"لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ"، ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله ﷺ : لا حِمَى إلا لله، ولرسوله"، وقال الكوفيّون كقول أشهب. قاله في "طرح التثريب " (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك ﵀ هو الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن أصحاب المواشي، حتى لا يترّتب على منعه منع الكلأ المباح؛ لأنهم إذا لم يجدوا ماء لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلأ، وليس المراد منع الكلأ المملوك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ ﷺ في قوله في رواية مسلم: "فيتصدّق، ويستغني من الناس"، كذا في أكثر نسخ "صحيح مسلم" بالميم، وفي بعضها "عن الناس" بالعين. قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أشار في رواية المصنّف هذه إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على السؤال، وهي أن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عُلْيا، إن تصدّق، وكذا إن لم يتصدّق، وفسرنا العليا بالمتعفّفة عن السؤال، فقد يُستدلّ بهذا على ترجيح الرواية التي فيها "اليد العليا هي المتعفّفة"؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن تبيّن برواية المصنّف أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب مكتفِ، يسأل تكثّرًا، قاله وليّ الدين ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم سؤال الناس:
ذكر الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة، وقال
стр. 11552
أبو بكر ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجب في موضع جائز في آخر حرام في آخر مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء، وجرياً على عادة الله في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا، وهما من الله تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم:
لَمَالُ الْمَرْءَ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ (١) أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ
قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسَال تكثّرًا، ثم قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن يُعينه، وُيبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من بيان حال السائل، كما كان النبيّ ﷺ يسأل لغيره. انتهى.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضخ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما النبيّ ﷺ في حديث سمرة ﵁ بقوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه"، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه الله عليها ليبيّن لموسى ﵇ ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث. انتهى كلام العراقيّ منقولًا من "طرح التثريب" (٢).
стр. 11553
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول أبي بكر ابن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر إلخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذّب النفوس إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ومخالفة الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه ﷺ أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؛ وهل الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا؛ وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب، ومن الغريب أن العراقيّ اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم.
فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما شرعه العليم الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهادي الخلق إلى الخلّاق.
وبالجملة فالنجاة كل النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع هدي الرسول ﷺ الذي قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة التي لا بدّ منها، وأما ذو الرحم، فلِمَا ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل، ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرُخّص في سؤاله، وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسيّ الذي أخرجه النسائيّ ﵀.
стр. 11554
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تخصيص هذين القسمين نظر؛ إذ الأول يحتاج لدليل يخصّصه من عموم النهي عن السؤال كالقسمين الأولين، وما استدلّ به بعيد عن هذا، وأما الثاني فحديثه لا يصحّ (١)، كما بيّنته في "شرح النسائيّ"، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وحيث جاز السؤال، فيجتنب فيه الإلحاف، والسؤال بوجه الله تعالى، لما في سنن أبي داود، من حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنّة" (٢). قال: ومع ذلك فينبغي إعطاؤه، ما لم يسأل ممتنعًا؛ لما روى الطبرانيّ في "معجمه الكبير" من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ بماسناد حسن، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، فمنع سائله، ما لم يسأل هُجْرًا" (٣). انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَذَثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أتيْنَا أَنجا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ (٥) عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهُ "، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِبثِ بَيَانٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
стр. 11555
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ) هكذا عند المصنّف لرواية إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: "لأن يغدو … إلخ"، والذي في "مستخرج أبي نعيم": "لأن يَعْمِدَ أحدكم … إلخ"، وظاهر قول المصنّف ﵀: "بمثل حديث بيان" يدلّ على أن التفاوت بين النصّين في زيادة قوله: "فيبيعه" فقط، لا في لفظ "يغدو"، و"يعمد"، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن أبي خالد.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٠٩) فقال:
(٢٣٢٤) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا مسلم بن محمد بن أحمد، ثنا مسلم الدهان، ثنا إسحاق بن خيرويه، ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو مالك عمرو بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لأَنْ يَعْمِد أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، فيستغني خير من أن يأتي رجلًا يسأله، يمنعه أو يؤتيه، ذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". انتهى.
وقد ساقها الأمام أحمد ﵀ في "مسنده"، مطوّلة، فقال:
(٩٧٩٦) - حدّثنا يحيى، عن إسماعيل؛ يعني ابن أبي خالد، قال: حدّثني قيس بن أبي حازم، قال: أتينا أبا هريرة نُسَلِّم عليه، قال: قلنا: حدِّثنا، فقال: صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني فيهنّ، ولا أحب إلي أن أَعِي ما يقول رسول الله ﷺ يهن، وإني رأيته يقول بيده: "قريب بين يدي الساعة، تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وتقاتلون قومًا صغار الأعين، حُمْر الوجوه، كانها الْمَجَانُّ الْمُطْرَقة، والله لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، وششغني به، ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلًا، فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى،
стр. 11556
وابدأ بمن تعول، وخلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، ويُونسَ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا (١) ابْن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّة سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدَّكمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا، يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُونسَ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى) الصدفيّ، أبو موسى المصرقي، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٢ - (عَمْرُو بْن الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (ابْن شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ويقال: مولى عبد الرحمن بن أزهر، واسمه سعد بن عُبيد، المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: "لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدَّكمْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسمٍ محذوف. انتهى، و"يحتزم": أي يشدّ بالحبل، يقال: حَزَمتُ الدّابّةَ حَزْمًا، من باب ضرب: شددتها بالْحِزَام، قاله في "المصباح"، واحتزم الرجلُ، وتحزم بمعنًى، وذلك إذا شدّ وسطه بحبل، أفاده في "اللسان".
وقوله: (حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ) بالنصب مفعول "يحتزم"، و"الْحُزْمة" بضمّ،
стр. 11557
فسكون، وجمعه حُزَم، كغُرْفَة، وغُرَف، ما يُشَدّ به الشيء، و"الْحَطَب" بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار، قاله في "اللسان".
وقوله: (فَيَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على "يحتزم".
وقوله: (يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) في محلّ نصب نعتٌ لـ"رجلًا".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٣] (١٠٤٣) - (حَدَّثَنِي (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثنَا سَعِيدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ، أمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ، وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ، عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ ﷺ تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: "ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألَا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبايِعُكَ؟ قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا"، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إَيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، صاحب "المسند" [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
стр. 11558
٢ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطّاطَرِيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخِيُّ الدمشقي، ثقةٌ إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر عمره [٧] (ت ١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شُعَيبٍ الإياديّ القَصِيرُ، ثقةٌ عابد [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٦ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبيّ ﷺ يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الثام بعد أبي الدرداء ﵁[٢] (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٧ - (أَبُو مُسْلِم الْخَوْلَانِيُّ) عبد الله بن ثُوَب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة- وقيلً: ابن ثَوَاب بفتح الثاء، وتخفيف الواو، وقيل: ابن أثْوَب -وزان أحْمَر- ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عوف، أو ابن مِشْكَم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف الشامي الزاهد، ثقةٌ عابد [٢].
رَحَلَ إلى النبيّ ﷺ ، فمات النبيّ ﷺ وهو في الطريق، فلقي أبا بكر، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقةٌ، توفي زمن يزيد بن معاوية، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجلي: شامي تابعي ثقةٌ من كبار التابعين.
وقال ابن عبد البر: أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبيّ ﷺ ، وهو معدود في كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات، ثقةٌ مخضرم [٢].
ورَوَى ابن سعد في "الطبقات" عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، أن الأسود بن قيس ذا الحمار تَنَبَّا في اليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة، فأجّجَتْ، ثم ألقي فيها، فلم تضرّه، فأمره بالرحيل، فأتى المدينة، وقد مات النبيّ ﷺ ، واستُخْلف أبو بكر
стр. 11559
فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ مَن فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم ﵇. اهـ.
وقال النوويّ ﵀: هو مشهور بالزهد، والكرامات الظاهرة، والمحاسن الباهرة، أسلم في زمن النبيّ ﷺ ، وألقاه الأسود العنسيّ في النار، فلم يحترق، فتركه، فجاء مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ ، فتوفي النبيّ ﷺ ، وهو في الطريق، فجاء إلى المدينة، فلقي أبا بكر الصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة ﵃، هذا هو الصواب المعروف، ولا خلاف فيه بين العلماء، وأما قول السمعانيّ في "الأنساب": إنه أسلم في زمن معاوية، فغلط باتفاق أهل العلم، من المحدثين، وأصحاب التواريخ والمغازي والسير وغيرهم. انتهى (١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله عندهم هذا الحديث عن عوف بن مالك ﵁ فقط، وعند الترمذي حديث آخر عن معاذ ﵁.
٨ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ) أبو حَمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابيّ مشهور، من مُسْلِمَةِ الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الجنائز" ٢٥/ ٢٢٣٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف اخنهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين سوى شيخيه، فالأول سمرقنديّ، والثاني نيسابوريّ، نزيل مكة.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ربيعة، عن أبي إدريس، عن أبي مسلم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ) عبد الله بن ثُوَب، وقيل غيره (الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو- نسبة إلى خَوْلان قبيلة نَزَلَتِ الشام، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: المحبوب المأمون، قال أبو مسلم ﵀:
стр. 11560
(أمَّا هُوَ) أي الشخص الموصوف بأنه الحبيب الأمين (فَحَبِيبٌ إِلَيَّ) أي محبوب عندي (وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ) أي مأمون في دينه، وأمانته، وقوله: (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ) بالرفع بدل من الحبيب، أو عطف بيان له (الْأَشْجَعِيُّ) نسبة إلى أشجع بن ريث بن غَطَفَان بن سعد بن قيس عَيْلان، قبيلة مشهورة، قاله في "اللباب" (١).
وقول: (قَالَ) بدل من "حدّثني"، أو في محل نصب على الحال من "الحبيب" (كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ ﷺ تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَة، فَقَالَ: "ألا تُبَايِعونَ) "ألا" هنا للعرض والتحضيص، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَث، وتختص "ألا" هذه بالجملة الفعلية، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]. قاله ابن هشام الأنصاريّ ﵀ (٢).
ففيه الحثّ على مبايعة النبيّ ﷺ .
(رَسُولَ الله؟ ") مفعول "تبايعون"، وإنما قال: "رسول الله" ولم يقل "تبايعوني" تنبيهًا على أن العلة الباعثة على المبايعة هي الرسالة.
زاد في رواية النسائيّ: لفظة " ﷺ "، فقال السنديّ ﵀: جملة " ﷺ " يَحْتَمِل أن تكون منه ﷺ ، وأن تكون من غيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر كونها من غيره ﷺ ؛ - ولذا لم تقع في رواية مسلم هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَكُنَا حَدِيثَ عَهْدٍ ببَيْعَةٍ) أي قريب زمن بمبايعته ﷺ (فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ") يعني أنه ﷺ كرّر عليهم عرض المبايعة تأكيدًا (قَالَ) عوف ﵁ (فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا) أي للمبايعة له ﷺ ؛ امتثالًا لأمره (وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ) وإنما قالوا ذلك لظنهم نسيانه ﷺ كونهم مبايعين له، حيث إنهم كانوا قريبي عهد بالمبايعة، فأرادوا تذكيره بذلك، أو أنهم أرادوا أن يستوضحوا ما هي البيعة المطلوبة منهم الآن؟ كما يدل عليه
стр. 11561
قولهم (فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟) أي على أيّ شيء نبايعك الآن؟، فـ "ما" استفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في "الخلاصة":
وَ "مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى"
(قَالَ) ﷺ ("عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ) متعلق بمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي تبايعوني على عبادة الله تعالى؛ أي طاعته (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) يَحْتَمِل أن يكون "شيئًا" مفعولًا به؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت وجَماد وحيوان، وَيحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الشرك الأكبر، والأصغر، والجليّ، والخَفِيّ (وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) بالجرّ عطفًا على قوله "أن تعبدوا الله"؛ أي وعلى إقامة الصلوات الخمس (وَتُطِيعُوا) وفي رواية أبي داود: "وتسمعوا، وتطيعوا"؛ أي تسمعوا، وتطيعوا أمر وُلاة الأمور الذين ولاهم الله تعالى عليكم إذا أمروكم بغير معصية الله تعالى (وَأَسَرَّ) من الإسرار؛ أي أخفى النبيّ ﷺ (كَلِمَةً خَفِيَّةً) أي لم يجهر بها كما جهر بما تقدم، ثم فسّر الكلمة الخفتة بقوله: (وَلَا تَسْأَلوا النَّاسَ شَيْئًا") وفي رواية النسائيّ: "وأن لا تسألوا الناس شيئًا"، وهو في تأويل المصدر بدل من "كلمة"، أو خبر لمحذوف؛ أي هي عدم سؤال الناس شيئًا.
والمراد بالسؤال: السؤال المتعلق بالأمور الدنيوية، فلا يتناول السؤال للعلم وأمور الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقال في "المنهل": والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يختص به بعضهم دون بعض؛ لأنَّ مِنَ الناس مَنْ لا بُدَّ له من السؤال لحاجته، ومنهم الغني عنه بماله، أو بالتعفف. انتهى (١).
(فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) قال النوويّ ﵀: فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحَمَلُوه على عمومه، وفيه الحثّ على التّنَزُّه عن جميع ما يُسَمَّى سؤالًا، وإن
стр. 11562
كان حقيرًا. انتهى، واللُّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك الأشجعيّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٤٠٣] (١٠٤٣)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٦) و"الكبرى" (٣٢٠) (٢/ ١٢١)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٢/ ٩٥٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٣٩)، و (البزّار) في "مسنده" (٧/ ١٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، و (الرويانيّ) في "مسنده" (١/ ٣٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التحذير عن مسألة الناس، والتنفير عنه، ولو يسيرًا.
٢ - (ومنها): مشروعيّة تكرار مبايعة الإمام؛ تأكيدًا.
٣ - (ومنها): مشروعية المبايعة على عبادة الله تعالى، وعدم الإشراك به.
٤ - (ومنها): مشروعيّة المبايعة على أداء الصلوات الخمس.
٥ - (ومنها): وجوب طاعة ولاة الأمور، إلا إذا أمروا بالمعصية، فلا طاعة لهم؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكَرِهَ، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
٦ - (ومنها): بيانُ ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الحرص على نشر الدعوة، وتبليغ الأحكام كُلَّمَا وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا.
٧ - (ومنها): مشروعية التعاهد على البر والتقوى.
٨ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحملوه على العموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11563
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذن لصلاة الفجر ليلة الثلاثاء المباركة (٢٨/ ٤/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٦ مايو - أيار ٢٠٠٧ م).
أسال الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء العشرون مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابُ بَيَانِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ المَسْأَلَةُ) رقم الحديث [٢٤٠٤] (١٠٤٤).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 11564
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
ليلة الجمعة المباركة ١/ ٥/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء العشرين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" رحمه الله تعالى.
(٣٧) - (بَابُ بَيَانِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلةُ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٤] (١٠٤٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَاب، حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلهُ فِيهَا، فَقَالَ: "أَقِمْ حَتَّى تَأَتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا"، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَثَة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَة، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُن مِنَ الْمَسْأَلةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأَكلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
٢ - (قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
стр. 11565
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (هَارُونُ بْنُ رَيابٍ) -بكسر الراء، وبمثنّاة تحتانيّة، ثم ألف، بعدها موحَّدة (١) التميميّ، ثم الأُسيديّ، أبو بكر، ويقال: أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ عابد [٦].
روى عن أنس، وقيل: لم يسمع منه، والأحنف بن قيس، وقَبِيصة بن ذُؤيب، وكنانة بن نعيم، وابن المسيّب، وغيرهم.
وروى عنه أيوب، من أقرانه، والأوزاعيّ، والحمادان، ومعمر، وابن عيينة، وهمام بن يحعص، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: يقال: إنه أجلّ أهل البصرة، قال ابن عُيينة: كان عنده أربعة أحاديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ في "تاريخه": روى عن أنس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا (٢)، وكان من العبّاد، ممن يُخفِي الزهد، وقال أبو محمد بن حزم: اليمانُ، وهارون، وعلئ بنو رئاب، كان هارون من أهل السنّة، واليمان من أئفة الخوارج، وعليّ من أئمة الروافض، وكانوا متعادين كلهم، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ) أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٤].
روى عن أبي برزة الأسلميّ، وقَبِيصة بن المخارق.
وروى عنه ثابت البُنانيّ، وعبد العزيز بن صُهيب، وهارون بن رئاب، وعديّ بن ثابت.
стр. 11566
قال ابن سعد: كان معروفًا، ثقةٌ، إن شاء الله، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٤٤)، وحديث (٢٤٧٢): "هذا مني، وأنا منه … . ".
٦ - (قَبِيصَةُ بْنُ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيُّ) صحابيّ سكن البصرة ﵁ تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق في التفصيل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا نحو خمسة أحاديث (١).
شرح الحديث:
(عَنْ قَبِيصَةَ) - بفتح القاف، وكسر الموحّدة، فمثنّاة تحتيّة، فصاد مهملة- (ابْنِ مُخَارِقٍ) -بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة- ابن عبد الله ﵁ (الْهِلَالِيِّ) بكسر الهاء: نسبة إلى هلال بن عامر بن صَعْصَعة بن معاوية بن بكر بن هَوَازن، قبيلة كبيرة، يُنسب إليها كثير من العلماء، قاله في "اللباب" (٢) (قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) زاد ابن حبّان في "صحيحه" قصّة في أول هذا الحديث، فساق بسنده إلى كنانة العدويّ، قال: كنت عند قبيصة بن المخارق، فاستعان به نفرّ من قومه في نكاح رجل من قومه، فأبى أن يعطيهم شيئًا، فانطلقوا من عنده، قال كنانة: فقلت له: أنت سيد قومك، وأتوك يسألونك، فلم تعطهم شيئًا، قال: أما في هذا فلا أعطي شيئًا، وسأخبرك عن ذلك، تحملت بحمالة في قومي، فأتيت النبيّ ﷺ ، فأخبرته، وسألته أن يعينني،
стр. 11567
فقال: "بل نحملها عنك يا قبيصة، ونؤديها إليهم من إبل الصدقة -ثم قال-: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة … " الحديث (١).
(قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) أي تكلّفت دينًا، قال في "النهاية": "الحمالة"- بفتح الحاء المهملة- كسَحَابة: ما يتحمّله الإنسان عن غيره، من دية، أو غَرَامة، مثل أن يقع حربٌ بين فريقين، تُسفَك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجلٌ يتحمّل ديات القتلى؛ ليُصلح ذات البين، والتحمّل أن يحملها عنهم على نفسه -أي يتكفلها، ويلتزمها في ذمّته-. انتهى (٢).
وقال الخطّابيّ ﵀: تفسير الْحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، وَيحدُث بسببهما العداوة، والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسّط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالًا لأصحاب الطوائل، يترضّاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة. انتهى.
وقال النوويّ ﵀ ما حاصله: الحمالة -بالفتح- هو المال الذي يتحمّله الإنسان؛ أي يستدينه، ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، وإنما تحل له المسألة، ويُعطَى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "تحمّلت حَمَالةً" أي ألزمتها نفسي، والحمالة: ما لزم الإنسان تحمّله من غُرْم، أو دية، وكانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرعّ بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم، وكانت العرب لكرمها إذا عَلِمَت بأن أحدًا تحمّل حَمالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يُتمّ به وجه مكرُمته، وتبرأ به ذمّته، ولو سأل المتحمّل في تلك الحمالة لم يُعَدَّ ذلك نقصًا
стр. 11568
في قدره، بل شرفًا وفخرًا، ولذلك سال هذا الرجل رسول الله ﷺ في حمالته التي تحمّلها على عادتهم، فأجابه النبيّ ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرُمة، ووعده طو بمال من الصدقة؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. انتهى (١).
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلهُ فِيهَا) أي في الحمالة؛ أي لأجلها (فَقَالَ: "أَقِمْ) أمر من الإقامة، بمعنى اثبت، واصبر. وقال السندي: أي كن في المدينة مقيمًا (حَتَّى تَأَتِيَنَا الصَّدَقَةُ) بنصب الفعل بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد "حتّى"، لكونه مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
والمعنى: حتى يَحْضُر لدينا مال الصدقة (فَنَأَمُرَ لَكَ بِهَا") بالنصب عطفًا على "تأتي" (قَالَ) قبيصة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("يَا قَبِيصَةُ إِن الْمَسْأَلةَ) وفي رواية للنسائيّ: "إن الصدقة" (لَا تَحِل إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاَثةٍ) أي لا تحلّ إلا لصاحب ضرورة مُلْجِئة إلى السؤال، كهؤلاء الثلاثة، وقال القرطبيّ ﵀: لَمّا قَرّر النبيّ ﷺ منعَ قاعدة المسألة من الناس بما تقدّم من الأحاديث، وبمبايعتهم على ذلك، وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم، فيحتاجون إلى السؤال، بَيَّن لهم ﷺ من يخرُج من عموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثة. انتهى (٢).
(رَجُل) بالجرّ بدلًا من "أحد"، أو من "ثلاثة"، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، اي أحدهم، ويجوز نصبه بتقدير فعل، كـ "أعني"، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون (تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ) أي جاز له سؤال الناس (حَتَّى يُصِيبَهَا) أي ينال من المال ما يقضي به تلك الحمالة.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "حتى يُصيبها" الضمير ليس يرجع إلى المسألة، ولا إلى الحمالة نفسِها، بل إلى معناهما؛ أي يُصيب ما حصل له من المسألة، أو ما أدَّى من الحمالة، وهي الصدقة. انتهى (٣).
стр. 11569
(ثُمَّ يُمْسِكُ) أي يترك مسألة الناس؛ لانقضاء سبب حلّ مسألتهم، وهو تحمّله الحمالة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك عنها.
(وَرَجُلٌ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة على ما تقدّم في الذي قبله (أَصَابَتْهُ جَائِحَة) هي الآفة التي تُهلك الثمار، والأموال، وتستأصلها، كالغَرَق، والْحَرْق، والبرد، المفسد للزروع والثمار، قال الفيّوميّ ﵀: الجائحة الآفة، يقال: جاحت الآفة المالَ تَجُوحُهُ جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جيَاحةً لغة، فهي جائحةٌ، والجمع الجوائح، والمال مَجُوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثةٌ، فهو مُجَاحٌ، واجتاحتِ المالَ، مثلُ جاحته. انتهى.
(اجْتَاحَتْ) أي استأصلت، وأتلفت (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من الأموال (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) وفي رواية النسائيّ: "حتى يُصيبها" أي حتى يصيب بدل ماله المجتاح، وأنّث ضميره لتأويله بالحاجة، والله تعالى أعلم.
وقوله: "قَوَامًا من عيش" قال ابن الأثير: أي ما يقوم بحاجته الضروريّة، وقِوام الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقِوام الأمر ملاكه. انتهى (١).
وقال في "القاموس": والقَوَام، كسَحَاب: العَدْل، وما يُعاش به. وبالضمّ: داءٌ في قوائم الشاء. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه.
وقال في "المصباح": القوام -بكسر القاف-: ما يُقيم الإنسان من القوت، والقوام بالفتح: العدل، والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أي عَدْلًا، وهو حسن القَوَام: أي الاعتدال. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن مما ذُكر أن القَوَام هنا يجوز ضبطه بالفتح، والكسر، على ما في "القاموس"، ومعناه: ما يقوم بحاجته الضروريّة، والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) أي ما يكفي حاجته، و" السِّدَاد" -بالكسر-: كلّ شيء سَدَدْتَ به خَلَلًا، وبه سمّي سِدَادُ الثَّغْر، والقارورةِ، والحا جةِ، قاله ابن الأثير (٢).
стр. 11570
وقال الفيّوميّ: والسَّدَادُ -بالكسر-: ما تُسدّ به القارورة وغيرها، وسِدَاد الثَّغْر -بالكسر- من ذلك، واختلفوا في سِدَادٍ من عيشي، وسِدَاب من عَوَزٍ لما يُرمَق به العيش، وتُسدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السَّكِّيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ: بالفتح، والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قُتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعار من سِدَاد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعةٌ، فقالوا: الفتح لحنٌ، وعن النضر بن شُمَيلٍ: سِدَادٌ من عَوَزٍ؛ إذا لم يكن تامًّا، ولا يجوز فتحه، ونَقَل في "البارع" عن الأصمعيّ: سِدَاد من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال: بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلُّهُ ففي هذا ما يَسُدُّ بعضَ الأمر. انتهى كلام الفيّوميّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في قوله: "سِدَادًا من عيش" في هذا الحديث بالكسر، وإن جوّز بعضهم الفتح فيه أيضًا، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: أقول: بالغ في الكفّ عن المسألة حتى شبّه السائل بالمضطرّ الذي يَحِلّ له أكل الميتة إلى أن يسُدّ رمقه، وأبلغ منه قوله: "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى" حيث "يقوم" وُضع موضع "يقول"؛ لأن قوله: "لقد أصابت فلانًا فاقةٌ" مقول للقول، فلا يناسب أن يقال: "يقوم لقد أصابت فلانًا فاقةٌ"، لكن لاهتمام الشأن وَضَعَ "يقوم" بدل "يقول"، جاعلًا المقول حالًا؛ أي يقوم ثلاثة قائلين هذا القول، ولمزيد الاهتمام أبرزه في معرض القسم، وقيّدهم بذوي العقول حتى لا يشهدوا عن تخمين، وجعلهم من قومه؛ لأنهم أعلم بحاله. انتهى (٢).
(وَرَجُلٌ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، كسابقيه (أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) اسم من افتاق يفتاق: إذا احتاج. أي رجلٌ كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر، وأصابته حاجة، ولم يُعرَف حاله (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَنة) وفي رواية النسائيّ: "حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ"، قال النوويّ ﵀: هكذا في جميع النسخ -أي نسخ صحيح مسلم"-: "حتى يقوم ثلاثة"، وهو صحيح؛ أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابته فاقة.
стр. 11571
انتهى، ولفظ أبي داود: "حتى يقول" باللام من القول، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "حتى يقوم" هكذا في جميع نسخ مسلم، وهو صحيح، وقال الصنعانيّ (١): كذا وقع في كتاب مسلم، والصحيح "يقول" باللام، وكذا أخرجه أبو داود، قال الطيبيّ: قد سبق أن "يقوم" أبلغ، والمقام له أدعى، وحذف القول في الكلام الفصيح شائع، قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ الآية [الكهف: ٤٨]. انتهى (٢).
(مِنْ ذَوِي الْحِجَا) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة-: أي العقل والفِطْنة، قال القرطبيّ: واشترط الحجا؛ لأن من عَدِمه لا يحصل بقوله ثقةٌ، ولا يصلح للشهادة، أو لعلّه عبّر به عما يُشرط في المخبِر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عَدْلًا مرضيًّا. انتهى (٣).
(مِنْ قَوْمِهِ) إنما قيّدهم بقومه؛ لأنهم أعلم بدَخِيلة أمره، واستظهر بالثالث ليُلحق بالمنتشر، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة، فقد تخفى، قاله القرطبيّ ﵀ (٤).
وقال النوويّ ﵀: وإنما قال ﷺ : "من قومه" لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يُخفَى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه، وإما اشترط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقّظ، فلا تُقبل من مغفّل، وأما اشتراط الثلاثة، فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يُقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال الجمهور: يقبل من عدلين، كسائر الشهادة، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عُرِف له مالٌ، فلا يُقبل قوله في تلفه، والإعسار إلا ببيّنة، وأما من لم يُعرف له مالى، فالقول قوله في عدم المال. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد هذا قوله في الحديث: "اجتاحت
стр. 11572
ماله"، فإنه يدلّ على أن الذي يشهد له الثلاثة هو الذي كان له مالٌ، فاجتاحته آفة، فاحتاج للمسألة، والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ ﵀: وهذا كنايةٌ عن كون تلك الفاقة محقّقةً، لا مُخَيّلةً، حتى أَبُو استُشهِد عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها، والفرق بين هذا القسم، والقسم السابق، أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بَينَ غالب الناس، وفي هذا القسم خفيّةٌ عنهم. انتهى.
(لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) أي يقومون قائلين: قد أصابت إلخ.
(فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْش، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُن) أي سوى هذه الأمور الثلاثة (مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ "سُحْتًا"، ورواية غير مسلم: "سُحْت"، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار؛ أي اعتقده سُحْتًا، أو يؤكل سُحْتًا. انتهى (١).
و"السُّحُتُ" -بضم السين، والحاء المهملتين، أو بضمّ السين، وسكون الحاء، تخفيفًا-: هو كلّ مالٍ حرام، لا يَحِلّ كسبه، ولا أكله، وسُمّي بذلك؛ لأنه يَسْحَتُ البركة: أي يُذهبها، وَيمحَقها.
وقال القرطبيّ في ﵀: قوله: "سُحُتٌ" السحت: الحرام، وسمّي به لأنه يسحت وَيمحَقُ، وفيه لغتان: سكون الحاء وضمّها، وروايتنا في "سحت" الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو "ما" الموصولة، وقد وقع لبعضهم "سحتًا" بالنصب، وليس وجهه ببيِّنٍ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: توجيهه بيِّنٌ، كما سبق في قول النوويّ ﵀، وذلك أن يُقدّر له ناصب؛ أي اعتقده سحتًا، أو نحو ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال أيضًا: قولهْ "فما سواهنّ سحتٌ" أي ما سوى هؤلاء الثلاثة، ثم هو بعد ذلك مخصوص بحديث سمُرة ﵁ الذي أخرجه أبو داود باسناد صحيح مرفوعًا: "المسائل كُدُوح يَكْدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِد منه بُدًّا" (٢).
стр. 11573
قال: وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه يزيد على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه. انتهى (١).
(يَكلُهَا) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة، قاله الطيبيّ ﵀، وقال الصنعانيّ ﵀: "يأكلها": أي الصدقة، أنّث الضمير؛ لأنه جعل السحت عبارة عنها، وإلا فالضمير له. انتهى. (صَاحِبُهَا) أي صاحب المسألة (سُحْتًا") منصوب على الحال، أو بدل من الضمير المنصوب في "يأكلها".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "يأكلها صاحبها سُحتًا" صفة لـ"سُحْتٌ" الماضي، والضمير الراجع إلى الموصوف مؤنّثٌ على تأويل الصدقة، وفائدة الصفة أن آكل السحت لا يجد للسحت الذي يأكله شبهة تجعله مباحًا على نفسه، بل يأكلها من جهة السحت، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ٦١]؛ أي يقتلونهم على اعتقاد أن قتلهم غير مباح (٢)، وليس لهم حقّ عليهم، والتعريف في "المسألة" إما للعهد، فيكون الكلام في الزكاة، وإما للجنس، فيشمل التطوّع والفرض، وقرينة الأولى التفصيل؛ لأن التحمّل لا يكون إلا للغارم، وإصابة الجائحة للثمار إنما يُتصوّر في المساكين، وإصابة الفاقة للفقير.
[فإن قلت]: ما وجه تخصيص من أصابته الجائحة بالمساكين، ومن أصابته الفاقة بالفقير، وقد عَقَب كلًّا بقوله: "حتى يُصيب قوامًا من عيش"؟.
[قلنا]: الفرق ظاهرٌ، فإن من أصابته الآفة السماويّة، واستأصلت ثماره قد تبقى له الأرض والزرع، فيُعطَى ما يتقوم به من العيش، ولا يؤمر ببيع ما بقي وإنفاقه على نفسه، ولا يُعْنَى بالمسكين إلا هذا، ومن ثَمَّ لم تُطلب البيّنة في إصابة الحقّ الجائحة لظهورها كما تطلب في إصابة الفاقة، وتبيّن من هذا الفرق بين الفقير والمسكين، فلما خصّصت المسألة بالزكاة المفروضة عُلِم أن حكم التطوّع غير هذا.
[فإن قلت]: فلم خُصّ هؤلاء بالذكر دون سائرهم؟.
стр. 11574
[قلت]: لاندراج البقيّة فيهم، فإن الغارم، والغازي، والعامل، والمؤلّفة قلوبهم يجمعهم معنى السعي في مصالح المسلمين، وأن الرقاب، وابن السبيل من جنس الفقير والمسكين. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث قبيصة بن مُخَارق ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٢٤٠٤] (١٠٤٤)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٠)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٩ و ٢٥٨٠) و"الكبرى" (٢٣٦٠ و ٢٣٦١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٧٧ و ٥/ ٦٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٥٩ و ٢٣٦٠ و ٢٣٧٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٩١ و ٣٣٩٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٦٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٩٤٦ و ٩٤٧ و ٩٤٨ و ٩٤٩ و ٩٥٠ و ٩٥١ و ٩٥٢ و ٩٥٣ و ٩٥٤ و ٩٥٥)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ١٧ - ١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٠ - ١١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٧٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١١٩ و ١٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مسألة الناس لغير هؤلاء المذكورين في هذا الحديث، ومن كان بمعناهم، كما تقدّم في حديث سمرة ﵁ مرفوعًا: "المسائل كُدُوح يَكْدَح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِد منه بُدًّا".
стр. 11575
٢ - (ومنها): بيان أن من تحمّل حَمالة يستحقّ الصدقة، وهو معنى (الغارم) المذكور في آية الصدقة.
٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ ﵀: في هذا الحديث علم كثيرٌ، وفوائد جمّة، ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك أنه قد جعل من تحلّ له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا، وفقرًا باطنًا، فالغنيّ الذي تحلّ له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والْحَمِيل: الضمين، والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما تقدّم، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا، وابتغى بما أتاه صلاحًا، فليس من المعروف أن تترك الغرامة في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمّله منه، ويُعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمّته، ويخرج من عهدة ما تضمّنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة، فهو رجلٌ أصابته جائحةٌ في ماله، فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تُحرقه، والبرد يُفسد زرعه، وثماره، ونحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها، ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها، فذهب ماله، وافتقر، حلّت له المسألة، ووجب على الناس أن يُعطوه الصدقة من غير بيّنة، يطالبونه بها على ثبوت فقره، واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابث، وعُرف له يسار ظاهر، فادَّعَى تَلَفَ ماله من لصّ طَرَقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثرٌ ظاهر في المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الرّيبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به، والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله: "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة"، واشتراطه الحجا تأكيد لهذا المعنى؛ أي لا يكونون من أهل الغباوة والغفلة، ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيّن والتعرّف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه، أو من ذوي الخبرة بشانه: إنه صادق فيما يدّعيه، أُعطي الصدقة.
стр. 11576
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ليس من باب الشهادات" فيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنّ فيه من العلم أن من ثبت عليه حقّ عند حاكم، فطلب المحكوم له حبسه، واذعَى المحكوم عليه الإفلاس والفقر، لا تسمع دعواه إلا ببيّنة، إن كان المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده، كثمن مبيع، وقرض؛ لثبوت غناه بحصول المبيع، والقرض في يده، وتُقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال، كبدل الغصب، وضمان المتلفات، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه، فلا يُحبس فيما ذُكِر إن ادّعى الفقر؛ لأن الأصل في الآدميّ العسر، وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، إلا إذا بَرْهَن خصمه أنّ له مالًا، فيُحْبَس حسبما يراه القاضي؛ لقوله ﷺ : "مَطْلُ الغنيّ ظلم"، متّفق عليه، وقوله ﷺ : "لَيُّ الواجد يُحِلّ عِرْضَهُ، وعقوبته" حديث حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
وهذا إذا لم يكن له مالٌ ظاهر، وإلا انتُرع منه الحقّ، إن كان من جنسه، أو بَيعَ عليه، إن لم يكن من جنسه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز نقل الصدقة من بلدة إلى أخرى، حيث قال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وقد استوفيت البحث في اختلاف العلماء في ذلك في "شرح النسائيّ"، وأن الأصحّ جواز نقلها؛ إذا كان هناك مصلحة راجحة (١).
٦ - (ومنها): أن الحدّ الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قِوام العيش، وسِداد الخلّة، وذلك يعتبر في كلّ إنسان بقدر حاله، ومعيشته، وليس فيه حدّ معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم (٢).
٧ - (ومنها): ما قال المظهر ﵀: من لم يقدر على كسب لزمانة، ونحوها جاز له السؤال بقدر قوت يومه، ومن قدر على الكسب، وتركه
стр. 11577
لاشتغاله بتعلّم العلم تجوز له الزكاة والصدقة، ومن تركه للتطوّع من الصلاة والصيام، ونحوهما فلا تجوز له الزكاة، ويكره له صدقة التطوّع، ومن تخلّى في نحو رباط، واشتغل بالطاعة والرياضة، وتصفية الباطن، فيُستحبّ لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوّع، وكسرات الخبز، واللباس لهم، وينبغي للسائل أن ينوي الكفاف لهم لا لنفسه، إن لم يكن منهم، لكن لا يُكره أن يأكل معهم، وأن يترك الإلحاح، بل يقول: من يُعطي شيئًا لرضى الله؟، ولا يواجه أحدًا بعينه، فإن أُعطي دعا، وإن لم يُعط لم يَسْخَط، ومن لم يَقُم بهذه الشرائط كان إثمه أكثر من أجره، ولا يجوز للسائل أن يأخذ لهم الزكاة؛ لاقتدارهم على الكسب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من جواز السؤال لأجل من تجرّد للطاعة، وتصفية الباطن محلّ نظر، فمانه ممن يستطيع الكسب، فلا وجه للسؤال له؛ لدخوله في قوله ﷺ في حديث الباب: "فما سواهنّ من المسألة سحتٌ"، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٥] (١٠٤٥) - (وَحَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُول: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ
стр. 11578
إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أفقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب.
٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣، أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء، على ما أسلفنا بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، والثاني، تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، غير هارون، فمروزيّ، ثم بغدادي، والنصف الثاني مسلسل بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵁ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
стр. 11579
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) أي بسبب عمله، كما سيأتي في الرواية الآتية (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ) أي العطاء الذي تعطينه (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي) أي شخصًا أحوج إليه مني (حَتى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (خُذْهُ) أي ما أعطيته لك (وَمَا) موصولة؛ أي الذي (جَاءَكَ) وقوله: (مِنْ هَذَا الْمَالِ) بيان لـ "ما" (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، و"المشرف": المتطلّع للشيء، وهو اسم فاعل من الإشراف -بالمعجمة- وهو التعرّض للشيء، والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا: إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ؛ لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه: يبعث إليّ فلان بكذا، وقال الأثرم: يَضِيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك، قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ ﵀: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفة لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة.
قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
стр. 11580
(وَلَا سَائِلٍ) أي غير طالب له، قال النوويّ ﵀: فيه النهي عن السؤال، وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة، واختُلف في مسألة القادر على الكسب، والأصحّ التحريم، وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
(فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأظهر، أو استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) مِن أَتْبع مخفّفًا؛ أي ما لم يُؤْتِك الله بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ ﵀: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت، ويئست. انتهى.
وفيه إشارة إلى أن الْمَدَار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على المعطي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٤٠٥ و ٢٤٠٦ و ٢٤٠٧ و ٢٤٠٨ و ٢٤٠٩، (١٠٤٥)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٣) و"الأحكام" (٧١٦٤)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٧) و"الخراج" (٢٩٤٤)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٦٠٤ و ٢٦٠٥ و ٢٥٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨) وفي "الكبرى" (٢٣٨٥ و ٢٣٨٦ و ٢٣٨٧
стр. 11581
و ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧ و ٢١ و ٢/ ٩٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٢)، و (أحمد) في "مسند العشرة" (١٠١ و ١٣٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٤٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٣٥) و"مسند الشاميين" (١/ ٨٤ و ٤/ ١٥٦ و ٢٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٨٣ و ١٨٤ و ٣٥٤) و"المعرفة" (٥/ ٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم من رزقه الله تعالى مالًا من غير مسألة، والجمهور على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الحديث أصلٌ في أنّ كلّ مَن عَمِلَ للمسلمين عملًا من أعمالهم العامّة، كالولاية، والقضاء، والْحِسْبة، والإمامة، فارزاقهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعْطَون ذلك بحسب عملهم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه.
٤ - (ومنها): أن ردّ عطيّة الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب ﵁، وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ ﵁، فقد طابق فعلُه فعلَه، كما سيأتي بعد حديث.
٦ - (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضلُ من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة؛ لأنه إذا لم
стр. 11582
يأخذ كان عند نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه.
٧ - (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأدن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبة للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا تردّ عطيّته، ومن عُلم كون ماله حرامًا، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه، فالاحتياط ردّه، وهو الورع، ومن أباحه أَخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ، مع علمه بذلك، وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير، والمعاملات الفاسدة. انتهى (٢).
стр. 11583
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ بالوجوب؛ لظواهر النصوص؛ إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب، وما ادّعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من الخلاف.
وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ ﵀، هو الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين: قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب رزق (١) الحاكم، والعاملين عليها، وكان شُرَيح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا، وقالت عائشة ﵂: يأكل الوصيّ بقدر عُمالته، وأكل أبو بكر، وعمر، ثم أورد حديث عمر ﵁ المذكور في الباب محتجًّا به على جواز ذلك.
قال الطبريّ ﵀: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجُبَاة الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العُمَالةَ على عمله.
وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت ﵁، كان يأخذ الأجر على القضاء.
واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقًّا؛ لقيامهم، وسعيهم فيها.
وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز أرزاق القضاة من وجهها.
وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما. انتهى (٢).
стр. 11584
وقال الطبريّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، ولم يحرّموه مع ذلك.
وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبةً، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافًا، وقد كره ذلك قوم، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه.
وقال المهلّب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأرادوا أن يجري الأمر على الأصل الذي وضعه الله لنبيّه ﷺ ، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقّه، فيتحيّل على أموال الناس.
وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء؛ إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنما تركه تورُّعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة، فالأولى الترك جزمًا، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِف إذا كان الغالب حرامًا، وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا، لا بدّ منها.
قال الحافظ: وقد جرّ القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذّر إزالة ذلك، والله المستعان. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن أخذ الراتب على العمل جائزٌ مطلقًا، على الوجه الذي سبق تقريره آنفًا، ولا ينافي ذلك إخلاص العمل لله تعالى، كما اتّضح ذلك من حديث عمر ﵁ المذكور في الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ
стр. 11585
رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تتبِعْهُ نَفْسَكَ"، قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فتَمَوَّلْهُ) أي اتّخذه مالًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَني ابْن شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الْكِنديّ الصحابيّ الصغير، مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٧/ ١٧١٢.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ) القرشيّ العامريّ، واسم أبيه عمرو.
وقيل: قُدامة، وقيل: عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال له: السعديّ؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد، وقال فيه بعضهم: ابن الساعديّ، سكن الأردنّ.
стр. 11586
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطّاب حديث الْعُمَالة، وعن محمد بن حبيب المصريّ، إن كان محفوظًا. وروى عنه حُويطب بن عبد الْعُزّى، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن مُحيريز، ومالك بن يُخامِر، وأبو إدريس، وبُسْر بن سعيد، وحسّان بن الضمريّ.
قال الواقديّ: توفّي سنة (٥٤)، وقال ابن حبّان: مات في خلافة عمر، قال ابن عساكر: لا أراه محفوظًا.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) معناه: قال: قال عمرو، فحُذف كتابة "قال"، ولا بُدَّ للقارئ من النطق بـ "قال" مرتين، وإنما حَذَفُوا إحداهما في الكتاب اختصارًا، قاله النوويّ ﵀.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ "وحدثني" بالواو، وهو صحيحٌ مَلِيحٌ، ومعناه أن عمرًا حَدَّث عن ابن شهاب بأحاديث عَطَفَ بعضَها على بعض، فسمعها ابنُ وهب كذلك، فلما أراد ابن وهب رواية غير الأول أَتَى بالواو العاطفة؛ لأنه سَمِعَ غير الأول من عمرو معطوفًا بالواو، فَأَتَى به كما سمعه، وقد سبق بيان هذه المسألة في أول الكتاب. انتهى (١).
وقوله: (بِمِثْلِ ذَلِكَ) أي بمثل حديث ابن شهاب الماضي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ يعني أن ابن شهاب حدّث عمرو بن الحارف بهذا الحديث من طريقين: طريق سالم، عن أبيه، وطريق السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزّى (٢)، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر ﵃، والطريق الثاني أنزل من الأول بثلاث وسائط؛ لأن الأول وصل فيه ابن شهاب إلى النبيّ ﷺ بواسطتين، والثاني وصل فيه بأربع وسائط: السائب، وحُويطب، وابن السعديّ، وعمر ﵃، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 11587
[تنبيهات]:
[التنبيه الأول]: وقع للإمام مسلم ﵀ في هذا الإسناد خطأ، حيث قال: عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر بن الخطاب ﵁، فأسقط حويطبًا.
قال النوويّ في "شرحه": واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد، وعبد الله بن السعديّ رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزّى، قال النسائيّ: لم يسمعه السائب من ابن السعديّ، بل إنما رواه عن حويطب عنه، وقال غيره: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ، وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطبًا أخبره أن عبد الله بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره، وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. انتهى كلام القاضي ﵀.
قال: وقد رواه النسائيّ في "سننه" كما ذُكِر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر ﵁.
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه "الرباعيّات"، قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والْحَكَم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر، وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب.
قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا.
ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ، ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، ورواه عبد الرزّاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا، وابن السعديّ.
ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك، قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث، قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن
стр. 11588
السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، والله أعلم. انتهى (٢).
[التنبيه الثاني]: هذا الإسناد اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحُويطب، وابن السعديّ، وعمر ﵃، وقد ذكر بعضهم السند المذكور في بيتين، فقال:
وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ … مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمْ ظَهَرَا
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُوَيْطِبٍ عَبْـ … بدُ اللهِ حَدَّثَهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرَا (٣)
وقد جاءت جملة من الأحاديث، فيها أربعةٌ صحابيّون يروي بعضهم عن بعض، وأربعةٌ تابعيّون يروي بعضهم عن بعض (٤).
[التنبيه الثالث]: "حُويطب بن عبد العزّى" بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال: أبو الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنينًا، وكان من المؤلّفة، وجدّد أنصاب الحرم في عهد عمر.
روى عن عبد الله بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن حُويطب، وعبد الله بن ئريدة، وغيرهم، قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ عنه، عن النبيّ ﷺ شيئًا ثابتًا، وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه يمينه، وقال أحمد: بلغني عن الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام (٥).
وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدًا ﷺ سيظهر، فذكر قصة طويلة.
стр. 11589
وروى ابن سعد في "الطبقات" من طريق المنذر بن جَهم وغيره، عن حويطب، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكّة خِفْتُ خوفًا شديدًا، فذكر قصّة طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه، فإذا بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة -والمعرفة أبدًا نافعة- فسلّمت عليه، فذكرت له، فقال: اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو ذرّ: حتى متى يا أبا محمد؟ قد سُبِقتَ، وفاتك خير كثير، ورسول الله ﷺ أبرّ الناس، وأحلم الناس، وشرفه شرفك، وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته، فقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله، فقلتها، فقال: "وعليك السلام"، فتشهدتُ، فسُرّ بذلك، وقال: "الحمد لله الذي هداك"، قال: واستقرضني مالًا، فأقرضته أربعين ألفًا، وشهدتُ معه حُنينًا، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى أن مات، وباع داره بمكة من معاوية باربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح، عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء الإسلام، وإن يدها شلّاء.
ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها (١).
قال الواقديّ: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين في الجاهليّة، قال خليفة: مات سنة (٥٤).
وذكر في "الفتح" أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في الفتح، وكان حَمِيد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو ممن أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهليّة، وستين في الإسلام تجوّزًا، ولا يتمّ ذلك تحقيقًا؛ لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة، فيكون عاش سبعًا وستين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمن إسلامه هو، فيكون ستًّا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة
стр. 11590
جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى. انتهى (١).
روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط، وهو الذي اجتمع فيه أربعة من الصحابة، ثم سقط ذكرُ حُويطب ص كتاب مسلم في جميع النسخ، قاله في "تهذيب التهذيب" (٢).
[التنبيه الرابع]: رواية عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٧١٦٤) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهريّ، أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، أن حُوَيطب بن عبد الْعُزَّى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك تَلِي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أُعطيت الْعُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أَفراسًا، وأعبدًا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمَالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردتُّ الذي أردتَّ، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مَرَّةً مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبيّ ﷺ : "خذه، فتموَّله، وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مُشْرِف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَفْتُ مِنْهَا، وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: "خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ").