(فَقَالَ) ﷺ ("هُوَ) أي اللحم المتصدق به على بريرة ﵁ (لَهَا صَدَقَةٌ) بالرفع، على أنه خبر "هو"، و"لها" صفة قُدِّمت، فصارت حالًا، على قاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خَلَلُ
ويجوز النصب فيها على الحال، والخبر "لها"، قال في "الفتح": يؤخذ منه أن التحريم إنما هو على الصفة، لا على العين.
(وَلَنَا هَدِيَّة") أي حيث أهدته بريرة إلينا فهو هدية، وذلك لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية، وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، كتصرفات سائر الملاك في أملاكهم.
والفرق بينهما أن الصدقة منحة لثواب الآخرة، والهدية تمليك الغير شيئًا توذدًا إليه، وإكرامًا له، ففي الصدقة نوع ذُلّ للآخذ، فلذلك حُرِّمت الصدقة عليه ﷺ دون الهدية، وقيل: لأن الهدية يُثاب عليها في الدنيا، فتزول المنة، والصدقة يراد بها ثواب الآخرة، فتبقى المنة، ولا ينبغي للنبيّ ﷺ أن يَمُنّ عليه غير الله . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٠/ ٢٤٨٦ و ٢٤٨٧ و ٢٤٨٨ و ٢٤٨٩، (١٠٧٥) وسيأتي في "العتق " (١٥٠٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٣) و"الهبة" (٢٥٧٨) و"النكاح " (٥٠٩٧) و"الطلاق" (٥٢٧٩)، و (النسائيّ) في "الطلاق " (٦/ ١٦٥ - ١٦٦) و"الكبرى" (٢/ ٥٩ و ٣/ ١٩٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٥٦٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنفه" (٧/ ٢٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ١٥)، و (الطيالسي) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٠ و ١٧٥ و ١٨٠ و ٢٠٧، ١٩١)، و (الدارميّ) في "سننه " (٢/ ٢٢٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٢٩ و ٢٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١١٥ و ٥١١٦)،
стр. 11902
و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤٠)، و (الطبرانيّ) في " لصغير" (١/ ٢٩١) و"الأوسط" (٥/ ٢٠٧) و"الكبير" (٢٤/ ٢٠٤)، و (الضياء) في "المختارة" (٧/ ٨٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ١٨)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٤١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٦١ و ١٨٥ و ٧/ ١٣٤ و ٢٣٠/ ٢٩٥/ ١٠)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة الهديّة للنبيّ ﷺ ، وآله.
٢ - (ومنها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ مطلقًا، وجواز التطوع منها على من يُلحق به في تحريم صدقة الفرض، كأزواجه ومواليه، قاله في "الفتح".
٣ - (ومنها): جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل، سواء كان فيه أم لا.
٤ - (ومنها): أن موالي أزواج النبي ﷺ لا تحرم عليهنّ الصدقة، وإن حَرُمت على الأزواج.
٥ - (ومنها): جواز أكل الغنيّ ممّا تُصُدّق به على الفقير؛ إذا أهداه له، وبالبيع أولى.
٦، - (ومنها): بيان جواز قبول الغنيّ هدية الفقير.
٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ الفرق بين الصدقة والهدية في الحكم.
٨ - (ومنها): أن فيه نصح أهل الرجل له في الأمور كلّها.
٩ - (ومنها): جواز أكل الإنسان من طعام مَن يُسَرّ باكله منه، ولو لم يأذن له فيه بخصوصه.
١٠ - (ومنها): بيان أن الأمة إذا أُعتقت جاز لها التصرف بنفسها في أمورها، ولا حجر لمعتقها عليها؛ إذا كانت رَشِيدة، وأنها تتصرف في كسبها دون إذن زوجها إن كان لها زوج.
١١ - (ومنها): بيان جواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة ﵂ كانت تمون بريرة ﵂، ولم ينكر عليها قبولها الصدقة.
стр. 11903
١٢ - (ومنها): أن لمن أُهدي لأهله شيءٌ أن يُشْرِك نفسَهُ معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله ﷺ : "وهو لنا هدية".
١٣ - (ومنها): أن من حَرُمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغير حكمها.
١٤ - (ومنها): بيان أنه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرف في بيته بالطبخ وغيره بآلاته، ووقوده.
١٥ - (ومنها): جواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحلّ في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يُخشَى توقفه عنه.
١٦ - (ومنها): استحباب السؤال عما يُستفاد به علم، أو أدب، أو بيان حكم، أو رفع شبهة، وقد يجب.
١٧ - (ومنها): سؤال الرجل عما لم يَعْهَده في بيته.
١٨ - (ومنها): أن هدية الأدنى للأعلى لا تستلزمِ الإثابة مطلقًا.
١٩ - (ومنها): استحباب قبول الهدية، وإن نزُرَ قدرُها جَبْرًا لخاطر المهدى.
٢٠ - (ومنها): بيان أن الهدية تُملك بوضعها في بيت المهدى له، ولا يُحتاج إلى التصريح بالقبول.
٢١ - (ومنها): بيان أن لمن تُصُدّق عليه بصدقة أن يَتَصَرَّف فيها بما شاء، ولا ينقص أجر المتصدِّق.
٢٢ - (ومنها): بيان أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل؛ إذا لم يكن فيه شبهةٌ، ولا عن الذبيحة إذا ذُبِحت بين المسلمين.
