٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) -بضم المهملة، والموحّدة- (١) عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (بخ م ٤).
رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عُمَر، وعقبة بن عامر، وأبي ذرّ، وفَضَالة بن عُبيد، وعُمارة بن شَبيب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو هانئ حميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَريك، وعقبة بن مسلم، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، وربيعة بن سيف، ويزيد بن عَمْرو الْمَعَافري، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن يونس: يقال: تُوُفّي بإفريقية سنة مائة، وكان صالِحًا فاضلًا، وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وقال ابن خلفون: يقال: إنه تُوُفّي بقرطبة، وقال أبو بكر المالكي في "تاريخ القيروان": بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية؛ لِيُفَقِّههم، فَبَثَّ فيها علمًا كثيرًا، ومات بها، ودُفِن بباب تونس.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄، مات ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد بن أبي أيوب.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَدْ
стр. 11657
أَفْلَحَ) أي فاز بالبغية (مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا) -بفتح الكاف، وتخفيف الفاء-: هو الكفاية بلا زيادة ولا نقص؛ أي رزقه الله تعالى ما يَكُفّ من الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يُلْحِقه بأهل التَّرَفُّهات (وَقَنَّعَهُ) بتشديد النون (اللهُ بِمَا آتَاهُ) بمد الهمزة: أي جعله قانعًا بما أعطاه إياه، ولم يطلب الزيادة؛ لمعرفته بان رزقه مقسوم، لن يَعْدُو ما قُدِّر له.
قال الطيبيّ ﵀: الفلاح الفوز بالبغية في الدارين، والحديث قد جَمَعَ بينهما، والمراد بالرزق الحلال منه، فإن النبيّ ﷺ مَدَح المرزوق، وأثبت له الفلاح، وذكر أمرين، وقيد الثاني بـ "قَنَّعَهُ"؛ أي رُزِق كفافًا، وقَنَّعه الله بالكفاف، فلم يطلب الزيادة، وأطلق الأول؛ ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام، كما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
قال الراغب: ﵀: والإسلام على ضربين:
[أحدهما]: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقَن الدم، حَصَلَ معه الاعتقاد، أو لم يَحْصُل.
[والثاني]: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله تعالى في جميع ما قَضَى وقدَّرَ، كما ذكره عن إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، والحديث كما ترى جامع للحسنيين، حاوٍ لنعمة الدارين، فحقيقٌ بأن يقال: إنه من جوامع الكلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا من أفراد المصنف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 11658
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٤٢٦] (١٠٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ١٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٨)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذه الأوصاف، وقد يُحْتَجّ به لمذهب من يقول: الْكَفَاف أفضل من الفقر ومن الغنى، قاله النوويّ ﵀.
٣ - (ومنها): أن من اتّصف بهذه الأمور، فقد حصل على مطلوبه، وظَفِرَ بمرغوبه في الدنيا والآخرة.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، كما تقدّم عن الطيبيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٧] (١٠٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبله.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 11659
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٦ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة (١)، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٨ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوَان (٢) بن جرير الضَّبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٩ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضّبّيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
١٠ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، اسمه هَرِم، أو عمرو، أو غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء، كما أوضحناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأما شيخه أبو سعيد، فإنه من المشايخ التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى عمرو وزهير، فبغداديّان، وأبي هريرة ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
стр. 11660
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ) أي زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطلب (قُوتًا") أي بُلْغَة تَسُدّ رَمَقَهم، وتُمسك قُوَّتهم، بحيث لا تُرهقهم الفاقة، ولا يكون فيه فُضول يُفضي إلى تَرَفُّه وتبَسُّط؛ ليسلموا من آفات الفقر والغنى (١).
وسيأتي في "كتاب الزهد والرقائق" بلفظ: "اللهم اجعل رزق آل محمد كفَافًا"، وهذه الرواية هي المعتمدة من حيث المعنى، فإن لفظ "قوتًا" صالح لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلب لهم القوت، بخلاف لفظ "كَفَافًا"، فإنه يُعَيِّن الاحتمال الثاني، وهو الدلالة على الكفاف، أفاده في "الفتح" (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: ارزقهم ما يقوتهم، ويكفيهم، بحيث لا يشوّشهم الجهد، ولا ترهقهم الفاقة، ولا تُذلّهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضًا في ذلك فُضُول يُخرِج إلى الترفّه، والتبسّط في الدنيا، والركون إليها. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، قال: هذه الرواية -يعني رواية "كفَافًا"- مفسّرة للرواية الأولى؛ لأن القوت ما يُسَدّ به الرَّمَقُ، قيل: سُمّي قوتًا؛ لحصول القوّة منه، سَلَك ﷺ طريق الاقتصاد المحمود، فان كثرة المال تُلهي، وقِلّته تُنسي، فما قلّ منه وكَفَى خير مما كَثُر وألهى. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 11661
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٤٢٧] (١٠٥٥) وسيعيده في "الزهد والرقائق" بعد رقم (٢٩٦٩)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٦٠)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٦١)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤١٣٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" في "الرقاق" (١١٨٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٢ و ٤٤٦ و ٤٨١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٨٩)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٠ و ٧/ ٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الكفاف، وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك؛ رغبةً في توفر نعيم الآخرة، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى، واقتداء بالنّبيّ ﷺ في ذلك.
٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء بالكفاف؛ إذ به توجد السلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على زهد النبيّ ﷺ في الدنيا، وعلى تقلّله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ ﵀: وفي دعاء النبيّ ﷺ إرشاد لأمته كلَّ الإرشاد إلى أن الزيادة على الكفاف لا ينبغي أن يَتْعَب الرجل في طلبه؛ لأنه لا خير فيه، وحكم الكفاف يَختلِف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمنهم من يعتاد قلّة الأكل، ويصبر على الأكل مرّة مدّة طويلة، فكفافه يكون بتلك المرّة، ومنهم من يعتاد الأكل في يوم مرّة، أو مرّتين، فكفافه يكون كذلك؛ لأنه إن ترك ذلك أضرّ بنفسه، ولم يَقْوَ على الطاعة، ومنهم من يكون كثير العيال، فكفافه ما يسدّ رَمَق عياله، ومنهم من يَقِلّ عياله، فلا يَحتاج إلى طلب الزيادة، وكثرة الأشغال، فبهذا يتّضح أن قدر الكفاف غير مقدَّر، ومقداره غير معيّن،
стр. 11662
إلا أن المحمود منه ما به القوّة على الطاعة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٣) - (بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٨] (١٠٥٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ ﵁: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ (٢) لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، قَالَ: "إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ).
