← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَلَاكَهَا في فيه، فقال له النبيّ ﷺ : "كِخْ كِخْ - ثَلَاثاً- إنا لَا تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةُ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: "أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. و"شعبة" ذُكر قبله. [تنبيه]: أما رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام البخاريّ ﵀، في "صحيحه" (٣/ ١١١٨) فقال: (٢٩٠٧) - حدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زَيادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الْحَسَنَ بن عَلِيٍّ، أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فيه فقال النبيّ ﷺ بِالْفَارِسِيَّةِ: "كِخْ كِخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ". انتهى. وأما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11867

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٦] (١٠٧٠) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولٍ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تُكُونَ صَدَقَةً، فَأُلُقِيهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م دق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصري، ثقة ثبت حافظ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو) بن الحارث المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وأبي يونس، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي لَأَنْقَلِبُ) أي أرجع (إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ) حال كونها (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا) هذا ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقّرات مُلْقًى في الطرقات؛ لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً؛ لخشية أن تكون من الصدقة

стр. 11868

التي حُرِّمت عليه، لا لكونها مَرْميّة في الطريق فقط (١). (ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً) أي من جملة تمر الصدقة التي تولّى قسمتها، فسقطت تلك منها (فَأُلْقِيهَا") قال في "العمدة": بضم الهمزة، من الإلقاء، وهو الرمي، وقال الكرمانيّ: "فألقيها" بالرفع، لا غير؛ يعني أنه لا يجوز نصب الياء فيه؛ لأنه معطوف على قوله: "فأرفعها"، فإذا نُصِب ربما يُظَنّ أنه عطف على قوله: "أن تكون"، فيَفْسُدُ المعنى. انتهى (٢). وقال المهلّب ﵀: إنما ترك النبيّ ﷺ أكل التمرة تنزهاً عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات؛ لأن الأشياء مباحة، حتى يقوم الدليل على الحظر، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره، ولا يُدْرَى أحلال هو أم حرام؟ واحتمل المعنيين، ولا دليل على أحدهما، ولا يجوز أن يُحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراماً؛ لاحتمال أن يكون حلالاً، غير أنا نَستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله ﷺ فيما فَعَل في التمرة، وقد قال ﷺ للنوّاس بن سمعان ﵁: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع فيه الناس"، رواه مسلم (٣). وقال ابن عمر ﵁: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يَدَعَ ما حاك في الصدور (٤). وقال في "الفتح": قال المهلَّب ﵀: لعله ﷺ كان يَقْسِم الصدقة، ثم

стр. 11869

يرجع إلى أهله، فيعلق بثوبه من تمر الصدقة شيء، فيقع في فراشه، وإلا فما الفرق بين هذا، وبين أكله من اللحم الذي تُصُدِّق به على بريرة؟. وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: لم ينحصر وجود شيء من تمر الصدقة في غير بيته، حتى يُحتاج إلى هذا التأويل، بل يَحْتَمِل أن يكون ذلك التمر حُمِل إلى بعض من يَستحق الصدقة، ممن هو في بيته، وتأخر تسليم ذلك له، أو حُمِل إلى بيته، فقسمه، فبقيت منه بقيّةٌ. وقد رَوَى أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: تَضَوَّر النبيّ ﷺ ذات ليلة، فقيل له: ما أسهرك؟ قال: "إني وجدت تمرةً ساقطةً فأكلتها، ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة، أو من تمر أهلي؟ فذلك أسهرني". قال: وهو محمول على التعدد، وأنه لَمّا اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث، وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وَجَد مثلها مما يدخل التردد تركه؛ احتياطاً. وَيحْتَمِل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلّب ﵀: إنما تركها تورعاً، وليس بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة، حتى يقوم دليل على التحريم، وفيه تحريم قليل الصدقة على النبيّ ﷺ ، ويؤخذ منه تحريم كثيرةا من باب أولَى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٢٤٧٦ و ٢٤٧٧، (١٠٧٠)، و (البخاريّ) في

стр. 11870

"البيوع" معلّقاً (٢٠٥٥) و"اللقطة" (٢٤٣١ و ٢٤٣٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٩٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧ و ٣/ ١٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٦) و"الحلية" (٨/ ١٨٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤ و ٧/ ٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ ، كثيرةا وقليلها، قال النوويّ ﵀: ظاهره يعمّ الفرض والنفل. انتهى. قمال الجامع عفا الثه عنه: قد تقدّم بيان الخلاف، هل يعمّ التطوّع أم لا، وقد رجّحت القول بعدمه؛ لقوّة حجته، فتنبّه. ٢ - (ومنها): بيان أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة، ويُتشاحّ في مثله، وأما التمرة، واللبابة من الخبز، أو التِّينة، أو الزبيبة، وما أشبهها فقد أجمعوا على أخذها، ورفعها من الأرض، وإكرامها بالأكل، دون تعريفها؛ استدلالاً بقوله ﷺ : "لآكلها"، وأنها مخالفة لحكم اللقطة. ٣ - (ومنها): أنه لا يجب على آخذها التصدق بها؛ لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل النبيّ ﷺ : "لآكلها"، وفي "المدونة": يتصدق بالطعام تافهاً كان، أو غير تافه، أعجب إليّ؛ إذا خشي عليه الفساد بوطء، أو شبهة، وعن مطرِّف إذا أكله غَرِمُه، وإن كان تافهاً، وكلّه من الأقوال الساقطة؛ لأن هذا الحديث يُبطله، فقوله ﷺ : "لآكلها"، أو "لأكلتها" صريح في ردّ هذه الأقوال ونحوها، فتبصّر بالإنصاف. ٤ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": إن قوله ﷺ في الحديث التالي: "على فراشي" ظاهر في أنه ترك أخذها تورعاً؛ لخشية أن تكون صدقة، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفاً، فدَلّ على أن مثل ذلك يُمْلك بالأخذ، ولا يَحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال: إنها لقطة رُخِّص في ترك تعريفها، أو ليست لقطةً؛ لأن اللقطة ما مِن شأنه أن يُتَمَلَّك دون ما لا قيمة له؟.

стр. 11871

قال: وقد استَشْكَل بعضهم تركه ﷺ التمرة في الطريق، مع أن الإمام يأخذ المال الضائع؛ للحفظ. وأجيب باحتمال أن يكون أخذها كذلك؛ لأنه ليس في الحديث ما ينفيه، أو تركها عمداً؛ لينتفع بها مَن يجدها، ممن تَحِلّ له الصدقة، وإنما يجب على الإمام حفظ المال الذي يَعْلَم تطلع صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه؛ لحقارته والله أعلم. انتهى (١). ٥ - (ومنها): ما قاله في "الطرح" أيضاً: فيه استعمال الورع، وهو ترك الشبهات، فإن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال، ولهذا رفعها النبيّ ﷺ ليأكلها، ولا يُقْدِم إلا على ما يجوز له فعله، لكن ترجح عنده الورع، وهو تركها، ومثله قوله في حديث أنس ﵁ الآتي بعده قال: واستُدِلّ به على أن التمرة ونحوها من مُحَقَّرات الأموال، لا يجب تعريفها، بل يباح أكلها، والتصرف فيها في الحال؛ لأنه ﷺ إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة، لا لكونها لقطةً، قال النوويّ: وهذا الحكم متّفَقٌ عليه، وعَلَّله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها لا يطلبها، ولا يبقى له فيها مطمع. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، أَوْ فِي بَيْتِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، أَوْ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأُلْقِيهَا").

стр. 11872

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا … إلخ) فاعل "قال" ضمير همّام بن منبّه، والإشارة إلى مجموع من الأحاديث بين يديه، وقد تقدّم أن هذا الحديث من "صحيفة همّام بن منبّه المشهورة". وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) فاعل "ذَكَر" ضمير أبي هريرة ﵁. وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) الجارّ والمجرور خبر مقدَّم، وقوله: "وقال … إلخ" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (أَوْ فِي بَيْتِي) "أو" هنا، وفي قوله: "أو من الصدقة" للشكّ من الراوي، والظاهر أنه من عبد الرزّاق؛ لأن البخاريّ أخرج الحديث من طريق ابن المبارك، عن معمر، فقال: "ساقطة على فراشي"، وقال: "أن تكون صدَقَةً"، ولم يشكّ، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٨] (١٠٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا").

стр. 11873

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ) بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ القارئ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] (ت ١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٤ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل الكوفة، والصحابيّ سكن البصرة، وقد دخل الكوفة مرارًا. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وهو أيضًا من المعمّرين، فقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ مَنْصُور) بن المعتمر، قال في "الفتح": قد صَرّح يحيى القطّان بالتحديث بين سفيان ومنصور، عند البخاريّ في "اللقطة" (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بصيغة اسم الفاعل الضعّف (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً) وفي الرواية التالية: "مَرّ بتمرة بالطريق … "، وفي رواية البخاريّ: "مَرّ بتمرة مسقوطة"، قال في "الفتح": قوله: "مسقوطة" كذا للأكثر، وفي رواية كريمة: "مُسْقَطةٍ" بضم أوله، وفتح القاف، قال ابن التيميّ: قوله: "مسقوطة" كلمة غريبة؛ لأن المشهور أن سَقَطَ لازم، والعرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول، واستشهد له الخطابيّ بقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي

стр. 11874

آتيًا، وقال ابن التين: "مسقوطة" بمعنى ساقطة، كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي ساترًا، وقال ابن مالك في الشواهد: قوله: "مسقوطة" بمعنى مُسْقَطَةٍ، ولا فعل له، ونظيره مَرْقوق، بمعنى مُرَقّ؛ أي مُسْتَرَقّ، وعن ابن جني قال: وكما جاء مَفْعُول، ولا فعل له، جاء فِعْل ولا مفعول له، كقراءة النخعيّ: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] بضم أولهما، ولم يجئ مصمومٌ؛ اكتفاء بأصمّ. (فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأكَلْتُهَا") أي لولا مخافة كون هذه التمرة من تمر الصدقة التي لا يحلّ لي أكلها لأكلتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٢٤٧٥ و ٢٤٧٦ و ٢٤٧٧] (١٠٧١)، و (البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٥٥) و"اللقطة" (٢٤٣١)، و (أبو داود) في (١٦٥١ و ١٦٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٢ و ١٨٤ و ١٩٢ و ٢٥٨ و ٢٩١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٣٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٩٥)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْن مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِتَمْرَةٍ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ يمُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأكَلْتُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة القرشىّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.

стр. 11875

٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] [ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَرَّ بِتَمْرَةٍ بالطَّرِيقِ) فيه إشارة إلى أن هذه واقعة أخرى غير ما مرّ في حديث أبي هريرة ﵁: "فأجد التمرة ساقطة على فراشي"، فإنه صريح في كونه في البيت. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً (١) لَأكَلْتُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (قَتَادَةَ) بن دِعامة، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 11876

(٤٩) - (بَابُ تَرْكِ اسْتِعْمَالِ آل النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨١] (١٠٧٢) - (حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثنَا جُوَيْرِيَةُ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبْدِ الله بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ، قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا: وَاللهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، قَالَا لِي (٢) وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَاهُ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ، جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِي بْنُ أَبي طَالِبٍ: لَا تَفْعَلَا، فَوَاللهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ، فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا، فَوَاللهِ، لَقَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ، قَالَ عَلِيٌّ: أَرْسِلُوهُمَا، فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الظُّهْرَ، سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا، حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا، ثُمَّ قَالَ: "أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ"، ثُمَّ دَخَلَ، وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَ: فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أنتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، فَجِئْنَا، لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ، قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا، حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ، قَالَ: وَجَعَلَتْ زينَبُ تُلْمِعُ عَلَيْنَا (٣) مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِاَلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ -وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ- وَنَوْفَلَ بْنَ

стр. 11877

الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"، قَالَ: فَجَاءَاهُ، فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أنكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ" لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَأَنْكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: "أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ"، لِي فَأَنْكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُس كَذَا وَكَذَا"، قَالَ الزُهْرِيُّ: وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ا ٢٣) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧. ٢ - (جُويرِيَةُ) -تصغير جارية- ابن أسماء بن عُبيد الضُّبَعي البصريّ، عمّ عبد الله الراوي عنه، صدوقٌ [٧] (١٧٣) (خ م د ﵁ ق) تقدم في "الايمان" ٧/ ٣٩٠. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] (ت ١٩٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطلِبِ) هو: عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ، أبو يحى المدنيّ، نُسب أبو إلى جدّه، ثقةٌ [٣] (ت ٩٩) (خ م دس) تقدم في "صلاة المسافرين " ١٤/ ١٦٦٨. ٦ - (عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ الصحابيّ، أمه أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عليّ، وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومحمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، على خلاف في ذلك كلِّه، قال ابن عبد البرّ: كان على عهد رسول الله ﷺ رجلًا، ولم يُغَيِّر رسول الله ﷺ اسمه فيما عَلِمتُ، سكن المدينة، ثم انتَقَل إلى الشام في خلافة عمر، ومات في إِمْرة يزيد بن معاوية، سنة اثنتين وستين. قال العسكريّ: هو المطلب بن ربيعة، هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول:

стр. 11878

عبد المطلب، وقال أبو القاسم البغويّ: عبد المطلب، ويقال: المطلب، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: الصواب المطلب، وذَكَر أنه تُوُفّي سنة (٦١) وفيها أرَّخه ابن أبي عاصم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ عن عبد الله بن عبد الله، ورواية الراوي عن عمّه، فجُويرية عمّ عبد الله بن محمد بن أسماء. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والنسائيّ، راجع: "تحفة الأشراف" (٦/ ٥٠٥). شرح الحديث: (عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب) تقدّم أن أباه منسوب إلى جدّه (حَدَّثَه) أي حدّث ابنَ شهاب (أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) تقدّم قول العسكريّ أنه المطلب بن ربيعة، هكذا يَقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب، وقال أبو القاسم البغويّ: عبد المطلب، ويقال: المطّلب، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: الصواب المطّلب (حَدَّثَهُ) أي حدّث عبد الله بن عبد الله بن الحارث، وقوله: (قَالَ) تفسير وبيان لـ"حدَّث" (اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ) هو والد عبد المطّلب (وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَلِبِ) ﵁، وهو عمّ الرسول ﷺ المتوفّى سنة (٣٢) وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. (فَقَالَا: وَاللهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، قَالَا لِي) ووقع في بعض النسخ: "قال لي" بالإفراد، والظاهر أنه غلطٌ؛ أي قالا هذا الكلام من أجلي (وَللْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) أي ومن أجل الفضل بن العبّاس ﵄، وقوله: (إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ) متعلّق بـ "بعثنا"، فيكون قوله: "قالا لي إلخ" جملةً معترضَةً

стр. 11879

(فَكَلَّمَاهُ) أي النبيّ ﷺ (فَأَمَّرَهُمَا) بتشديد الميم؛ أي ولّاهما (عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ) أي على السعاية في جمعها (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) أي السُّعاة الذين يجمعون الصدقات (وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ) أي أجرة العمل (قَالَ) عبد المطّلب بن ربيعة (فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ) أي في تشاورهما ببعث الغلامين إليه ﷺ (جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، تقدّمِ الكلام فيه قبل بابين (فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ) أي ما تشًاورا فيه (فَقَال عَلِي بْنُ أَبِي طَالِب) ﵁ (لَا تَفْعَلَا، فَوَاللهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ) إنما حلف؛ لكونه ﷺ أخبره بما يُفيدً ذلك، وفي رواية النسائيّ: "إن رسول الله ﷺ لا يَستعمل منكم أحدًا على الصدقة" (فَانْتَحَاهُ) بالحاء المهملة: أي عرض له، وقَصَده، والنحو: القصد، ومنه علم النحو (١). (رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ) المراد أنه أنكر عليه قوله هذا، كما أوضحه بقوله: (فَقَالَ) ربيعة (وَاللهِ) قال القرطبيّ ﵀: هذه يمين وقعت من ربيعة على اعتقاده، فهي من قبيل اللغو. انتهى. (مَا تَصْنَعُ هَذَا) أي ما قلت هذا الكلام، وأبديت هذا الاعتراض (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) أي حسدًا منك لنا فيما نطلبه من النبيّ ﷺ ، قال في "القاموس": نَفِسَ به، كفَرِحَ: ضَنَّ، وعليه بخير حَسَدَه، وعليه الشيءَ نَفَاسةً: لم يره أهلاً له. انتهى (٢). وقال القرطبيّ: النفاسة في الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطفّفين": ٢٦]. (فَوَاللهِ، لَقَدْ نِلْتَ) بكسر النون: أي أصبت، يقال: نال من عدوّه ينال، من باب تَعِبَ نَيْلاً: بلغ منه مقصوده، ونال من مطلوبه، ويتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، فيقال: أنلته مطلوبه، فناله، فالشيءُ مَنِيلٌ (٣). (صِهْرَ رَسُول اللهِ ﷺ ) "الصِّهْر" بكسر الصاد: القرابة، وحُرْمة الْخُتُونة، جمعه أَصهارٌ، وصُهَراءُ، وزوج بنت الرجل، وزوج أخته، والأَخْتان أصهارٌ أيضًا، قاله في "القاموس" (٤). (فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ) بكسر الفاء: أي ما حَسَدناك عليه، وما تمنّينا أن يكون لنا دونك (قَالَ عَلِى) ﵁ (أَرْسِلُوهُمَا) أي الغلامين إليه ﷺ ؛ لتسمعوا ماذا يقول لهما

стр. 11880

(فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ) ﵁، وفي الرواية التالية: "فألقى عليّ رداءه، ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو الحسن القَرْم، والله لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بِحَوْر ما بَعَثتما به" (قَالَ) عبد المطّلب (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ، سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم: الغُرفة، وحَظِيرة الإبل، والمراد هنا بيته (فَقُمْنَا عِنْدَهَا، حَتَّى جَاءَ) ﷺ من المسجد (فَأَخَذَ بِآذَانِنَا) إيناسًا لهما، وإظهارًا لحته لهما (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ") أي ما تجمعناه في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرته، ومنه صَرُّ الدراهم، وهو جمعها في الصُّرّة، قاله القرطبيّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: قوله: "ما تُصرّران" هكذا هو في معظم الأصول ببلادنا، وهو الذي ذكره الْهَرَويّ، والمازرفي، وغيرهما، من أهل الضبط: " تُصَرِّرَانِ"- بضم التاء، وفتح الصاد، وكسر الراء، وبعدها راء أخرى- ومعناه: تجمعانه في صدوركما من الكلام، وكلُّ شيء جمعته، فقد صَرَرْته، ووقع في بعض النسخ: "تُسَرِّران" -بالسين- من السّرّ؛ أي ما تقولانه لي سِرًّا، وذكر القاضي عياض فيه أربع روايات: هاتين الثنتين، والثالثة "تُصْدِران" -بإسكان الصاد، وبعدها دال مهملة- ومعناه: ماذا ترفعان إليّ، قال: وهذه رواية السمرقنديّ، والرابعة "تُصَوِّران" -بفتح الصاد، وبواو مكسورة- قال: وهكذا ضبطه الحميديّ، قال القاضي: وروايتنا عن أكثر شيوخنا بالسين، واستبعد رواية الدال، والصحيح ما قدمناه عن معظم نسخ بلادنا، ورجّحه أيضًا صاحب "المطالع"، فقال: الأصوب "تُصَرِّران " بالصاد، والرائين. انتهى (٢). (ثُمَّ دَخَلَ) ﷺ البيت (وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي تبعناه في الدخول، وإنما لم يدخلا معه؛ تأدّبًا، بل ثبتٌ في رواية ابن خزيمة أنهما دخلا بعد الإذن، ولفظه: "ثم دخل، فأذن لي والفضل، فدخلنا" (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) بن رَبَاب بن يَعْمُر بن صبرة بن مُرّة بن كثير بن غَنْم بن دودان بن أسد بن خزيمة، أمّ المؤمنين ﵂، وأمها أُميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله يك ﷺ ، تزوجها النبيّ ﷺ سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وكانت قبله

стр. 11881

عند زيد بن حارثة ﵁، وهي التي نزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وكانت أول من مات من نساء النبيّ ﷺ . رَوَى عنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، ومولاها مذكور، وكلثوم بن المصطلق، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبيّ ﷺ ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأرسل عنها القاسم بن محمد. قال الواقديّ: ماتت سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب، ورَوَى البخاريّ في "التاريخ الأوسط" من طريق عامر الشعبيّ أن عبد الرحمن بن أبزى أخبره، أنه صلى مع عمر على زينب بنت جحش، وكانت أول نساء النبيّ ﷺ ماتت بعده. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٤٨٧): "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحدّ على ميّتٍ … "، وأعاده بعده، و (٢٨٨٠): "لا إله إلا الله ويل للعرب من شرّ قد اقترب … "، وأعاده بعده. (قَالَ) عبد المطّلب (فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ) أي فوّض بعضنا الكلام إلى بعض، يقال: وَكَلْتُ الأمر إليه وَكْلًا، من باب وَعَدَ، ووُكُولاً: فَوَّضتُهُ إليه، واكتفيتُ به، وَوَكَّلته توكيلًا، فتوكل: قَبِل الوِكالة، وهي بفتح الواو، والكسر لغةٌ، وتوكل على الله: اعتَمَد عليه، وؤَيقَ به، واتَّكَلَ عليه في أمره كذلك، والاسم: التُّكْلان بضم التاء، وتواكَلَ القومُ تَوَاكُلاً: اتَّكَل بعضهم على بعض، قاله في "المصباح" (١). والمعنى: أن كلًّا منهما فوّض الكلام إلى صاحبه، فكأنهما توقّفا قليلًا إلى أن بَدَرَ أحدهما، فتكلّم، كما بيّنه بقوله: (ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أنتَ أَبرُّ النَّاسِ) أفعل تفضيل من البِرّ، بالكسر، وهو الخير، والفضل، يقال: بَرّ الرجلُ يَبَرّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرّ بالفتح، بارّ أيضًا: أي صادق، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، ويقال: بَرِرْتُ والدي أَبَرّه بِرًّا، وبُرُورًا: أحسنتُ الطاعة إليه، ورَفَقتُ به، وتحرّيتُ محابّه، وتوقّيتُ مكارهه (٢).

стр. 11882

وفي رواية ابن خزيمة: "فتواكلنا الكلام قليلًا، ثم كلمته، أو كلمه الفضل، قد شكّ في ذلك عبد الله بن الحارث". (وَأَوْصَلُ النَّاسِ) أي أكثر الناس صلة للرحم، وإنما قدّما هذا الكلام تمهيدًا لما يطلبانه، وتعطيفًا لجنابه ﷺ حتى يقضي حاجتهما (وَقَدْ بَلَغْنَا النكَاحَ) أي الْحُلُم، فهو كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] (فَجِئْنَا، لِتُؤَمِّرَنَا) بتشديد الميم، من التأمير: أي تجعلنا أميرين (عَلَى بَعْضِ هَذ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ) بالنصب عطفًا على "تؤمّرَ" (كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ) أي نُصيب أُجرة العمل مثلهم (قَالَ) عبد المطّلب (فَسَكَتَ) ﷺ (طَوِيلًا) أي وقتًا طويلًا، ولعله انتظاراً للوحي، أو تفكيرًا فيما يُعوّضهما مما أراد أن يمنعهما منه. وفي رواية ابن خزيمة: قال: فلما كلمناه بالذي أَمَرنا به أبوانا، فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ورفع بصره قِبَلَ سقف البيت حتى طال علينا أنه لا يرجع شيئًا حتى رأينا زينب تَلْمَعُ من وراء الحجاب بيديها ألا نعجل، وأن رسول الله ﷺ كان في أمرنا ثم خفض رسول الله ﷺ رأسه، فقال لنا: "إن هذه الصدقة … ". (حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ) غاية لطول الوقت (قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ) بنت جحش ﵂ (تُلْمِعُ عَلَيْنَا) وفي نسخة: "إلينا"، وهو بضم التاء، وإسكان اللام، وكسر الميم، ويجوز فتح التاء والميم، يقال: ألمع، ولمَعَ: إذا أشار بثوبه، أو بيده، قاله النوويّ (١). وقال القرطبيّ: يقال: ألمع بثوبه، وبيده، وأومأ برأسه، وأومض بعينه؛ أي أشار. انتهى (٢). وقال في "اللسان": لَمَعَ بثوبه، وسيفه لَمْعًا، وألمع: أشار، وقيل: أشار للإنذار، وهو أن يرفعه، وُيحرّكه؛ ليراه غيره، فيجيب إليه، ومنه حديث زينب: "تَلْمَعُ علينا من وراء الحجاب " أي تُشير بيدها. انتهى (٣). (مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) أي الحجاب الذي بينها وبينهما، وهذا فيه إشارة إلى

стр. 11883

أن هذه القصّة وقعت بعد آية الحجاب؛ لأن آية الحجاب نزلت حين تزوّجها النبيّ ﷺ ، كما هو مشهور في "الصحيحين"، وغيرهما من حديث أنس ﵁ (أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما في "الخلاصة": وَعَدِّ لَازِمًا بحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي "أَنًّ " وَ"أَنْ " يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا" وإنما قدّرنا حرف الجرّ؛ لأن لَمَعَ يتعدّى به، قال في "القاموس": لَمَع بالشي، كمَنَع: ذَهَب، وبيده: أشار. انتهى (١). (قَالَ) عبد المطّلب (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("إِنَّ الصَّدَقَةَ) أي أنواع الزكاة، وأصناف الصدقات (لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل على أنها محرَّمة، سواء كانت بسبب العمل، أو بسبب الفقر والمسكنة، وغيرهما من الأسباب الثمانية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وجَوّز بعض أصحابنا لبني هاشم، وبني المطلب العمل عليها بسهم العامل؛ لأنه إجارة، وهذا ضعيفٌ، أو باطلٌ، وهذا الحديث صريحٌ في ردّه. انتهى (٢). وقوله: (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) الجملة خبر لقوله: "هذه"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]، فلا يُحتاج إلى تقدير خبر، كما اختاره ابن حجر، ولا إلى القول بأنها بدل مما قبلها، وبأنها زائدة، ونحوها، قاله القاري ﵀ (٣). وقال النوويّ ﵀: فيه تنبيهٌ على العِلّة في تحريمها على بني هاشم، وبني المطلب، وأنها لكرامتهم، وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فهي كغُسَالة الأوساخ. وقال القرطبيّ ﵀: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهّرهم من البخل، وأموالَهم من إثم الكنز، فصارت كماء الغُسالة التي تُعاب.

стр. 11884

قال: ومساقُ الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحلّ لأحد من آل النبيّ ﷺ ، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور، وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها أبو يوسف، والطحاويّ، والحديث ردّ عليهم. انتهى (١). وقال الزرقانيّ: قوله: "إنما هي أوساخ الناس"؛ أي وهم منزهون عن ذلك؛ صيانةً لمنصبهم؛ لأنها تنبئ عن ذُلّ الآخذ، وعزّ المأخوذ منه؛ لحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وأُبدلوا بالفيء المأخوذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عز الآخذ، وذل المأخوذ منه. وتَعَقّب ابن الْمُنَيِّر هذا التعليل بأنها مَذَلّة بأن مقتضاه تحريم الهبة لهم، ولا قائل به، ولأن الواهب له أيضًا اليد العليا، وقد جاء في بعض الطرق: "اليد العليا هي المعطية"، وهي المتصدقة، فيدخل الهبات. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى في التعليل ما ذُكر في هذا الحديث من كونها أوساخ الناس، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال الباجيّ: لأنها تُطهِّر أموالهم، وتُكَفِّر ذنوبهم، والأصح عند المالكية، والشافعية، أن المحرَّم عليهم صدقة الفرض، دون التطوع؛ لقول جعفر بن محمد، عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقة؛ فقال: إنما حُرِّم علينا الصدقة المفروضة، رواه الشافعيّ، والبيهقيّ. قال الباجيّ: محل حرمة الفرض ما لم يكونوا بموضع يُستباح فيه أكل الميتة. انتهى (٢). [فإن قيل]: كيف أباح النبيّ ﷺ الصدقة لأمته، وقد أخبر أنها أوساخ الناس، ولذا حرّمها عليه، وعلى آل بيته؟. [أجيب]: بأنه إنما أباحها للضرورة، فلذا جاءت النصوص الكثيرة في النهي عن سؤالها، فينبغي للحازم أن لا يراها مباحة إلا للضرورة، فلا يتوسّع فيها، بل يتناول منها للحاجة الملحّة، والله تعالى أعلم.

стр. 11885

(ادْعُوَا) فعل أمر للاثنين، من دعا يدعو (لِي مَحْمِيَةَ") -بميم مفتوحة، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم ميم أخرى مكسورة، ثم ياء مخففة- على وزن مَفْعِلة، من حَمَيتُ المكان أَحْميه، وهو ابن جَزْء -بجيم مفتوحة، ثم زاي ساكنة، ثم همزة- بوزن كَلْب، هذا هو الأصح، قال القاضي عياض: هكذا يقوله عامّة الحفاظ، وأهل الإتقان، ومعظم الرواة، وقال عبد الغنيّ بن سعيد: يقال: جَزِي بكسر الزاي؛ يعني وبالياء، قال النوويّ: وكذا وقع في بعض النسخ في بلادنا، قال القاضي: وقال أبو عبيد: هو عندنا جَزّ مشدد الزاي (١). وقال في "الإصابة: "مَحْمِيَةُ": -بفتح أوله، وسكون ثانية وكسر ثالثه، ثم تحتانيّة مفتوحة- ابن جَزْء -بفتح الجيم، وسكون الزاي، ثم همزة- ابن عبد يغوث الزُّبَيْديّ -بضم أوله- حَلِيف بني سهم من قريش، كان قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل رسول الله ﷺ على الأخماس، ثبتٌ ذكره بذلك في "صحيح مسلم"، ثم ذَكر حديث الباب. قال: وفي المغازي أن النبيّ ﷺ استوهب من أبي قتادة جارية وَضِيئةً، فوهبها لمحمية بن جَزْء، قيل: إنه شَهِد بدرًا، فيما ذكر ابن الكلبيّ، وقال الوأقديّ: أول مشاهده الْمُرَيسِيع، وقال أبو سعيد بن يونس: شَهِد فتح مصر، ولا أعلم له رواية. انتهى (٢). (وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ) أي كان مَحْمية ﵁ واليًا على الخمس (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ، ابن عم رسول الله ﷺ ، قال ابن حبان: له صحبة، وقال الزبير بن بكار: كان أسنّ من أسلم من بني هاشم، حتى من عمّيه حمزة والعباس، وقال ابن إسحاق: أُسِر نوفل يوم بدر، فقال النبيّ ﷺ للعباس: "فادِ نفسك، وابني أخيك، نوفلًا، وعَقِيلاً"، ولما أسلم آخى النبيّ ﷺ بينه وبين العباس. وأخرج ابن سعد من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه، قال: لَمّا أُسر نوفل يوم بدر، قال له النبيّ ﷺ : "افْدِ نفسك برماحك التي

стр. 11886

بِجُدّة"، فقال: والله ما عَلِمَ أحد أن لي بِجُدّة رماحًا بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله، ففدى نفسه بها، وكانت ألف رُمْح. قال الدارقطنيّ في كتاب "الإخوة": مات نوفل بن الحارث في خلافة عُمر لسنتين مضتا منها بالمدينة، ولم يُسند شيئًا، وقال ابن عبد البرّ: مات في أيام عمر، فمشى في جنازته (١). (قَالَ) عبد المطّلب (فَجَاءَاهُ) أي مَحْمية، ونوفل بن الحارث (فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أنكِحْ) بقطع الهمزة؛ لأنه أمر أَنْكَحَ الرباعيّ، وقوله: (هَذَا الْغُلَامَ) مفعول أول، وقوله: (ابْنَتَكَ") مفعول ثان (لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) أي قال ﷺ الكلام، ووجه هذه الإشارة لأجل الفضل بن عبّاس ﵄ (فَأَنكَحَهُ) أي أنكح محمية الفضل ابنته (وَقَالَ لِنَوْفَل بْنِ الْحَارِثِ: "أنكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ") وقوله: (لِي) أي قال هذا لأجلي (فَأَنَكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أَصْدِقْ) بقطع الهمزة أيضًا، من الإصداق؛ أي ادفع الصداق، وهو المهر، وفيه لغات، تقدّمت نظمًا. وقوله: (عَنْهُمَا) متعلّق ب "أصدِقْ"، وكذا قوله: (مِنَ الْخُمُسِ) يَحْتَمِل أن يريد من سهم ذوي القربى من الخمس؛ لأنهما من ذوي القربى، وَيحْتَمِل أن يريد من سهم النبيّ ﷺ من الخمس، قاله النوويّ (٢) ﵀. وقوله: (كَذَا وَكَذَا،) كناية عن عدد الصداق المدفوع عنهما (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي) أي لم يذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل الذي حدّثني بهذا الحديث عدد الصداق المدفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 11887

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٢٤٨١ و ٢٤٨٢] (١٠٧٢)، و (أبو داود) في (الخراج والإمارة" (٢٩٨٥)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ١٠٥) و"الكنرى" (٢/ ٥٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ١٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٨٤ و ١٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٤٢ و ٢٣٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٧ - ١٣٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٨٠)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٥/ ٥٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٤٩ و ٧/ ٣١)، و (أبو عوانة) في "الزكاة" (٢/ ١٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تجريم استعمال آل النبيّ ﷺ على الصدقة. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الصدقة على آل النبيّ ﷺ . ٣ - (ومنها): بيان العلة التي حُرّم عليهم من أجلها، وهي كونها من أوساخ الناس. ٤ - (ومنها): أنه يستحبّ للعالم إذا استفتي أن يُفتي بذكر الدليل، وبيان علة الحكم، حتى يفهم المستفتي حقيقة المسألة. ٥ - (ومنها): بيان أن الغنيمة من أطيب المكاسب، حيث إن خمسة طاب للنبيّ ﷺ وآل بيته. ٦ - (ومنها): بيان مشروعيّة السعي في تحصيل مُؤن النكاح. ٧ - إ ومنها): بيان اهتمام الوالد بتزويج ولده حتى يُحصّنه. ٨ - (ومنها): استحباب تقديم الثناء على الإمام بما هو أهله بين يدي المسألة. ٩ - (ومنها): فضل عليّ ﵁ حيث كان أعلم بالمسألة دون هؤلاء الصحابة ﵃. ١٠ - (ومنها): كمال أدب زينب ﵂ حيث لمعت على الغلامين بعدم إعادة الكلام عليه ﷺ ، بل ينتظران ما يأتي من قبله ﷺ إيجابًا أو سلبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11888

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الهَاشِمِيِّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ رَبيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ائْتِيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَأَلْقَى عَلِيُّ رِدَاءَهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَنا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ، وَاللهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ لَنَا: "إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ"، وَقَالَ أَيْضًا: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ"، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَخْمَاسِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]، (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم قبل بابين. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في "صحيح مسلم " من رواية يونس، عن ابن شهاب، وسبق في الرواية التي قبل هذه، عن جُويرية، عن مالك، عن الزهريّ: "أن عبد الله بن عبد النه بن نوفل"، وكلاهما صحيح، والأصل هو رواية مالك، ونسبه في رواية يونس إلى جدّه، ولا يمتنع ذلك، قال النسائيّ: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن

стр. 11889

مالك إلا جويرية بن أسماء. انتهى (١). وقوله: (قَالَا لِعَبْدِ الْمُطلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ … إلخ) فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: "قالا لي … إلخ". وقوله: (وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ) فاعل "ساق" ضمير يونس بن يزيد. وقوله: (وَقَالَ: أنا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ) قال النوويّ ﵀: هو بتنوين "حسنٍ"، وأما "القرم"، فبالراء مرفوعٌ، وهو السيّد، وأصله فَحْل الإبل، قال الخطابيّ: معناه: الْمُقَدَّمُ في المعرفة بالأمور والرأيِ، كالفحل، هذا أصح الأوجه في ضبطه، وهو المعروف في نُسَخ بلادنا. والثاني: حكاه القاضي عياضٌ: "أَبو الحسنِ القومِ" بالواو بإضافة حسن إلى القوم، ومعناه: عالم القوم، وذو رأيهم. والثالث: حكاه القاضي أيضًا "أبو حسنٍ" بالتنوين، و"القومُ " بالواو مرفوعٌ؛ أي أنا مَنْ عَلِمتم رأيه أيها القوم، وهذا ضعيفٌ؛ لأن حروف النداء لا تُحذف في نداء القوم ونحوه. انتهى (٢). وقال القرطبي ﵀: إنما قال: "أبو الحسن القرم"؛ لأجل الذي كان عنده من علم ذلك، وكان ﵁ يقول هذه الكلمة عند الأخذ في قضيّة تُشكل على غيره، وهو يعرفها، ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل، حتى قالوا: "قضيّةٌ ولا أبا حسن"؛ أي هذه قضيّة مشكلة، وليس هناك من يُبيّنها، كما كان يفعل أبو حسن الذي هو على بن أبي طالب ﵁، وأتوا بأبي حسن بعد "لا" النافية للنكرة على إرادة التنكير؛ أي ليس هناك واحد ممن يُسمّى أبا حسن، كما قالوا [من الوافر]: أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ … نَكِدْنَ وَلَا أُمَيَّةَ فِي الْبِلَادِ أي لا واحد ممن يُسمَّى أميّة. و"القرم": أصله الفحل من الإبل، ويُستعار للرجل الكبير المجرِّب الأمور، وهذه رواية القاضي الشهير بالراء، والرفع، على النعت لأبي الحسن،

стр. 11890

وقد روي بالواو مكان الراء بإضافة حسن إليه، وهي رواية ابن أبي جعفر، ووجهُها كأنه قال: أنا عالم القوم، وذو رأيهم، وقد روي عن أبي بحر: "أبو حسني " بالتنوين، وبعده "القرم" بالرفع؛ أي أنا مَن عَلِمتم أيها القومُ، وهذه الرواية أبعدها. انتهى (١). وقوله: (وَاللهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي) بفتح الهمزة، وكسر الراء: أي لا أزال، ولا أبرح من مكاني هذا، قال زهير [من الوافر]: لِمَنْ طَلَلٌ بِرَامَةَ (٢) لَا يَرِيمُ … عَفَا وَخَلَالُهُ حُقُبٌ قَدِيمُ (٣) وقوله: (ابْنَا كُمَا) قال القرطبيّ ﵀: على التثنية هو الصحيح، ووقع لبعض الشيوخ: "أبناؤكما" على الجمع، وهو وَهَمٌ، فإنه قد نُصَّ على أنهما اثنان. انتهى (٤). وقال النوويّ: هكذا ضبطناه "ابناكما" بالتثنية، ووقع في بعض الأصول: "أبناؤكما" بالواو على الجمع، وحكاه القاضي أيضًا، قال: وهو وَهَمٌ، والصواب الأول، قال: وقد يصحّ الثاني على مذهب من جمع الاثنين. انتهى (٥). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو المتعيّن، ولا وجه لتوهيم الرواية إن صحّت، فإن القول الراجح أن أقل الجمع اثنان، كما حقّقته في "التحفة المرضيّة" و"شرحها" في الأصول، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) بفتح الحاء المهملة؛ أي بجوابه، يقال: كلّمته، فما ردّ حَوْرًا، ولا حُوَيرًا؛ أي جوابًا، وأصل الْحَوْر: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ الآية [الانشقاق: ١٤]؛ أي أن لن يرجع. وقال الهرويّ بعد ذكر ما تقدّم: ويجوز أن يكون معناه الخيبة؛ أي يرجعا بالخيبة، وأصل الْحَوْر الرجوع إلى النقص، قال القاضي عياض: هذا أشبه بسياق الحديث.

стр. 11891

وقوله: (وَقَالَ في الْحَدِيثِ) فاعل "قال " ضمير يونس بن يزيد. وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ) قال القاضي عياض ﵀: كذا وقع، والمحفوظ أنه من بني زُبَيد، لا من بني أسد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وقع أيضًا عند أبي عوانة في "مسنده" (٢/ ١٤٢) مثل ما وقع للمصنّف، وكونه من بني زُبيد، هو الأرجح، فقد تقدّم كذلك في ترجمته، وكذا هو عند ابن خزيمة في الرواية الآتية في التنبيه التالي، وعند الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٥/ ٥٤) وفي رواية الإمام أحمد في "مسنده" (٤/ ١٦٦)، ولفظه: "وقال لِمَحْمِيَةَ بن جَزْءٍ الزُّبَيْديّ"، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، هذه ساقها الإمام ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٥٥) باختلاف يسير، فقال: (٢٣٤٢) - حدّثنا علي بن إبراهيم الغافقيّ، حدّثنا ابن وهب، حدّثني يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشميّ، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أخبره، أنّ أباه ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، قالا لعبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن عباس: ائتيا رسول الله ﷺ ، فقولا له: يا رسول الله، قد بلغنا ما ترى من السنّ، وأحببنا أن نتزوج، وأنت يا رسول الله أبرّ الناس، وأوصلهم، وليس عند أبوينا ما يُصْدِقان عنّا، فاستعملنا يا رسول الله على الصدقات، فلنؤدي إليك كما يؤدي إليك العُمّال، ولْنُصِبْ منها ما كان فيها من مَرْفِق، قال: فأتى عليّ بن أبي طالب، ونحن في تلك الحال، فقال لنا: إن رسول الله لا والله لا يستعمل أحدًا منكم على الصدقة، فقال له ربيعة بن الحارث: هذا من حسدك، وقد نِلْتَ خير (١) رسول الله ﷺ فلم نحسدك عليه، فألقى رداءه، ثم اضطجع عليه، ثم قال: أنا أبو حسن القوم، والله لا أَرِيم مكاني هنا، حتى يرجع إليكما ابناكما بِحَوْر ما بعثتما به إلى رسول الله ﷺ قال عبد المطلب: انطلقت أنا والفضل، حتى نوافق صلاة الظهر قد قامت، فصلينا مع الناس، ثم أسرعت

стр. 11892

أنا والفضل إلى باب حجرة رسول الله ﷺ ، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقمنا بالباب، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخذ بأذني وأذن الفضل، ثم قال: "أخرجا ما تُصَرِّران"، ثم دخل، فأذن لي والفضل، فدخلنا، فتواكلنا الكلام قليلًا، ثم كلمته، أو كلمه الفضل، قد شكّ في ذلك عبد الله بن الحارث، قال: فلما كلمناه بالذي أَمَرنا به أبوانا، فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ورفع بصره قِبَلَ سقف البيت حتى طال علينا أنه لا يرجع شيئًا حتى رأينا زينب تَلْمَعُ من وراء الحجاب بيديها ألا نعجل، وأن رسول الله ﷺ كان في أمرنا ثم خفض رسول الله ﷺ رأسه، فقال لنا: "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، ادع (١) لي نوفل بن الحارث، فدُعي نوفل بن الحارث، فقال: يا نوفل أَنكِح عبد المطلب"، فأنكحني، ثم قال رسول الله ﷺ : "ادع محمية بن جَزْء" وهو رجل من بني زُبيد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس، فقال رسول الله ﷺ لمحمية: ﷺ أَنكِح الفضل"، فأنكحه محميةُ بن جزء، ثم قال رسول الله ﷺ : "قُم، فأصدق عنهما من الخمس كذا وكذا"، لم يسمه عبد الله بن الحارث. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٠) - (بَابُ إِبَاحَةِ الْهَدِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَآلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي مَلَكَهَا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ، وَبَيَانِ أَن الصَّدَقَةَ إِذَا قَبَضَهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ زَالَ عَنْهَا وَصْفُ الصَّدَقَةِ، وَحَلَّتْ لِكُلَّ أَحَدٍ، مِمَنْ كَانَت الصَّدَقَةُ مُحَرِّمَةً عَلَيْهِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٣] (١٠٧٣) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ الشَبَّاقِ، قَالَ: إِن جُويرِيَةَ زَوْجَ

стр. 11893

النَّبيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " قَالَتْ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ، إِلَّاعَظْمٌ مِنْ شَاةٍ، أعْطِيَتْهُ مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "قَرِّبِيهِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدم قريبًا أيضًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ المذكور في السند الماضي. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ) -بسين مهملة، ثم موحّدة مشدّدة- الثقفيّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن زيد بن ثابت، وسهل بن حُنيف، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وميمونة، وجُويرية زوجي النبي ﷺ ، وزينب زوج عبد الله بن مسعود. ورَوى عنه ابنه سعيد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، والزهريّ، وزيد بن جُعْدُبَةَ، ومسلم بن مسلم بن مَعْبَد. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال خليفة: يكنى أبا سعيد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٧٣)، و (٢١٠٥): "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة … ". ٦ - (جُويرِيَةُ) بنت الحارث بن أبي ضِرَار الْخُزَاعية الْمُصْطَلِقِيّة، سباها رسول الله ﷺ في غزوة الْمُرَيسيع، وكان اسمها بَرّة، فسماها رسول الله ﷺ جُويرية، وتزوجها. روت عن رسول الله ﷺ ، ورَوَى عنها عبد الله بن عباس، وعُبيد بن السَّبّاق، وأبو أيوب المراغيّ، ومجاهد بن جَبْر، وكلثوم بن المصطلق، وعبد الله بن شداد بن الهاد. قال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا ﷺ عبد الله بن جعفر، أنا عبيد الله بن عمر، عن أيوب، عن أبي قلابة: أن النبيّ ﷺ سبا جُويرية، فجاء أبوها،

стр. 11894

فقال: إن ابنتي لا يُسْبَى مثلها، فَخَلِّ سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيّرتها، أليس قد أحسنتُ؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: قد اخترت رسول الله ﷺ ، وهذا مرسلٌ، صحيح الإسناد. قال الواقديّ: تُوُفّيت في ربيع الأول من سنة ست وخمسين، وصلى عليها مَرْوان بن الحكم، وقال غيره: ماتت سنة خمسين، ولها خمس وستون سنةً. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٧٣)، و (٢٧٢٦): "قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مزات … ". لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمل والأداء، كما أوضحناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا ابن رُمح، فقد تفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعئ: ابن شهاب، عن عُبيد. ٥ - (ومنها): أن جويرية ﵂ وعُبيدًا هذا أول محلّ ذكرهما، وجُويرة ﵂ من المقلّين من الرواية، فليس لها في الكتب الستّة إلا أربعة أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (١١/ ٤٦ - ٤٨). شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَاب، أَن عُبَيْدَ بْنَ السَّبَّاقِ) - بفتح السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة- (قَالَ: إِنَّ جُويرِيَةَ) بصيغة التصغير بنت الحارث رعتها، وقوله: (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) بالنصب على البدليّة، أو عطف البيان، والزوج بلا هاء يُطلق على الرجل، وعلى المرأة، كما هنا، ويقال للمرأة أيضًا: زوجة، والأول أفصح، وبه جاء القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقد تقدّم تحقيق هذا في غير موضع، فلا تغفُل. (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: " هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ ") "من" زائدة، كما قال في "الخلاصة":

стр. 11895

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ" و"طعام" مبتدأ سوّغه وقوعه بعد استفهام، وخبره محذوف؛ أي موجود. (قَالَتْ: لَا) أي ليس الطعام موجودًا (وَاللهِ يَا رَسُولَ الله) وقولها: (مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ) تأكيد لمعنى "لا" (إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ، أُعْطِيَتْهُ) بالبناء للمفعول، والهاء هو المفعول الثاني، والأول قولها: (مَوْلَاتِي) لا يُعرف اسمها (١). (مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ) ﷺ ("قَرِّبِيهِ) فعل أمر للمؤنّثة، من التقريب، أمرها ﷺ بأن تقرّب ذلك العظم إليه. قال القرطبيّ ﵀: إنما قال ﷺ "قَرِّبيه" لعلمه بطيب قلب المولاة بذلك، أو لكون المولاة قد أهدت ذلك لجُويرية ﵂ كما يجيء في قضة بريرة ﵂ الآتي بعده. انتهى (٢). ثم علّل أمره بذلك بقوله: (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا") أي لأنها بلغت مكانها، و"الْمَحِلّ" -بكسر الحاء- موضع الحلول والاستقرار؛ يعني أنه قد حَصَل المقصود منها، من ثواب التصدق، ثم صارت ملكًا لمن وصلت إليه. وقال ابن الجوزيّ ﵀: هذا مثلُ قوله ﷺ في بريرة: "هو عليها صدقة، وهو لنا هدية" (٣). وقال النوويّ ﵀ قوله: "فقد بلغت مَحِلَّها" هو بكسر الحاء: أي زال عنها حكم الصدقة، وصارت حلالاً لنا، وفيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن لحم الأضحية إذا قبضه المتصدَّق عليه، وسائر الصدقات يجوز لقابضها بيعها، وتَحِلّ لمن أهداها إليه، أو ملكها منه بطريق آخر، وقال بعض المالكية: لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها. انتهى (٤). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: دافقد بلغت محِلّها" يعني أن المتصدَّقَ عليها قد ملكت تلك الصدقة بوجه صحيح جائز، فقد صارت كسائر ما تملكه بغير جهة الصدقة، وإذا كان كذلك، فمن تناول ذلك الشيء المتصدَّق به من يد

стр. 11896

المتصدَّق عليه بجهة جائزة غير الصدقة جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقةً بالنسبة إلى الآخذ من يد المتصذق عليه، وإن كان ممن لا تحلّ له الصدقة في الأصل، ويُتخرّج عليه صحّة أحد القولين فيمن تُصُدّق عليه بلحم أضحئة، فإنه يجوز له أن يبيعه، والقول الثاني: لا يجوز فيه ذلك؛ لأن أصل مشروعيّة الأضحيّة أن لا يُباع منها شيء مطلقًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى قوّة القول الأول؛ لقوّة دليله، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جُويرية ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٢٤٨٣ و ٢٤٨٤] (١٠٧٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١١٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ١٦٤ و ١٦٥ و ١٦٦ و ١٦٧ و ١٦٩)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٢٨). وفوائده تأتي في شرح حديث عائشة ﵂، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٤] ( … ) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَن الزهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الزَقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.

стр. 11897

٣ - (إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام المكي الحجة الثبت رأس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. و"الزهريّ " ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية ابن عُيينة، عن الزهريّ هذه ساقها الحميديّ ﵀ في "مسنده" (١/ ١٥١) فقال: (٣١٧) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهريّ، قال: أخبرني عُبيد بن السّبّاق، أنه سمع جُويرية بنت الحارث تقول: دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "هل من طعام؟ " فقلت: لا، إلا عظم قد أعطيته مولاة لنا من الصدقة، فقال النبيّ ﷺ : "قَرِّبيه، فقد بلغت مَحِلّها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٥] (١٠٧٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنسٍ (ح) وَحَدَّثنا عُبَيْدُ الله بْن مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدثَنَا أَبِي، حَدثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أنَسَ بَنَ مَالِكٍ، قَالَ: أَهْدَتْ بَرِيرَةُ إِلَى النّبِيِّ ﷺ لَحْماً تُصُدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا، فَقَال: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ"). رجال هذا الإسناد: أحد عشر، وكلهم تقدّموا قبل باب، وشرح الحديث يأتي بعده. [تنبيه]: قوله في الطريق الثاني: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) فيه التنبيه على انتفاء تدليس قتادة؛ لأنه عنعن في الرواية الأولى، وصرَّح بالسماع في الثانية، وقد سبق مرّات أن المدلس لا يُحتجّ بعنعنته، إلا أن يثبت

стр. 11898

سماعه لذلك الحديث من ذلك الشيخ من طريق آخر، فنبّه مسلم ﵀ على ذلك (١). مسألتان تتعلّقان به: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٢٤٨٥] (١٠٧٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٥ و ٢٥٧٧)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٥٥)، و (النسائيّ) في "الطلاق " (٦/ ٢٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ١١٧ و ١٣٠ و ١٨٠ و ٢٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٦] (١٠٧٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأُتِيَ النَّبِي ﷺ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقِيلَ: هَذَا مَا تُصُدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّة"). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.

стр. 11899

٣ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ مكثر [٢] (ت ٤٧) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤. ٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادن فرّق بينهما بالتحويل؛ لما أسلفناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال رجال الجماعة، سوى شيخه عبيد الله، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأما شيخاه ابن المثنّى، وابن بشّار، فمن التسعة الذين اتّفق عليهم الجماعة بالرواية عنهم من غير واسطة، وقد سبقوا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من الحكم، سوى عائشة، فمدنيّة، والباقون بصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، والأولان من الأقران، والأسود خال إبراهيم. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂، من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ) بضمّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، وعطف "أتي" على مقدّر تبيّنه رواية البخاريّ عن آدم بن أبي إياس، حدّثنا شعبة، حدثنا الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بَرِيرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرتْ عائشة للنبيّ ﷺ ، فقال لها النبيّ ﷺ : "اشتريها، فإنما الولاء لمن أعتق"، قالت: وأَتِي النبي ﷺ بلحم، فقلت: هذا ما تُصُدّق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقة، ولنا هدية". وقال النوويّ: ﵀: قوله: "وأُتي النبيّ ﷺ … إلخ " هكذا هو في كثير من الأصول المعتمدة، أو أكثرها: "وأُتِي" بالواو، وفي بعضها: "أُتِي" بغير

стр. 11900

واو، وكلاهما صحيح، والواو عاطفة على بعض من الحديث لم يذكره هنا. انتهى (١). (بِلَحْمِ بَقَرٍ) هكذا في رواية المصنّف ﵀ "بلحم بقر"، ومن الغريب ما في "الفتح"، قال: واللحم المذكور وقع في بعض الشروح أنه كان لحم بقر، وفيه نظر، بل جاء- عن عائشة: "تُصُدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة"، فهو أولى أن يؤخذ به. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم يستحضر الحافظ رواية مسلم هذه حين كتب ذلك، دمالا فما قاله بعض الشروح صحيح، ويُجمع بين الروايتين أنهما واقعتان، وفيه بُعد، والأولى أن يقال: لا مانع أن يُهدى لها اللحمان في وقت واحد، والله تعالى أعلم. (فَقِيلَ) أي قالت عائشة ﵂ لَمّا طلب النبيّ ﷺ طعامًا، ففي رواية البخاريّ من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵁: ودخل رسول الله ﷺ ، والْبُرْمة تفور بلحم، فقُرِّب إليه خبز وأُدْمٌ من أُدْم البيت، فقال: "ألم أَرَ البرمة فيها لحم؟ "، قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تُصُدِّق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: "عليها صدقة، ولنا هدية". (هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِلي) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى بَرِيرَةَ) - بفتح الباء الموحدة، وكسر الراء الأولى- بنت صفوان، وهي: مولاة عائشة ﵁، قيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل غير ذلك، فاشترتها عائشة، فأعتقتها، وكانت تخدُم عائشة قبل أن تشتريها، وقصتها في ذلك في "الصحيحين"، وذكر أبو عمر بن عبد البرّ من طريق عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، أن عبد الملك بن مروان قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالأ، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وَليته فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليُدْفَع عن باب الجنة بعد أن يَظهر إليه بِمِلء مِحْجَمة من دم يُريقه من مسلم بغير حق" (٢).

стр. 11901

(فَقَالَ) ﷺ ("هُوَ) أي اللحم المتصدق به على بريرة ﵁ (لَهَا صَدَقَةٌ) بالرفع، على أنه خبر "هو"، و"لها" صفة قُدِّمت، فصارت حالًا، على قاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خَلَلُ ويجوز النصب فيها على الحال، والخبر "لها"، قال في "الفتح": يؤخذ منه أن التحريم إنما هو على الصفة، لا على العين. (وَلَنَا هَدِيَّة") أي حيث أهدته بريرة إلينا فهو هدية، وذلك لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية، وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، كتصرفات سائر الملاك في أملاكهم. والفرق بينهما أن الصدقة منحة لثواب الآخرة، والهدية تمليك الغير شيئًا توذدًا إليه، وإكرامًا له، ففي الصدقة نوع ذُلّ للآخذ، فلذلك حُرِّمت الصدقة عليه ﷺ دون الهدية، وقيل: لأن الهدية يُثاب عليها في الدنيا، فتزول المنة، والصدقة يراد بها ثواب الآخرة، فتبقى المنة، ولا ينبغي للنبيّ ﷺ أن يَمُنّ عليه غير الله . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٥٠/ ٢٤٨٦ و ٢٤٨٧ و ٢٤٨٨ و ٢٤٨٩، (١٠٧٥) وسيأتي في "العتق " (١٥٠٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٣) و"الهبة" (٢٥٧٨) و"النكاح " (٥٠٩٧) و"الطلاق" (٥٢٧٩)، و (النسائيّ) في "الطلاق " (٦/ ١٦٥ - ١٦٦) و"الكبرى" (٢/ ٥٩ و ٣/ ١٩٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٥٦٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنفه" (٧/ ٢٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ١٥)، و (الطيالسي) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٠ و ١٧٥ و ١٨٠ و ٢٠٧، ١٩١)، و (الدارميّ) في "سننه " (٢/ ٢٢٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٢٩ و ٢٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١١٥ و ٥١١٦)،

стр. 11902

و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٤٠)، و (الطبرانيّ) في " لصغير" (١/ ٢٩١) و"الأوسط" (٥/ ٢٠٧) و"الكبير" (٢٤/ ٢٠٤)، و (الضياء) في "المختارة" (٧/ ٨٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ١٨)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٤١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٦١ و ١٨٥ و ٧/ ١٣٤ و ٢٣٠/ ٢٩٥/ ١٠)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة الهديّة للنبيّ ﷺ ، وآله. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ مطلقًا، وجواز التطوع منها على من يُلحق به في تحريم صدقة الفرض، كأزواجه ومواليه، قاله في "الفتح". ٣ - (ومنها): جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل، سواء كان فيه أم لا. ٤ - (ومنها): أن موالي أزواج النبي ﷺ لا تحرم عليهنّ الصدقة، وإن حَرُمت على الأزواج. ٥ - (ومنها): جواز أكل الغنيّ ممّا تُصُدّق به على الفقير؛ إذا أهداه له، وبالبيع أولى. ٦، - (ومنها): بيان جواز قبول الغنيّ هدية الفقير. ٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ الفرق بين الصدقة والهدية في الحكم. ٨ - (ومنها): أن فيه نصح أهل الرجل له في الأمور كلّها. ٩ - (ومنها): جواز أكل الإنسان من طعام مَن يُسَرّ باكله منه، ولو لم يأذن له فيه بخصوصه. ١٠ - (ومنها): بيان أن الأمة إذا أُعتقت جاز لها التصرف بنفسها في أمورها، ولا حجر لمعتقها عليها؛ إذا كانت رَشِيدة، وأنها تتصرف في كسبها دون إذن زوجها إن كان لها زوج. ١١ - (ومنها): بيان جواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة ﵂ كانت تمون بريرة ﵂، ولم ينكر عليها قبولها الصدقة.

стр. 11903

١٢ - (ومنها): أن لمن أُهدي لأهله شيءٌ أن يُشْرِك نفسَهُ معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله ﷺ : "وهو لنا هدية". ١٣ - (ومنها): أن من حَرُمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغير حكمها. ١٤ - (ومنها): بيان أنه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرف في بيته بالطبخ وغيره بآلاته، ووقوده. ١٥ - (ومنها): جواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحلّ في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يُخشَى توقفه عنه. ١٦ - (ومنها): استحباب السؤال عما يُستفاد به علم، أو أدب، أو بيان حكم، أو رفع شبهة، وقد يجب. ١٧ - (ومنها): سؤال الرجل عما لم يَعْهَده في بيته. ١٨ - (ومنها): أن هدية الأدنى للأعلى لا تستلزمِ الإثابة مطلقًا. ١٩ - (ومنها): استحباب قبول الهدية، وإن نزُرَ قدرُها جَبْرًا لخاطر المهدى. ٢٠ - (ومنها): بيان أن الهدية تُملك بوضعها في بيت المهدى له، ولا يُحتاج إلى التصريح بالقبول. ٢١ - (ومنها): بيان أن لمن تُصُدّق عليه بصدقة أن يَتَصَرَّف فيها بما شاء، ولا ينقص أجر المتصدِّق. ٢٢ - (ومنها): بيان أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل؛ إذا لم يكن فيه شبهةٌ، ولا عن الذبيحة إذا ذُبِحت بين المسلمين. ٢٣ - (ومنها): بيان أن من أُهدي إليه أو تُصُدِّق عليه بشيء قليل لا ينبغي أن يتسخطه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَ، بو مُعَاوَيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ

стр. 11904

قَضِيَّاتٍ: كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا، وَتُهْدِيُ لنا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَلَكُمْ هَدِيَّةٌ، فَكُلُوهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنٌ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت هـ ١٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه فاضل [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢. ٥ - (أَبوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ) هو بمعنى الرواية الأخرى: "ثلاث سنن"، ذكر قضيّة، وترك الاثنتين، وقد ساقه بتمامه في "العتق"، فقال: عن عائشة، قالت: كان في بريرة ثلاث قضيّات: أراد أهلها أن يبيعوها، ويشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "اشتريها، وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق"، قالت: وعَتَقَت فخيّرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها، قالت: وكان الناس يتصدقون عليها، وتهدي لنا، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "هو عليها صدقة، وهو لكم هديةٌ، فكلوه". ولفظ البخاريّ: كان في بريرة ثلاث سُنَن: أرادت عائشة أن تشتريها، فتعتقها، فقال أهلها: ولنا الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "لو شئت شرطتيه لهم، فإنما الولاء لمن أعتق"، قال: وأُعتقت، فَخُيِّرت في أن تَقِز تحت زوجها، أو تفارقه، ودخل رسول الله ﷺ يومًا بيت عائشة، وعلى النار بُرْمَة تفور، فدعا بالغداء، فأُتِي بخبز وأُدْم من أُدْم البيت، فقال: "ألم أَرَ

стр. 11905

لحمًا؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تُصُدّق به على بريرة، فاهدته لنا، فقال: "هو صدقة عليها، وهدية لنا". [تنبيه]: قوله: "ثلاث قضيّات" قال في "الفتح": قد جمع بعض الأئمة فوائدَ هذا الحديث، فزادت على ثلاثمائة، ولخصتها في "فتح الباري". انتهى، وسأقتدي به في "كتاب العتق" -إن شاء الله تعالى-. [تنبيه آخر]: أخرج النسائيّ ﵀ هذا الحديث من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة عن بريرة، قالت: "كان فِيَّ ثلاث سنن … " الحديث، ورجاله موثقون، لكن قال النسائيّ: إنه خطأ؛ يعني أن الصواب عن عروة، عن عائشة، أفاده في "الفتح". والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المثّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤. ٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٣ - (سِمَاكُ) بن حرب الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. والباقون ذُكروا قبله.
следующие страницы →