رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وزُهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وابن نمير كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) -بفتح العين، والراء المهملتين، وبالضاد المعجمة-: متاع الدنيا، وحُطامها، من أيّ نوع كان، سُمِّي بذلك؛ لزواله، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، وفي الحديث: "الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منه البرّ والفاجر"، وأما العَرْض بإسكان الراء، فهو ما عدا النقد، والنقدُ هو الدراهم والدنانير، قاله أبو زيد، والأصمعيّ، وغيرهما، وقال أبو عبيد: العَرْض: المتاع الذي لا يدخله كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": وأما العَرَض فهو ما يُنتفَع به، من متاع الدنيا، ويُطلق
стр. 11622
بالاشتراك على ما يقابل الجوهر، وعلى كل ما يَعْرِض للشخص، من مرض ونحوه.
وقال أبو عبد الملك البونيّ فيما نقله ابن التين عنه قال: اتَّصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: العرض بتحريك الراء: الواحد من العُرُوض التي يُتَّجَر فيها، قال: وهو خطأ، فقد قال الله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]، ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يَعْرِض فيه، وليس هو أحد العروض التي يُتَجَر فيها، بل واحدها عَرْض بالإسكان، وهو ما سوى النقدين.
وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة، وهي ما سوى الحيوان والعقار، وما لا يدخله كيل ولا وزن، وهكذا حكاه عياض وغيره.
وقال ابن فارس: العرض بالسكون: كلُّ ما كان من المال غير نقد، وجمعه عُرُوضٌ، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأنفال: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]. انتهى (١).
[تنبيه]: "عن كثرة العرض" "عن" هنا سببيّة، قاله في "الفتح"، وقال في "الطرح": "عن" هنا يَحْتَمِل معناها أوجهًا:
[أحدها]: أن تكون للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]؛ أي ليس عِلّيّة الغنى وسببه كثرة العرض.
[ثانيها]: أن تكون للظرفية؛ أي ليس الغنى في كثرة العرض.
[ثالثها]: أنها بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي بالهوى؛ أي ليس الغنى بكثرة العرض. انتهى (٢).
(وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ") معنى الحديث: ليس الغنى الحقيقيّ المعتبر من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس، وعدم الحرص على الدنيا، ولهذا
стр. 11623
ترى كثيرًا من المتموِّلين فقير النفس، مجتهدًا في الزيادة، فهو لشدّة شَرَهِهِ، وشدّة حِرْصه على جمعه، كانه فقيرٌ، وأما غنى النفس، فهو من باب الرضا بقضاء الله؛ لعلمه أن ما عند الله لا ينفد، قاله في "العمدة" (١).
وقال النوويّ ﵀: معنى الحديث: الغنى المحمود غنى النفس، وشِبَعُها، وقلّة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن من كان طالبًا للزيادة لم يستغن بما معه، فليس له غنى، وسبقه القاضي عياض ﵀ إلى ذلك، ثم حَكَى عن الإمام المازريّ أنه قال: يَحْتَمِل أن يريد الغنى النافع، والذي يَكُفّ عن الحاجة، وليس ذلك على ظاهره؛ لأنه معلوم أن كثير المال غنيّ. انتهى.
وحاصل هذا إثبات الغنى لغنيّ النفس، والمبالغة فيه، حتى ينفي الغنى عمن فقده، وإن كثر ماله، مع أنه غنيّ بالحقيقة، لكنه نُفِي لانتفاء ثمرته، فإنه وإن وجد الغنى بالمال مع الحرص، فهو غير محمود، ولا نافع، كما يُسَمَّى العالم الذي لا يعمل بعلمه جاهلًا؛ لانتفاء ثمرة العلم في حقه، والله أعلم (٢).
وقال في "الفتح" عند قوله: "إنما الغنى غنى النفس" ما نصّه: في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، عند أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما: "إنما الغنى في النفس"، وأصله في مسلم، ولابن حبان من حديث أبي ذرّ ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذرّ أترى كثرة المال هو الغنى؟ " قلت: نعم، قال: "وترى قلة المال هو الفقر؟ " قلت: نعم يا رسول الله، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب".
قال ابن بطال ﵀: معنى الحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسّع الله عليه في المال، لا يقنع بما أُوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه؟ فكأنه فقيرٌ؛ لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقَنِعَ به، ورَضِي، ولم يَحْرِص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني.
وقال القرطبيّ ﵀: معنى الحديث: إن الغِنَى النافعَ، أو العظيم، أو
стр. 11624
الممدوح، هو غِنَى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كَفَّت عن المطامع، فَعَزَّت، وعَظُمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله مَن يكون فقير النفس؛ لحرصه، فإنه يُوَرّطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته، وبخله، ويكثر من يذمّه من الناس، ويَصْغُر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يُلِحّ في الطلب، ولا يُلْحِف في السؤال، بل يرضى بما قَسم الله له، فكأنه واجد أبدًا، والمتصف بفقر النفس على الضدّ منه؛ لكونه لا يقنع بما أُعطِي، بل هو أبدًا في طلب الازدياد، من أيّ وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حَزِن وأَسِف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أُعطِي، فكأنه ليس بغنيّ.
ثم غِنَى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو مُعْرِض عن الْحِرْص والطلب وما أحسن قول القائل [من الطويل]:
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ منْ سَدِّ حَاجَةٍ … فَإِنْ زادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا
وقال الطيبيّ ﵀: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل [من الطويل]:
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ … مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ
أي ينبغي أن يُنفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال، فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرًا. انتهى.
وهذا وإن كان يمكن أن يراد، لكن الذي تقدَّم أظهر في المراد، وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب، بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، فيتحقق أنه المعطي المانع، فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويَفْزَع إليه في كشف ضَرَّائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى، والغنى الوارد في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨] يتنزل على غنى النفس، فإن الآية مكية، ولا يَخْفَى ما كان فيه النبيّ ﷺ قبل أن تُفْتَح عليه خيبر وغيرها، من قلة
стр. 11625
المال، والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٢٤٢٠] (١٠٥١)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٤٦)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٧٣)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (١٣٨٦١)، و (النسائيّ) في "الرقاق" من "الكبرى" (١١٧٨٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢/ ٤٥٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٠٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٣٣ و ٤٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
٢ - (ومنها): بيان انقسام الغنى إلى قسمين: غنى قلبيّ، وغني ماليّ، ولا ينفع هذا إلا من كان عنده الأول.
٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى المعنى المراد بالحياة الطيّبة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية [النحل: ٩٧]، فليست الحياة الطيّبة بكثرة المال والجاه، وإنما هي بحياة القلب، وغناه بربّه، واطمئنانه بذكره، وعدم الالتفات إلى ما سواه إلا ما كان طاعة لله ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الفهم الدقيق لمراد الشارع الحكيم، فلذا تقرأ في سيرهم وتراجمهم
стр. 11626
شدّة حذرهم من الدنيا، والتقلّل منها، وزهدهم فيها؛ لعلمهم أن كثرتها يُفسد قلوبهم، ويورثهم فقرًا أبديًّا، ومن فتح الله عليه منهم الدنيا تراه يبذلها، وينفقها في وجوه الخير، ولا يدّخر لنفسه، ولا لأهله إلا ما لا بدّ له منه، ولقد مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهوديّ بسبب طعام أخذه لأهله، مع أن الله تعالى فتح عليه خيبر وغيرها من البلدان، ولكنه أنفق ذلك في سبيل الله تعالى، اللهم ارزقنا اتّباع سنّته، وأحينا، وأمتنا، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، إنك سميعٌ قريب مجيب الدعوات، برحمتك يا أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤١) - (بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الذُنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢١] (١٠٥٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثنا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "لَا وَاللهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟! قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ (١) خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثَلَطَتْ، أَوْ بَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، فَعَادَتْ، فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ، يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ").