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ اِبرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ مجتهد [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
стр. 11663
٧ - (سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن يزيد بن عَمْرو بن سَهْم بن ثعلبة الباهليّ، أبو عبد الله، وهو سلمان الخيل، يقال: إن له صحبةً، وكان قاضي الكوفة، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه سُوَيد بن غَفَلَة، والصُّبَيّ بن مَعْبد، وأبو وائل، وأبو ميسرة، وأبو عثمان النَّهْديّ، وعِدّةٌ، وشَهِد فتوح الشام مع أبي أُمامة، ثم سكن العراق، وولاه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فقتل ببلنجر سنة خمس وعشرين، وقيل: (٢٩) وقيل: (٣٠) وقيل: (٣١)، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وما أقل ما رَوَى، وقال سلمة بن كُهيل، عن سُويد بن غَفَلة: وجدت سَوْطًا، فأخذته، فعاب عليّ زيد بن صُوْحَان وسلمان بن ربيعة، فذكرته لأبي، فقال: أحسنت، وأصبت السنة، وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": ذكره أبو حاتم، والعُقيليّ في الصحابة، وإنما قيل له: سلمان الخيل؛ لأنه كان يَلِي الخيول في خلافة عمر، وهو أول من فرّق بين العِتَاق والْهَجِين (١) فيما قيل، ذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال: كان رجلًا صالحًا يحج كل سنة، وهو أول قاضٍ استُقْضِي بالكوفة.
تفرّد به المصنّف، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفية التحمّل والأداء، ثم فرّق؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زُهير، وإسحاق، وعمر ﵁.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
стр. 11664
شرح الحديث:
(عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) الباهليّ أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا) قال القرطبيّ ﵀: كذا رويناه بفتح القاف، وهو المصدر، ومعناه: فَعَلَ النبيّ ﷺ فِعْلَ القَسْمِ، والْقِسْمُ بالكسر: الحظّ والنصيب، وهو غير مراد هنا، فإنه ﷺ لم يَقسِم نصيب أحد، وإنما فَعَل الْقَسْم في المقسوم. انتهى (١).
وقال ابن الجوزيّ ﵀: القسم بفتح القاف مصدر قسمت، وبكسرها: الحظّ والنصيب، يقال: هذا قسمك وهذا قسمي. انتهى (٢).
(فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي نسخة: "فقلت: يا رسول الله" (لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ) اللام هي الموطّئة للقسم؛ أي والله لغير هؤلاء الذين قسمت لهم (كَانَ أَحَقَّ بِهِ) أي بالمال المقسوم (مِنْهُمْ، قَالَ) ﷺ ("إِنَّهُم خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ) بضمّ، فسكون، يقال: فَحَشَ الشيءُ فُحْشًا، مثلُ قَبُحَ قُبْحًا وزنًا ومعنًى، وفي لغة من باب قَتَلَ، وهو فاحشٌ، وكلُّ شيء جاوز الحدّ فهو فاحشٌ، ومنه غَبْنٌ فاحشٌ: إذا جاوزت الزيادة ما يُعْتاد مثلُهُ، وأفحش الرجل: أتى بالفُحْش، وهو القول السيّئُ، وجاء بالفحشاء مثله، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣).
وقال ابن الجوزيّ ﵀: الفحش: الزائد في الخروج عن حدّ الصواب، وكلُّ شيء جاوز قدره فهو فاحش، ويُشْبِه أن يكون هؤلاء الذين أعطاهم من المؤلفة قلوبهم. انتهى (٤).
(أَوْ يُبَخِّلُونِي) بضم أوله، وتشديد الخاء المعجمة: أي ينسبوني إلى البخل، يقال: بَخِل بَخْلًا، وبُخْلًا، من بأبي تَعِبَ وقَرُبَ، والاسم الْبَخْلُ بالفتح، وِزانُ فَلْسٍ، فهو بخيلٌ، والجمع بُخَلاء، ورجلٌ باخلٌ؛ أي ذو بَخْل، والْبُخْلُ في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يَفْضُل عنده، وأبخلته بالألف: وجدته بخيلًا (٥).
стр. 11665
وقال في "القاموس": الْبُخْلُ، والْبُخُولُ بضمّهما، وكجَبَل، ونَجْمٍ، وعُنُقٍ: ضدُّ الكَرَم، بَخِلَ كفَرِحَ، وكَرُمَ بُخْلًا بالضمّ، والتحريك، فهو باخلٌ، من بُخَّلٍ، كرُكَّع، وبَخِيلٌ من بُخَلاء، ورجلٌ بَخَلٌ محرَّكةً وصفٌ بالمصدر، وبَخَالٌ كسَحَابٍ، وشَدَّادٍ، ومُعَظَّمٍ، وأبخله: وجده بَخِيلْا، وبَخَّلَهُ تبخيلًا: رماه به. انتهى (١).
(فَلَسْتُ ببَاخِلٍ") قال النوويّ ﵀: معناه أنهم أَلَحُّوا في المسألة؛ لضعف إيمانهم، وألجأَوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفُحْش، أو نِسْبتي إلى البخل، ولست بباخل، ولا ينبغي احتمال واحد من الأمرين، ففيه مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألُّفهم إذا كان فيهم مصلحة، وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: أنهم ألحّوا عليه في المسألة، واشتطّوا في السؤال، وقَصَدوا بذلك أحد شيئين:
إما أن يَصلُوا إلى ما طَلَبُوه، أو يَنسُبُوه إلى البخل، فاختار النبيّ ﷺ ما يَقتضيه كَرَمه، من إعطائهم ما سألوه، وصبرِه على جفوتهم، فسَلِمَ من نسبة البخل إليه؛ إذ لا يليق به، وحَلُم عنهم كي يتألّفهم، وكان عمر ﵁ عَتَبَ عليه في ذلك؛ نظرًا إلى أنّ أهل الدين، والْغَنَاء فيه أحقّ بالمعونة منهم، وهذا هو الذي ظهر لسعد بن أبي وقّاص ﵁، فأعلمهما النبيّ ﷺ بمصالح أُخَر لم تخطُر لهما، هي أولى مما ظهر لهما. انتهى (٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٢٤٢٨] (١٠٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٨)، والله تعالى أعلم.
стр. 11666
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إعطاء من سأل بفحش وغِلظة، وتحمّل ذلك منه.
٢ - (منها): بيان جواز الإعطاء لحفظ العِرْض.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة التحمّل لأذى المنافقين، وضعفاء الإيمان، وكثرة عفوه وصفحة عنهم؛ امتثالًا لأمر الله له بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
٤ - (ومنها): مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألّفهم إذا كان في ذلك مصلحة، وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٩] (١٠٥٧) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا (ح) وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَني مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيُّ، غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيُّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ، مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ).
رجال هذا الإسناد:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ) أبو يحيى العبديّ، كوفيّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ [٩].
رَوَى عن مالك، وابن أبي ذئب، وحَرِيز بن عثمان، وحنظلة بن أبي
стр. 11667
سفيان، وأفلح بن حميد، وداود بن قيس الفَرّاء، وأبي جعفر الرازيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، والحسن بن مكرم البزار، آخر أصحابه، وابن نُمَير، وأبو كريب، وغيرهم، وروى عنه محمد بن بِشْر العبدفي، وهو من أقرانه.
قال أبو أسامة: كنا نستسقي به، وأثنى عليه أحمد، وقال أبو مسعود: يقال: كان من الأبدال، وقال محمد بن سعيد الأصبهانيّ: ثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقةً، وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين، وقال العجليّ: ثقةٌ رجل صالحٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: صالح، ووثقه ابن نمير، وقال الحاكم: ثقةٌ، وقال ابن وضاح الأندلسيّ: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، متعبدٌ كبيرٌ، وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة، وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات"، وأرخه سنة مائتين، وقال محمد بن سعد: كان ثقةً، له فضل في نفسه وورع، مات بالري سنة (١٩٩)، وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (٢٠٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٥٧) و (١٢١١) و (٢٠٨٥) وبعد حديث (٢٦٧٢) وفي حديث (٢٩٠٥).
٣ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٦ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
стр. 11668
له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي) وفي رواية الأوزاعيّ: "أدخل المسجد" (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ) جملة حاليّة، والرداء بالكسر والمدّ: ما يُرْتدى به، مذكَّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، والتثنية رداءان بالهمز، وربّما قُلبت الهمزة واوًا، فقيل: ردا وان، والجمع أرديةٌ، مثل سِلاح وأسلحة (١).
وفي رواية البخاريّ: "وعليه بُرْد"، والْبُرْد -بضم الباء الموحدة- نوع من الثياب معروف، والجمع أَبْرادٌ، وبُرُودٌ.
(نَجْرَانِيٌّ) بالنون المفتوحة، وسكون الجيم، وبالراء: نسبة إلى نَجْران بلد معروفٌ بين الحجاز واليمن، قاله في "الفتح". وقال الفيّوميّ ﵀: ونجران: بلد من بلاد هَمْدَانَ من اليمن، قال الطبريّ: سُمِّيَت باسم بانيها نجران بن زيد بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان. انتهى (٢).
(غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ) أي الطرف، وفي رواية الأوزاعيّ: "الصَّنِفَة" بفتح الصاد المهملة، وكسر النون، بعدها فاء، وهي طرف الثوب مما يلي طُرَّته (٣). (فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) أي لحقه من ورائه، زاد همّام: "من أهل البادية"، وفي رواية الأوزاعيّ: "فجاء أعرابيّ من خلفه"، وهذا الأعرابيّ: لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (٤). (فَجَبَذَهُ) أي جبذ الأعرابيّ النبيّ ﷺ ، وهو بفتح الجيم، والموحّدة، بعدها ذال معجمة، وفي رواية الأوزا عيّ: "فجذب"، وهو بمعنى "جبذ"، قاله في "الفتح"، وقال الفيّوميّ ﵀: جبذه جَبْذًا، من باب ضرب، مثلُ جذبه جذبًا، قيل: مقلوب منه، لغةٌ تميميّةٌ، وأنكره ابن السّرّاج،
стр. 11669
وقال: ليس أحدهما مأخوذًا من الآخر؛ لأن كلَّ واحد متصرّف في نفسه. انتهى (١). (بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً) وفي الرواية الآتية: "ثم جبذه إليه جبذةً، رجع نبيّ الله ﷺ في نحر الأعرابيّ".
قال أنس ﵁: (نَظَرْتُ) وفي رواية البخاريّ: "فنظرتُ" بالفاء (إِلَى صَفْحَةِ عُنقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) كذا هو بلفظ "عُنُق" عند جميع الرواة عن مالك، وكذا في رواية الأوزاعيّ، ووقع عند البخاريّ بلفظ "عاتق".
والصفحة -بالفتح وبالهاء، وبدونها- من كلّ شيء جانبه، والجمع: صفحات، مثلُ سجدة وسَجَدَات.
و"الْعُنُق": الرقبة، وهو مذكّرٌ، ويؤنّثه أهل الحجاز، فيقولون: هي العنُقُ، والنون مضمومة؛ للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق (٢).
و"العاتق": ما بين المنكب والعُنُق، وهو موضع الرداء، ويذكّر ويؤنّث، والجمع عواتق (٣).
وقوله: (وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) أي في صفحة عنقه ﷺ ، فالباء بمعنى "في" (حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ) جملة حاليّة، وفي رواية همّام: "فجاذبه حتى انشقّ البُرد، وحتى بقيت حاشيته في عُنُق رسول الله ﷺ "، قال في "الفتح": وزاد أن ذلك وقع من الأعرابيّ لَمّا وَصَل النبيّ ﷺ إلى حجرته، ويُجْمَع بأنه لقيه خارج المسجد، فأدركه لَمّا كاد يدخل، فكلمه، أو مسك بثوبه لما دخل، فلما كاد يدخل الحجرة خَشِي أن يفوته فجبذه. انتهى (٤).
(مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي) وفي رواية الأوزاعيّ: "أعطنا"؛ أي مُرْ وكلاءك بأن يعطوا لي، أو مر بالعطاء لأجلي (مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ) أي من غير صنيع لك في إعطائك، كما صرح في رواية، حيث قال: "لا من مالك، ولا من مال أبيك"، قيل: المراد به مال الزكاة، فإنه كان يُصرَف بعضه إلى المؤلفة (٥).
стр. 11670
(فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ) وفي رواية الأوزاعيّ: "فتبسّم، ثم قال: مُرُوا له" (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) وفي رواية همّام: "وأمر له بشيء"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٢٤٢٩ و ٢٤٣٠، (١٠٥٧)، و (البخاريّ) في "الخمس" (٣١٤٩) و"اللباس" (٥٨٠٩) و"الأدب" (٦٠٨٨)، و (ابن ماجه) في "اللباس" (٣٥٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٣ و ١٥٣ و ٢١٠ و ٢٢٤)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٩)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ ﵀: لم أر هذا الحديث عند أحد من رواة "الموطأ" إلا عند يحيى بن بكير، ومَعْن بن عيسى، ورواه جماعة من رواة "الموطأ" عن مالك، لكن خارج "الموطأ"، وزاد ابن عبد البر أنه رواه في "الموطأ" أيضًا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، وسليمان بن صُرَد.
قال الحافظ ﵀: ولم يخرجه البخاريّ إلا من رواية مالك، وأخرجه مسلم أيضًا من رواية الأوزاعيّ، ومن رواية همام، ومن رواية عكرمة بن عمار، كلهم عن إسحاق بن أبي طلحة، وساقه على لفظ مالك، وبَيَّن بعض لفظ غيره. انتهى (١).
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إعطاء من سأل بفُحش وغِلظة.
٢ - (ومنها): بيان حلمه ﷺ ، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألُّفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل، من الصفح، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن.