٢٣ - (ومنها): بيان أن من أُهدي إليه أو تُصُدِّق عليه بشيء قليل لا ينبغي أن يتسخطه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٨٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَ، بو مُعَاوَيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ
стр. 11904
قَضِيَّاتٍ: كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا، وَتُهْدِيُ لنا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَلَكُمْ هَدِيَّةٌ، فَكُلُوهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنٌ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت هـ ١٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه فاضل [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٥ - (أَبوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ) هو بمعنى الرواية الأخرى: "ثلاث سنن"، ذكر قضيّة، وترك الاثنتين، وقد ساقه بتمامه في "العتق"، فقال: عن عائشة، قالت: كان في بريرة ثلاث قضيّات: أراد أهلها أن يبيعوها، ويشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "اشتريها، وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق"، قالت: وعَتَقَت فخيّرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها، قالت: وكان الناس يتصدقون عليها، وتهدي لنا، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "هو عليها صدقة، وهو لكم هديةٌ، فكلوه".
ولفظ البخاريّ: كان في بريرة ثلاث سُنَن: أرادت عائشة أن تشتريها، فتعتقها، فقال أهلها: ولنا الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "لو شئت شرطتيه لهم، فإنما الولاء لمن أعتق"، قال: وأُعتقت، فَخُيِّرت في أن تَقِز تحت زوجها، أو تفارقه، ودخل رسول الله ﷺ يومًا بيت عائشة، وعلى النار بُرْمَة تفور، فدعا بالغداء، فأُتِي بخبز وأُدْم من أُدْم البيت، فقال: "ألم أَرَ
стр. 11905
لحمًا؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تُصُدّق به على بريرة، فاهدته لنا، فقال: "هو صدقة عليها، وهدية لنا".
[تنبيه]: قوله: "ثلاث قضيّات" قال في "الفتح": قد جمع بعض الأئمة فوائدَ هذا الحديث، فزادت على ثلاثمائة، ولخصتها في "فتح الباري". انتهى، وسأقتدي به في "كتاب العتق" -إن شاء الله تعالى-.
[تنبيه آخر]: أخرج النسائيّ ﵀ هذا الحديث من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة عن بريرة، قالت: "كان فِيَّ ثلاث سنن … " الحديث، ورجاله موثقون، لكن قال النسائيّ: إنه خطأ؛ يعني أن الصواب عن عروة، عن عائشة، أفاده في "الفتح".
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المثّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (سِمَاكُ) بن حرب الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 11906
[تنبيه]: رواية سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم هذه ساقها المصنّف في "كتاب العتق"، فقال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها اشترت بريرة من أُناس من الأنصار، واشترطوا الولاء، فقال رسول الله ﷺ : "الولاء لمن وَلي النعمة"، وخَيَّرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبدًا، وأَهْدت لعائشة لحماً، فقال رسول الله ﷺ : "لو صنعتم لنا من هذا اللحم؟ "، قالت عائشة: تُصُدّق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديةٌ".
وأما رواية شعبة، عن عبد الرحمن، فقد ساقها المصنّف ﵀ أيضًا في "العتق"، فقال:
حدّثنا محمد بن المثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يحدث، عن عائشة: أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اشتريها، وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق"، وأُهدي لرسول الله ﷺ لحم، فقالوا للنبيّ ﷺ : هذا تُصُدّق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقةٌ، وهو لنا هدية"، وخُيِّرت، فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حُرًّا، قال شعبة: ثم سألته عن زوجها، فقال: لا أدري.
[تنبيه]: يُستفاد من هاتين الروايتين اللتين سقتهما من نصّ المصنّف ﵀ أن قوله هنا عند الإحالة: "بمثل ذلك" لا يريد به المماثلة في نفس اللفظ، وإنما المراد المماثلة في المعنى، فلا فرق إذا بين قوله: "بمثله"، وقوله: "بنحوه"، إلا أنه من التفنّن في العبارة، وبهذا ينحلّ كثير من المشكلات التي تواجهنا عند إيراد الإحالات من غير نصّ المصنّف حيث تختلف علينا، ولا نجد الاتّفاق فيها بين المحال والمحال عليه، فهذا هو الجواب عنها، فتنبّه لهذا، فإنه من الفوائد المهمات، والثه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11907
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٨٩] ( … ) - (وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنى مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَهُوَ لنَا مِنْهَا هَدِيَّة").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَوبو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أنَسَ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (رَبِيعَةُ) بن أبي عبد الرحمن فرّوخ التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، ثقةٌ فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١١/ ١٦٥٢.
وقوله: (بِمِثْلِ ذَلِكَ) هذا أيضًا مما يؤيّد ما قلناه في البحث السابق، من أنه لا يريد بلفظ "مثل" مماثلة اللفظ، بل مماثلة المعنى؛ لأن ألفاظ سياق المحال مخالف لألفظ سياق المحال عليه، كما هو ظاهر، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم هذه ساقها المصنّف ﵀ أيضًا في "العتق"، فقال:
وحدّثني أبو الطاهر، حدّثنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سُنَن: خُيِّرت على زوجها حين عَتَقَت، وأهدي لها لحمٌ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ ، والْبُرْمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز، وأُدْم من أُدْم البيت، فقال: "ألم أر بُرْمة على النار، فيها لحم؟ "، فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تُصُدّق به على بريرة، فكرهنا أن نُطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقةٌ، وهو منها لنا هديةٌ"، وقال النبيّ ﷺ فيها: "إنما الولاء لمن أَعْتَقَ".
стр. 11908
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى ألامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٠] (١٠٧٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيءٍ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟ " قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتى بَعَثْتُمْ (١) بِهَا إِلَيْهَا، قَالَ: "إِنَّهَا قَدْ بَلَغَت مَحِلَّهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْغُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (خَالِدُ) بن مهران الحذّاء البصريّ، ثهقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٣ - (حَفْصَةُ) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقةٌ [٣] ماتت بعد (١٠٠) (ع) تقدم في "صلاة العيدين" ٢/ ٢٠٥٥.
٤ - (أمّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بالتصغير، ويقال: بفتح النون، بنت كعب، أو بنت الحارث الأنصاريّة، صحابيّة مشهورة، سكنت البصرة (ع) تقدمت في "صلاة العيدين " ٢/ ٢٠٥٤.
و"زُهير" ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة.
стр. 11909
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة، بضمّ النون مصغّرًا، ويقال: بفتحها بنت كعب، أو بنت الحارث ﵂ أنها (قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل قوله: (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشيْءٍ) أي بعض لحمها (فَلَمَا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ") أي من الطعام (قَالَتْ) عائشة ﵁ (لَا) أي ليس عندنا شيء من الطعام (إِلَّا أَن نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتُمْ) هكذا معظم النسخ، وفي بعضها: "بَعَثتَ" بإفراد المخاطب؛ أي بعثت بها أنت (بِهَا) أي بتلك الشاة (إِلَيْهَا) أي إلى نُسيبة (قَالَ) ﷺ ("إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا") - بكسر المهملة- يقع على المكان، والزمان؛ أي زال عنها حكم الصدقة المحزَمة عليّ وصارت لي حلالًا.
وقال في "الفتح": أي إنها لَمّا تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة، فَحَلَّت مَحَلّ الهديّة، وكانت تَحِل لرسول الله ﷺ بخلاف الصدقة، وهذا تقرير ابن بطال بعد أن ضَبَط مَحَلّها بفتح الحاء، وضبطه بعضهم بكسرها، من الحلول: أي بلغت مُسْتَقَرَّها، والأول أولى، وعليه عَوَّل البخاريّ في الترجمة؛ أي حيث قال: "بابٌ إذا تحوَّلت الصدقة". انتهى (١).
وقال ابن بطال ﵀: إنما كان النبيّ ﷺ لا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضَعَة، والأنبياء منزهون عن ذلك؛ لأنه ﷺ كان كما وصفه الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨]، والصدقة لا تحل للأغنياء، وهذا بخلاف الهدية، فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ عطيّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 11910
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٢٤٩٠، (١٠٧٦)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٤٦ و ١٤٩٤) و"الهبة" (٢٥٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ١٤٨ و ١٤٩ و ١٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير الذي أُعطيها، بالبيع والهدية، وغير ذلك.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أزواج النبيّ ﷺ لا تحرم عليهن الصدقة، كما حُرِّمت عليه؛ لأن عائشة ﵂ قَبِلت هدية بريرة، وأم عطية مع علمها بأنها كانت صدقة عليهما، وظَنَّت استمرار الحكم بذلك عليها، ولهذا لم تقدمها للنبيّ ﷺ لعلمها أنه لا تحل له الصدقة، وأقرها ﷺ على ذلك الفهم، ولكنه بَيَّن لها أن حكم الصدقة فيها قد تحوّل، فحَلَّت له ﷺ أيضًا.
٣ - (ومنها): أنه يُستنبط من هذه القصة جواز استرجاع صاحب الدين من الفقير ما أعطاه له من الزكاة بعينه، وأن للمرأة أن تعطي زكاتها لزوجها، ولو كان ينفق عليها منها، وهذا كله فيما لا شرط فيه، قاله في "الفتح".
[تنبيه]: استُشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية، مع حديثها في قصة بريرة؛ لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبيّ ﷺ في كل منهما بما حاصله أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها، ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة، وجاز لمن حُرِّمت عليه أن يتناول منها؛ إذا أهديت له، أو بيعت، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد الاستشكال في "الفتح"، ولم يجب عنه، والظاهر أن ما استبعده من وقوع القصّتين متقاربتين لا بُعد فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11911
(٥١) - (بَابُ قَبُول النَّبِيِّ ﷺ الْهَدِيَّةَ، وَرَدِّهِ الصَّدَقَةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩١] (١٠٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنى ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ، سَأَل عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّة أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَة لَمْ يَأَكُلْ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَام الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (بخ م دت س) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمحيّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قبل باب أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٤) من رباعتات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ ﵁، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) زاد في رواية أحمد، وابن حبّان من طريق حمّاد بن سلمة، عن محمد بن زياد: "من غير أهله" (سَأَل عَنْهُ) أي هل هو هديّة، أو صدقة؟، ولفظ البخاريّ من طريق إبراهيم بن طَهْمان، عن محمد بن زياد: "كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بطعام سأل عنه، أهديّةٌ، أم صدقةٌ؟ … ".
стр. 11912
(فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ) خبر لمحذوف؛ أي هي هديّة (أَكَلَ مِنْهَا) أي من تلك الهديّة؛ لكونها تحلّ له (وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ) أي هي صدقةٌ (لَمْ يَأَكُلْ مِنْهَا) لكونها محرّمة عليه ﷺ ، وفي رواية البخاريّ: "فإن قيل: صدقةٌ، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هديّةٌ ضرب بيده ﷺ ، فأكل معهم".
ومعنى: "ضرب" أي شرع في الأكل مُسرعًا، ومنه ضرب في الأرض: إذا أسرع السير فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٢٤٩١، (١٥٧٧)] و (البخاريّ) في "الهبة" (٢٥٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٢ و ٣٠٥ و ٣٣٨ و ٤٠٦ و ٤٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٨٥) و"المعرفة" (٥/ ٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز قبول الهديّة للنبيّ ﷺ .
٢ - (ومنها): بيان تحريم الصدقة عليه ﷺ مطلقًا فرضها وتطوّعها، قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على أنه ﷺ ما كان يأكل صدقة التطوّع، كما كان لا يأكل صدقة الواجب، وأنها لا تحلّ له. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن فيه استعمالَ الوَرَع، والفَحْص عن أصل المآكل والمشارب.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: كونه ﷺ يسأل عن الطعام، هل هو صدقة أم هديّة؟ يدلّ على أن للمتّقي أن يسأل عمّا خَفي عليه من أحوال الهديّة، والمهدِي حتى يكون على بصيرة من أمره، لكن هذا ما لم يؤذ
стр. 11913
المهدي، والمطعِم، فإن أدّى إلى ذلك، فالأولى ترك السؤال إلا عند الريبة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٢) - (بَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ أتى بِصَدَقَةٍ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٢] (١٥٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْزو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى (ح) وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: "اللَّهُمَّ صَل عَلَيْهِمْ"، فَأَتاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) واسم أبيه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ مات ﵁ سنة (٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤١/ ١٠٧٢.
والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه خمسة من الشيوخ، قرن بين الأربعة؛ لاتحاد كيفتة أخذه عنهم، وفصل الخامس عنهم؛ لاختلاف سنده.
стр. 11914
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه كلّهم، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وكذا الخامس، والرابع ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، فقد شَهِد هو وأبوه أبو أوفى ﵄ بيعة الرضوان تحت الشجرة، وعُمّر عبد الله بعد النبيّ ﷺ دهرًا إلى أن كان آخر من مات من الصحابة ﵃ بالكوفة، وذلك سنة سبع وثمانين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) المراديّ الكوفيّ، تابعيّ صغير، لم يسمع من الصحابة إلا من ابن أبي أوفى، قال شعبة: كان لا يدلس، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى) ﵄، وفي الرواية التالية: "حدّثنا عبد الله بن أبي أوفى"، زاد في رواية للبخاريّ: "وكان من أصحاب الشجرة" (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ) أي بزكاتهم؛ ليفرّقها عنهم (قَالَ: "اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ") أي ارحمهم، واغفر ذنوبهم.
قال القرطبيّ ﵀: لما أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بأخذ الصدقة من الأموال، والدعاء للمتصدّق بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] امتثل ذلك، فكان يدعو لمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقول لهم: "اللهم صلّ عليهم" أي ارحمهم. انتهى (١).
(فَأَتاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى) تقدّم أن اسمه علقمة بن خالد الأسلميّ ﵁ (بصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى") يريد به أبا أوفى، وأما لفظ "آل دا فمقحم، أو المراد به ذات أبي أوفى؛ لأن الآل يُذْكَر ويراد به ذات الشيء، كما قال ﷺ في قصة أبي موسى الأشعريّ ﵁: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"، يريد به داود ﵇، وقيل: لا يقال ذلك إلَّا في حق الرجل الجليل القدير، كآل أبي بكر، وآل عمر ﵄، وقيل: آل الرجل أهله، والفرق بين الآل والأهل أن الآل قد خُصّ بالأشراف، فلا يقال آل الحائك، ولا آل
стр. 11915
الحجام، وأما قولهم: آل فرعون، فلتصوّره بصورة الأشراف، وفي "الصحاح": أصل آل أَوَلٌ، وقيل: أهلٌ، ولهذا يقال في تصغيره أهيلٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٢٤٩٢] (١٠٧٨)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٧) و"المغازي" (٤١٦٦ و ٦٣٣٢ و ٦٣٥٩)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٥٩٠)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ٣١) و"الكبرى" (٢/ ١٥)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٧٩٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنفه" (٢/ ٢١٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٣ و ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٨١ و ٣٨٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣/ ١٩٧ و ٨/ ٧٠)، و (البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٥٧ و ٧/ ٥) و"المعرفة" (٣/ ٣١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب دعاء الإمام لأهل الصدقة إذا أتوه بها، ثم إنه لا يتعيّن لفظ الصلاة، بل أَبُو دعا له بالبركة أصاب السنّة، كما دلّ عليه حديث وائل بن حجر ﵁ في قصّة قال: قال النبيّ ﷺ "اللهم بارك فيه، وفي إبله"، رواه النسائيّ بإسناد صحيح.
قال النوويّ: وقد استحبّ الشافعيّ في صفة الدعاء أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهورًا لك، وبارك لك فيما أبقيت. انتهى (١).
٢ - (ومنها): جواز أن يقال: آل فلان يريد به فلانًا.
٣ - (ومنها): جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور،
стр. 11916
قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدّق بهذا الدعاء؛ لهذا الحديث.
وأجاب الخطّابيّ عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعوّ له، فصلاة النبيّ ﷺ على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى؛ ولذلك كان لا يليق بغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الصلاة على غير الأنبياء مما لا يقوم عليه دليل، فالحقّ أن الصلاة على غيرهم جائزة؛ لحديث الباب وغيره، وقد قدمت تحقيق البحث في ذلك في "كتاب الصلاة" في أبواب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد، من "شرح النسائيّ" فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختُلف في حكم الدعاء للمتصدّق:
ذهب الجمهور إلى أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبّة، وليس بواجب.
وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب، قال النوويّ ﵀: وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطيّ -بالحاء المهملة- واعتمدوا الأمر في الآية، قال الجمهور: الأمر في حقّنا للندب؛ لأن النبيّ ﷺ بعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء، وقد يُجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلومًا لهم من الآية الكريمة.
وأجاب الجمهور أيضًا بان دعاء النبيّ ﷺ صلاته سكن لهم، بخلاف غيره (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لأن ما احتجّوا به كافٍ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمّل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلِّ عَلَيْهِمْ").
стр. 11917
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٣) - (بَابُ إِرْضَاءِ السَّاِي مَا لَمْ يَطْلُبْ حَرَامًا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٤] (٩٨٩) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، كُلُّهُمْ عَنْ دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) دَاوُدُ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدَّقُ، فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ، وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقية، تغير قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
стр. 11918
٣ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٦ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٧ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ متقن [٥] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٨ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٩ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥١) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة قبله.
وقوله: ("إِذَا أتاكُمُ الْمُصَدِّقُ) بضمّ الميم، وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة: هو الذي يأخذ الصدقات ممن وجبت عليه بنصب الإمام له.
وقوله: (فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ) أي فليرجع (وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ") مقصود الحديث الوصاية بالسَّعاة، وطاعة ولاة الأمور، وملاطفتهم، وجمع كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين، وهذا إذا لم يطلب جورًا، وإلا فلا طاعة له؛ لما أخرجه البخاريّ عن أنس ﵁ مرفوعًا: "فمن سُئلها على وجهها، فليُعطها، ومن سُئل فوقها فلا يُعط"، فقيل: المراد لا يُعط الزيادة، بل يُعطي الواجب، وقيل: لا يُعطيه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسُق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا شيئًا، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في أوئل "كتاب الزكاة" برقم [٨/ ٢٢٩٨] (٩٨٩) فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11919
١٣ - (كِتَاب الصِّيَامِ)
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في بيان سبب تقديم الصيام على الحج:
(اعلم): أنه إنما قدّم الصيام على الحجّ؛ نظرًا لكثرة أفراد من يجب عليه، بخلاف الحجّ، فيكون الصوم أفضل من الحجّ، وقيل: الحجّ أفضل؛ لأنه وظيفة العمر، ويُكفّر الصغائر والكبائر.
وعبّر الصيام بالياء، وبعضهم عبّر الصوم بالواو إشارة إلى أن الفعل وهو صام له مصدران، الصيام بالياء، والصوم بالواو، ومعناهما واحد لغةً وشرعًا، والصوم مصدر قياسيّ، والصيام مصدر سماعيّ.
وأصل الصيام من الشرائع القديمة، وأما بهذه الكيفيّة فهو من خصوصيّات هذه الأمة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في معنى الصيام لغةً، وشرعًا:
(اعلم): أن "الصيام" مصدر "صام"، كالصوم"، يقال: صام يصُوم صَوْمًا، وصِيامًا، قيل: هو مطلق الإمساك في اللغة، ثم استُعمل في الشرع في إمساك مخصوص، وقال أبو عبيدة: كل مُمسِك عن طعام، أو كلام، أو سَيْر، فهو صائم، قال النابغة الذُّبْيانيّ [من البسيط]:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْل غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
يعني بالصائمة: الممسكة عن السير، قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف؛ أي القائمة على غير عَلَف، وقيل: الممسكة عن الصَّهِيل،
стр. 11920
ورجل صائم، وصَوَّامٌ -بالفتح- مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَام. انتهى من "المصباح" بزيادة من غيره.
وقال في "التهذيب": الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَح. وقيل للصامت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه.
وقال في "الفتح"؛ والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى.
وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه. انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعمًا كان، أو كلامًا، أو مشيًا؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّرًا لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع: إمساك المكلّف بالنيّة من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاء. انتهى (١).
قال الطيبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقةَ، أو حكمًا، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة. وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفَث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي
стр. 11921
عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص، بشروط مخصوصة، تفصّلها الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائطه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): في بيان أدلّة وجوب الصيام:
(اعلم): أن صوم رمضان واجبٌ، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما السنة فقول النبيّ ﷺ : "بُني الإسلام على خمس … " فذكر منها صوم رمضان، متّفق عليه.
وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟، قال: "شهر رمضان"، قال: هل عليّ غيره؛ قال: "لا إلا أن تطوع شيئا … " الحديث، متّفقٌ عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان (١).
(المسألة الرابعة): متى فُرض الصيام؟:
(اعلم): أنه فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان (٢)، فصام النبيّ ﷺ تسع رمضانات، ثماني نواقص، وواحد كامل على المعتمد، وقيل غير ذلك.
стр. 11922
وقد نظم الأجهوريّ ﵀ الاختلاف في أشهر الصيام التامّة والناقصة في حياته ﷺ ، فقال [من الرجز]:
وَفُرِضَ الصِّيَامُ ثَانِي الْهِجْرَةِ … فَصَامَ تِسْعَةً نَبِيُّ الرَّحْمَةِ
فَأَرْبَعًا تِسْعًا وِعِشْرِينَ وَمَا … زَادَ عَلَى ذَا بِالْكَمَالِ اتَّسَمَا
كَذَا لِبَعْضِهِمْ وَقَالَ الْهَيْتَمِي … مَا صَامَ كَاملًا سِوَى شَهْر اعْلَم
وِللدَّمِيرِي أَنَّهُ شَهْرَانِ … وَنَاقِصٌ سِوَاهُ خَذْ بَيَانِي (١)
[تنبيه]: لا فرق بين الشهر الكامل والناقص بالنسبة للثواب المترتّب على صوم رمضان، وأما ما يترتّب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره، وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الكامل الناقص (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في بيان حكمة مشروعية الصيام:
(اعلم): أن من حكمة مشروعيّة الصيام كونه موجبًا لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكّر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من الله تعالى.
قال الزرقانيّ ﵀: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشِّبَعُ نَهْرٌ في النفس يَرِدُهُ الشيطان، والجوع نهر في الروح تَرِده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقّة له بذلك يتذكّر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه
стр. 11923
المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك. انتهى (١).
[تنبيه]: نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته صيام ثلاثين يومًا. انتهى.
وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ ﵀ بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. انتهى (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٥] (١٠٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطينُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
стр. 11924
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (أَبُو سُهَيْلٍ) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
٦ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حُجر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانَ) وفي رواية النسائيّ: "شهر رمضان"، وهو مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء؛ أي الأرض الشديدة الحرارة، وسُمِّيَ شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة
стр. 11925
سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ؛ أي شدّته.
وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضًا، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وَجَدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأَرْمِضَاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين. انتهى (١).
(فُتِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها، وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها، وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول. انتهى.
(أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريبًا للرحمة للعباد، ولهذا جاء في الرواية التالية: "أبواب الرحمة"، وفي رواية أخرى: "أبواب السماء"، وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مُغْلَقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ الآية [ص: ٥٠]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضًا أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه؛ إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار، أفاده السنديّ.
(وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ") بالبناء للمفعول أيضًا، وبتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال، و"الصَّفَدُ" بفتح الفاء: الْغُلّ بضمّ الغين، وفي الرواية التالية: "وسُلسلت"، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق
стр. 11926
إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه، والله تعالى أعلم (١).
وقال في "الفتح": قال الْحَلِيميّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ"، وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ: "وتُغلّ فيه مردة الشياطين"، زاد أبو صالح في روايته: "وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مُنادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة"، لفظ ابن خُزيمة.
وقوله: "صُفّدت" بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى "سُلسلت"، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه: "فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابٌ الشهرَ كلّه".
قال عياض: يَحْتَمِل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويَحْتَمِل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين، قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة"، قال: ويَحْتَمِل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب
стр. 11927
لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات.
قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره.
وأما الرواية التي فيها: "أبواب الرحمة"، و"أبواب السماء" فمن تصرّف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار، واستُدِلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر.
وجزم التوربشتىّ شارح "المصابيح" بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات.
وقال الطيبىّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة.
وقال القرطبىّ ﵀ بعد أن مال إلى ترجيح حمله على ظاهره:
[فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟ فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك.
[فالجواب]: أنها إنما تُغَلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أما من لم يُحافظ عليه فلا يُغلّ عن فاعله الشيطان.
أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة.
وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر
стр. 11928
المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٤٩٥ و ٢٤٩٦ و ٢٤٩٧، (١٠٧٩)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٧٦٥ و ١٧٦٦ و ٣٠٣٥)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٦١٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٠٩٧ و ٢٠٩٨ و ٢٠٩٩ و ٢١٠٠ و ٢١٠١ و ٢١٠٢) وفي "الكبرى" (٢٤٠٧ و ٢٤٠٨)، و (ابن ماجه) في "الصوم" (١٦٣٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (٦٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨١ و ٣٧٨ و ٤١٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ١٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٦)، و (الطبرانىّ) في "الأوسط" (٢/ ١٥٦) و"الكبير" (١٧/ ١٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٢ و ٣٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل شهر رمضان.
٢ - (ومنها): إثبات الجنة، والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبوابًا تُفْتَح، وتُغْلَق.
قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: الذي عليه جماعةُ أهلُ السنة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، إحداهما رحمة الله لمن شاء من خلقه، والأخرى عذابه ونقمته لمن شاء أن يعذبه، قال: والدلائل على أنهما مخلوقتان الآن كثيرة، فمن ذلك قوله ﷺ : "إذا مات أحدكم عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار،
стр. 11929
يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة"، متّفقٌ عليه.
وقول الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
وقوله ﷺ : "اطَّلعت في الجنّة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء"، متّفقٌ عليه.
وقوله ﷺ : "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة … " الحديث، متّفقٌ عليه.
وقوله ﷺ : "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأَذِن لها بِنَفَسين: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهوأشدُّ ما تجدون من الحرّ، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير"، متّفقٌ عليه.
قال: فقوله: "اشتكت النار إلى ربها" أبين شيء في أنها قد خُلِقت، وأنها باقية شتاءً وصيفًا. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ بتصرّف (١)، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): إثبات وجود الشياطين، وأنهم أجسام يمكن شدّها بالأغلال، وأن منهم مَرَدَةً يُغَلُّون بالأغلال في شهر رمضان؛ لئلا يبطلوا أعمال الصائمين.
٤ - (ومنها): بيان عظمة لطف الله ، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يَحْفَظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين؛ لئلا يفسدوا عليهم عبادتهم في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاريّ، والمحققون أنه يجوز أن يقال: "رمضان" من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: قالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فلا يُطْلَق على غيره إلا بقيد.
стр. 11930
وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلانيّ: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره، قالوا: فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وأُحِبُّ رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالث: مذهب البخاريّ، والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يَثْبُت فيه نهيٌ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يَصِحَّ فيه شيءٌ، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الردّ على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في "الصحيح" في إطلاق "رمضان" على الشهر من غير ذكر الشهر، وقد سبق التنبيه على كثير منها في "كتاب الإيمان" وغيره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن ابْنِ أَبِي أنسٍ، أَنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، فتِّحَتْ أبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَت الشَّيَاطينُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
стр. 11931
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله، و (ابْنُ أَبِي أنسٍ) هو: أبو سُهيل المذكور، و"أبوه" هو: مالك بن أبي عامر.
وقوله: (وَسُلْسِلَت الشَّيَاطِينُ) بالبناء للمفعول، كسابقيه؛ أي شُدّت بالسلاسل، وهو بمعنى "صُفّدت" في الرواية السابقة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْحُلْوَانِىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي أنَسٍ، أَنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ … " بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
стр. 11932
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أوأبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "المجتبى" (٤/ ١٢٧) فقال:
(٢٠٩٩) - أخبرنا عُبيد اللهِ بن سَعْدِ بن إبراهيم، قال: حدّثنا عَمِّي، قال: حدثنا أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ، قال: أخبرني نَافِعُ بن أبي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حدّثه، أَنَّهُ سمع أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قال رسول اللهِ ﷺ : "إذا دخل رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَت الشَّيَاطِينُ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤيةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ، أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاِثينَ يَوْمًا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٨] (١٠٨٠) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الحجة الثبت المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
стр. 11933
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا -مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ على ما رُوي عن الإمام البخاريّ ﵀، وقد تقدّم غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ صحابيّ ابن صحابيّ، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ) أي كيفيّة دخوله لأداء الصوم الواجب فيه (فَقَالَ: "لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ) أي هلال شهر رمضان.
و"الهلال" بالكسر قال الفيّومي: وأما الهلال فالأكثر أنه القمر في حالة خاصّة، قال الأزهريّ: ويُسمّى القمر لليلتين من أول الشهر هلالًا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالًا، وما بين ذلك يُسمَّى قمرًا، وقال الفارابيّ، وتَبِعه في "الصحاح": الهلال لثلاث ليالٍ من أول الشهر، ثمّ هو قمرٌ بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. انتهى (١).
والحديث فيه النهي عن صوم رمضان إلا بثبت، وهو أن يرى الشخص هلاله بنفسه، أو من يثق به.
стр. 11934
(وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أي هلال شوّال، قال النوويّ ﵀: المراد رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميعَ الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصحّ، هذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّزه بعدل. انتهى (١).
(فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ) أي غُطّي عليكم، وسُتر أولُهُ، أو آخره، وفي الرواية التالية: "فإن غُمَّ عليكم"، قال الطيبيّ: أي غُطِّي الهلالُ بغيم، من غَمَمتُ الشيءَ: إذا غطيته، وفيه ضمير الهلال، ويجوز أن يكون مسندًا إلى الجار والمجرور، بمعنى إن كنتم مغمومًا عليكم، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. انتهى (٢).
وقال القرطبىّ ﵀: قوله: "فإن أُغمي عليكم" في "أُغْمي" ضمير يعود إلى الهلال، فهو الْمُغْمَى عليه، لا الناظرون، وتقديره: فإن أُغمي الهلال عليكم، وأصلُ الإغماء: التغطيةُ، والغمّ، ومنه الْمُغْمَى عليه؛ لأنه غُطّي عقله عن مصالحه، ويقال: أُغمي الهلال، وغُمِّي -مشدّد الميم- وكلاهما مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله، ويقال أيضًا: غُمّ مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله مُشدّدًا، وكذلك جاءت رواية أبي هريرة ﵁، فعلى هذا يقال: أُغمي، وغُمي -مخفّفًا، ومشدّدًا- رباعيًّا وثلاثيًّا، وغُمّ، فهي أربع لغات، ويقال: غامت السماءُ تَغيم غيمومةً، فهي غائمة، وغَيْمَةٌ، وأغامت، وتغيَّمَت، وغَيَّمَتْ، وأَغْمَتْ، وغَمَتْ.
وفي حديث أبي هريرة ﵁: "فإن غُمِي" أي خَفِيَ، يقال: غُمِي عليّ الخبرُ: أي خَفِيَ، وقيل: مأخوذ من الغَمَاء، وهو السحاب الرقيق، وقد وقع للبخاريّ: "غَبِيَ" بالباء، وفتح الغين: أي خفي، ومنه الغَبَاوة. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غُمَّ، وأُغْمِيَ، وغُمِيَ، وغُمِّيَ بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما، ويقال: غَبِيَ
стр. 11935
بفتح الغين، وكسر الباء، وكلها صحيحة، وقد غامت السماء، وغَيَّمَتْ، وأغامت، وتَغَيَّمَتْ، وأَغْمَت، وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان؛ إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. انتهى (١).
(فَاقْدُرُوا لَهُ") بضم الدال وكسرها، يقال: قَدَرْتُ لأمر كذا: إذا نظرت فيه، ودَبَّرته (٢).
وقال القرطبىّ ﵀: أي قدّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أقدُره، وأقدِره -بالتخفيف- بمعنى قدّرته -بالتشديد- قال: وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلّ على صحّته ما رواه أبو هريرة ﵁ مكان "فاقدروا له": "فأكملوا العدّة ثلاثين"، وهذا الحديث حجّةٌ على من حَمَلَ "فاقدروا له" على معنى تقدير المنازل القمريّة، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قُتيبة من اللغويين، ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير من كبراء التابعين، ومن الحجة أيضًا على هؤلاء قوله ﷺ : "إنّا أُمّةٌ أُمّيّةٌ لا نكتب، ولا نَحْسُبُ"، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقًا لذلك. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
وقال النوويّ ﵀ قوله: "فاقدروا له": قال أهل اللغة: يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدِرُهُ -بكسر الدال- وأَقْدُرُه -بضمّها- وقَدَّرتُهُ، وأقدرته، بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابىّ: ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣].
وفي رواية: "فاقدروا له ثلاثين"، وفي رواية: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له"، وفي رواية: "فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا"، وفي رواية: "فإن غُمّيَ عليكم فأكملوا العدد"، وفي رواية: "فإن غُمّيَ عليكم الشهر، فَعُدُّوا ثلاثين"، وفي رواية: "فإن أُغْمِي عليكم، فعدوا ثلاثين".
стр. 11936
وهذه الروايات كلها عند المصنّف على هذا الترتيب.
وفي رواية للبخاريّ: "فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
واختلف العلماء في معنى "فاقدروا له"، فقالت طائفة من العلماء: معناه ضَيِّقُوا له، وقدِّروه تحت السحاب، وممن قال بهذا أحمد بن حنبل، وغيره، ممن يُجَوِّز صوم يوم ليلة الغيم من رمضان، كما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وقال ابن سُرَيج وجماعة، منهم مطرف بن عبد الله، وابن قتيبة، وآخرون: معناه: قَدِّروه بحساب المنازل، وذهب مالك، والشافعىّ، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا.
واحتَجَّ الجمهور بالروايات المذكورة: "فأكملوا العدة ثلاثين"، وهو تفسير لـ"اقدروا له"، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يُذْكَر هذا، وتارة يُذْكَر هذا، وتؤكده الرواية السابقة بلفظ: "فاقدروا له ثلاثين".
قال المازريّ ﵀: حَمَلَ جمهور الفقهاء قوله ﷺ : "فاقدروا له" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فَسَّره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حسابَ المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفُوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يُعَرِّف الناس بما يَعْرِفه جماهيرهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وأما القولان الآخران فضعيفان، كما سنحقّقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
[تنبيه]: قال في "الفتح": وأما حديث ابن عمر ﵄، فاتفق الرواة عن مالك، عن نافع، فيه على قوله: "فاقدروا له"، وجاء من وجه آخر عن نافع، بلفظ: "فاقدروا ثلاثين"، كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع به، وقال: "فَعُدُّوا ثلاثين".
واتفَقَ الرواة عن مالك، عن عبد الله بن دينار أيضًا فيه على قوله: "فاقدروا له"، وكذلك رواه الزعفرانيّ وغيره عن الشافعيّ، وكذا رواه إسحاق
стр. 11937
الحربيّ وغيره في "الموطأ" عن القعنبيّ، وأخرجه الربيع بن سليمان، والْمُزَنِيّ، عن الشافعيّ، فقال فيه كما قاله البخاريّ عن القعنبيّ: "فإن غُمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
قال البيهقيّ في "المعرفة": إن كانت رواية الشافعيّ والقعنبيّ من هذين الوجهين محفوظةً، فيكون مالك قد رواه على الوجهين.
قال الحافظ: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه، فله متابعاتٌ: منها: ما رواه الشافعيّ أيضًا من طريق سالم، عن ابن عمر بتعيين الثلاثين.
ومنها: ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر بلفظ: "فإن غُمّ عليكم، فكَمِّلوا ثلاثين".
وله شواهد من حديث حُذيفة ﵁ عند ابن خزيمة، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ عند أبي داود، والنسائيّ، وغيرهما، وعن أبي بكرة، وطلق بن عليّ ﵄ عند البيهقيّ، وأخرجه من طرق أخرى عنهم، وعن غيرهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٤٩٨ و ٢٤٩٩ و ٢٥٠٠ و ٢٥٠١ و ٢٥٠٢ و ٢٥٠٣ و ٢٥٠٤ و ٢٥٠٥ و ٢٥٠٦ و ٢٥٠٧ و ٢٥٠٨ و ٢٥٠٩ و ٢٥١٠ و ٢٥١١ و ٢٥١٢ و ٢٥١٣] (١٠٨٠)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٠٠ و ١٩٠٦ و ١٩٠٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ٢٩٧)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٣٤) و"الكبرى" (٢/ ٧٠)، و (ابن ماجه) في "الصوم" (١/ ٥٢٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٨٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ١٥٦)، و (ابن أبي شيبة)
стр. 11938
في "مصنّفه" (٢/ ٢٨٤)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥ و ١٣ و ٦٣ و ١٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤٦ و ١٤٧ و ١٤٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٣٠١ و ٣٠٢ و ٣٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢٢٦ و ٢٢٩ و ٣٥٩ و ٣٦٢)، و (الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٤/ ٢٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٤ و ٢٠٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن وجوب الصوم متعلّق برؤية الهلال.
٢ - (ومنها): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب.
واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه"؛ إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مُسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صيامًا، فليصمه"، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوّزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه
стр. 11939
بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءً، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين ﵀: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تُحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة، وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة. انتهى (١).
٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن صوم يوم الشكّ؛ لعدم رؤية الهلال، وقد أخرج أبو داود والترمذيّ، والنسائىّ، وصحّحه ابن خزيمة عن عمّار بن ياسر ﵄ قال: "من صام يوم الشكّ، فقد عَصَى أبا القاسم ﷺ ".
٥ - (ومنها): أن قوله: "حتى تروا الهلال" فيه إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجِدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فَرَّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا، قاله في "الفتح" (٢).
٦ - (ومنها): أن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم، وغيرها، قال في "الفتح": ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة -يعني قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال"- لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: "فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له"، فاحتَمَلَ أن يكون المراد التفرقةَ بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويَحْتَمِل أن لا تفرقةَ، ويكون الثاني مؤكِّدًا للأول، وإلى الأول
стр. 11940
ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: "فاقدروا له": أي انظروا في أول الشهر، واحسُبُوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الرواياتُ الأُخَرُ المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: "فأكملوا العدة ثلاثين"، ونحوها، وأولى ما فُسِّر الحديث بالحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، كما رجحه الحافظ ﵀، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم، وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم، وهو مقتضى قوله: "ولا تفطروا حتى تروه"، وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق ابن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده، وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين، قاله وليّ الدين ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀ عند قوله: "صوموا لرؤيته إلخ" ما نصّه: يقتضي لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، وقد تحقّقت رؤيته، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٨ - (ومنها): أن الحديث يتناول رؤية الهلال ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو للّيلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا،