وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٢] (١٠٣٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريبًا.
و"معاوية بن أبي سفيان" ﵁، ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من المفعول.
وقوله: (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) في محلّ نصب مقول "يقول".
وقوله: (يَقُولُ) الثاني في محلّ نصب على الحال من رسول الله ﷺ .
وقوله: (مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جُزِم بها "يَرِدْ"، و"يُفَقِّهْه"؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء.
وقوله: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) "إنما" من أدوات الحصر، و"أنا" مبتدأ، و"قاسم" خبره.
وقوله: "والله" أيضًا مبتدأ، و"يُعط" خبره، والجملة يصحّ أن تكون حالًا.
وقوله: "والله يُعطي" فيه تقديم لفظة "الله"؛ لإفادة التقوية عند السكاكيّ، ولا يَحْتَمِل التخصيص؛ أي الله يعطي لا محالةَ، وأما عند الزمخشريّ فيحتمله أيضًا، وحينئذٍ يكون معناه: الله يعطي لا غيره.
стр. 11517
[فإن قلت]: إذا كانت جملة: "والله يعطي" حاليّةً، فما يكون معنى الحصر حينئذ؟.
[أجيب]: بأنّ الحصر بـ "إنما" دائمًا في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا بقاسم إلَّا في حال إعطاء الله، لا في حال غيره، وفيه حذف مفعول "يعطي"؛ لأنه جعله كاللازم إعلامًا بأن المقصود منه بيان هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي الْمُعْطَى، أفاده في "العمدة" (١)، وتمام شرح الحديث قد سبق في شرح حديث معاوية ﵁ المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٢] (١٠٣٧)، و (البخاريّ) في "العلم" (٧١) و "فرض الخمس" (٣١١٩) و"الاعتصام"، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٠١)، و (الدا رميّ) في "سننه" (١/ ٧٣ - ٧٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٢٣٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١/ ٢٩١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٧٢٩ و ٧٨٢ و ٧٨٣ و ٧٨٤ و ٧٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣١)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11518
(٣٥) - (بَابُ تَفْسِيرِ الْمِسْكِينِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٣] (١٠٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ"، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
стр. 11519
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي الكامل في المسكنة، قال القرطبيّ ﵀: مِفْعيل من السكون، فكأنّ مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت حركاته، ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦] أي لاصقًا بالتراب، وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالًا من الفقير، وعند غيره عكس ذلك، وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد. انتهى (١)، وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين، واشتقاقه، وفي الفرق بينه والفقير في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
قال النوويّ ﵀: معناه: المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطّوّاف، بل هو الذي لا يَجِد غِنًى يُغنيه، ولا يُفْطَن له، ولا يَسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَوّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين ﵀: قال العلماء: معنى الحديث أن المسكين الكامل المسكنة هو المتعفّف الذي لا يطوف على الناس، ولا يسألهم، ولا يُفْطَن لحاله، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، وإنما معناه نفي كمالها، وهذا كقوله ﷺ : "أتدرون من المفلس؟ … " الحديث، وكقوله ﷺ : "أتدرون من الرَّقُوب؟ … "، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ الآية.
واستَدَلّ ابن عبد البرّ على إطلاق اسم المسكنة على الطَّوّاف بحديث أم بجيد ﵂ مرفوعًا: "رُدُّوا المسكين، ولو بظِلْف مُحْرَق"، وبقول عائشة ﵂: "إن المسكين ليقف على بابي … " الحديث، قال: وقد جعل الله تعالى الصدقات للفقراء والمساكين، وأجمعوا أن السائل الطَّوّاف المحتاج مسكين. انتهى (٣).
стр. 11520
(بِهَذَا الطَّوَّافِ) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرْ
و"الطَّوّاف" بفتح الطاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة؛ أي من يُكثر الطواف، والإشارة يَحتمل أن تكون لحضوره ومشاهدته، وَيحْتَمل أن تكون لحقارته (١).
(الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) أي لسؤالهم (فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ) أي يُردّ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أخذ اللقمة رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردّته من باب إلى باب.
قال في "اللسان": اللَّقْمَة -بالفتح- واللُّقْمة -بالضمّ-: ما تُهيّئه للَّقْم، قال: وفي "التهذيب": اللُّقْمة -بالضمّ- اسم لما يُهيّئه الإنسان للالتقام، واللَّقْمة -بالفتح- أكلها بمرّة، تقول: أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتين. انتهى.
وفي رواية للبخاريّ: "ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان، ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافًا".
وقوله: "الأكلة، والأكلتان". قال أهل اللغة: الأُكلة -بالضمّ-: اللقمة، و-بالفتح-: المرّة من الغداء، والعشاء، والموافق هنا المضموم، بدليل رواية "اللقمة، واللقمتان".
قال السنديّ ﵀: المراد: ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحدٌ إلا بالتفتيش، وبه يتبيّن الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف، وقيل: المراد: ليس المسكين الكامل الذي هوأحقّ بالصدقة، وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد … إلخ. انتهى.
(وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَمانِ") بالتاء المثناة الفوقيّة، هكذا في "الصحيحين" وغيرهما، ووقع في "السنن الكبرى" للنسائيّ بالثاء المثلّثة، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في
стр. 11521
الأصول كلِّها: "فما المسكين؟ "، وهو صحيحٌ؛ لأن "ما" تأتي كثيرًا لصفات مَن يَعْقِل، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. انتهى (١).
ووقع في رواية مالك بلفظ: "فمن المسكين"، وهي واضحة، قال في "الطرح": قوله: "فمن المسكين؟ "، كذا هو في روايتنا، من طريق أبي مصعب، عن مالك، وهو الوجه، وفي رواية يحيى بن يحيى، عن مالك: "فما المسكين؟ "، وتابعه عليه جماعة، كما ذكره ابن عبد البرّ، وكذا هو في "صحيح مسلم"، من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الْحِزَاميّ، وله ثلاث توجيهات:
[أحدها]: أن يكون أراد: فما الحال التي يكون بها السائل مسكينًا؟.
[والثاني]: أن تكون "ما" هنا بمعنى "مَنْ"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣]، ذكرهما ابن عبد البرّ ﵀.
[والثالث]: أن "ما" تأتي كثيرًا لصفات مَن يَعْقِل، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي الطيب. انتهى (٢).
(قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى) بكسر الغين مقصورًا: اليسار، وقوله (يُغْنِيه) صفة له، وهو قدر زائد على اليسار؛ إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يستغني به، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ مُحْتَمِلٌ لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيَّد بأنه يُغنيه مع وجود أصل اليسار، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وكقول الشاعر:
عَلَى لَا حِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
وعلى الاحتمال الثاني ففيه أن المسكين هو الذي يملك ما يقع موقعًا من كفايته لا يكفيه، وهو حينئذ أحسن حالًا من الفقير، فإنه الذي لا يَملِك شيئًا أصلًا، أو يملك ما لا يقع موقعًا من كفايته، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وفقهاء الكوفة، وقال به من أهل اللغة: الأصمعيّ، وأبو جعفر أحمد بن عُبيد،
стр. 11522
واستُدِلَّ له أيضًا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسماهم مساكين، مع أن لهم سفينةً؛ لكونها لا تقوم بجميع حاجتهم.
وعكس آخرون ذلك، فقالوا: الفقير أحسن حالًا من المسكين، حكاه ابن عبد البرّ، عن يونس بن حبيب، وابن السِّكِّيت، وابن قُتيبة، وقومٍ من أهل الفقه والحديث.
وقال آخرون: هما سواءٌ، ولا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، حكاه ابن عبد البرّ، عن ابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وحَكَى ابنُ بطال قولًا رابعًا، أن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل (١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَلَا يُفْطَنُ لَهُ) بالبناء للمفعول مخفّفًا، وهو مرفوعٌ عطفًا على "لا يجدُ"، وقوله: (فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ) منصوب بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء السببيّة، كما مرّ نظيره قريبًا.
وقوله: (وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا") مرفوع عطفًا على "لا يجد" أيضًا، ووقع في رواية: "ولا يقوم، فيسأل الناس"، وعليها يكون قوله: "فيسألَ" منصوبًا مثل "فيُتصدَّق"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٢٣٩٣ و ٢٣٩٤ و ٢٣٩٥] (١٠٣٩)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٦) و"التفسير" (٤٥٣٩)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٣١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧١ و ٢٥٧٢ و ٢٥٧٣) و"الكبرى" (٢٣٥٢ و ٢٣٥٣ و ٢٣٥٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٧١٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٩٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٦)، و (الطيالسيّ) في
стр. 11523
"مسنده" (١/ ٣١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٠ و ٣١٦ و ٣٩٥ و ٤٦٩ و ٤٩٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٩٢ و ١٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٩/ ٣٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٢٢٠ و ٢٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٥ و ٧/ ١١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معنى المسكين الذي ذكره الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].
٢ - (ومنها): أن المسكنة إنما تُحمد مع العفّة عن السؤال، والصبر على الحاجة.
٣ - (ومنها): استحباب الحياء في كلّ الأحوال.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا شيء له، كما سيأتي توجيهه، إن شاء الله تعالى.
٥ - (ومنها): حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يُتحرّى وضعها فيمن صفته التعفّف، دون الإلحاح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين: قال العلّامة أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": واختلف علماء اللغة، وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال:
(الأول): ما ذهب إليه يعقوب بن السّكّيت، والْقُتَبيّ، ويونس بن حبيب من أنّ الفقير أحسن حالًا من المسكين، قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، ويُقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، واحتجّوا بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
стр. 11524
وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة، والحديث، منهم أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهّاب.
والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يقال: حَلُوبته وفقَ عياله؛ أي لها لَبَنٌ قدرَ كفايتهم، لا فضل فيه، قاله الجوهريّ.
(الثاني): ذهب آخرون إلى أن المسكين أحسن حالًا من الفقير، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، فأخبر أنّ لهم سفينةً من سُفُن البحر، وربّما ساوت جملةً من المال، وعضدوه بما روي عن النبيّ ﷺ أنه تعوّذ من الفقر، وروي عنه أنه قال: "اللهمّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا" (١)، فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر، ثمّ يسأل ما هو أسوأ حالًا منه، وقد استجاب الله دعاءه، وقُبِض، وله مالٌ مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَنَ دِرْعَه، قالوا: وأمّا بيت الراعي، فلا حجّة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبةٌ في حالٍ، قالوا: والفقير معناه في كلام العرب: المفقور الذي نُزِعت فِقَرُهُ (٢) من ظهره من شدّة الفقر، فلا حال أشدّ من هذه، وقد أخبر الله بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، واستشهدوا بقول الشاعر [من الكامل]:
لَمَّا رَأَى لُبَدُ (٣) النُّسُورَ تَطَايَرَتْ … رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الأَعْزَلِ
أي لم يُطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه، ولَصِق بالأرض، ذهب إلى هذا الأصمعيّ، وغيره، وحكاه الطحاويّ عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأكثرِ أصحابه.
стр. 11525
(الثالث): أنّ الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، وإلى هذا ذهب الشافعيّ في أحد قوليه، وابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف.
قال القرطبيّ: ظاهر اللفظ يدلّ على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنّ أحد الصنفين، أشدّ حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا واحدًا، ولا حجّة في قول من احتجّ بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾؛ لأنه يَحْتَمِل أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره، وقد قال الله تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ الحج: ٢١]، فأضافها إليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وقال ﷺ : "من باع عبدًا، وله مالٌ"، وهو كثير جدًّا يُضاف الشيء إليه، وليس له، ومنه قولهم: باب الدار، وجُلُّ الدابّة، وسَرْجُ الفرس، وشبهه، ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يقال لمن امتُحِنَ بنكبة، أو دُفع إلى بليّة: مسكين، وفي الحديث: "مساكين أهل النار"، وقال الشاعر [من الطويل]:
مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ … عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
وأمّا ما تأوّلوه من قوله ﷺ : "اللهمّ أحيني مسكينًا" الحديث، رواه أنس، فليس كذلك؛ وإنما المعنى هاهنا التواضع لله الذي لا جبروت فيه، ولا نخوَة، ولا كِبْر، ولا بَطَرَ، ولا تكبّر، ولا أَشَرَ، ولقد أحسن أبو العَتَاهية، حيث قال [من البسيط]:
إِذَا أَرَدت شَرِيفَ الْقَوْمِ كُلِّهِمِ … فَانْظُرْ إِلَى مَلِكٍ فِي زِيِّ مِسْكِينِ
ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللهِ رَغْبَتُهُ … وَذَاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَللدِّينِ
وليس بالسائل؛ لأن النبيّ ﷺ قد كره السؤال، ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق: "دعوها، فإنها جبّارة" (١). وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فلا يمتنع أن يكون لهم شيء. والله أعلم.
стр. 11526
وما ذهب إليه أصحاب مالك، والشافعيّ في أنهما سواء حسن.
(الرابع): ما ذكره ابن سُحنون عن مالك، أنه قال: الفقير المحتاج المتعفّف، والمسكين السائل، وروي عن ابن عبّاس، وقاله الزهريّ، واختاره ابن شعبان.
(الخامس): ما قاله محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن، والخادم، والمسكين الذي لا مال له.
قال القرطبيّ: وهذا القول عكس ما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنّ لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك.
(السادس): ما روي عن ابن عبّاس ﵄، قال: الفقير من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحّاك.
(السابع): أن المسكين الذي يخشع، ويستكنّ، وإن لم يسأل، والفقير: الذي يتحمّل، ويقبل الشيء سرًّا، ولا يخشع. قاله عبيد الله بن الحسن.
(الثامن): المساكين الطّوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. قاله مجاهد، وعكرمة، والزهريّ.
(التاسع): الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. قاله عكرمة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ بتصرّف (١).
وقال ابن الأثير ﵀ في "النهاية": وقد تكرّر ذكر المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن، قال: وكلّها يدور معناه على الخضوع والذلّة، وقلّة المال، والحال السيّئة، واستكان: إذا خَضَعَ، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبّه بالمساكين، وهم جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له. وقيل: هو الذي له بعض الشيء. وقد تقع المسكنة على الضعف. انتهى (٢).
وقال العلّامة اللغويّ ابن منظور: ﵀ في كتابه "لسان العرب": والْمِسْكين
стр. 11527
أي بالكسر، والْمَسْكين أي بالفتح- الأخيرة نادرة؛ لأنه ليس في الكلام مَفْعِيل-: الذي لا شيء له، وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله، قال أبو إسحاق: المسكين الذي أسكنه الفقر؛ أي قلّل حركته، وهذا بعيد؛ لأن مسكيناً في معنى فاعل، وقوله: الذي أسكنه الفقر يُخرجه إلى معنى مفعول، وهو مِفْعيل من السكون، مثلُ الْمِنْطيق من النُّطْق، قال ابن الأنباريّ: قال يونس: الفقير أحسن حالًا من المسكين، والفقير الذي له بعض ما يُقيمه، والمسكين أسوأ حالًا من الفقير، وهو قول ابن السكيت؛ قال يونس: وقلت لأعرابيّ: أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا والله، بل مسكين، فأعلم أنه أسوأ حالًا من الفقير؛ واحتجّوا على أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فأثبت أن للفقير حَلوبةً، وجعلها وَفْقًا لعياله؛ قال: وقول مالك في هذا كقول يونس، وروي عن الأصمعيّ أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وإليه ذهب أحمد بن عُبيد، قال: وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، تساوي جملة، وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء، هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين. قال ابن برّيّ: وإلى هذا القول ذهب عليّ بن حمزة الأصفهانيّ اللغويّ، ويرى أنه الصواب، وما سواه خطأٌ، واستدلّ على ذلك بقوله: ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فأكّد سُوء حاله بصفة الفقر؛ لأنّ الْمَتْرَبة الفقر، ولا يؤكّد الشيء إلا بما هو أوكد منه، واستدلّ على ذلك بقوله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فأثبت أنّ لهم سفينة يعملون عليها في البحر، واستدلّ أيضًا بقول الراجز:
هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤجَرُهُ … تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ
عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ … قَدْحَدَّثَ النَفْسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ
فأثبت أنّ له عشر شياه، وأراد بقوله: عسكره غنمه، وأنها قليلة، واستدلّ
стр. 11528
أيضًا ببيت الراعي، وزعم أنه أعدل شاهد على صحّة ذلك، وهو قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ؛ لأنه قال: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وقال: فلم يُترك له سَبَدٌ، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تقوت عياله، ومن كانت هذه حاله، فليس بفقير، ولكن مسكين، ثم أعلمك أنها أُخذت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا؛ يعني ابنُ حمزة بهذا القول أنّ الشاعر لم يُثبت أن للفقير حَلوبة؛ لأنه قال: الذي كانت حلوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وهذا كما تقول: أما الفقير الذي كان له مالى، وثَرْوَةٌ، فإنه لم يُترك له سَبَد، فلم يُثبت بهذا أن للفقير مالًا وثروة، وإنما أثبت سُوء حاله الذي به صار فقيرًا، بعد أن كان ذا مال وثروة، وكذلك يكون المعنى في قوله:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ
أنه أثبت فقره لعدم حلوبته بعد أن كان مسكينًا قبل حلوبته، ولم يُرد أنه فقير مع وجودها، فإنّ ذلك لا يصحّ كما لا يصحّ أن يكون للفقير مالٌ وثروة في قولك: أما الفقير الذي كان له مالٌ وثروة؛ لأنه لا يكون فقيرًا مع ثروته وماله.
قال: فثبت بهذا أن المسكين أصلح حالًا من الفقير، قال عليّ بن حمزة: ولذلك بدأ الله تعالى بالفقير قبل من يستحقّ الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأمّلت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، وجدته سبحانه قد رتّبهم، فجعل الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالثَ أصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. قال: ومما يدلّك على أن المسكين أصلح حالًا من الفقير أن العرب قد تسمّت به، ولم تتسمّ بفقير لتناهي الفقر في سوء الحال، ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل، فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في زيّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حاله لا يَتزيّا بها أحد، قال: ولهذا رَغِبَ الأعرابيّ الذي سأله يونس عن اسم الفقير لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية بالمسكنة، أو أراد أنه ذليلٌ لبعده عن قومه ووطنه، قال: ولا أظنّه أراد إلا ذلك، ووافق قولُ الأصمعيّ، وابنِ حمزة في هذا قولَ الشافعيّ.
وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال
стр. 11529
زيادة الله بن أحمد: الفقير القاعد في بيته، لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. انتهى كلام ابن منظور ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرّر مما لْقدّم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعيّ ﵀: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين هو الأرجح؛ لآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: "الذي لا يجد غنى يُغنيه"، فإنه دالّ على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتّبت المستحقّين لها بالترقّي من الأدنى إلى الأعلى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ (٢) الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابد [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (شَرِيكُ) بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ) الهلالي المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد فاضلٌ، من صغار [٢] (ت ٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ٢٢٦.
стр. 11530
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِنَّمَا الْمِسْكِينُ) وفي نسخة: "إِنَّ الْمِسْكِينَ"؛ أي إن الكامل في المسكنة.
وقوله: (الْمُتَعَففُ) أي الممتنع عن المسألة، بمعنى أنه لا يسأل الناس مع احتياجه تعفّفًا، ولذا أتبعه بقوله: "اقرأوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] " أي إن أردتم أن تعلموا معنى المسكين من كتاب الله تعالى، فاقرءوا هذه الآية.
قال السمين الحلبيّ ﵀: الإلحاف، والإلحاح، واللَّجَاج، والإحفاء، كلّه بمعنًى، يقال: ألحف، وألحّ في المسألة: إذا لجّ فيها، قال: واشتقاقه من اللِّحَاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمّهم، كما يشتمل الفحاف مَنْ تحتَهُ ويُغطّيه، ومنه قول ابن أحمر يَصِفُ ذَكَر نَعَام يَحضُنُ بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف [من الكامل]:
يَظَلُّ يَحُفّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ (١) … وَيُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافًا ثَخِينَا
وقال آخر في المعنى [من الرمل]:
ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ … يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ
أي يُلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء، وقيل: بل اشتقاق اللفظة من لَحْفِ الجبلِ، وهو المكان الخَشِنُ، ومجازه أنّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته، وقيل: بل هي من لَحَفَني فلانٌ: أي أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول.
قال: وفي نصب ﴿إِلْحَافًا﴾ ثلاثة أوجه:
(أحدها): نصبه على المصدر بفعل مقدّر؛ أي يُلحفون إلحافًا، والجملة المقدّرة حالٌ من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾.
(الثاني): أن يكون مفعولًا من أجله: أي لا يسألون لأجل الإلحاف.
(الثالث): أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون مُلحفين.
стр. 11531
وقال أبو عبيدة: انتصب إلحافًا على أنه مصدر في موضع الحال؛ أي لا يسألون الناس في حال الإلحاف، أو مفعولٌ لأجله؛ أي لا يسألون لأجل الإلحاف. انتهى (١).
وقال الحافظ ﵀: وهل المراد نفي المسألة؛ أي لا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصّة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؟ فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أَبُو سألوا لم يسألوا إلحافًا، فلا يستلزم الوقوع. انتهى (٢).
وقال السمين ﵀ واعلم أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، نحو: ما رأيت رجلًا صالحًا، الأكثر على أنك رأيت رجلًا، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلًا البتّة، لا صالحًا، ولا طالحأ، فقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يُلحفون، والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأوّل عندهم، ومثله في المعنى: ما تأتينا، فتحدّثنا، يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدّثهم، ويجوز أنه لا يأتيهم، ولا يُحدّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى السبب، وهو التحديث.
وقد شبّه الزجّاج ﵀ معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس، وهو قوله [من الطويل]:
عَلَى لاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ … إَذَا سَافَهُ الْعَوْدُ النَّبَاطيُّ جَرْجَرَا (٣)
قال أبو حيّان: تشبيه الزجّاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين؛ أي لا سؤال، ولا إلحاف، وكذلك هذا: لا منار، ولا هداية، لا أنه مثله في خصوصيّة النفي؛ إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف، فلا سؤال، وليس
стр. 11532
تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصحّ لا إلحاف فلا سؤال؛ لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العائم، كما لَزِم من نفي المنار نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن أَبُو كان التركيب: "لا يلحفون الناس سؤالًا"؛ لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف؛ إذ نفي العامّ يدلّ على نفي الخاصّ، فتلخص من هذا كله أن نفي الشيئين تارةً تُدخِل حرفَ النفي على شيء، فتنتفي جميعُ عوارضه، وتُنَبِّه على بعضها بالذكر؛ لغرض فا، وتارة تُدخل حرفَ النفي على عارض من عوارضه، والمقصود نفيه، فينتفي لنفيه عوارضه (١).
قال السمين ﵀: قد سبقه ابن عطيّة إلى هذا، فقال: تشبيهه ليس مثله في خصوصيّة النفي؛ لأن انتفاء المنار في البيت يدلّ على نفي الهداية، وليس انتفاء الإلحاح يدل على انتفاء السؤال، وأطال ابن عطيّة في تقرير هذا، وجوابه ما تقذم، من أن المراد نفي الشيئين، لا بالطريق المذكور في البيت، وكان أبو حيان قد قال قبلُ ما حكيته عنه آنفًا: ونظير هذا ما تاتينا فَتُحَدِّثَنا، فعلى الوجه الأول -يعني نفيَ القيد وحده- ما تأتينا محدثًا، إنما تأتي ولا تُحَدِّث، وعلى الوجه الثاني -يعني نفي الحكم بقيده- ما يكون منك إتيان، فلا يكون حديث، وكذلك هذا: لا يقع منهم سؤال البتةَ، فلا يقع إلحاح، ونَبَّهَ على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح؛ لقبح هذا الوصف، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده، ووجود غيره؛ لأنه كان يصير المعنى الأول، وإنما يراد بنفي مثل هذا الوصف نفي المترتبات على المنفي الأول؛ لأنه نَفَى الأولَ على سبيل العموم، فتنتفي مترتباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان، فانتفى الحديثُ، انتفت جميع مترتبات الإتيان، من المجالسة، والمشاهدة، والكينونة في محل واحد، ولكنه نَبَّهَ بذكر مترتب واحد؛ لغرضبى مّا على ذكر سائر المترتبات.
قال: وطريقة أبي إسحاق الزجّاج هذه قد قبلها الناس، ونصروها، واستحسنوا تنظيرها بالبيت، كالفارسيّ، وأبي بكر الأنباريّ، قال أبو عليّ: لم
стр. 11533
يُثبت في قوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ مسألة فيهم؛ لأن المعنى: ليس منهم مسألة، فيكون منهم إلحافٌ، ومثل ذلك قول الشاعر:
لَا يَفْزَعُ الأَرْنَبُ أَهْوَالَهَا … وَلَا تَرَى الضبَّ بِهَا يَنْحَجِرْ
أي ليس فيها أرنبٌ، فيَفْزَع لهولها، ولا ضبّ، فينحجر، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانحجار عن الضبّ.
وقال أبو بكر: تأويل الآية: لا يسألون البتّة، فيُخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يُرجَى خيره؛ أي لا خير عنده البتّة، فيُرجى، وأنشد قول امرئ القيس:
وَصُمٌّ صِلَابٌ مَا يَقِينَ مِنَ الْوَجَى … كَانَّ مَكَانَ الرِّدْفِ مِنْهُ عَلَى رَأْلِ (١)
أي ليس بهنّ وجى، فيشتكين من أجله، وقال الأعشى:
لَا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عنَى شُرْسوفِهِ الصَّفَرُ (٢)
معناه: ليس بساقه أينٌ، ولا وصبٌ، فيغمزها.
وقال الفرّاء قريبًا منه، فإنه قال: نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قَلّما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه.
وجعل أبو بكر الآية عند بعضهم من باب حذف المعطوف، وإن التقدير: لا يسالون الناس إلحافًا، ولا غير إلحاف، كقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد. انتهى كلام السمين ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره السمين ﵀ من كلام أئمة اللغة تحقيقٌ حسن، وخلاصته ترجيح كون معنى الآية نفي الإلحاح والسؤال، فلا سؤال، ولا إلحاح، وهذا هو المعنى الموافق لتفسيره ﷺ المسكين بالمتعفّف،
стр. 11534
أي الممتنع عن السؤال، وقال في الرواية الماضية: "ولا يسأل الناس شيئًا"؛ أي لا يسأل أصلًا.
والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١٦٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل المذكور في السند الماضي، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ، ثقةٌ، من صغار [٢] (ع) تقدم فبم "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٧/ ١٤٩٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ) يعني أن محمد بن جعفر حدث عن شريك بمثل حديث أخيه إسماعيل بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شريك هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٤٥٣٩) - حدّثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثني
стр. 11535
شريك بن أبي نَمِر، أن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ قالا: سمعنا أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبيّ ﷺ : (اليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعَفَّف، واقرءوا إن شئتم؛ يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٦) - (بَابُ بَيَانِ ذَمِّ مَسْأَلةِ النَّاسِ إِلا مِنْ حَاجَةٍ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٦] (١٠٤٠) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَزَالُ المَسْأَلةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو: عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، أخو الزهريّ الإمام، وكان هو الأكبر، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وحنظلة بن قيس الزرَقيّ، وعبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، وأخيه محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، ومولى لأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم.
стр. 11536
ورَوَى عنه أخوه، وابنه محمد بن عبد الله، وبُكير بن الأشج، والنعمان بن راشد، وجماعة.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات لا، وقال أحمد بن صالح: يروي عن الزهريّ، ويروي عنه، وقال خليفة: تُوُفي قبل أخيه، وكذا قال الواقديّ، وزاد: وكان ثقةٌ كثير الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وهو أشبه.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٤٠)، وحديث (١٤٤٨): "إن حمزة أخي من الرضاعة".
٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الخطّاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٢/ ٩٤٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأخو الزهرفي علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أخي الزهريّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا تَزَالُ الْمَسْاَلةُ) أي سؤال الناس المال، والمراد سؤال التكثّر، من غير حاجة، ولا ضرورة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من سأل الناس أموالهم تكثّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلّ، أو ليستكثر".
стр. 11537
(بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى الله) أي حتى يموت، فيلقى الله (وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ") جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و"الْمُزْعَةُ"- بضم الميم، وسكون الزاي، وبالعين المهملة-: القطعة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدثين الضمّ، وقال ابن فارس: بكسر الميم، واقتصر عليه القَزّاز في "جامعه"، وذكر ابن سِيدَهْ الضم فقط، وكذا الجوهريّ، قال: وبالكسر من الرِّيش، والقطن، يقال: مَزَعْتُ اللحمَ: قطعتُهُ قطعة قطعةً، ويقال: أطعمه مُزْعَةً من لحم: أي قطعةً منه.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "مُزْعُة لحم": أي قطعة لحم، ومنه مَزَعَت المرأةُ الصوفَ: إذا قطّعته لتهيّئه للغزل، وتمزعّ أنفه: أي تشقّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: "المسائل كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ، يَخدُشُ بها الرجل وجهه يوم القيامة".
وهذا محمولٌ على كلّ من سأل سؤالًا لا يجوز له. وخصّ الوجه بهذا النوع؛ لأنّ الجناية به وقعت؛ إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرّف به في غير ما سُوّغ له. انتهى (١).
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، فيُحْشَر ووجهه عظم لا لحم عليه؛ عقوبةً له، وعلامة له بذنبه حين طلب، وسأل بوجهه، كما جاءت الأحاديث الأُخَر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالًا منهيًّا عنه، وأكثر منه، كما في الرواية الأخرى: "من سأل تكثرًا"، والله أعلم. انتهى (٢).
وقال الخطابيّ ﵀ يَحْتَمِل أن يكودن المراد أنه يأتي ساقطًا، لا قَدْرَ له، ولا جاه، أو يُعَذَّب في وجهه حتى يسقط لحمه؛ لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء؛ لكونه أذلَّ وجهَهُ بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عَظْمٌ كله، فيكون ذلك شعاره الذي يُعْرَف به. انتهى.
стр. 11538
قال الحافظ ﵀: والأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيده ما أخرجه الطبرانيّ والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا: دالا يزال العبد يسأل، وهو غنيّ حتى يَخْلُق وجهه، فلا يكون له عند الله وجهٌ".
وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء؛ لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم. انتهى.
ومال المهلَّب ﵀ إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السرّ فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره، قال: والمراد به من سال تكثرًا، وهو غنيّ لا تحل له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرّ فذلك مباح له، فلا يعاقب عليه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الحديث على ظاهره -كما رأى المهلّب ﵀ هو الأولى، ولا ينافيه حديث الطبرانيّ والبزّار المذكور؛ لأن المعنى: أنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه، ومع ذلك لا يكون له وجهٌ؛ أي شرحث عند الله تعالى، وقد أورد البخاريّ ﵀ مؤيّدًا حمل الحديث على ظاهره بعد أن أورد حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الشفاعة، فقال: وقال: "إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينا هم كذلك، استغاثوا باَدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ .
وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر: "فيشفع ليُقضَى بين الخلق، فيمشي، حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم". انتهى.
ووجه ذلك أن الشمس إذا دنت يكون مَن لا لحم على وجهه أشدّ تأذّيًا بها من غيره.
والحاصل أن ظاهر الحديث هو المقصود، وبقيّة المعاني لا تنافيه، فيبعث لا لحم على وجهه، ويكون لا قدر له عند الله تعالى، ويعذّب بتساقط لحمه.
стр. 11539
وهذا كلّه فيمن سأل تكثّرًا، وهو غنيّ، لا تحلّ له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرٌّ، فذلك مباحٌ له، فلا يناله الوعيد المذكور؛ للأدلّة الأخرى التي تدلّ على عدم دخوله فيه، كما أشرت إليه سابقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ ذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٣٩٦ و ٢٣٩٧ و ٢٣٩٨] (١٠٤٠)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه " (١١/ ٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه " (٤٢٤)، و (أحمد) في (أمسنده " (١٥/ ٢ و ٨٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط " (١/ ١٠٤ و ٨/ ٣١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ مسألة الناس تكثّرًا، دون ضرورة.
٢ - (ومنها): بيان عقوبة مَنْ أكثر من سؤال الناس، وهو أنه يأتي يوم القيامة، وليس على وجهه قطعة لحم.
٣ - (ومنها): أن يوم القيامة هو يوم وقوع الجزاء الأوفى، من ثواب، أو عقاب.
٤ - (ومنها): ما نَقَل ابن بطال عن المهلَّب، قال: فَهِم البخاريّ أن الذي يأتي يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه للسائل تكثُّراً لغير ضرورة إلى السؤال، ومن سأل تكثرًا فهو غنيّ، لا تحل له الصدقة، وإذا جاء يوم القيامة لا لحم على وجهه، فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: "الشمس تدنو حتى يبلغ الْعَرَق نصف الأذن … "، فَحَذَّر من الإلحاف في المسألة لغير حاجة إليها، وأما من سال مضطرًّا فمباح له ذلك،
стр. 11540
إذا لم يجد عنها بُدًّا، ورَضِي بما قُسِم له، وُيرْجَى أن يؤجر عليها (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ"مُزْعَةُ ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ "مُزْعَةُ") يعني إسماعيل لم يذكر في روايته لفظ "مُزْعة"، هكذا قال المصنّف ﵀، والظاهر أنه لم يقع في روايته، وإلا فالحديث عند الإمام أحمد ﵀ فيه ذكر "مُزعة"، كما يأتي في التنبيه التالي، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن معمر هذه ساقها الإمام أحمد: ﵀، فقال في "مسنده":
(٤٦٢٤) - حدّثني إسماعيل، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهريّ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ﵎، وليس في وجهه مُزْعَة لحم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المنّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي (٢) أَبُو الطاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
стр. 11541
أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ؛ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَل النَّاسَ، حَتى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ (١) في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) يسار أبو بكر الفقيه المصريّ، ثقةٌ عابد [٥] (ت ١٣٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦.
والباقيان ذُكرا قبلًا.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبلًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٩] (١٠٤١) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أوأبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.
стр. 11542
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير، قيل: اسمه هَرِم، وقيل غيره، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه واصل، فما أخرج له البخاريّ، وأما أبو كُريب فممن اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَأَل النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ) أي شيئًا من أموالهم، يقال: سألته الشيءَ، وسألته عن الشيء، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "أموالهم" بدل اشتمال من "الناس"، وقوله: "تكثّرًا" مفعول له، وقد تقرّر عند العلماء أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال، والإكثار منه، لا دفع الحاجة، فيكون مثل هذا المال كنزًا يترتّب عليه قوله: "فإنما يسأل جمرًا"، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله ﴿يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤ - ٣٥] سمّى التكثّر جمرًا؛ لأنه مسبّبٌ عنه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى (١).
стр. 11543
(تَكَثُّرًا) منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي لأجل أن يكثر به ماله، لا لاحتياجه إليه، وقيل: أي بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا) أي قطعة من نار جهنّم؛ يعني أن ما أخذه سبب للعقاب بالنار، وجعله جمرًا للمبالغة، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية؛ أي ما يوجب نارًا في العقبى، ويجوز أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا حقيقةً، ويُكوى به، كما ثبتٌ في مانعي الزكاة (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على ظاهره هو الأشبه بظاهر النصّ، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، والله تعالى أعلم.
(فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ") أي فليستقلّ الجمر، أو ليستكثره، فيكون تهديدًا على سبيل التهكّم، أو فليستقلّ المسألة، فيكون تهديدًا محضًا، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية [الكهف: ٢٩]، قاله الطيبيّ.
وقال في "السبل": قوله: "فليستقلّ" أمر للتهكم، ومثله ما عُطف عليه، أو للتهديد، من باب ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٣٩٩، (١٠٤١)] و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٣٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٨٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٧٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
стр. 11544
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ سؤال الناس أموالهم دون حاجة واضطرار.
٢ - (ومنها): بيان أن هذا الذمّ إنما يلحقه إذا سأل تكثّرًا، لا للضرورة.
٣ - (ومنها): التهديد بأن المال الذي أخذه بهذا السؤال يكون في الآخرة نارًا يُعذّب به.
٤ - (ومنها): بيان أن الأمر والنهي قد يخرجان من معنى الطلب إلى معنى التهديد، فليس في قوله: "فليستقلّ إلخ" إباحة للسؤال، وتخيير فيه، وإنما تهديد لفاعله، كما في قوله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ الآية، فإنه ليس تخييرًا، وإنما تهديد، ولذا قال بعده: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ الآية [الكهف: ٢٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٠] (١٠٤٢) - (حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ (١)، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا أَعْطَاهُ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أفضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هّنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (بَيَان أَبُو بِشْرٍ) هو: بيان بن بِشْر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٧/ ١٨٩١.
стр. 11545
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات بعد (٩٠) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص هـ ٤٧.
وإ أَبُو هُرَيْرَةَ" ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الوحيد الذي تفرّد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة ﵃، قال السيوطيّ: ﵀ في "ألفيّة الحديث":
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِم كَثِيرُ
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَأَنْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسم محذوف. انتهى، و"أن" مصدريّة (يَغْدُوَ) أي يذهب أول النهار، يقال: غدا غُاوًّا، من باب قعد: ذهب (أَحَدُكُمْ) بالرفع على الفاعليّة (فَيَحْطِبَ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول "فيحطب" بغير تاء بين الحاء والطاء في الموضعين، وهو صحيحٌ، وهكذا أيضًا في النسخ: "ويستغني به من الناس" بالميم، وفي نادر منها: "عن الناس بالعين، وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (١).
قال الفيّوميّ ﵀: حَطَبْتُ الْحَطَبَ حَطْبًا، من باب ضَرَبَ: جمعته، واسم الفاعل حاطبٌ، قال: واحتطب مثل حَطَبَ. انتهى (٢).
(عَلَى ظَهْرِهِ) متعلّق بما قبله (فَيَتَصَدَّقَ بِهِ) أي بثمنه بعد بيعه، كما بيّنته
стр. 11546
الرواية التالية: "لأن يغدو أحدكم، فيحطبَ على ظهره، فيبيعه … " (وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ) وفي نسخة: "عن الناس"؛ أي عن سؤالهم، وقوله: (خَيْرٌ لَهُ) خبر قوله: "لأن يغدو"؛ لأنه في تأويل المصدر مبتدأ؛ أي غدُوُّه خيرٌ له.
وقال في "الفتح": ليست "خير" هنا بمعنى أفعل التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصحّ عند الشافعيّة أن سؤال مَن هذا حاله حرام.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميتِهِ الذي يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرّ. انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: لا خير في السؤال، فما وجه هذا الترجيح؟.
[قلت]: يَحْتَمِل وجهين:
[أحدهما]: أن ذلك حيث اضطرّ إلى السؤال بحيث لا يصير فيه ذمّ أصلًا، فتَرْكُه مع ذلك خير من فعله، وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأن من أمكنه الاحتطاب لم يضطرّ إلى السؤال.
[ثانيهما]: أن هذه الصيغة، وهي "خيرٌ" قد تستعمل في غير الترجيح، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤]. انتهى (٢).
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والمراد أن ما يَلْحَق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيويّ خيرٌ له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخرويّ، فعند الحاجة ينبغى أن يختار الأول، ويترك الثاني. انتهى (٣).
وقال في "حاشيته على صحيح مسلم": قوله: "خير له … إلخ"؛ أي أَبُو فُرض في السؤال خيريّة لكان هذا خيرًا منه، والا فمعلومٌ أنه لا خيريّة في السؤال. انتهى (٤).
(مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا) أي من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل الشخص،
стр. 11547
فسؤال المرأة مثل سؤال الرجل (أَعْطَاهُ) جملة في محلّ نصب نعت و"رجلًا"؛ أي أعطاه مسؤوله، فحَمّله ثقل المنّة، ومذلّة المسألة (أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ) أي منعه ذلك الذي سأله، فاكتسب الذلّ والهوان، والخيبة، والحرمان؛ يعني أن الإعطاء، والمنع سيّان في كون الاحتطاب خيرًا له، ثمّ علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي لأن (الْيَدَ الْعُلْيَا) هي المنفقة، أو هي المتعفّفة، والأول أصحّ، كما تقدّم بيانه (أفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هي السائلة (وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ") أي ابدأ في الإنفاق بإعطاء الشخص الذي يلزمك إنفاقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وهو متّفق عليه بالسياق الآتي بعد حديث.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٤٥٠ و ٢٤٠١ و ٢٤٠٢] (١٤٠١)، و (البخاريّ) في " البيوع " (٢٠٧٤) و"الشرب" (٢٣٧٤)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٨٠)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٨٥ و ٢٥٨٩) و"الكبرى" (٢٣٦٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٨٨٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ السؤال، وأنه من أقبح الخصال، ولولا قبحه في نظر الشرع لم يفضّل عليه امتهان المرء نفسه في طلب الرزق، وذلك لما يدخل على السائل من ذلّ السؤال، ومن ذلّ الردّ؛ إذا لم يُعط، ولمَا يدخل على المسؤول من الضيق في ماله، إن أَعطَى كلّ سائل.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" حدّ الغنى الذي يمنع من أخذ الزكاة، ومن سؤال الناس، واختلاف العلماء فيه، فراجعه تستفد (١)، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 11548
٢ - (ومنها): جواز الحلف لتقوية الأمر، وتأكيده (١).
٣ - (ومنها): الحثّ على طلب الرزق، وارتكاب المشقّة في ذلك، ولو أدّى ذلك إلى امتهان المرء نفسه.
٤ - (ومنها): ترجيح الاكتساب على السؤال، ولو كان بعمل شاقّ كالاحتطاب، ولو لم يَقدِر على بهيمة يَحْمِل الحطب عليها، بل حمله على ظهره، وذكر ابن عبد البرّ، عن عمر ﵁، قال: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس.
٥ - (ومنها): الحضّ على التعفّف عن المسألة، والتنزّه عنها.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال، يتنزّهون عن السؤال، ولقد أحسن أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان العبديّ الفقيه المالكي حيث يقول:
الْتَمِسِ الأَرْزَاقَ عِنْدَ الَّذِي … مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِ
مَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ عَنْ سُؤلِهِ … جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنِ الطَّالِبِ
وَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ … بِغَيْرِ تَوْقِيع إِلَى كَاتِبِ
ومن أحسن ما قيل نظمأ في الرضى والقناعة، وذمّ السؤال قولُ بعض الأعراب [من الطويل]:
عَلَامَ سُؤَالُ النَّاسِ وَالرِّزْقُ وَاسِعُ … وَأَنْتَ صَحِيحٌ لَمْ تَخُنْكَ الأَصَابعُ
وَللْعَيْشِ أَوْكَارٌ وَفِي الأرْضِ مَذْهَبُ … عَرِيضٌ وَبَابُ الرِّزْقِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ
فَكُنْ طَالِبًا لِلرِّزْقِ مِنْ رَازِقِ الْغِنَى … وَخَلِّ سُؤَالَ النَّاسِ فَاللهُ صَانِعُ
وقال مسلم بن الوليد [من الطويل أيضًا]:
أَقُولُ لِمَأفُونِ (٢) الْبَدِيهَةِ طَائِر … مَعَ الْحِرْصِ لَمْ يَغْنَمْ وَلَمْ يَتَمَوَّلِ
سَلِ النَّاسَ إِني سَائِلُ اللهِ وَحْدَهُ … وَصَائِنٌ عِرْضِي عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ فُلِ
وقال عُبيد بن الأبرص:
مَنْ يَسْلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ … وَسَائِلُ اللهِ لَا يَخِيبُ
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": في "صحيح البخاريّ"، عن المقدام بن معد يكرب ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما أكل أحد قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". قال النوويّ: فالصواب ما نصّ عليه رسول الله ﷺ ، وهو عمل اليد، فإن كان زرّاعًا، فهوأطيب المكاسب، وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكّلًا، كما ذكره الماورديّ؛ ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين، والدوابّ، وأنه لا بدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه، فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لما ذكرناه.
وقال في "الروضة" -بعد ذكره الحديث المتقدّم-: فهذا صريحٌ في ترجيح الزراعة، والصناعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدميّ وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم.
قال وليّ الدين ﵀: وغاية ما في حديث الباب تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليمس فيه أنه أفضل المكاسب، فلعفه ذكره لتيسّره، ولا سيّما في بلاد الحجاز؛ لكثرة ذلك فيها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): حديث الباب يدلّ أيضًا على جواز الاكتساب بالمباحات، كالحطب، والحشيش النابتين في موات.
واستدلّ به المهلّب على جواز الاحتطاب، والاحتشاش من الأرض المملوكة، حتى يمنع من ذلك مالك الأرض، فترفع حينئذ الإباحة.
قال وليّ الدين: وهو مردود، فإن النبات في الأرض المملوكة ملك لمالكها، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه.
ثم حَكَى المهلّب عن ابن الموّاز أنه حَكَى عن ابن القاسم، عن مالك، قال: كانت له أرض يملكها، ليست بأرض خربة، فإن أراد أن يبيع ما ينبت فيها من المراعي بعد طيبهن أنه لا بأس به، وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزقٌ مِن رزقِ الله تعالى، ولا يحلّ لربّ الأرض أن يمنع منه أحدًا، لقوله ﷺ :
стр. 11551
"لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ"، ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله ﷺ : لا حِمَى إلا لله، ولرسوله"، وقال الكوفيّون كقول أشهب. قاله في "طرح التثريب " (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك ﵀ هو الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن أصحاب المواشي، حتى لا يترّتب على منعه منع الكلأ المباح؛ لأنهم إذا لم يجدوا ماء لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلأ، وليس المراد منع الكلأ المملوك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ ﷺ في قوله في رواية مسلم: "فيتصدّق، ويستغني من الناس"، كذا في أكثر نسخ "صحيح مسلم" بالميم، وفي بعضها "عن الناس" بالعين. قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أشار في رواية المصنّف هذه إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على السؤال، وهي أن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عُلْيا، إن تصدّق، وكذا إن لم يتصدّق، وفسرنا العليا بالمتعفّفة عن السؤال، فقد يُستدلّ بهذا على ترجيح الرواية التي فيها "اليد العليا هي المتعفّفة"؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن تبيّن برواية المصنّف أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب مكتفِ، يسأل تكثّرًا، قاله وليّ الدين ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم سؤال الناس:
ذكر الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة، وقال
стр. 11552
أبو بكر ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجب في موضع جائز في آخر حرام في آخر مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء، وجرياً على عادة الله في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا، وهما من الله تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم:
لَمَالُ الْمَرْءَ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ (١) أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ
قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسَال تكثّرًا، ثم قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن يُعينه، وُيبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من بيان حال السائل، كما كان النبيّ ﷺ يسأل لغيره. انتهى.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضخ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما النبيّ ﷺ في حديث سمرة ﵁ بقوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه"، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه الله عليها ليبيّن لموسى ﵇ ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث. انتهى كلام العراقيّ منقولًا من "طرح التثريب" (٢).
стр. 11553
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول أبي بكر ابن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر إلخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذّب النفوس إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ومخالفة الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه ﷺ أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؛ وهل الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا؛ وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب، ومن الغريب أن العراقيّ اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم.
فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما شرعه العليم الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهادي الخلق إلى الخلّاق.
وبالجملة فالنجاة كل النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع هدي الرسول ﷺ الذي قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة التي لا بدّ منها، وأما ذو الرحم، فلِمَا ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل، ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرُخّص في سؤاله، وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسيّ الذي أخرجه النسائيّ ﵀.
стр. 11554
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تخصيص هذين القسمين نظر؛ إذ الأول يحتاج لدليل يخصّصه من عموم النهي عن السؤال كالقسمين الأولين، وما استدلّ به بعيد عن هذا، وأما الثاني فحديثه لا يصحّ (١)، كما بيّنته في "شرح النسائيّ"، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وحيث جاز السؤال، فيجتنب فيه الإلحاف، والسؤال بوجه الله تعالى، لما في سنن أبي داود، من حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنّة" (٢). قال: ومع ذلك فينبغي إعطاؤه، ما لم يسأل ممتنعًا؛ لما روى الطبرانيّ في "معجمه الكبير" من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ بماسناد حسن، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، فمنع سائله، ما لم يسأل هُجْرًا" (٣). انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَذَثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أتيْنَا أَنجا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ (٥) عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهُ "، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِبثِ بَيَانٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
стр. 11555
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ) هكذا عند المصنّف لرواية إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: "لأن يغدو … إلخ"، والذي في "مستخرج أبي نعيم": "لأن يَعْمِدَ أحدكم … إلخ"، وظاهر قول المصنّف ﵀: "بمثل حديث بيان" يدلّ على أن التفاوت بين النصّين في زيادة قوله: "فيبيعه" فقط، لا في لفظ "يغدو"، و"يعمد"، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن أبي خالد.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٠٩) فقال:
(٢٣٢٤) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا مسلم بن محمد بن أحمد، ثنا مسلم الدهان، ثنا إسحاق بن خيرويه، ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو مالك عمرو بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لأَنْ يَعْمِد أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، فيستغني خير من أن يأتي رجلًا يسأله، يمنعه أو يؤتيه، ذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". انتهى.
وقد ساقها الأمام أحمد ﵀ في "مسنده"، مطوّلة، فقال:
(٩٧٩٦) - حدّثنا يحيى، عن إسماعيل؛ يعني ابن أبي خالد، قال: حدّثني قيس بن أبي حازم، قال: أتينا أبا هريرة نُسَلِّم عليه، قال: قلنا: حدِّثنا، فقال: صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني فيهنّ، ولا أحب إلي أن أَعِي ما يقول رسول الله ﷺ يهن، وإني رأيته يقول بيده: "قريب بين يدي الساعة، تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وتقاتلون قومًا صغار الأعين، حُمْر الوجوه، كانها الْمَجَانُّ الْمُطْرَقة، والله لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، وششغني به، ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلًا، فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى،