَابُ" - بكسر السين وتخفيف الموحدة - بمعنى السبّ، وهو الشتم، وهو التكلّم في عرض الإنسان بما يَعِيبه، وفي "المطالع": السباب: المشاتمة، وهي من السبّ، وهو القطع، وقيل: من السَّبّة (٢)، وهي حلقة الدبر، وسُمّي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف عورته وما ينبغي أن يُستَرَ، لأن من شأن السابّ إبداء عورة المسبوب، وفي "العباب": التركيب يدلّ على القطع، ثم اشتقّ منه الشتم، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السبّ، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه (٣)، وقال غيره: السباب هنا مثل القتال، فيقتضي المفاعلة (٤).

стр. 1121

وإضافة "سباب" إلى "المسلم" وكذا "قتال" إلى ضميره من إضافة المصدر إلى مفعوله. فقوله: "سبابُ المسلم" مبتدأ خبره قوله: (فُسُوقٌ) - بضم فسكون - مصدر فَسَقَ يفسُق بالضمّ، من باب نَصَر، وحكى الأخفش يَفسِق بالكسر، من باب ضرب: أي فجور، يعني أن سبابه خروجٌ عن الذي يجب من احترام المسلم وحُرْمة عرضه وسبّه، أو هو من أعمال أهل الفسوق. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "فسوق": أي خروج عن الطاعة وواجبِ الشرع، وبه سُمّي الفاسق فاسقًا لخروجه عن ثِقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البرّ، يقال: فَسَقَت الرُّطَبَة: إذا خرجت من قشرها (١). وقال في "الفتح": "الفسق" - في اللغة -: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧]. ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعُرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقًّا والنبي ﷺ يقول هذا؟. انتهى. (وَقِتَالُهُ كُفْرٌ") أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يَقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلًّا فيؤدّي إلى عدم صحّة المقابلة؛ لكون السباب مستحلًّا كفرًا أيضًا. وقال عياض رحمه الله تعالى: أي قتاله من أجل إسلامه، واستحلالُ ذلك منه كفرٌ، وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفرَ طاعة، وكفرَ نعمة وغَمْطَها، بأن جعلهما الله تعالى مسلمين، وأَلّف بين قلوبهما، ثم صار هو بعدُ يقاتله، وقيل: كفرٌ بحقّ المسلم وجَحْدٌ له بالمعنى؛ لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أُمر به من محبّته وصِلَته وإكرامه، فهو

стр. 1122

كفرٌ بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده، وقد يكون القتال الْمُشَارّةَ - يعني المخاصمة والمدافعة - كما قال في الحديث الآخر في المارّ بين يدي المصليّ: "فليُقاتله" (١)، وكلّه منهيّ عنه، وفاعله جاحد حقّ أخيه المسلم وحقَّ الله تعالى فيه. انتهى كلام القاضي (٢). وقال في "الفتح": ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبّر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، مُعْتَمِدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]. أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ. وقيل: أراد بقوله "كفر" أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل التفريق بين السِّبَاب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ ليَنْزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك من فعل الكفار (٣).

стр. 1123

ويأتي هذا أيضًا في قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويله، وهي عشرة أقوال، في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدلّ على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظًا. وأما قوله ﷺ فيما رواه المصنّف: "لعن المسلم كقتله" فلا يُخالف هذا الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض وهذا في النفس. أفاده في "الفتح" (١). [تنبيه]: ورد لهذا الحديث سببٌ، أخرجه البغويّ والطبريّ، من طريق أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى مجلس من مجالس الأنصار - ورجلٌ من الأنصار، كان عُرِف بالبذاء ومشاتمة الناس - فقال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ"، زاد البغويّ في روايته: فقال ذلك الرجل: والله لا أُسابُّ رجلًا (٢). (قَالَ زُبَيْدٌ) الياميّ (فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ (يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) أبو وائل (نَعَمْ) أي سمعته منه، وإنما قال زُبيد هذا للتأكّد، وله سبب ذكره البخاريّ من طريق محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر". قال في "الفتح": قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة": أي عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظَهَرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن

стр. 1124

مُعْتَقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى (١). وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شعبة رواه عن زُبيد بدون قوله: "فقلت لأبي وائل … إلخ"، والله تَعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٠/ ٢٢٨ و ٢٢٩] (٦٤) و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٨) و"الأدب" (٦٠٤٤) و"الفتن" (٧٠٧٦)، وفي "الأدب المفرد" (٤٣١)، و (الترمذيّ) في "البر والصلة" (١٩٨٣) و"الإيمان" (٢٦٣٤) و (٢٦٣٥)، و (النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٢٧/ ٤١١١ و ٤١١٢ و ٤١١٣ و ٤١١٤ و ٤١١٥)، وفي "الكبرى" (٢٧/ ٣٥٧٤ و ٣٥٧٥ و ٣٥٧٦ و ٣٥٧٧ و ٣٥٧٨)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٩) و"الفتن" (٣٩٣٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٨ و ٢٥٨ و ٣٠٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣٦٣٩ و ٣٨٩٣ و ٣٩٤٧ و ٤١١٥ و ٤١٦٧ و ٤٢٥٠ و ٤٣٣٢ و ٤٣٨٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٨ و ٤٩٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٣٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٥٣ و ٦٥٤ و ٦٥٥ و ٦٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٨ و ٥٩ و ٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٩ و ٢٢٠ و ٢٢١) وفي "الحلية" (٥/ ٣٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٦٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠١٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٠ و ١٠/ ٢٠٩)، و (الخطيب البغدادي) في "تاريخه" ١٣/ ١٨٥، والله تعالى أعلم.

стр. 1125

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم سباب المسلم وهو أنه فسوق، وقتاله وهو أنه كفرٌ على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا. ٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وفي "صحيح البخاريّ" من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله - يعني ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه، أن النبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، يعني أن مذهبهم هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ ﷺ هذا؟ فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور. [فإن قيل]: هذا - وإن تضمّن الردّ على المرجئة - لكن ظاهره يقوّي مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي. [أجيب]: بأن المبالغة في الرّدّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب - لأنه مفض إلى إزهاق الروح - عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يُرِد به الكفر المخرج عن الملّة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة وغيرها (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج النسائيّ من طريق أَبِي دَاوُدَ الطيالسيّ، عن شُعْبَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، وَزُبَيْدًا، يُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، مَنْ تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُورًا؟، أَتَتَّهِمُ زُبَيْدًا؟، أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَتَّهِمُ أَبَا وَائِلٍ.
следующие страницы →