قال القرطبيّ ﵀: يدلّ الحديث على ما وصف الله تعالى به نبيّه ﷺ أنه
стр. 11671
على خلق عظيم، وأنه رؤوف رحيم، فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابيّ لا يصبر عليه، ولا يحلُم عنه مع القدرة عليه إلا مثله ﷺ ، ثم ضحكه عند هذه الجبذة الشديدة التي انشقّ البرد لها، وتأثّر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته، ورجع إلى نحر الأعرابيّ دليل على أن الذي تمّ له من مقام الصبر والحلم ما تمّ لأحد، وهذا نظير صبره ﷺ ، وحلمه يوم أُحد حيث كُسِرت رَبَاعيته، وشُجّ في وجهه، وهو في هذا الحال يقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، ﷺ وشرّف وكرّم. انتهى (١).
وأخرج أبو داود، والنسائيّ، واللفظ له، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد، فإذا قام قمنا، فقام يومًا، وقمنا معه، حتى لَمّا بلغ وسط المسجد أدركه رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خَشِنًا، فحَمَّر رقبته، فقال: يا محمد احمل لي على بعيريَّ هذين، فإنك لا تَحْمِل من مالك، ولا من مال أبيك، فقال رسول الله ﷺ : "لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تُقِيدني مما جبذت برقبتي"، فقال الأعرابيّ: لا والله لا أُقيدك، فقال رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كلُّ ذلك يقول: لا والله لا أقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابيّ أقبلنا إليه سِرَاعًا، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ ، فقال: "عَزَمتُ على من سمع كلامي أن لا يَبْرح مقامه حتى آذن له"، فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: "يا فلان احمل له على بعيرٍ شعيرًا، وعلى بعير تمرًا"، ثم قال رسول الله ﷺ : "انصرفوا"، وفي سنده هلال بن أبي هلال المدنيّ وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ: لا يُعرف.
٣ - (ومنها): أن قوله: "غليظ الحاشية" يدلّ على إيثار النبيّ ﷺ من الدنيا، والتبلّغ منها بما أمكن من اللباس، والمطعم، وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفّه في الدنيا، ولا يتوسّع فيها.
٤ - (ومنها): بيان جفاء الأعراب، وغلظة طبيعتهم، فهم كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 11672
عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثنا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيْهِ جَبْذَةً، رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ، وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى العوذيّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقة إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فمضطرب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٦ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٧ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاج الْخَولانيّ الحمصيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٤.
стр. 11673
٨ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: "كُلُّهُمْ إلخ" أي كلّ هؤلاء الثلاثة: همّام، وعكرمة، والأوزاعيّ رووا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ.
وقوله: (رَجَعَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ) النحر: أعلى الصدر، أو وقع ﷺ على صدر الأعرابيّ من شدة جبذته، قال الطيبيّ ﵀: أي استَقْبَل نَحْرَهُ استقبالًا تامًّا، وهو معنى قوله: "وإذا التَفَتَ التفت معًا" (١)، وهذا يدل على أنه لم يتغير، ولم يتأثر من سوء أدبه.
وقوله: (فَجَاذَبَهُ) هو بمعنى جبذه في الرواية السابقة.
وقوله: (وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قال القاضي عياض: ﵀: يَحْتَمِل أنه على ظاهره، وأن الحاشية انقطعت، وبقيت في العنق، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: بقي أثرها؛ لقوله في الرواية الأخرى: "أَثَّرَت بها حاشية الرداء". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٤) - (بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ إِنْ لَمْ يُعْطَ، وَتَصَبُّرِ مَنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣١] (١٠٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ
стр. 11674
مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: "خبَّأتُ هَذَا لَكَ"، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله التيميّ المكيّ، ثقة فقيه فاضل، أدرك ثلاثين صحابيًّا [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
٤ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٦٤) (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابنُ صحابيّ ﵄.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) وفي رواية أحمد، عن أبي النضر هاشم، عن الليث، حدّثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم، وإسكان السين المهملة، وفتح الواو (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين، بينهما خاء معجمة ساكنة.
[تنبيه]: قوله: "عن المسور بن مَخْرَمة إلخ": هكذا أسنده الليث بن سعد، وتابعه حاتم بن وردان، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة، كما في الرواية التالية، وأرسله حماد بن زيد، كما عند البخاريّ في "الخمس"، وتابعه ابن عليّة، كما عنده أيضًا في "الأدب"، كلاهما عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن
стр. 11675
النبيّ ﷺ ، وقد رجّح الإمام البخاري الموصول؛ لحفظ من وصله، أفاده في "الفتح" (١).
(أنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية حاتم التالية: "قَدِمت على النبيّ ﷺ أقبية"، وفي رواية حماد: "أهديت للنبيّ ﷺ أقبية، من ديباج مُزرُورة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه" (أقبِيَةً) جمع قَبَاءٍ، قال الفيّوميّ: الْقَبْوُ: معروف، والجمع أَقْبَاءٌ، والْقَبَاءُ ممدودًا عربيّ، والجمع: أقبية، وكأنه مشتقّ من قَبَوتُ الحرف أَقبوه قَبْوًا: إذا ضممته. انتهى (٢).
(وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا) أي في حال تلك القسمة، وإلا فقد وقع في رواية حماد بن زيد، عند البخاريّ متصلًا بقوله: "من أصحابه، وعَزَل منها واحدًا لمخرمة".
[تنبيه]: مخرمة هذا والد المسور ﵄ هو ابن نوفل الزهري، كان من رؤساء قريش، ومن العارفين بالنسب، وأنصاب الحرم، وتأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حُنينًا، وأُعطي من تلك الغنيمة مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة، ذكره ابن سعد، قاله في "الفتح" (٣).
وقال في "الإصابة": مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو صفوان، وأبو المسور الزهري، أمه رُقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو والد المسور بن مخرمة الصحابي المشهور، قال الزبير بن بكار: كان من مسلمة الفتح، وكانت له سنّ عالية، وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه النسب. وزاد ابن سعد: وكان عالِماً بأنصاب الحرم، فبعثه عمر، هو وسعيد بن يربوع، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، فجددوها، وذكر أن عثمان بعثهم أيضًا، وأخرج الزبير بن بكار، من حديث ابن عباس: أن جبريل ﵇ أَرى إبراهيم ﵇، أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جددها إسماعيل ﵇، ثم جددها قصي بن كلاب، ثم جددها
стр. 11676
النبيّ ﷺ ، ثم بعث عمر الأربعة المذكورين، فجدّدوها، وفي سنده عبد العزيز بن عمران، وفيه ضعف. انتهى المقصود من "الإصابة" (١).
(فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ) بضم أوله: تصغير "ابن" (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية حاتم: "عسى أن يُعطينا منها شيئًا" فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: (اذخُلْ، فَادْعُهُ لِي) وفي رواية حاتم: "فقام أبي على الباب، فتكلم، فعرف النبيّ ﷺ صوته"، قال ابن التين: لعل خروج النبيّ ﷺ ، عند سماع صوت مخرمة، صادف دخول المسور إليه.
(قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ) أي دعوت النبيّ ﷺ لأجل أبي (فَخَرَجَ إِلَيْهِ) أي إلى مخرمة (وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) جملة حالية؛ أي والحال أن على النبيّ ﷺ قباء من تلك الأقبية.
ثم إن ظاهره استعمالُ الحرير، قيل: ويجوز أن يكون قبل النهي، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كُلَّه، ولم يقصد لبسه، ولا يتعين -كما قال الحافظ- كونه على أكتافه، بل يكفي أن يكون منشورًا على يديه، فيكون قوله: "عليه" من إطلاق الكل على البعض، وقد وقع في رواية حاتم: "فخرج، ومعه قباء، وهو يريه محاسنه"، وفي رواية حماد: "فتلقاه به، واستقبله بأزراره".
(فَقَالَ) ﷺ من باب التألّف ("خَبَأْتُ هَذَا لَكَ") وفي رواية حاتم، تكراره مرّتين، زاد في رواية حماد: "يا أبا المسور"، هكذا دعاه أبا المسور، وكأنه على سبيل التأنيس له ذكر ولده الذي جاء صُحْبَتَهُ، وإلا فكنيته في الأصل أبو صفوان، وهو أكبر أولاده، ذكر ذلك ابن سعد.
(قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: "فنظر إليه مخرمة" (فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ) قال في "الفتح": زاد في رواية هاشم: "فأعطاه إياه"، وجزم الداوديّ أن قوله: "رضي مخرمة" من كلام النبيّ ﷺ على جهة الاستفهام: أي هل رضيت؟ وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكون من قول مخرمة، قال الحافظ: وهو المتبادر للذهن، وزاد حماد في آخر الحديث: "وكان في خُلُقه شِدَّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11677
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المِسور بن مخرمة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٣١ و ٢٤٣٢] (١٠٥٨)، و (البخاريّ) في "الهبة" (٢٥٩٩) و"الشهادات" (٢٦٥٧) و"فرض الخمس" (٣١٢٧) و"اللباس" (٥٨٠٠) و"الأدب" (٦١٣٢)، و (أبو داود) في "اللباس" (٤٠٢٨)، و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٨١٨)، و (النسائيّ) في "الزينة" (٥٣٢٦) و"الكبرى" (٩٦٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٨١٧ و ٤٨١٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٦٠١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٣٨ و ٨/ ٢٥٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ١٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم، ومن يُخاف على إيمانه إن لم يُعط.
٢ - (ومنها): استئلاف من كان سيّئ الأخلاق بالعطية، والكلام الطيب، كما فعل النبيّ ﷺ مع مخرمة، حيث كان في خلقه شدّة.
٣ - (ومنها): بيان جواز لبس الأقبية.
٤ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ في الهبة بالقبض.
٥ - (ومنها): أن البخاريّ ﵁ استدلّ به على جواز شهادة الأعمى؛ لأن النبيّ ﷺ ، عَرَف صوت مخرمة، فاعتمد على معرفته به، وخرج إليه، ومعه القباء الذي خبأه له.
٦ - (ومنها): أن بعض المالكية استنبط منه جواز الشهادة على الخط، وتُعُقّب بأن الخطوط تشتبه أكثر مما تشتبه الأصوات.
٧ - (ومنها): أن فيه ردًّا على من زعم أن المسور لا صحبة له. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11678
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم:
قال العلّامة القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": اختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا المصنف بعزّ الإسلام، وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ الله الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم الله- اجتمعت الصحابة ﵃ أجمعين في خلافة أبي بكر ﵁ على سقوط سهمهم.
وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، قال يونس: سألت الزهريّ عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك. قال أبو جعفر النحّاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، ويُخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربىّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطُوا سهمهم، كما كان رسول الله ﷺ يعطيهم، فإن في "الصحيح": "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ ﵀ هو الأرجح.
وحاصله: أن نصيب المؤلّفة قلوبهم باقٍ على حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة إلى تأليفهم، أُعطوا، وإلا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيى الْحَسَّانِىُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثنَا أيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
стр. 11679
عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ، فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الْخَطَّابِ زِيادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ) النُّكْريّ -بضمّ النون- البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، وحاتم بن وَرْدان، وبشر بن المفضل، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الوهاب الثقفىّ، ومحمد بن سواد، ومالك بن سُعير بن الْخِمْس، وأزهر بن سعد السمان.
ورَوَى عنه الجماعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي طالب، وحسين بن محمد الْقَبَّانيّ، وابن جرير، وابن أبي الدنيا، وابن أبي داود، وأبو عروبة، وابن صاعد، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع وخمسين ومائتين.
روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٠٥٨) و (١٤٠٩) و (١٩٦٢) و (٢٦٨٨).
[تنبيه]: زياد بن يحيى هذا أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيادٌ يُحْتَذَى
٢ - (حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ) هو: حاتم بن وَرْدان بن مروان السَّعْديّ، أبو صالح البصريّ، إمام مسجد أيوب، ثقةٌ [٨].
стр. 11680
رَوَى عن أيوب، وابن عون، والْجُريريّ، ويونس بن عبيد، وبُرد بن سِنَان، وغيرهم.
وروى عنه عفان، وإسحاق ابن راهويه، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو الخطاب زياد بن يحيى، وابنه صالح بن حاتم، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ، عن عمرو بن محمد: مات سنة (١٨٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٥٨) و (١٩٦٢): "من كان ذبح قبل الصلاة، فليُعد … ".
٣ - (أيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) ابن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدِمَتْ) بكسر الدال.
وقوله: (أَقْبِيَةٌ) جمع قباء، وهو فارسيّ معرّبٌ، وقيل: هو عربيّ، واشتقاقه من الْقَبْوِ، وهو الضمّ والجمع، حكاه أبو الفرج الجوزيّ (١) عن شيخه أبي منصور اللغويّ، قاله في "المفهم" (٢).
وقوله: (أَبِي مَخْرَمَةُ) بالرفع بدل من "أبي".
وقوله: (أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا) هكذا النسخ عندنا "منها"، وهو واضح، ووقع عند القرطبيّ بلفظ "منه"، فقال: كذا وقع من رواية "منه" بضمير الواحد، وكأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى، ووقع في رواية أخرى: "منها"، وهي الظاهرة. انتهى (٣).
وقوله: (وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، كسابقه، ولاحقه، قال في "القاموس": و"المحاسن": المواضع الحسنة من البدن،
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠، وقيل: ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، تقدّم قبل باب.
٧ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٨ - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات ﵁ (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، ورواية صالح عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صالحًا أكبر من الزهريّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ) بن أبي وقّاص ﵁ (أنَّهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ، وهو صحيح، وتقديره: قال: أعطى، فحذف لفظة "قال". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمِل أن يكون الضمير للشأن، تفسّره الجملة بعده؛ أي أن الأمر والشأن (أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا) أي جماعة، وفي الرواية المتقدّمة في "كتاب الإيمان": "أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا"؛ أي عددًا من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة (وَأنَا جَالِسٌ فِيهِمْ) جملة حاليّة (قَالَ) سعد (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلًا) هو: جُعَيل بن سُرَاقة الضَّمْريّ، سماه
стр. 11683
الواقديّ في "المغازي"، قاله في "الفتح" (١). (لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ) أي أفضلهم عندي (فَقُمْتُ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، فَسَارَرْتُهُ) أي كلّمته سرًّا، فيه التأدب مع الكبار، وأنهم يُسَارُّون بما كان من باب التذكير لهم، والتنبيه، ونحوه، ولا يُجاهَرُون به، فقد يكون في المجاهرة به مفسدة (٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي أيُّ شيء حملك على العدول عن إعطاء فلان؟ إلى إعطاء غيره (وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الهمزة؛ أي لأعمله، ولا يجوز ضمها، فيصيرَ بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: "غَلَبني ما أعلم منه"، ولأنه راجع النبيّ ﷺ ثلاث مرّات، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرّر المراجعة. انتهى.
وقد تعقّبتُ قول النوويّ هذا في "كتاب الإيمان"، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ) ﷺ ("أَوْ مُسْلِمًا") "أَوْ" هنا للإضراب، بمعنى "بل"، قال القرطبىّ ﵀: الرواية بسكون الواو، وقد غَلِطَ مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛ لأن النبيّ ﷺ لم يُرِد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختصّ بالظاهر الذي يُمكن أن يُدرَكَ، فجاء بـ "أو" التي للتقسيم والتنويع. انتهى (٣).
قَالَ سعد ﵁ (فَسَكَتُّ قَلِيلًا) نُصب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي سُكوتًا قليلًا (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) "ما" موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة بـ "غلبني" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا"، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا" قَالَ: "إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) فيه حذف المفعول الثاني؛ للتعميم، أَيْ أَيَّ عَطاء كان (وَغيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول (خَشْيَةَ) منصوب على أنه مفعول لأجله لـ "أُعطي"؛ أي لأجل خشية أن يكبّه الله في النار، فـ "خشيةَ" مضاف إلى (أَنْ يُكَبَّ) و"أن" مصدريّة، و"يُكبّ" بالبناء
стр. 11684
للمفعول، يقال: أكبّ الرجلُ يُكبّ، لازم، وكبّه الله يكبّه، من نصر، متعدّ، وهو بناء غريب، جاء على خلاف العادة؛ إذ هي أن يكون الثلاثيّ لازمًا، والرباعيّ متعدّيًا، وهنا بالعكس، فالثلاثيّ متعدّ، والرباعيّ لازم، وقد قدّمنا تمام البحث فيه في "كتاب الإيمان" فارجع إليه.
(فِي النَّارِ) متعلّق بـ "يُكبّ"، وكذا قوله: (عَلَى وَجْهِهِ") قال العينيّ ﵀: "خشية" مضاف إلى ما بعده، "وأن" مصدريّة، والتقدير: لأجل خشية كبّ الله إياه في النار.
قال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث أن سعدًا رأى رسول الله ﷺ يعطي ناسًا، ويترك من هو أفضل منهم في الدين، وظَنَّ أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين، وظنّ أن النبيّ ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك، فأعلمه به، وحَلَف أنه يعلمه مؤمنًا، فقال له النبيّ ﷺ : "أو مسلمًا"، فلم يَفْهَم منه النهي عن الشفاعة فيه مرّة أخرى، فسكت، ثم رآه يعطي من هو دونه بكثير، فغلبه ما يَعْلَم من حسن حال ذلك الإنسان، فقال: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ تذكيرًا، وجَوَّز أن يكون النبيّ ﷺ هَمَّ بعطائه من المرة الأولى، ثم نسيه، فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة، إلى أن أعلمه النبيّ ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين، فقال ﷺ : "إني لأعطي الرجلَ، وغيره أحبّ إليّ منه؛ مخافةَ أن يَكُبّه الله في النار"، معناه أني أعطي ناسًا مؤلفة في إيمانهم ضعف، لو لم أعطهم كفروا، فيكبَّهم الله في النار، وأترك أقوامًا هم أحبّ إلي من الذين أعطيتهم، ولا أتركهم احتقارًا لهم، ولا لنقص دينهم، ولا إهمالًا لجانبهم، بل أَكِلُهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور، والإيمان التامّ، وأَثِقُ بأنهم، لا يتزلزل إيمانهم؛ لكماله، وقد ثبت هذا المعنى في "صحيح البخاريّ" عن عمرو بن تغلب ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بمال، أو سبي، فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا، فبلغة أن الذين ترك عَتَبُوا، فحمد الله تعالى، ثم أثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليّ من الذي أُعطي، ولكني أعطي أقوامًا لِمَا أرى في قلوبهم من الجزَع والهَلَع، وأكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب"، فوالله ما أُحِبّ أن لي بكلمة رسول الله ﷺ -
стр. 11685
حُمْرَ النَّعَم. انتهى (١).
وقوله: (وَفي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ تَكْرِيرُ الْقَوْلِ مَرَّتَيْنِ) يعني أن شيخه الحسن بن عليّ الْحُلْوانيّ كرّر في روايته قول سعد ﵁: "فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان … إلخ".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الإيمان" برقم [٣٨٥ - ٣٨٨] (١٥٠) فارجع إليه، تستفد علومًا جمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٢٤٣٤] ( … ) - (حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ، عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، ثم المكيّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ أَخى ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل باب.
стр. 11686
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي كلّ من سفيان بن عيينة، وابن أخي ابن شهاب، ومعمر، رووا هذا الحديث عن الزهريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه قد تقدّمت للمصنّف في "كتاب الإيمان" برقم [٣٨٥] (١٥٠)، وكذا رواية ابن أخي ابن شهاب تقدّمت برقم (٣٨٦)(١٥٠).
وأما رواية معمر، فساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(٤٦٨٥) - حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا عبد الرزاق (ح) وحدّثنا إبراهيم بن بشار، حدّثنا سفيان، المعنى قالا: حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ قَسَمَ بين المسلمين قَسْمًا، فقلت: أعط فلانًا، فإنه مؤمنٌ، قال: "أو مسلم، إني لأعطي الرجل العطاء، وغيره أحب إليّ منه؛ مخافة أن يُكَبَّ على وجهه".
[تنبيه آخر]: ظاهر رواية المصنّف ﵀ هنا، وأصرح منها ما مرّ في "كتاب الإيمان" أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن الزهريّ، وليس كذلك، بل إنما رواه عن معمر، عن الزهريّ؛ لأن معظم الروايات في الجوامع، والمسانيد، عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ بزيادة معمر بينهما، وكذا حدّث به ابن أبي عمر، شيخُ المصنّف في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من طريقه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ،
стр. 11687
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١)، يَعْنِي حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنىّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقةٌ [٣] (خ م مد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"قتالًا" بالتاء من القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: أتقاتلني قتالًا.
وفي رواية البخاريّ: "ثم قالْ أَقْبِلْ أي سعد"، أمر من الإقبال، أو القبول، قاله في "الفتح" (٢).
وقوله: (أَيْ سَعْدُ) "أي" حرف نداء؛ أي يا سعد.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٦] (١٠٥٩) - (حَدَّثَنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (٣) يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُناسًا مِنَ الْأنصَارِ، قَالُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أفاءَ،
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَن أُنَاسًا) المراد بعض الأناس، وهم قومٌ حديثة أسنانهم، فلم يرسخ الإيمان في قلوبهم، كما يدلّ عليه قولهم الآتي: "فقال فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منّا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله ﷺ … ".
وقوله: (مِنَ الْأنصَارِ) جمع ناصر، أو نصير، واللام فيه للعهد، والمراد أنصار رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون قبل الإسلام بأبناء قَيْلَةَ، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبيّ ﷺ الأنصار، فصار عَلَمًا لهم، ونَزَلَ القرآن بمدحهم، وقد أُطلق على أولادهم، وحلفائهم ومواليهم، وإنما فازوا بهذه المنقبة؛ لأجل إيوائهم النبىّ ﷺ ، ونصرته، حيث تبوؤوا الدار والإيمان، وجعلوه مُسْتَقَرًّا ومُتَوَطَّنًا لهم؛ لتمكنهم منه، واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فكان ذلك موجبًا لمحبّتهم، فكانت محبّتهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقد أخرج الشيخان عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"، فسبحان من يختصّ برحمته من يشاء، اللهمّ اختصّنا بفضلك ورحمتك، وأنت أرحم الراحمين.
(قَالُوا) مقول القول قوله الآتي: "يغفر الله لرسول الله ﷺ "، وما بينهما اعتراض (يَوْمَ حُنَيْنٍ) بصيغة التصغير؛ أي يوم غزوة حُنَين، وهو: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، وقصّة حنين أن النبيّ ﷺ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هَوَازن وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نَخْلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا، وتبعت خيل رسول الله ﷺ مَن سَلَك نَخْلَة، ويقال: أقام ﷺ عليها يومًا وليلة، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغَنِم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم،
стр. 11690
ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أَهَلّ ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهرٌ حرامٌ، ورحل راجعًا، فنزل الْجِعْرانة، وأمر بحبس الغنائم بها، فلما رجع من الطائف وصل إلى الجعرانة في خامس ذي القعدة، وإنما أخّر القسمة رجاءَ أن يُسلموا، وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألف شاة (١).
(حِينَ أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وأصل الفيء الردّ والرجوع، ومنه سُمّي الظل بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئًا؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين؛ إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من المال، فهو بطريق التعدي، فإذا غَنِمَه المسلمون منهم، فكأنه رجع إليهم ما كان لهم.
وقوله: (مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ) بيان مقدّم لـ"ما" في قوله: "ما أفاء".
و"هَوَازن": اسم قبيلة من قيس، وهو هوازن بن سعد بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس عيلان، قال الأزهريّ: لا أدري ممّ اشتقاقه، والنسبة إليه هَوَازنيّ؛ لأنه قد صار اسمًا للحيّ، ولو قيل: هَوْزنيّ لكان وجهًا، قاله في "التاج" (٢).
(مَا أفَاءَ) "ما" موصولة، والعائد محذوف؛ أي الذي أفاءه؛ أي ردّه الله عليه (فَطَفِقَ) أي شرع، وأخذ، وهو بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ وضَرَبَ طَفْقًا وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، وهو خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طَفِقَ، وطَفَقَ بمراده: ظَفِرَ، وأطفقه الله به، وطَفِقَ الموضعَ، كفرحَ: لَزِمَه، قاله في "القاموس" (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فطَفِق … إلخ" أي جعل، وهي من أخوات "كاد"، إلا أنها متّصلة بالفعل الذي هو خبرها، و"كاد" مقاربة مفارقة. انتهى (٤).
стр. 11691
(رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ) هم المؤلّفة قلوبهم، وقد سَرَدَ أبو الفضل بن طاهر في "المبهات" له أسماء المؤلَّفة، وهم: أبو سفيان بن حرب (س)، وسهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزَّى (س)، وحكيم بن حِزَام، وأبو السنابل بن بَعْكَك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء من قريش.
وعُيينة بن حِصْن الفزاريّ، والأقرع بن حابس التميميّ، وعمرو بن الأيهم التميميّ (س) (١)، والعباس بن مِرداس السّلميّ (س)، ومالك بن عوف النصريّ، والعلاء بن حارثة الثقفيّ، قال الحافظ: وفي ذكر الأخيرين نظرٌ، فقيل: إنهما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة.
وذكر الواقديّ في المؤلفة (س) معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأُسيد بن حارثة، ومَخْرَمة بن نوفل (س) وسعيد بن يربوع (س) وقيس بن عديّ (س) وعمرو بن وهب (س) وهشام بن عمرو.
وذكر ابن إسحاق مَن كُتب عليه السين، وزاد: النضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم.
وممن ذكره فيهم أبو عُمر: سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حُذيفة.
وذكر ابن الجوزيّ فيهم: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السهميّ، وعمير بن مِرداس، وذكر غيرهم فيهم: قيس بن مخرمة، وأُحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شَرِيق، وحرملة بن هَوْذة، وخالد بن هَوْذة، وعكرمة بن عامر العبدريّ، وشيبة بن عُمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزوميّ، فهؤلاء زيادة على أربعين نفسًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢)، وهو بحث مفيدٌ.
وقوله: (الْمِائَةَ مِنَ الإبِلِ) بنصب "المائةَ" على أنه مفعول ثانٍ لـ "أَعْطَى"،
стр. 11692
وقوله: (فَقَالُوا) تأكيد لـ "قالوا" السابق أعاده لطول الفصل، فهو كقوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] أعاد "لَمَا"؛ لما ذُكر؛ أي قال أناس من الأنصار (يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ) ﷺ أي حيث أخطأ في زعمهم، فأعطى قريشًا، وتركهم.
قال الطيبيّ ﵀: قولهم: "يغفر الله" توطئة وتمهيد لما يَرِد بعده من العِتاب كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]. انتهى.
وقوله: (يُعْطِي قُرَيْشًا) جملة حاليّة من "رسول الله"؛ أي حال كونه يُعطي رجالًا من قريش (وَيَتْرُكُنَا) أي لا يُعطينا معهم، وقوله: (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ) جملة حاليّة من الضمير المنصوب، وهو من المقلوب، والأصل: ودماؤنا تقطر من سيوفنا، ويَحْتَمل أن تكون "من" بمعنى الباء الموحّدة، وبالغ في جعل الدم قطّر السيوف، قاله في "الفتح" (١).
وقال في "المرقاة": قولهم: "وسيوفنا تقطر" بضم الطاء؛ أي والحال أن سيوفنا نحن معاشر الأنصار، تقطُر من دماء كفار قريش، بمحاربتنا إياهم حتى يُسْلِموا.
وقال الطيبيّ: قولهم: "وسيوفنا تقطر من دمائهم" من باب قول العرب: عَرَضْتُ الناقةَ على الحوض، وأنشد:
لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى … وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا
ولا يبعد أن يكون التقدير: وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم، وهو إشعار بقرب قتلهم كفارَ قريش، وإيماءٌ إلى أنهم أولى بزيادة البرّ، فالجملة حالٌ مقررة لجهة الإشكال. انتهى (٢).
(قَالَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (فَحُدِّثَ) بضمّ الحاء، وتشديد الدال المكسورة، مبنيًّا للمفعول؛ أي أُخبر (ذَلِكَ) أي ما قاله أناس من الأنصار: "يغفر الله لرسول الله ﷺ … إلخ" (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وقوله: (مِنْ قَوْلهِمْ) متعلّق
стр. 11693
بحال من اسم الإشارة؛ أي حال كونه من جملة مقولهم (فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ) ببناء الفعل للفاعل؛ أي أرسل النبىّ ﷺ رسولًا ليجتمعوا عنده (فَجَمَعَهُمْ) ذلك الرسول، أو أمر ﷺ بجمعهم (فِي قُبَّةٍ) أي خيمة (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين؛ أي من جلد (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا حَدِيثٌ) أي أَيُّ شيء خبر عظيم (بَلَغَني عَنْكُمْ؟ "، فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأنصَارِ) أي علماؤهم (أمَّا ذَوُو رَأيِنَا) أي أصحاب عقولنا وفهومنا، وفي بعض النسخ: "أما ذوو آرائنا" بالجمع (يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا) أي مما بلغك (وَأمَّا أُنَاسٌ) أي جماعة (مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ) أي جديدةٌ أسنانهم، جمع سِنّ، بمعنى العمر، والمراد منهم الشبان (قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ) ﷺ (يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإنِّي أُعْطِي رِجَالًا) حذف المفعول الثاني؛ أي من هذا المال (حَدِيثى عَهْدٍ بِكُفْرٍ) أي قريبي زمن بكونهم كفّارًا (أتألَّفُهُمْ) جملة حاليّة؛ أي حال كوني تألّفًا لهم؛ أي طالبًا إلفتهم بالإسلام بإعطاء المال، لا لكونهم من قريش، أو لغرض آخر من الأحوال.
(أفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ) أي غيركم من المتألَّفة قلوبهم (بِالْأَمْوَالِ) أي بالغنائم التي أُعطوها (وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل، بفتح، فسكون: أي منازلكم في المدينة (بِرَسُولِ اللهِ) ﷺ (فَوَاللهِ لَمَا) بفتح اللام، وهي الموطّئة للقسم، و"ما" موصولة؛ أي للّذي (تَنْقَلِبُونَ بهِ) أي ترجعون به إلى رحالكم، وهو رسول الله ﷺ (خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ") أَي من المال؛ لأنه عرض الحياة الدنيا الفانية، ورسول الله ﷺ ذُخر وكنز عظيم يبقى في الدنيا والآخرة (فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي بلى إن الذي ننقلب به خير من الذين ينقلبون به (قَدْ رَضِينَا) أي رضينا بك عِوَضًا من المال، وفيه تأكيد لما فُهِم من "بلى"، وما أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا … لَنَا عِلْمٌ وَلِلأعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ … وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ (١)
(قَالَ) ﷺ ("فَإنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً شَدِيدَةً) "الأَثَرَةُ" -بضم الهمزة، وسكون
стр. 11694
الثاء المثلثة، وبفتحتين- وهو اسم من آثر يؤثر إيثارًا: إذا أعطى، قال ابن الأثير ﵀: أراد أنه يُؤثَر عليكم، فيُفَضَّل غيركم من نصيبه من الفيء، ويُرْوَى إِثْرةً -بكسر أوله، مع الإسكان- وهو الانفراد بالشيء المشترَك دون من يشاركه فيه، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": والمعنى أنه يُستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق، وقال أبو عبيد: معناه يُفَضَّل نفسه عليكم في الفيء، وقيل: المراد بالأثرة الشِّدّة، ويرده سياق الحديث وسببه. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أثرة شديدة" رُوي عن العذريّ، والطبريّ، وهي روايتنا "أَثَرَةً" بفتح الهمزة والثاء، قال أبو عبيد: أي يُستأثَر عليكم، فيُفَضِّل غيركم نفسَهُ عليكم في الفيء، والأثرة: اسم من آثر يُؤثر إيثارًا، قال الأعشى:
اسْتَأثَرَ اللهُ بِالْبَقَاءِ وبِالـ … ـعَدْلِ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا
قال: وسمعت الأزهريّ يقول: الأثرة: الاستئثار، والجمع الأَثَر، وعند أبي بحر في هذا الحرف بضمّ الهمزة، وسكون الثاء، وأصل الأثْرة: الفضلُ، قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أُثْرةٌ؛ أي فضل، ومعناه قريبٌ من الأول، وقُيّد عن عليّ أبي الحسين بن سراج بالوجهين. انتهى (٣).
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ) (وَرَسُولَهُ) ﷺ ؛ أي يوم القيامة (فَإنِّي عَلَى الْحَوْضِ") أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيَحْصُل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر (قَالُوا: سَنَصْبِرُ) أي على ما يلقانا من الإيثار علينا، ويواجهنا من المكروه، وسيأتي في الرواية التالية قول أنس ﵁ في آخر الحديث: "فلم نَصْبِر"، وفي رواية: "فلم يَصْبِروا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11695
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٣٦ و ٢٤٣٧ و ٢٤٣٨ و ٢٤٣٩ و ٢٤٤٠ و ٢٤٤١ و ٢٤٤٢] (١٠٥٩)، و (البخاريّ) في "فرض الخمس" (٣١٤٧) و"مناقب الأنصار" (٣٧٧٨) و"المغازي" (٤٣٣١ و ٤٣٣٢ و ٤٣٣٣ و ٤٣٣٤ و ٤٣٣٧) و"اللباس" (٥٨٦٠) و"التوحيد" (٧٤٤١)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٩٠٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤/ ٥٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨ و ١٦٩ و ١٧٢ و ١٨٨ و ٢٠١ و ٢٤٦ و ٢٤٩ و ٢٧٥ و ٢٧٩ - ٢٨٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٥٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٢ - ١٢٥)، وفي "الحلية" (٣/ ٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٦٩)، و (الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٤/ ١٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنائم.
٢ - (ومنها): بيان إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحقّ عند الحاجة إليه.
٣ - (ومنها): بيان حسن أدب الأنصار ﵃ في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نُقِل عنهم إنما كان عن شُبّانهم، لا عن شيوخهم وكهولهم.
٤ - (ومنها): أن فيه مناقبَ عظيمةً للأنصار ﵃ لِمَا اشتمل من ثناء الرسول ﷺ البالغ عليهم.