стр. 11627
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام الفقيه المصريّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) واسم أبيه كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وذلك أن الظاهر أن يحيى أخذه من الليث قراءة، ولذا قال: أخبرنا الليث بن سعد، ونسبه أيضًا إلى أبيه، وقتيبة أخذه سماعًا، ولذا قال: حدّثنا ليثٌ، ولم ينسبه إلى أبيه، وقد أسلفت هذا غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "وتقاربا في اللفظ"، وذلك إشارة إلى القاعدة المعروفة عند المحدّثين، وهي أنه إذا روى عن شيخين، فأكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو هذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، فمان لم يخص، فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، قالا: حدّثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل: تقاربا فلا بأس به، على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به البخاريّ، أو غيره، قاله النوويّ في "التقريب" (١).
стр. 11628
وإلى ذلك أشرت بقولي:
وَلَوْ رَوَى عَنِ الشُّيُوخِ مَا اتَّفَقْ … مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَلَفْظُهُ افْتَرَقْ
يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي السَّنَدِ … وَيُورِدُ الْمَتْنَ بِلَفْظِ وَاحِدِ
مُبَيِّنًا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَجْمَلَهْ … مَعَ إِشَارَةِ للْمُرَادِ جَازَ لَهْ
فَقَالَ "قَدْ تَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ" أَوْ … "واتَّحَدَ الْمَعْنَى" فَحَقِّقْ مَا رَأَوْا
وَكَانَ ذَا رِوَايَةً بِالْمَعْنَى … وَتَرْكُهُ "تَقَارَبَا" فِي الْمَبْنَى
لَا بَأْسَ كَالْمَاضِي وَإِنْ عِيبَ بِهِ … مِثْلُ الْبُخَارِيِّ الإِمَامِ النَّبِهِ (١)
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من المقبريّ، والليث مصريّ، ويحيى نيسابوريّ، وقتيبة بَغْلانيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ﵁ صحابيّ ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ) القرشيّ العامريّ المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي الرواية الآتية من رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد "قال: "جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم … " (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "لَا وَاللهِ مَا) نافية مؤكّدة لـ "لا" فُصل بينهما بالقسم (أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّا مَا يُخْرِجُ) بضمّ أوله، من الإخراج (اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا") بيان لـ "ما"، قال في "اللسان": وزَهْرة الدنيا -بفتح الزاي، وسكون الهاء، وفتحها-: حُسنها، وبَهْجتها، وغَضَارتها، وفي التنزيل العزيز: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]، قال أبو حاتم السجستانيّ: زَهَرة الدنيا -بالفتح-، وهي قراءة العامّة بالبصرة، قال:
стр. 11629
وزَهْرة هي قراءة أهل الحرمين، وأكثر الآثار على ذلك. انتهى (١).
وقال في "الفتح": "الزهرة" -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وقد قُرئ في الشاذّ عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثلُ جَهْرَة، وجَهَرَة، وقيل: بالتحريك جمع زاهر، كفاجر وفَجَرَة، والمراد بالزهرة الزينة، والبهجة، كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زَهْرة الشجر، وهو نَوْرُها -بفتح النون- والمراد ما فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزرع، وغيرهما مما يفتخر الناس بحسنه مع قلّة البقاء. انتهى (٢).
(فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) وفي رواية مالك التالية: "وهل يأتي الخير بالشرّ؟ "، وفي رواية هلال بن ميمونة الآتية: "أوَ يأتي الخير بالشرّ؟ " بفتح واو "أَوَ"، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على مقدّر؛ أي أتصير النعمة عقوبة؟؛ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمةً؟، وهو استفهام استرشاد، لا إنكار، والباء في قوله: "بالشرّ" صلة ليأتي؛ أي هل يستجلب الخيرُ الشرّ؟ (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وهل يأتي الخير بالشرّ؟ " سؤالُ مَنِ استبعد حصول شرّ من شيء سمّاه رسول الله ﷺ "بركات"، وسمّاه خيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] وشِبْهِهِ مما سُمّي المال فيه خيرًا، فلما فَهِم ﷺ سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد أن الخير الذي هو المال قد يَعرِض له أن يحصل عنه شرّ؛ إذا تعدّى به حدّه، وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: "أَوَ خيرٌ هو؟ " -بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحةِ على الرواية الصحيحة- مُنكِرًا على من توهّم أنه يحصل منه شرّ أصلًا، لا بالذات، ولا بالْعَرَض. انتهى (٤).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أوَ يأتي الخير بالشرّ؟ " الاستفهام فيه استرد منهم، ومن ثَمَّ حَمِدَ ﷺ السائل، والباء في "بالشرّ" صلة "يأتي"؛ يعني هل
стр. 11630
يَستجلِب الخيرُ الشرَّ؟ وجوابه ﷺ بـ"لا يأتي الخير بالشرّ" معناه: لا يأتي الخير بالشرّ، ولكن قد يكون سببًا له، ومؤدّيًا إليه، فإن الربيع قد يُنبت أحرار العُشب والكلأ فهي كلّها خير في نفسها، وإنما يأتي الشرّ من قِبَل الآكل، فمن آكلٍ مستلذّ مفرطٍ منهمك فيها بحيث تنتفخ فيه أضلاعه، وتمتلئ خاصرتاه، ولا يُقلع عنه، فيُهلكه سريعًا، ومن آكلٍ كذا فيُشرفه إلى الهلاك، ومن آكلٍ مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، لكنه يتوخّى إزالة ذلك، ويتحيّل في دفع مضرّتها حتى ينهضم ما أكل، ومن آكلٍ غير مفرط، ولا مسرف، يأكل منها ما يسُدّ جَوْعته، ولا يُسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه.
الأول مثال الكافر، والثاني مثال المؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي، والثالث مثال المقتصد، والرابع مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة. انتهى كلام الطيبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(فَصَمَتَ) أي سكت، يقال: صَمَتَ صَمْتًا، من باب نصر: إذا سكت، وصُمُوتًا، وصُمَاتًا، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استُعمل الرباعيّ لازمًا أيضًا (١). (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بالرفع على الفاعليّة (سَاعَةً) أي قدرًا قليلًا من الزمن، وإنما سكت ﷺ منتظرًا للوحي، كما يدلّ عليه قوله في الرواية الثالثة: "ورُئينا أنه يُنزَل عليه، فأفاق يمسح الرُّحَضَاء" (ثُمَّ قَالَ) ﷺ مستثبتًا لما قاله الرجل ("كَيْفَ قُلْتَ؟ " قَالَ) الرجل (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) وفي رواية مالك التالية: "قال: لا يأتي الخير إلا بالخير"، وكرّره ثلاث مرّات.
قال في "الفتح": ويؤخذ منه أن الرزق ولو كَثُر فهو من جملة الخير، وإنما يَعرِض له الشرّ بعارض البخل به عمن يستحقّه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يُشْرَع، وأن كلّ شيء قَضَى الله أن يكون خيرًا، فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يُخْشَى على من رُزِق الخير أن يَعرِض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ. انتهى.
стр. 11631
(أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) ووقع في مرسل سعيد المقبريّ، عند سعيد بن منصور: "أو خيرٌ هو؟ " مكرّرًا ثلاث مرّات، وهو استفهام إنكار؛ أي إن المال ليس خيرًا حقيقيًّا، وإن سُمّي خيرًا؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يَعْرِض له من الإنفاق في الحقّ، كما أنّ الشرّ الحقيقيّ فيه ما يَعرِض له من الإمساك عن الحقّ، والإخراج في الباطل، وما ذُكر في الحديث بعد ذلك من قوله: "وإن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة" كضرب المثل بهذه الجملة. انتهى (١).
(إِنَّ كُل مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) -بفتح الراء، وكسر الموحّدة-: قيل: هو الفصل المشهور بالإنبات، وقيل: النهر الصغير المنفجر عن النهر الكبير.
وقال القرطبيّ. الْجَدْوَل الذي يُسقَى به، والجمع أربعاء، والجدول: النهر الصغير الذي ينفجر من النهر الكبير.
وقال في "المصباح": والرَّبِيع الجدولُ، وهو النهر الصغير، قال الجوهريّ: وجمع ربيع أَرْبِعَاءُ، وأَرْبِعَةٌ، مثلُ نصيبٍ، وأنصباءَ، وأنصبةٍ، وقال الفرّاء: يُجمع رَبيع الكلإِ، وربيع الشهور أَرْبِعَةً، وربيع الجدول أَرْبِعَاء، ويصغّر رَبيع على رُبَيِّعٍ، وبه سمّيت المرأة، ومنه الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى الربيع: المطر النازل في وقت الربيع، ففي "اللسان": والرَّبيع أيضًا لمطر الذي يكون في الربيع. انتهى.
[تنبيه]: لفظ هذه الرواية "إن كلَّ ما يُنبت الربيع"، ولفظ الرواية التالية: "إن كلّ ما أنبت الربيع"، هاتان الروايتان محمولاتان على الرواية الثالثة بلفظ: "وإن مما يُنبت الربيع"، فتقدّر فيهما "من"، فهو من باب: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أفاده النوويّ ﵀. انتهى (٢).
وجعل في "الفتح" "مِن" في قوله: "مما ينبت" للتكثير، لا للتبعيض ليوافق رواية: "كلّ ما أنبت".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره النوويّ من حمل رواية "كلّ" على رواية "مما"، من كون المقصود هنا التبعيض أوضح مما قاله في "الفتح"، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
стр. 11632
وإسناد الإنبات إلى الربيع مجازيّ؛ إذ المنبت في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا الكلام كلّه وقع كالمثل للدنيا، وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبريّ (١).
(يَقْتُلُ حَبَطًا) -بفتح الحاء المهملة، والموحّدة، والطاء المهملة أيضًا-: هو انتفاخ البطق من كثرة الأكل، يقال: حَبِطَتِ الإبلُ تَحْبَطُ حَبَطًا، من باب تَعَبَ: إذا أصابت مَرْعًى طيّبًا، فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ، فتموت، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العشب، فتستكثر منها الماشية (٢).
قال في "الفتح": وروي بالخاء المعجمة، من التخبّط، وهو الاضطراب، والأول المعتمد. انتهى.
(أَوْ يُلِمُّ) بضم أوله، وكسر ثانية، من الإلمام، وهو القرب؛ أي يقارب القتل.
(إِلَّا) -بكسر الهمزة، تشديد اللام- على الاستثناء، وهذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، من أهل الحديث، واللغة، وغيرهم، قال القاضي عياض: ورواه بعضهم "أَلَا" بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، على الاستفتاح (٣).
(آكِلَةَ الْخَضِرِ) -بالمدّ، وكسر الكاف- بصيغة اسم الفاعل، منصوب على الاستثناء المتّصل، والمستثنى منه محذوف؛ أي يَقْتُلُ كلَّ آكلة، إلا آكلة الْخَضِر، ويَحْتَمِل أن يكون الاستثناء منقطعًا، بمعنى "لكن"، و"آكلة" مبتدأ محذوف الخبر؛ أي لكن آكلة الْخَضِر تنتفع بأكلها، فإنها تأخذ الكلأ على الوجه الذي ينبغي.
وأما ما قاله بعضهم من أن الاستثناء مفرغّ في الإثبات، فضعيف؛ لأن الاستثناء المفرّغ لا يقع في الإثبات، إلا على رأي ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال في "الكاشف": قال البيضاويّ: والاستثناء مفرغّ، و"آكلةَ" منصوب على أنه مفعول "يَقْتُلُ"، والأصل: إن مما يُنبت الربيع ما يَقْتُلُ آكله إلا آكل
стр. 11633
الخَضِرِ على هذا الوجه، وإنما صحّ الاستثناء المفرَّغ من الْمُثْبَت؛ لقصد التعميم فيه، ونظيره: قرأت إلا يوم كذا.
قال الطيبيّ: وعليه ظاهر كلام المظهر، والأظهر أن الاستثناء منقطع؛ لوقوعه في الكلام المثبَت، وهو غير جائز عند صاحب "الكشّاف" إلا بالتأويل، ولأن ما يَقتُلُ حَبَطًا بعض ما يُنبت الربيع؛ لدلالة "من" التبعيضيّة عليه، والتقسيم في قوله: "إلا آكلة الخَضِرِ"؛ لأن الخَضِر غير ما يَقتُلُ حَبَطًا، يشهد له ما في "شرح السنّة". انتهى (١).
و"الخَضِرُ" بفتح الخاء، والضاد المعجمتين، وكذا لأكثر رواة البخاريّ، وهو ضرب من الكلأ، يُعجب الماشية، وواحده خَضِرَة، وفي رواية الكشميهني: "خُضْرَة" بضمّ الخاء، وسكون الضاد، وزيادة الهاء في آخره، وفي رواية السرخسيّ: "الخَضْرَاء" بفتح أوّله، وسكون ثانية، وبالمدّ، ولغيرهم: "خُضَر" بضمّ أوله، وفتح ثانية، جمع خُضْرَة، أفاده في "الفتح".
وقال الطيبيّ ﵀: "الخضر" بكسر الضاد: نوع من البقول ليس من أحرارها وجيّدها، وإنما ترعاه المواشي إذا لم تجد سواه، فلا تكثر من أكله، ولا تستمرئ به. انتهى (٢).
وقوله: (أَكَلَتْ) حال بتقدير "قد"، وفي رواية مالك التالية: "فإنها تأكل"، وفي رواية هلال الثالثة: "فإنها أَكَلَت" (حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ) وفي نسخة: "حتى امتلأت"، وفي رواية مالك: "حتى إذا امتدّت" (خَاصِرَتَاهَا) تثنية خاصرة، بخاء معجمة، وصاد مهملة: وهما جانبا البطن، من الحيوان، وفي رواية الكشميهني: "خاصرتها" بالإفراد، والمعنى: حتى إذا شَبِعَت (اسْتَقْبَلَتِ) وفي رواية للبخاريّ: "أتت" (الشَّمْسَ) وفي رواية هلال: "استقبلت عين الشمس"، وقوله: (ثَلَطَتْ) جواب الشرط، وفي رواية هلال: "فثلطت" بالفاء، وهو بمثلّثة، ولام مفتوحتين، ثم طاء، من باب ضَرَب، كما تفيده عبارة "القاموس"، وضبطها ابن التين: بكسر اللام: أي ألقت ما في بطنها رقيقًا، وقال النوويّ:
стр. 11634
الثَّلْط (١)، وهو الرجيع الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل، والبقر، والفيلة. انتهى.
(أَوْ بَالَتْ) وفي رواية هلال: "وبالت" بالواو، وهي واضحة، ويَحْتَمِل أن تكون "أو" هنا بمعنى الواو، ويبعد كونها للشك (ثُمَّ اجْتَرَّتْ) بالجيم؛ أي استرفعت ما أدخلته في كَرْشها من العَلَف، فأعادت مَضْغَه، قال النوويّ: قال أهل اللغة: الجِرَّة بكسر الجيم: ما يُخرجه البعير من بطنه ليمضعه، ثمّ يبلعه، والقصع: شدّة المضغ. انتهى.
(فَعَادَتْ) أي إلى الأكل، وفي رواية مالك: "ثم عادت" (فَأَكَلَتْ) وفي رواية هلال: "ثُمَّ رَتَعَتْ" يقال: رَتَعت الماشيةُ، من باب نفع، رُتُوعًا: رَعَت كيف شاءت. قاله في "المصباح".
والمعنى: أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت، تحيّلت في دفعه، بأن تجترّ، فيزداد نُعُومةً، ثم تستقبل الشمس، فتَحْمَى بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ، فسَلِمَت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا.
وقال الأشرف: في قوله: "حتى امتدّت خاصرتاها استقبلت عين الشمس" أن المقتصد المحمود العاقبة، وإن جاوز حدّ الاقتصاد في بعض الأحيان، وقرُب من الإسراف المذموم؛ لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان، وهو المعنى بقوله: "أكلت حتى امتدّت خاصرتاها"، لكنه يرجع عن قريب عن الحدّ المذموم، ولا يثبُت عليه، بل يلتجئ إلى الدلائل النيِّرة، والبراهين الواضحة الدافعة للحرص المهلك القامعة له، وهو المدلول عليه بقوله: "استَقْبَلتْ عين الشمس، وثَلَطَتْ، وبالت"، فحذف ما حذف في المرّة الثانية؛ لدلالة ما قبلها عليه، وفيه إشارة إلى أن المحمود العاقبة، وإن تكرّر منه الخروج عن حدّ الاقتصاد، والقرب من حدّ الإسراف مرّة بعد أولى، وثانية بعد أخرى؛ لغلبة الشهوة عليه، وقوّتها فيه، لكنه يمكن أن يبعد بمشيئه الله تعالى عن الحدّ المذموم الذي هو الإسراف، ويقرب من الاقتصاد الذي هو الحدّ المحمود.
قال الطيبيّ ﵀: فعلى هذا الاستثناءُ متّصلٌ، لكن يجب التأويل في
стр. 11635
المستثنى، والمعنى: أن من جملة ما يُنبت الربيع شيئًا يَقتُل آكله إلا الْخَضِرَ منه إذا اقتَصَدَ فيه آكله، ودَفَع ما يؤدّيه إلى الهلاك. انتهى (١).
[تنبيه]: قال الأزهريّ ﵀: وأما قول النبيّ ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يَقتُلُ حَبَطًا، أو يُلمّ"، فإن أبا عُبيد فَسّر الْحَبَط، وترك من تفسير هذا الحديث أشياء، لا يستغني أهل العلم عن معرفتها، فذكرتُ الحديث على وجهه لأفسّر منه كلّ ما يُحتاج من تفسيره، ثمّ أورد الحديث بتمامه، ثم قال: وإنما تقصّيت رواية هذا الخبر؛ لأنه إذا بُتِرَ استَغْلَق معناه، وفيه مثلان: ضَرَب أحدَهما للْمُفْرِطِ في جمع الدنيا، مع منع ما جَمَع من حقّه، والمثل الآخر ضربه للمقتصد في جمع المال، وبذله في حقّه.
فأما قوله ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا"، فهو مثل الحريص، والْمُفْرِط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العُشْب التي تَحْلَوْلِيها (٢) الماشيةُ فتستكثر منها، حتى تَنتَفِخ بطونها، وتَهْلِكَ، كذلك الذي يجمع الدنيا، ويَحْرِص عليها، وَيشِحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقّه منها يَهلِكُ في الآخرة بدخول النار، واستيجاب العذاب.
وأما مثلُ المقتَصِدِ المحمود، فقوله ﷺ : "إلا آكلة الْخَضِرِ، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأ خَواصرها استقبلت عين الشمس، فثَلَطت، وبالت، ثم رتعت"، وذلك أن الْخَضِرَ ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشيةُ، فتُهلكه أكلًا، ولكنّه من الْجَنْبَة (٣) التي تَرعاها بعد هَيْجِ العُشْب (٤)، ويُبْسه، قال: وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الْخَضِرَ ما كان أخضر من الْحَلِيّ (٥) الذي لم يَصفرّ،
стр. 11636
والماشيةُ ترتعِ منه شيئًا، فشيئًا، ولا تستكثر منه، فلا تَحْبَط بطونها عنه، قال: وقد ذكره طَرَفة، فبيّن أنه من نبات الصيف في قوله:
كَبَنَاتِ الْمَخْرِ يَمْأَدْنَ (١) إِذَا … أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ (٢) الْخَضِرْ
فالْخَضِر من كلأ الصيف في القَيْظِ، وليس من أحرار بُقول الربيع، والنَّعَمُ لا تَسْتَوبله (٣)، ولا تحبط بُطونها عنه، قال: وبنات مَخْرٍ أيضًا، وهي سحائبُ يأتين قُبُلَ الصيف، قال: وأما الْخُضَارةُ، فهي من البقول الشِّتَويّة، وليست من الْجَنْبَة، فضرب النبيّ ﷺ آكلة الخضر مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا، وجَمْعِها، ولا يُسرف في قَمّها (٤) والحرص عليها، وأنه ينجو من وَبَالها، كما نَجَت آكلة الْخَضِر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، وإذا ثلطت، فقد ذهب حَبَطُها، وإنما تَحْبَط الماشية إذا لم تَثلِطْ، ولم تَبُل، وأْتُطِمت (٥) عليها بطونها، وقوله ﷺ : "إلا آكلة الخضر" معناه: لكن آكلة الخضر.
وأما قوله ﷺ : "إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَة" هاهنا الناعمة الْغَضّة، وحَثَّ على إعطاء المسكين، واليتيم منه، مع حلاوته، ورغبة الناس فيه؛ ليقيه الله ﵎ وَبَالَ نَعْمَتِها في دنياه وآخرته. انتهى كلام الأزهريّ ﵀ (٦).
(فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ) أي بأن اكتسبه من وجه حلال، وفي رواية مالك: "إن هذا المال خَضِرةٌ حُلْوَةٌ"، وفي رواية هلال: "وإن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ"، ومعنى "خَضِرَةٌ" بفتح، فكسر: أي كبقلة خَضِرة في المنظر، ومعنى: "حُلْوَةٌ" بضمّ، فسكون: أي كفاكهة حُلْوة في الذَّوْق، فلكثرة ميل الطبع يأخذ الإنسان بكلّ وجه، فيؤدّيه ذلك إلى الوجه الذي لا ينبغي، فيهلك.
стр. 11637
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "فمن أخذه بحقّه" أي باحتياجه، وحلّه، "ووضعه في حقّه" بأن أخرج منه حقّه الواجب فيه شرعًا كالزكاة، فنعم المعين هو لصاحبه، يبلغ به الخير، وينجو به من الشرّ.
قال الشيخ أبو حامد: مثال المال مثال الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمّ ناقعٌ، فإن أصابها المغرم الذي يعرف وجه الاحتراز عن شرّها، وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة عليه، وإن أصابها السواديّ الغبيّ، فهي عليه بلاء مُهلك. انتهى (١).
(يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) بالبناء للمفعول؛ أي يجعل الله تعالى البركة في ذلك المال، وفي رواية مالك: "فَنِعْم المعونة هو"، وفي رواية هلال: "إن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ، وبعم صاحب المسلم هو لمن أعطَى منه المسكين، واليتيم، وابن السبيل".
(وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن أخذه ظلمًا، أو اكتسبه من وجه حرام، أو من غير احتياج إليه، ولم يخرج منه حقه الواجب (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ") يعني أنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستَقَلَّ ما في يده، ونظر إلى ما فوقه فينافسه.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" ذُكر في مقابلة قوله: "فنعم المعونة هو"، ومعناه أن أخذ المال بغير حقّه بان جمعه من الحرام، ومن غير احتياج إليه، ولم يخرج منه حقه الواجب فيه، فيكون ذلك وبالًا عليه، لا معونة له، فيصير كالداء العضال الذي يُهلك صاحبه، وهو الحرص الباعث على من به جوع الكلب، فإن مصيره إلى الهلاك. انتهى.
زاد في رواية هلال: "ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة"؛ أي يكون ذلك المال حجة عليه، يشهد يوم القيامة على حرصه وإسرافه، وكونه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يؤدّ حقه، وهذه هي الفضيحة الكبرى، وذلك الخزي العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11638
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٢٤٢١ و ٢٤٢٢ و ٢٤٢٣] (١٠٥٢)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٢٢) و"الزكاة" (١٤٦٥) و"الجهاد" (٢٨٤٢) و"الرقاق" (٦٤٢٧)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٥/ ٦٠٨)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٨١) وفي "الكبرى" (٢٣٦٢)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٩٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١ و ٩١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٤٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٥ - ١٦)، و (البيهقيّ) (٣/ ١٩٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان استحباب جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة، ونحوها.
٢ - (ومنها): بيان استحباب جلوس الناس حول الإمام؛ ليمكنهم السماع لموعظته.
٣ - (ومنها): التحذير من المنافسة في الدنيا.
٤ - (ومنها): استفهام العالم عمّا يُشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة.
٥ - (ومنها): تسمية المال خيرًا، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
٦ - (ومنها): ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يُستَهْجَن، كالبول والغائط، فإن ذلك يُغتفر لما يترتّب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام.
٧ - (ومنها): أنه ﷺ كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يُسال عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة ﵃، ويَحْتَمِل أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة
стр. 11639
الوجيزة الجامعة المفهمة، وقد عدّ ابن دُريد هذا الحديث، وهو قوله: "إنّ مما يُنبت الربيع يقتل حبطًا، أو يُلمّ" من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يُسبق ﷺ إلى معناه، وكلّ من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه. قاله في "الفتح".
٨ - (ومنها): ما كان النبيّ ﷺ يلقاه من شدّة الوحي من العناء، حتى يتصبّب منه العرق، وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "إن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الْجَرَس، وهو أشدّه عليّ، فيُفْصَم عنّي، وقد وَعَيتُ منه ما قال، وأحيانًا يمثّل لي الملك رجلًا، فيكلّمني، فأعي ما يقول، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه، ليتفصّد عَرَقًا".
٩ - (ومنها): أنه يستفاد منه ترك الْعَجَلة في الجواب؛ إذا كان يحتاج إلى التأمّل.
١٠ - (ومنها): لوم من ظُنّ به تعثّتٌ في السؤال، وحَمْدُ من أجاد فيه.
١١ - (ومنها): ما قيل: إن فيه تفضيلَ الغنيّ على الفقير. قال الحافظ ﵀: ولا حجة فيه؛ لأنه لا يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر، والعجب أن النوويّ قال: فيه حجة لمن رجّح الغنيّ على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله: "لا يأتي الخير إلا بالخير" على أن المراد أن الخير الحقيقيّ لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزهرة ليست خيرًا حقيقيًّا؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة، قال الحافظ: فعلى هذا يكون حجّة لمن يفضّل الفقر على الغنى، والتحقيق أن لا حجّة فيه لأحد القولين. انتهى (١).
١٢ - (ومنها): الحضّ على إعطاء المسكين، واليتيم، وابن السبيل.
١٣ - (ومنها): أن المكتسب للمال من غير حلّه لا يُبارَك له فيه؛ لتشبيهه بالذي يأكل، ولا يشبع.
стр. 11640
١٤ - (ومنها): ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل، والنَّهَم فيه.
١٥ - (ومنها): أن اكتساب المال من غير حلّه، وكذا إمساكه عن إخراج الحقّ منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في بيان التمثيل الذي ورد في هذا الحديث:
قال في "الفتح": يؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف؛ لأن الماشية إذا رَعَت الخَضِر للتغذية، إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر، الأول الزهّاد، والثاني، إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ، واستمرّ النفع، وإما أن يُهمل ذلك، الأول العاملون في جمع الدنيا بما يجب من إمساك وبذل، والثاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك.
وقال الطيبيّ ﵀: يؤخذ منه أربعة أصناف:
فمن أكل منه أَكْلَ مُستَلِذّ، مُفرِط، منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يُقلع، فيسرع إليه الهلاك.
ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم، فغلبه، فأهلكة.
ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضرّه، وتحيّل في دفعه، حتى انهضم، فيسلم.
ومن أكل غير مفرط، ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته، ويُمسك رَمَقَه.
فالأول: مثال الكافر، والثاني: مثال العاصي الغافل عن الإقلاع، والتوبة، إلا عند فواتها، والثالث: مثل للمخلّط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة، والرابع: مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، وبعضها لم يُصرَّح به في الحديث، وأخذُهُ منه مُحْتَمِل.
وقال الزين ابن الْمُنير ﵀: في هذا الحديث وجوه من التشبيه بديعة: (أولها): تشبيه المال، ونموّه بالنبات وظهوره.
стр. 11641
(ثانيها): تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب، بالبهائم المنهمكة في الأعشاب.
(ثالثها): تشبيه الاستكثار منه، والادّخار به بالشَّرَه في الأكل، والامتلاء منه.
(رابعها): تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدّى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السَّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا.
(خامسها): تشبيه المتقاعد عن جمعه، وضمّه بالشاة إذا استراحت، وحطّت جانبها، مستقبلة عين الشمس، فإنها من أحسن حالاتها سكونًا، وسكينةً، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها.
(سادسها): تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرّها.
(سابعها): تشبيه المال بالصاحب الذي لا يُؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يُحرَز، ويُشدّ وَثَاقه حبًا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه.
(ثامنها): تشبيه آخذه بغير حقّ بالذي يأكل، ولا يشبع. انتهى.
وقال الغزاليّ ﵀: مثَلُ المال مَثَلُ الحيّة التي فيها ترياقٌ نافعٌ، وسمّ ناقع، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ، فقد لقي البلاء المهلك. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
стр. 11642
الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ، مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "بَرَكَاتُ الْأَرْضِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: "لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بالْخَيْرِ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَأْكُلُ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، وَبَالَتْ، وَثَلَطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ، فَأَكَلَتْ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الفقيه الحجة المشهور، إمام المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٤ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) مولى ميمونة ﵂ المدنيّ، ثقةٌ فاضل عابدٌ، من صغار [٢] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أبو سعيد" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) أي حسنها وبهجتها، وكثرة خيرها.
وقوله: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ) قال التوربشتيّ: هكذا على التأنيث، وقد روي أيضًا: "خَضِرٌ حُلْوٌ"، والوجه فيه أن يقال: إنما أُنّث على معنى تأنيث المشبّه به؛ أي إن هذا المال شيء كالخَضِرة، وقيل: معناه كالبَقْلة الخَضِرة، أو يكون على معنى فائدة المال؛ أي إن الحياة به، أو المعيشة خَضِرة.
قال الطيبيّ: ويُمكن أن يعبّر عن المال بالدنيا؛ لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [الكهف: ٤٦]،
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (هِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ) هو: ابن أبي عبد الله سَنْبَر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل البصريّ، ثم الياميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو: هلال بن عليّ بن أُسامة العامريّ المدنيّ، ثقة [٥] مات سنهُ بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ("إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) "ما" يَحْتَمِل أن تكون موصولة؛ أي من الذي أخاف عليكم، وأن تكون مصدريّة؛ أي من خوفي عليكم.
وقوله: (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: "ما يَفْتَح الله عليكم"، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، و"ما" تَحْتَمل الوجهين أيضًا، وهي في محل النصب؛ لأنه اسم "إنّ"، و"مما أخاف" خبرها مقدمًا.
وقوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا") أي من حسنها وبهجتها، فقوله: "وَزِينَتِهَا" عطف تفسير.
وقوله: (فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي انتظارًا للوحي.
وقوله: (وَرَأَيْنَا) من الرؤية، ولفظ البخاريّ: "فرَأَينا"، وفي رواية الكشميهنيّ: "فأُرِينا" بضم الهمزة، وكسر الراء، ويُرْوَى "فرُإينا" بضم الراء؛ أي ظننا وكلُّ ما جاء من هذا اللفظ بمعنى رؤية العين فهو مفتوح الأول، وما كان من الظن والحسبان، فهو أُرِيَ، وأُرِيتُ بضم الهمزة، قاله في "العمدة" (١).
وقوله: (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بالبناء للمجهول؛ يعني الوحي.
стр. 11645
وقوله: (يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ) -بضم الراء، وفتح الحاء المهملة، والضاد المعجمة-: هو عَرَقٌ يغسل الجلد لكثرته، وكثيرًا ما يُستَعْمَل في عرق الْحُمَّى والمرضى، وقال الأصمعيّ: الرُّحَضاء: الْعَرَق حتى كأنه رُحِضَ جَسَدُه من العَرَق: أي غسل، ووزنه فُعَلاء -بضم الفاء، وفتح العين- وجاءت أمثلة على هذا الوزن منها الْعُدَواء: الشغل، والْعُرَواء: الرِّعْدة، والخيلاء، من الاختيال والتكبر، والصُّعَداء، من قولهم: هو يتنفس الصُّعَداء من غم؛ أي يصاعد نفسه، قاله في "العمدة".
وقوله: ("إِنَّ هَذَا السَّائِلُ") قال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها "أَيْنَ"، وفي بعضها "أَنَّى"، وفي بعضها "أي " وكله صحيح، فمن قال: "أنَّى"، أو "أين" فهما بمعنى، ومن قال: "إنّ" فمعناه -والله أعلم- إن هذا هو السائلُ الممدوحُ الحاذقُ الفَطِنُ، ولهذا قال: "وكأنه حمده"، ومن قال: "أيّ" فمعناه أيكم، فحذف الكاف والميم، والله أعلم. انتهى كلام النووي ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر قول النوويّ ﵀: "إن هذا هو السائل … إلخ" أن "السائل " مرفوع، على الخبريةّ لـ"إنّ"، واسمها اسم الإشارة، وَيحْتَمِلُ أن يكون "السائل" بالنصب نعتًا لاسم الإشارة، وخبر "إنّ" محذوف؛ أي ممدوح، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ) أي وكأن النبيّ ﷺ حَمِدَ السائل، وكان الناس ظَنُّوا أنه ﷺ أنكر مسألته، فلما رأوه يَسأل عنه سُؤال راضٍ عَلِمُوا أنه حمده.
وقوله: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) أي إن ما قضى الله أن يكون خيرًا يكون خيرًا، وما قضاه أن يكون شرًّا يكون شرًّا، وإن الذي خِفْتُ عليكم تضييعُكُم نعم الله، وصرفُكُم إياها في غير ما أمر الله، ولا يتعلق ذلك بنفس النعمة، ولا يُنسَب إليها، ثم ضَرَب لذلك مثلًا، فقال: "وإن مما يُنبت الربيع … " إلخ.
وقوله: (يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ) هكذا هو في هذه الرواية، فلا بدّ من تقدير "ما"
стр. 11646
لأن قوله: "ينبت الربيع" فعلٌ وفاعلٌ، ولا يصلح أن يكون لفظ "يقتُلُ" مفعولًا إلَّا بتقدير "ما"، وتقدّم بلفظ: "إن كلّ ما يُنبت الربيع يقتُل حَبَطًا، أو يُلمّ"، أفاده في "العمدة".
وقيل في توجيهه: إمّا أن تكون "مِنْ" في قوله: "مما ينبت" تبعيضيّة، وهي اسم عند بعض النحاة، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢] فأعربوا "من الثمرات" مفعولَ "أخرج"، ورزقًا مفعولًا لأجله (١)، فتكون "من" هنا اسم "إنّ"، و"يَقتُل" خبرها.
ويَحْتَمِل أن كلمة "ما" مقدّرة، والموصول مع صلته اسم "إنّ"، وحَذفُ الموصول، وإبقاء صلته جائز في كلام العرب، كقول حسّان ﵁[من الطويل]: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَنْصْرُهُ سَوَاءُ
إذ تقديره: ومن يمدحه إلخ (٢)، والجارّ والمجرور في قوله: "مما يُنبت" خبر مقدّم، والله تعالى أعلم.
وقوله: "حَبَطًا" -بفتح الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة- وانتصابه على التمييز، وهو داءٌ يصيب الإبل، وقال ابن سِيدَهْ: هو وَجَعٌ يأخذ البعير في بطنه، من كلأ يستوبله. انتهى.
وقوله: "أو يُلِمّ" من الإلمام؛ أي: أو يَقْرُب ويدنو من الهلاك.
وقوله: (حَتى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا) أي امتلأت شِبَعًا، وعَظَم جَنْبَاها، والخاصرة الجنب.
وقوله: (ثُمَّ رَتَعَتْ) أي رَعَتْ.
وقوله: (خَضِرٌ، حُلْوٌ) -بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين- وإنما سُمّي الخضر خَضِرًا؛ لحسنه، ولإشراق وجهه، والْخضر عبارة عن الحسن، وهي من أحسن الألوان، ويروى خَضِرَة بتاء التانيث، وتقدّم توجيهه.
(ونِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ … إلخ) يقول: إن من أُعطي مالًا، وسُلِّط على هَلَكته في الحقّ، فأعطى مِن فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه.
стр. 11647
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) شكّ من يحيى، وعند البخاريّ في "الجهاد" من طريق فُليح، عن هلال بلفظ: "فجعله في سبيل الله، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل"، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَحْتَمِل البقاء على ظاهره، وهو أنه يُجاء بماله يوم القيامة، فَيَنطِق الصامت منه ما فَعَل به، أو يُمَثَّل له بمثال حيوان، أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والأنفاق، وقيل: معنى قوله: "ويكون عليه شهيدًا": أي حجةً عليه يوم القيامة، يَشهد على صرفه وإسرافه، وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يؤدِّ حقه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٢) - (بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٤] (١٠٥٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا فُرِئَ عَلَيْهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَن نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: "مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 11648
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المكثرين السبعة، كما تقدّم قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الحافظ ﵀: لم يتعيّن لي أسماؤهم، إلا أن النسائيّ رَوَى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه ما يدلّ على أن أبا سعيد راوي الحديث خوطب بشيء من ذلك، ففي حديثه: سَرَّحَتني أمي إلى النبيّ ﷺ -يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني، فقال: "من استغنى أغناه الله … " الحديث، وزاد فيه: "ومن سأل، وله أوقيّةٌ، فقد ألحف"، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله.
وتعقّبه العينيّ بأنه ليس فيه شيء يدلّ على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبيّ ﷺ .
وعند الطبرانيّ من حديث حَكِيم بن حِزَام أنه ممن خوطب ببعض ذلك،
стр. 11649
ولكنّه ليس أنصاريًّا، إلا بالمعنى الأعمّ (١).
(سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي شيئًا من المال (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ) بتكرير السؤال، والإعطاء مرّتين (حَتَّى إِذَا نَفِدَ) بكسر الفاء، وإهمال الدال، من باب تَعِبَ، نَفَادًا: أي فَنِيَ، وانقطع (مَا عِنْدَهُ) "ما" موصولة مفعول "نَفِدَ" (قَالَ) ﷺ ("مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) "ما" هنا شرطيّة، ولذا جُزم الفعل بعدها، وهي مبتدأ، وجوابها، وهو الخبر قوله: "فلن أدّخره"؛ أي كلّ شيء، من مال، موجوب عندي (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال المهملة، بعدها خاء معجمة؛ أي فلن أحبسه، وأخبأه، وأمنعكم إياه منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرةً لغيركم، مُعْرِضًا عنكم.
وقال في "العمدة": والفصيح فيه -يعني في "أدّخره"- إهمال الدال، وجاء بإعجامها، مُدْغَمًا، وغير مدغم، لكن تقلب التاء دالًا مهملة، ففيه ثلاث لغات، ويقال: معناه لن أحبسه عنكم. انتهى (٢).
(وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) "من" هنا شرطيّة، ولذا جُزم الفعلان بعدها، و"يستعفف" بفاءين، وكذا عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ، ووقع عند البخاريّ في رواية الحمويّ، والمستملي "يَسْتَعِفّ" بفاء واحدة مشدّدة.
والمعنى: من يَطلُبْ من نفسه العفّة عن السؤال، قال الطيبيّ: أو يطلب العفّة من الله تعالى، فليست السين لمجرّد التأكيد، وقال الجزريّ: الاستعفاف طلب العَفَاف، والتعفّف، وهو الكفّ من الحرام، والسؤال من الناس؛ أي مَن طَلَب العفّة، وتكلّفها أعطاه الله إياها، وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء، يقال: عَفّ يعِفّ عِفّةً، فهو عفيف. انتهى.
(يُعِفَّهُ اللهُ) بضمّ التحتانيّة، وكسر المهملة، وتشديد الفاء المفتوحة للتخلّص من التقاء الساكنين؛ إذ هو مجزوم على أنه جواب الشرط، ويجوز ضم فائه إتباعًا لضم الهاء.
والمعنى: يرزقه الله تعالى العفّة؛ أي الكفّ عن السؤال والحرام، وقال القاري: يعفّه الله: أي يجعله عفيفًا، من الإعفاف، وهو إعطاء العفّة، وهي
стр. 11650
الحفظ عن المناهي؛ يعني أن مَن قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تَسهُل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى. انتهى.
وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال، وإما أن يرزقه القناعة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: "ومن يستعفف" أي عن السؤال للخلق، "يُعفّه الله" أي يُجازه على استعفافه بصيانة وجهه، ورفع فاقته. انتهى (٢).
(وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ) أي من يَستغن بالله تعالى عمن سواه، أو يُظهِر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفّف عن السؤال، حتى يخبسه الجاهل بحاله غنيًّا من التعفّف، يرزقه الله غنى القلب، كما في الحديث الماضي: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النفس"، ولو حُمل على غنى المال لما بَعُد؛ أي يعطيه الله تعالى ما يُغنيه عن سؤال الناس، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ يَصْبِرْ) "من" شرطيّة أيضًا كسابقتها، و"يصبر" بفتح الياء، وكسر الباء ثلاثيًّا، من باب ضرب، وفي رواية: "يتصبّر" بفتح الفوقيّة، وتشديد الموحّدة المفتوحة: أي يعالج الصبر على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا.
وقال القرطبيّ ﵀: "ومن يتصبّر" أي يستعمل الصبر، "يُصبّره" أي يقوّه، ويُمكّنه من نفسه حتى تنقاد له، وتُذعن لتحمّل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه، فيُظفّره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه. انتهى (٣).
وقال السنديّ: أي يتكلّف في تحمّل مشاقّ الصبر، وفي التعبير بباب التكلّف إشارة إلى أنّ مَلَكَة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتبار، وتحمّل المشاقّ من الإنسان.
وقال القاري: أي يَطْلُب توفيق الصبر من الله تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلّف في
стр. 11651
التحمّل عن مشاقّه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة، والمعصية، والبليّة، أو من يتصبّر عن السؤال، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرعّ مرارة ذلك، ولا يشكو حاله لغير ربّه (يُصَبِّرْهُ اللهُ) - بضمّ أوّله، وتشديد الموحّدة المكسورة- من التصبير: أي يُسَهِّل عليه الصبر، فتكون الجمل مؤكّدات، ويؤيّد إرادة معنى العموم قوله: "وما أعطي أحد إلخ"، وقال الباجيّ: معناه من يتصدّ للصبر، ويؤثره يعينه الله تعالى عليه، ويوفّقه. انتهى.
(وَمَا أُعْطِيَ) "ما" هنا نافية، والفعل مبنيّ للمفعول، و (أَحَدٌ) نائب فاعله، وهو المفعول الأول (مِنْ عَطَاءٍ) "من" زائدة، و"عطاء" هو المفعول الثاني، وقوله: (خَيْرٌ) هكذا هو في جميع نسخ "صحيح مسلم" بالرفع، وهو صحيح، وتقديره: هو خير، كما هو عند النسائيّ: ولفظه: "وما أُعطي أحد عطاءً، هو خير … إلخ"؛ أي أفضل، والجملة في محلّ نصب صفة لـ"عطاء"، وفي رواية البخاريّ "خيرًا" بالنصب، وإسقاط لفظ "هو"، فيكون صفة و"عطاءً" أيضًا.
وقوله: (وَأَوْسَعُ) بالرفع عطفًا على "خيرٌ"، وقوله: (مِنَ الصَّبْرِ) تنازعاه "خير"، و"أوسع"، ثم إن الكلام على تقدير "مِنْ": أي الصبرُ من أفضل ما يعطاه أحد، وأوسعه؛ لأن الإيمان أفضل الجميع، حيث إنه لا اعتداد بالصبر وغيره إلا بالايمان، أو يقدّر "هو خير، وأوسع بعد الإيمان"، والله تعالى أعلم.
قال الطيبيّ ﵀: يريد أن من طلب من نفسه العفّة عن السؤال، ولم يُظهر الاستغناء يعفّه الله؛ أي يصيّره عفيفًا، ومن ترقّى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى، من إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إذا أُعطي شيئًا لم يردّه، يملأ الله تعالى قلبه غنى، ومن فاز بالقَدَح المعَلَّى، وتصبّر، ولم يسأل، وإن أُعطي لم يقبل، فهذا هو الصبر الجامع لمكارم الأخلاق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وإن أُعطِي لم يقبل" فيه نظر؛ إذ فيه مخالفة أمر النبيّ ﷺ بقوله: "ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف،
стр. 11652
ولا سائل، فخذه، فتموّله، وتصدّق به"، فكيف يكون من ردّ ما أُمر بأخذه أعلى مرتبة؟، هذا غريب، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن الجوزيّ ﵀: إنما جُعل الصبر خيرَ العطاء؛ لأنه حَبْسُ النفس عن فعل ما تحبّه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله، أو تركه لتأذّى به في الآجل.
وقال القاريّ ﵀: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ومعنى كونه أوسع أنه تتّسع به المعارف، والمشاهد، والأعمال، والمقاصد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٤٢٤ و ٢٤٢٥] (١٠٥٣) وسيعيده في "كتاب الزهد والرقائق" (١٠٥٣)، (والبخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٩) و"الرقاق" (٦٤٧٠)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٤)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (٢٠٢٤)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٨٨) وفي "الكبرى" (٢٣٦٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٨٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢ و ٤٧ و ٩٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٩٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٠٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٩/ ٣١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٥٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 11653
١ - (منها): بيان فضل الاستعفاف عن مسألة الناس أموالَهُم.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من السخاء والجود والكرم وإنفاذ أمر الله تعالى، حيث قال له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ١٠].
وقال ابن عبد البرّ ﵀: وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله ﷺ من السخاء، والكرم، هذا إن كان عطاؤه ذلك من سهم ما أفاء الله عليه، وإن يكن من مال الله فحسبك ما عليه من إنفاذ أمر الله، وإيثار طاعته، وقسمة مال الله بين عباده، وقد فاز من اقتدى به فوزًا عظيمًا. انتهى (١).
٣ - (ومنها): إعطاء السائل مرّتين.
٤ - (ومنها): الاعتذار إلى السائل.
٥ - (ومنها): الحضّ التعفّف.
٦ - (ومنها): جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر على الفاقة حتى يرزقه الله تعالى بغير مسألة.
٧ - (ومنها): الحضّ على الصبر، على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا، وأنه أفضل ما يُعطاه المرءُ؛ لكون الجزاء عليه غير مقدّر، ولا محدود، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
٨ - (ومنها): بيان أن الاستغناء، والعفّة، والصبر بفعل الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٥] ( … ) - (حَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
стр. 11654
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، تغيّر بآخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق في "مصنّفه" (١١/ ٩٢) فقال:
(٢٠٠١٤) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: جاء ناس من الأنصار، فسألوا رسول الله ﷺ ، فأعطاهم، قال: فجعل لا يسأله أحد منهم إلا أعطاه، حتى نَفِدَ ما عنده، ثم قال لهم حين أنفق كل شيء عنده: "ما يكن عندنا من خير، فلن نَدَّخِره عنكم، وإنه من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ولن تعطوا عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٦] (١٠٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ) عبد الله بن يزيد المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
стр. 11655
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٤ - (شُرَحْبِيل بْنُ شَرِيكٍ) ويقال: شُرَحبيل بن عمرو بن شريك المعافريّ، أبو محمد المصريّ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبي عبد الرحمن الْحُبلّي، وعبد الرحمن بن رافع التَّنُوخيّ، وعُليّ بن رَبَاح، والنعمان بن عامر.
ورَوى عنه حَيْوَة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب، وأبو هانئ الخولانيّ، والليث، وابن لَهِيعة.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفتح الأزديّ: شُرحبيل بن شَرِيك ضعيف، وقال ابن يونس: شُرَحبيل بن عمرو بن شَرِيك.
[تنبيه]: سمّى أبو داود في روايته شُرحبيل هذا بشُرَحبيل بن يزيد، قاله في حديثه عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "ما أُبالي ما أتيتُ إن أنا شَرِبتُ تِرْيَاقًا … " الحديث، قاله أبو داود، عن عبيد الله القواريريّ، عن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عنه، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وغير واحد عن المقرئ، فقالوا: شُرحبيل بن شَريك على الصواب.
قال الحافظ ﵀: أخشى أن يكون شُرحبيل بن يزيد تصحيفًا من شَراحيل بن يزيد؛ لأنه أيضًا معافريّ، وَيروِي عن عبد الرحمن بن رافع وغيره، ويروي عنه سعيد بن أبي أيوب وغيره، ومن الجائز أن يكون الحديث عندهما جميعًا، فأما شُرحبيل بن يزيد، فإن كان محفوظًا فلا يُدْرَى من هو؟. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠٥٤)، وحديث (١٤٦٧): "الدنيا متاع، وخير متاعها الدنيا المرأة الصالحة"، و (١٨٨٣): "غدوة في سبيل الله، أو رَوْحة خير مما طلعت عليه الشمس، وغربت".
стр. 11656
٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) -بضم المهملة، والموحّدة- (١) عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (بخ م ٤).
رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عُمَر، وعقبة بن عامر، وأبي ذرّ، وفَضَالة بن عُبيد، وعُمارة بن شَبيب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو هانئ حميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَريك، وعقبة بن مسلم، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، وربيعة بن سيف، ويزيد بن عَمْرو الْمَعَافري، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن يونس: يقال: تُوُفّي بإفريقية سنة مائة، وكان صالِحًا فاضلًا، وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وقال ابن خلفون: يقال: إنه تُوُفّي بقرطبة، وقال أبو بكر المالكي في "تاريخ القيروان": بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية؛ لِيُفَقِّههم، فَبَثَّ فيها علمًا كثيرًا، ومات بها، ودُفِن بباب تونس.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄، مات ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد بن أبي أيوب.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَدْ
стр. 11657
أَفْلَحَ) أي فاز بالبغية (مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا) -بفتح الكاف، وتخفيف الفاء-: هو الكفاية بلا زيادة ولا نقص؛ أي رزقه الله تعالى ما يَكُفّ من الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يُلْحِقه بأهل التَّرَفُّهات (وَقَنَّعَهُ) بتشديد النون (اللهُ بِمَا آتَاهُ) بمد الهمزة: أي جعله قانعًا بما أعطاه إياه، ولم يطلب الزيادة؛ لمعرفته بان رزقه مقسوم، لن يَعْدُو ما قُدِّر له.
قال الطيبيّ ﵀: الفلاح الفوز بالبغية في الدارين، والحديث قد جَمَعَ بينهما، والمراد بالرزق الحلال منه، فإن النبيّ ﷺ مَدَح المرزوق، وأثبت له الفلاح، وذكر أمرين، وقيد الثاني بـ "قَنَّعَهُ"؛ أي رُزِق كفافًا، وقَنَّعه الله بالكفاف، فلم يطلب الزيادة، وأطلق الأول؛ ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام، كما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
قال الراغب: ﵀: والإسلام على ضربين:
[أحدهما]: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقَن الدم، حَصَلَ معه الاعتقاد، أو لم يَحْصُل.
[والثاني]: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله تعالى في جميع ما قَضَى وقدَّرَ، كما ذكره عن إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، والحديث كما ترى جامع للحسنيين، حاوٍ لنعمة الدارين، فحقيقٌ بأن يقال: إنه من جوامع الكلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا من أفراد المصنف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 11658
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٤٢٦] (١٠٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ١٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٨)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذه الأوصاف، وقد يُحْتَجّ به لمذهب من يقول: الْكَفَاف أفضل من الفقر ومن الغنى، قاله النوويّ ﵀.
٣ - (ومنها): أن من اتّصف بهذه الأمور، فقد حصل على مطلوبه، وظَفِرَ بمرغوبه في الدنيا والآخرة.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، كما تقدّم عن الطيبيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٧] (١٠٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبله.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 11659
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٦ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة (١)، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٨ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوَان (٢) بن جرير الضَّبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٩ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضّبّيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
١٠ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، اسمه هَرِم، أو عمرو، أو غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء، كما أوضحناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأما شيخه أبو سعيد، فإنه من المشايخ التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى عمرو وزهير، فبغداديّان، وأبي هريرة ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
стр. 11660
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ) أي زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطلب (قُوتًا") أي بُلْغَة تَسُدّ رَمَقَهم، وتُمسك قُوَّتهم، بحيث لا تُرهقهم الفاقة، ولا يكون فيه فُضول يُفضي إلى تَرَفُّه وتبَسُّط؛ ليسلموا من آفات الفقر والغنى (١).
وسيأتي في "كتاب الزهد والرقائق" بلفظ: "اللهم اجعل رزق آل محمد كفَافًا"، وهذه الرواية هي المعتمدة من حيث المعنى، فإن لفظ "قوتًا" صالح لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلب لهم القوت، بخلاف لفظ "كَفَافًا"، فإنه يُعَيِّن الاحتمال الثاني، وهو الدلالة على الكفاف، أفاده في "الفتح" (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: ارزقهم ما يقوتهم، ويكفيهم، بحيث لا يشوّشهم الجهد، ولا ترهقهم الفاقة، ولا تُذلّهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضًا في ذلك فُضُول يُخرِج إلى الترفّه، والتبسّط في الدنيا، والركون إليها. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، قال: هذه الرواية -يعني رواية "كفَافًا"- مفسّرة للرواية الأولى؛ لأن القوت ما يُسَدّ به الرَّمَقُ، قيل: سُمّي قوتًا؛ لحصول القوّة منه، سَلَك ﷺ طريق الاقتصاد المحمود، فان كثرة المال تُلهي، وقِلّته تُنسي، فما قلّ منه وكَفَى خير مما كَثُر وألهى. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.