٥ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٦ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجيدِ) الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٧ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ الْمَرُّوذيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٣.
والباقون كلهم تقدّموا في الباب الماضي، و"أيّوب" هو: السختيانيّ، و"شيبان" هو: ابن عبد الرحمن النحويّ.
[تنبيه]: أما رواية معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٦٠) فقال:
(٢٤٣٢) - حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن بِشْر الْحَرِيريّ، ثنا معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدّثه، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَقَدَّمُوا قبل رمضان بيوم أو بيومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صيامه فيصومه". انتهى.
وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٥٢١) فقال:
حدّثنا عبد الصَّمَدِ، وأبو عَامِرٍ، قَالَا: ثنا هِشَامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ، وَلَا بِيَوْمَيْن، إلا أن يَكُونَ رَجُلٌ كان يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". انتهى.
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن يحيى، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه"، (٣/ ١٦٠) فقال:
(٢٤٣٤) - حدّثنا علي بن حميد الواسطيّ، ثنا أسلم بن سهل، ثنا وهب بن بقيّة، ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير (ح) وثنا محمد بن أحمد المقري، ثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، ثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، عن أيوب، عن يحيى (ح) وثنا أبو جعفر محمد بن الحسن اليقطينيّ، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا الحسين بن عبد الله القطان، ثنا
стр. 12007
حكيم بن سيف، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن يحيى، كلهم عن أبي أسلمة (١) عن أبي هريرة، قال عبد الوهاب: "نُهِيَ أن يُتَعَجَّلَ قبل رمضان بيوم أو يومين"، وقال عبيد الله بن عمرو: "نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يُتَقَدَّمَ قبل رمضان بصيام يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل له صيام، فيأتي عليه". انتهى.
وأما رواية شيبان النحويّ، عن يحيى، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ أيضًا في "مستخرجه" (٣/ ١٦١) فقال:
(٢٤٣٥) - حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا حسين، ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَقَدَّموا قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صيامًا فليصمه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يقدّم أحاديث هذا الباب إلى الأحاديث التي قبل الباب الذي قبله؛ للمناسبة التي لا تخفى على من نظر إليها، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٠] (١٠٨٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ").
стр. 12008
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام الصنعانيّ، ثقة حافظ، عَمِي فتغيّر حفظه، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة الصنعانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ توفّيت (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْسَمَ) أي حلف (أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا) لغضبه عليهنّ بسبب إفشاء حفصة سرًّا إلى عائشة ﵄، كما سيأتي بيانه (قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَضَت تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ) أي تلك الليالي، وفي رواية للبخاريّ: "أعدّها عدًّا"، تريد بيان اشتياقها للقائه الكريم ﷺ .
стр. 12009
قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث هو جزء من حديث طويل (١) يتضمّن أن نساء النبيّ ﷺ كثّرن عليه، وطالبنه بتوسعة النفقة، واجتمعن في ذلك، وخُضْن فيه، فَوَجَدَ عليهنّ، فأدّبهنّ بأن أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرًا، فاعتزلهنّ في غُرفة تسعًا وعشرين، فدخل عليه عمر، فكلّمه في ذلك، وتلطّف فيه، إلى أن زالت موجدته عليهنّ، وأنزل الله تعالى آية التخيير، فنزل رسول الله ﷺ ، فبدأ بعائشة ﵂، فذكّرته بمقتضَى يمينه، وأنه أقسم على شهر ظانّةً أن الشهر لا يكون أقلّ من ثلاثين، فبيّن لها النبيّ ﷺ أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وظاهره أنه اعتزلهنّ في أول ليلة من ذلك الشهر، وأن ذلك الشهر كان تسعًا وعشرين، ويشهد له قوله: "إن الشهر تسع وعشرون"؛ أي هذا الشهر؛ لأنه المتكلّم فيه، وَيحْتَمِل أن يكون اعتَبَر أوّل زمان اعتزاله بالأيام، وكمل تسعًا وعشرين بالعدد، واكتفى بأقلّ ما ينطلق عليه اسم الشهر، وعليه يُخَرَّج الخلاف فيمن نذر صوم شهر غير معيّن، فصامه بالعدد، فهل يصوم ثلاثين أو يكفيه تسع وعشرون؟ وإخبار عائشة ﵂ للنبيّ ﷺ بعدد تلك الليالي يُفهم منه أنها اعتَبَرت ذلك الشهر بالعدد، واعتناؤها بعدد الأيام استطالةٌ لزمان الهَجْر، وذلك يدلّ على فرط محبّتها، وشدّة شوقها للنبيّ ﷺ ، وأنه كان عندها من ذلك ما لم يكن عند غيرها، وبذلك استوجبت أن تكون أحبّ نساء النبيّ ﷺ إليه، كما قد صرّح به ﷺ حيث قيل له: "أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: "عائشة … " متّفقٌ عليه (٢). انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
(دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) استُشكل قولها هذا؛ لأن مقتضاه أنه ﷺ دخل عليها في اليوم التاسع والعشرين، فلم يكن ثَمَّ شهرٌ، لا على الكمال، ولا على النقصان.
стр. 12010
[وأجيب]: بأن المراد: فلما مضت تسع وعشرون ليلة بأيامها، فإن العرب تؤرّخ بالليالي، وتكون الأيام تابعة لها، ويدلّ لذلك قوله في حديث أم سلمة ﵂ عند البخاريّ وغيره: "فلما مضى تسعة وعشرون يومًا".
[فإن قلت]: سيأتي في حديث جابر ﵁ في هذه القصّة: "فخرج إلينا صباح تسع وعشرين"، وهو صريح في أنه كان دخوله في التاسع والعشرين.
[قلت]: أجيب عنه بأن معناه صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يومًا، وهي صبيحة ثلاثين، وهذا هو المعنى جمعًا بين الروايات، فإن قوله: "فلما مضى تسعة وعشرون يومًا" يقطع النزاع في ذلك، هكذا تأوله النوويّ في "شرح مسلم" تبعًا للقاضي عياض، فإنه قال بعد ذكره اختلاف الروايات في ذلك: معناه كله: بعد تمام تسعة وعشرين يومًا، يدلّ عليه رواية: "فلما مضى تسع وعشرون يومًا"، أفاده في "الطرح" (١).
(قَالَتْ: بَدَأَ بِي) فيه بيان لحظوتها عنده ﷺ من بين نسائه، وفيه منقبةٌ عظيمة لها، حيث بدأ ﷺ بالدخول عليها قبلهنّ.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ") "أل" للعهد؛ أي هذا الشهر، وهذا يقتضي أن الشهر كان بالهلال، لا بالأيام، وكأنه خَفِي الهلال على الناس، وعَلِمَ النبيّ ﷺ به بقول جبريل، فقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇، فقال: الشهر تسع وعشرون يومًا"، فلذا اعترضت عائشة ﵂ بما اعترضت، فبيّن لها النبيّ ﷺ حقيقة الأمر، لكن مقتضى العدّ أن الشهر كان على الأيام، إلا أن يقال: زعمت عائشة أن الشهر ثلاثون، وإن رُؤي الهلال قبل ذلك، وهذا بعيد، قاله السنديّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12011
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٥٢٠] (١٠٨٣) وسيأتي في "كتاب الطلاق" برقم (١٤٧٥) عقب رقم (١٤٧٩)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣١٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٣٦ و ٦/ ١٦٠)، و (ابن ماجه) في (٢٠٥٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣ و ١٣٦ و ١٨٥ و ٢٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٤ و ٣/ ١٧٣)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ٦٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كمّيّة الشهر؛ أي عدده، وذلك أن الشهر كما يكون ثلاثين يكون تسعًا وعشرين؛ لأن حقيقة الشهور العربيّة مبنيّة على رؤية الهلال، وهو تارة يُرى بعد ليلة الثلاثين، فيكون الشهر ثلاثين، وتارة يُرى في ليلة الثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين.
٢ - (ومنها): جواز معاقبة الأزواج بعدم الدخول عليهنّ شهرًا.
٣ - (ومنها): جواز هجران المسلم فوق ثلاثة أيام؛ إذا تعلقت بذلك مصلحة دينية؛ من صلاح حال المهجور، وغير ذلك، ومن ذلك ما إذا كان المهجور مبتدعًا، أو مجاهرًا بالظلم والفسوق، فلا يحرم مهاجرته، وأما قوله ﷺ : "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" -متفق عليه- فمحلّه ما إذا كان الهجران لحظوظ النفس، وتعنتات أهل الدنيا.
قال النوويّ ﵀ في "الروضة": قال أصحابنا وغيرهم: هذا في الهجران لغير عذر شرعيّ، فإن كان عذرٌ بأن كان المهجور مذموم الحال؛ لبدعة، أو فسق، أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر، أو المهجور، فلا يحرم، وعلى هذا يُحمل ما ثبت من هجر النبيّ ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه ﷺ -
стр. 12012
عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعضًا. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث صريح أن حلفه ﷺ كان على الامتناع من الدخول على أزواجه شهرًا، فتبيّن أن قوله في حديث أم سلمة، وأنس، وغيرهما ﵃: "آلى النبيّ ﷺ من نسائه" أريد به ذلك، ولم يُرَد به الحلف على الامتناع من الوطء، والروايات يفسّر بعضها بعضًا، فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف، لكنه مستعمل في عرف الفقهاء في حلف مخصوص، وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا، أو مدّة تزيد على أربعة أشهر، فلا يستعمل الإيلاء عندهم فيما عدا ذلك، والإيلاء على الوجه المذكور حرام؛ لما فيه من إيذاء الزوجة، وليس هو المذكور في الحديث، ولو حلف على الامتناع من وطء الزوجة أربعة أشهر، فما دونها لم يكن حرامًا، وتعديته في حديث أم سلمة وغيرها بـ"من" يدلّ على ذلك؛ لأنه راعى المعنى، وهو الامتناع من الدخول، وهو يتعدّى بـ"من"، قاله الحافظ وليّ الدين ﵀ (٢).
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث محمول عند الفقهاء على أنه ﷺ أقسم على ترك الدخول على أزواجه شهرًا بعينه بالهلال، وجاءه ذلك الشهر ناقصًا، فلو تم ذلك الشهر ولم يُرَ الهلال فيه ليلة الثلاثين لمكث ثلاثين يومًا، أما لو أقسم على ترك الدخول عليهن شهرًا مطلقًا لم ينطبق الحلف فيه على أول الهلال لم يبرّ إلا بشهر تامّ بالعدد، قال وليّ الدين ﵀: هذا هو الذي نعرفه لأصحابنا وغيرهم، فإن كان أحد من الفقهاء يقول بالاكتفاء بتسعة وعشرين يومًا، ولو كان ذلك في أثناء شهر، فهذا الحديث حجة له، وقال أيضًا:
[فإن قلت]: إذا كان المحلوف عليه شهرًا بعينه بالهلال، وقد رئي لتمام تسعة وعشرين يومًا فما وجه السؤال عنه، وقد كمل الشهر بالرؤية؟.
[أجيب]: بأنه يَحْتَمِل أوجهًا:
[أحدها]: أن السائل لم يعلم بأنه شهر يعينه بالهلال، بل ظَنّ أنه شهر عدديّ، فبنى على ذلك سؤاله.
стр. 12013
[ثانيها]: لعل السائل لم يعلم قبل ذلك الحكم الشرعيّ، وهو أن الشهر المعتبر بعينه بالهلال لا يعتبر فيه العدد، وإنما يعتبر فيه الهلال حتى بيّنه له الشارع في هذا الحديث.
[ثالثها]: يَحْتَمِل أن السائل عرف أن المحلوف عليه شهر بعينه بالهلال، وعرف أن المعتبر فيه الهلال دون العدد، ولكنهم لم يكونوا رأوا الهلال لمانع من غيم أو غيره، أو لم ينتصبوا لرؤيته؛ لكونه ليس رمضان ولا شعبان، وعلم النبيّ ﷺ بالوحي انقضاء الشهر، فأخبر به، ويدل لذلك قوله في حديث ابن عباس ﵄ عند النسائيّ: "أتاني جبريل ﵇، فقال: الشهر تسع وعشرون". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
٦ - (ومنها): ما قاله ولىّ الدين أيضًا:
[إن قلت]: ظاهر قوله: "إن الشهر تسع وعشرون" حصرُ الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثين.
[قلت]: عنه أجوبة:
[أحدها]: أن المعنى كما تقدم: أن الشهر يكون تسعةً وعشرين يومًا، وحينئذ فلا إشكال في ذلك.
[ثانيها]: أن الألف واللام للعهد، والمراد: أن هذا الشهر الذي أَقْسَمَ على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يومًا.
[ثالثها]: أنه بَنَى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأن مجيء الشهر تسع وعشرون في زمنه ﷺ كان أكثر من ثلاثين، وفي "سنن أبي داود"، والترمذيّ، عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما صمنا مع النبيّ ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين"، وكذا في "سنن ابن ماجه"، عن أبي هريرة ﵁.
[رابعها]: قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان؛ أي إنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقله، وقد يكون ثلاثين، وهوأكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر أنفسكم احتياطًا، ولا تقصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطةً ابتداءً وانتهاءً
стр. 12014
باستهلاله. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢١] (١٠٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْنَا: إِنَّمَا الْيَوْمُ تِسْعٌ (٢) وَعِشْرُونَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا الشَّهْرُ (٣) " -وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مُهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٦) من رباعيّات الكتاب.
стр. 12015
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، فهو ابن صحابيّ، غزا مع النبيّ ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتَزَلَ) أي اجتنب (نِسَاءَهُ شَهْرًا) قد تقدّم أن سببه إفشاء حفصة شيئًا أسرّه النبيّ ﷺ إليها إلى عائشة ﵂، وسيأتي بطوله في "كتاب الطلاق" -إن شاء الله تعالى- (فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ) ذكّر تسعًا بتقدير التمييز ليلةً، وفي الرواية التالية: "فخرج إلينا صباح تسع وعشرين"، وقد تقدّم أن معناه: بعد تمام تسعة وعشرين يومًا، يدلّ عليه ما سيأتي في حديث أم سلمة ﵂ بلفظ: "فلمّا مَضَى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهم … " (فَقُلْنَا) وفي الرواية التالية: "فقال بعض القوم"، وقد سبق أن عائشة ﵂ قالت له ذلك، فيحتَمِل أن تكون هي المرادة هنا، وَيحْتَمِل أن يكون كلّمه غيرها معها، والله تعالى أعلم.
(إِنَّمَا الْيَوْمُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي نسخة: "تسعة وعشرون"، وهو واضح؛ لأن اليوم مذكّر، فيؤنّث العدد له، وللأول أيضًا وجه، وهو أن تأنيث العدد للمذكّر، وتذكيره للمؤنّث إنما يلزم إذا وقع المعدود بعده، فأما إذا قُدّم، كما هنا، أو حُذف، كحديث: "من صام رمضان، ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدهر"، رواه مسلم، فيجوز الوجهان، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّمَا الشَّهْرُ") وفي نسخة: "إن الشهر"، هكذا الرواية لم يُذكر فيها خبر "إنّ"، وتقديره كما يدلّ عليه ما بعده: "هكذا، وهكذا، وهكذا" (وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ) أي ضرب إحداهما في الأخرى (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً) أي منعها من إطلاقها مع أخواتها، وقد تقدّم في حديث ابن عمر ﵄ أنه "قبض إبهامه في الثالثة"، وفي رواية: "ونقص في الصفقة الثالثة إبهام
стр. 12016
اليمنى، أو اليسرى" (فِي الْآخِرَةِ) أي في الصفقة الثالثة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٥٢١ و ٢٥٢٢] (١٠٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٩ و ٣٣٤ و ٣٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦١ - ١٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٢٤٩)، وفوائده تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْرًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا صبَاحَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ"، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا، مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ يُدلّس وُيرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان"٦/ ١٢٩.
стр. 12017
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (صَبَاحَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ) أي صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يومًا، وهي صبيحة ثلاثين.
وقوله: (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ) قال الفيّوميّ ﵀: القوم جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، الواحد رجل، وامرؤٌ، من غير لفظه، والجمع أقوام، سُمُّوا بذلك؛ لقيامهم بالعظائم والمهمّات، قال الصغانيّ: وربّما دخل النساء تبعًا؛ لأن قوم كلّ نبيّ رجال ونساء، ويذكّر القوم ويؤنّث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذلك كلّ اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رَهْط، ونفَرٍ. انتهى (١).
فيحتمل أن يكون الرجال هم الذين قالوا له ﷺ هذا الكلام، وَيحْتَمل أن بعض الرجال كلّمه مع بعض النساء، وقد سبق أن عائشة ﵂ كلّمته، وكذا ثبت أن عمر ﵁ ممن كلّمه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي أحيانًا يكون تسعة وعشرين يومًا، كما يكون أحيانًا ثلاثين يومًا.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٢] (١٠٨٥) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ، أَن أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ (٢) وَعِشْرُونَ يَوْمًا، غَدَا عَلَيْهِمْ، أَوْ رَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: حَلَفْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، قَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا (٣) ").
стр. 12018
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ) هو: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صَيْفيّ، نُسب جدّه لجدّه المكيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ) بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ، أبو عبد الله المدنيّ، أخو أبي بكر أحد الفقهاء السبعة، ثقةٌ مُقِلّ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والأعرج ومات قبله.
وروى عنه ابناه: عبد الله، ومحمد، ويحيى بن محمد بن عبد الله بن صيفيّ، والزهريّ.
قال النسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، تُوُفِّي في خلافة يزيد بن عبد الملك بالمدينة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أمهُ فاختة بنت عتبة بن سهل بن عمر، ومات سنة ثلاث ومائة، أخرجوا له حديثًا واحدًا، عن أم سلمة ﵂: "أن الشهر تسع وعشرون".
وذكر ابن حبان أيضًا أنه رَوى عَن عمر، وغير واحد من الصحابة، وقال أبو حاتم الرازيّ: حديثه عن عمر مرسل.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط.
٣ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة حُذيفة، أو لسُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 12019
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، وعكرمة، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، والقول.
٤ - (ومنها): أن تابعيّه من الثقات المقلّين من الرواية، فليس له في عند الجماعة إلا هذا الحديث.
شرح الحديث:
عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (أَنَّ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا) وفي رواية للبخاريّ: "آلى من نسائه شهرًا"، وفي رواية له: "حلف أن لا يدخل على بعض نسائه شهرًا".
وقال في "الفتح" في شرح الرواية الأخيرة ما نصّه: كذا في هذه الرواية، وهو يُشعر بأن اللاتي أقسم أن لا يدخل عليهنّ هنّ من وقع منهنّ ما وقع من سبب القسم، لا جميع النسوة، لكن اتَّفَقَ أنه في تلك الحالة انفكّت رجله، كما في حديث أنس ﵁ (١)، فاستمرّ مقيمًا في المشرُبة ذلك الشهر كلّه، وهو يؤيّد أن سبب القسم ما جاء في قصّة مارية ﵂، فإنها تقتضي اختصاص بعض النسوة دون بعض، بخلاف قصّة العسل، فإنهنّ اشتركن فيها إلا صاحبة العسل، وإن كانت إحداهنّ بدأت بذلك، وكذلك قصّة طلب النفقة، والغيرة، فإنهنّ اجتمعن فيها. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": المراد من الإيلاء هنا الحلف، لا الإيلاء الشرعيّ؛ لأن الإيلاء الشرعيّ هو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر، أو أكثر؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فتكون مدة الإيلاء أربعة أشهر من غير زيادة ولا نقصان، وأخرج ابن أبي شيبة في
стр. 12020
"مصنفه": عن ابن عباس ﵄، قال: "إذا آلى من امرأته شهرًا، أو شهرين، أو ثلاثةً ما لم يبلغ الحدّ فليس بإيلاء"، وأخرج نحوه عن عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، وقال الشافعيّ، وأحمد: إذا حَلَف لا يقربها أربعة أشهر لا يكون مُوليًا حتى يزيد مدة المطالبة، واشترط مالك زيادة يوم، والآية المذكورة حجة عليهم، وحُكْمُ الإيلاء أنه إذا وطئها في المدة كَفَّر؛ لأنه حنث في يمينه، وقال الحسن البصريّ: لا كفارة عليه، وسقط الإيلاء، وإن لم يطأها في المدّة، حتى مضت بانت منه بتطليقة واحدة، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعثمان، وعليّ ﵃، وهو قول جمهور التابعين، وفيه فروع كثيرة محلها كتب الفقه. انتهى (١).
(فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ) وقع في بعض النسخ: "تسع"، والظاهر أنه غلطٌ؛ لأن التمييز مذكّر، وهو مذكور بعده، فليُتنبّه (وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِمْ) أي أتاهم صباحًا، وذكّر الضمير باعتبار بعض الأهل (أَوْ) للشكّ من الراوي (رَاحَ) أي أتاح مساءً، وأصل الْغُدُوّ: الخروج بغدوة، والرواح: الرجوع بعشيّ، ويقال: الْغَدْوة: المرّة من الذهاب، والرَّوحة: المرّة من المجيء، وقد يُستعملان في مطلق المشي والذهاب، كما في "النهاية"، والمراد أنه أتاهم صباحًا أو مساءً.
(فَقِيلَ لَهُ) أي قال له قائل، وقد تقدّم أنها عائشة ﵂، ويَحْتَمِل أن يكون معها غيرها، كما هو ظاهر رواية جابر التي قبل هذا بلفظ: "فقلنا" (حَلَفْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، قَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا") وفي نسخة: "يكون تسعًا وعشرين"، وهو صحيح؛ أي ليلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٥٢٣ و ٢٥٢٤] (١٠٨٥)، و (البخاريّ) في
стр. 12021
"الصوم" (١٠٩١٠) و"النكاح" (٥٢٠٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٦٨)، و (ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٤٢٠)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٣/ ٣٠٤)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ١٥٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٢٣)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ جَمِيعًا، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء القيسيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ) بن مَخْلد بن الضحّاك الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم الضحّاك، عن ابن جُريج، ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٥٢٠٢) - حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح) وحدّثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، أن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث أخبره، أن أم سلمة أخبرته، أن النبيّ ﷺ حلف لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهنّ، أو راح، فقيل له: يا نبي الله حلفت أن لا تدخل عليهنّ شهرًا، قال: "إن الشهر يكون تسعةً وعشرين يومًا". انتهى.
стр. 12022
وأما رواية رَوْح، عن ابن جريج، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ٣١٥) فقال:
(٢٦٧٢٥) - حدّثنا رَوْحٌ، ثنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفيّ، أن عكرمة بن عبد الرحمن أخبره، أن أم سلمة أخبرته، أن رسول الله ﷺ حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهم، أو راح، فقيل له: حلفت يا نبي الله لا تدخل عليهم شهرًا، فقال: "إن الشهر تسعة وعشرون يومًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٢٥٢] (١٠٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا"، ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقِصَره، ثقةٌ [٣] قتله الحجّاج قبل الثمانين (خ م مد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ﵁ بالعقيق سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
стр. 12023
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيه ﵁ هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة المبشّرين بالجنّة، مات سنة (٥٥) على الصحيح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ ﵁)، أنه (قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى) أي طبّق بين أصابع يديه العشرين (فَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا) وفي الرواية التالية: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا" ثلاث مرات، فالإشارة الأولى إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين (وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا) بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة أفصح لغاتها العشرة، وقد تقدّمت غير مرّة وقد تقدّم في حديث ابن عمر بقوله: "وعقد الإبهام في الثالثة"؛ يعني أنه ﷺ قبض إصبعًا واحدةً، وهي الإبهام من العشرة الثالثة إشارة إلى كونه تسعة، فجملة ما أشار إليه تسعة وعشرون يومًا.
وفي الرواية التالية للمصنّف من طريق زائدة، عن إسماعيل: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشرًا، وعشرًا، وتسعًا مرة"، وفي حديث جابر ﵁ المتقدّم: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طبّق النبيّ ﷺ بيديه ثلاثًا، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها".
وحاصل معنى الحديث أنه ﷺ بيّن أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين يومًا أحيانًا، كما يكون ثلاثين يومًا أحيانًا، يوضّح هذا المعنى ما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين … ". وما تقدّم من حديث ابن عمر ﵁: "والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا؛ يعني تمام ثلاثين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12024
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٥٢٥ و ٢٥٢٦، (١٠٨٦)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٣٨) و"الكبرى" (٢٤٤٥ و ٢٤٤٦ و ٢٤٤٧)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٨٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٢٠)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَن زَائِدَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا" عَشْرًا، وَعَشْرًا، وَتِسْعًا مَرَّةً).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت ﵁ ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقون ذُكروا قبله، و"إسماعيل": هو ابن أبى خالد.
وقوله: (مَرَّةً) قيد لـ"تسعًا".
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، ومضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12025
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، يَعْني ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: في هَذَا الإسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) - بضمّ القاف، وسكون الهاء، آخره زاي- المروزيّ، ثقةٌ [١١] (٢٦٢) (م) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ) أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٥) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٣٥.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سليمان، ويقال: أبو أيوب المؤذب المروزيّ، ثقة حافظ، كان يورّق لابن المبارك، من كبار [١٠] (ت ٢٠٣) (خ م س) تقدم في "الصلاة" ٩/ ٨٦٩.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام الحجة الفقيه العلَم الشهير المروزيّ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
و"إسماعيل بن أبي خالد" تقدم قبل حديث.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا) يعني حديث محمد بن بشر، وزائدة بن قُدامة كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد.
[تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد هذه ساقها النسائيّ: ﵀ في "المجتبى" (٤/ ١٣٨) فقال:
(٢٤٤٦) - أنبا سُويد بن نصر، قال: أنبأ عبد الله، عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا"؛ يعني تسعة وعشرين. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 12026
(٥) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ وَأنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٨] (١٠٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كرَيْبٍ، أَن أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتهُ اِلَى مُعَاوِبَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاستُهِلَّ عَلَىَّ رَمَضَانُ، وَأنا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَألنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أنتَ رَأيتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيةُ، فَقَالَ: لَكِنَا رَأَيْنَاهُ لَيلَةَ السَّبتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاِثينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْبَةِ مُعَاوِيةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَشَك يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي "نَكْتَفِي"، أَوْ "تكتَفِي").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع (١٣٠) (خ م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥٤/ ١٩٣٤.
٧ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدني، مولى ابن عبّاس، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
стр. 12027
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) ﵁، حبر الأمة وبحرها، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فرّق؛ لاختلافهم في كيفية أخذهم عن شيخهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بغلانيّ، والرابع مروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ كُرَيْبٌ) مولى ابن عباس ﵄، وفي رواية النسائيّ مسلسل بالإخبار والتحديث، ولفظه: "أخبرنا عليّ بن حُجْرٍ، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثنا محمد -وهو ابن أبي حرملة- قال: أخبرني كُريبٌ، أن أم الفضل بعثته … " (أَنَّ أمَّ الْفَضْلِ بِنتَ الْحَارثَ) هي: لبابة بنت الحارث بن حَزْن -بفتح، فسكون- الهلالية، زوج العباس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ ﷺ ، ماتت بعد العباس في خلافة عثمان ﵃، تقدّمت ترجمتها في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٨. (بَعَتثهُ) أي أرسلته لقضاء حاجة لها (إِلَى مُعَاوِيةَ) بن أبي سفيان، أبي عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب (٨٠)، تقدّمت ترجمته في " الصلاة: ٨/ ٨٥٨. (بِالشَّامِ) بالهمزة، وبدونها: البلدة المعروفة (قَالَ) كريب (فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا) أي بَلّغت رسالتها إلى معاوية ﵁ (وَاسْتُهِلّ عَلَيَّ رَمَضَانَ) وفي رواية النسائيّ: "واستُهِلّ عليّ هلالُ رمضان"، وهو بالبناء للمفعول، وقيل: يجوز بناؤه للفاعل؛ أي رُؤي هلال رمضان، أو تبيّن، قال الفيّوميّ ﵀: وأُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه،
стр. 12028
واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل، وهَلَّ، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر، وأَهْلَلنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته، وأهلّ الرجل: رفع صوته بذكر الله تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يعجبه.
و"الهلال" هو القمر في حالة خاصّة، قال الأزهريّ: ويسمّى لليلتين من أول الشهر هلالًا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالًا، وما بين ذلك يسمّى قمرًا، وقال الفارابيّ، وتبعه في "الصِّحَاح": الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو قمر بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه (١).
(وَأنَا بِالشَّامِ) جملة حالية؛ يعني أنه رؤي هلال رمضان، والحال أن كريبًا بالشام، قبل أن يرجع إلى المدينة (فَرَأَيْتُ الْهِلَال) وفي رواية أبي داود، والترمذيّ: "فرأينا الهلال" بنون الجمع (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَألنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄) يعني أنه سأله عن أمور تتعلّق به، وبسفره، وعن حال أهل الشام، وغير ذلك، كما هو الشأن والعادة عند قدوم المسافر من سفره (ثُمَّ) انساق الكلام إلى أن (ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أنتَ رَأَيْتَهُ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأنت رأيته؟، وفي رواية النسائيّ: "أنت رأيته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟ " (فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا) بنون مشددة، لإدغام نون "لكن" في نون ضمير جمع المتكلّم، وفي رواية النسائيّ: "لَكِنْ" بسكون النون (رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ) أي بعد رؤية أهل الشام (فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتى نُكمِلَ ثَلَاِثِينَ) وفي رواية النسائيّ: "حتى نُكمِل ثلاثين يَوْمًا" (أَوْ نَرَاهُ) أي قبل ذلك لتسعة وعشرين (فَقُلتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ، وَصِيَامِهِ؟) وفي رواية النسائيّ: "أْوَ لا تكتفي برؤية معاوية وَأَصْحَابِهِ؟ " (فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) الظاهر أنه أراد: أمرنا أن لا نعتمد على رؤية غيرنا، ولا نكتفي بها، بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا، وقد ترجم الترمذيّ ﵀، فقال: "ما جاء لكلّ أهل بلد رؤيتهم"، ثم أورد حديث الباب، وقال أيضًا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكلّ أهل بلد رؤيتهم. انتهى.
стр. 12029
وقوله: (وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي "نَكْتَفِي"، أَوْ "تَكْتَفِي") أشار إلى بيان اختلاف شيوخه، فقد اتفق الثلاثة على لفظ: "أو لا تكتفي" بالتاء، وشكّ شيخه يحيى بن يحيى هل هو "نكتفي" بالنون، أو "تكتفي" بالتاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث ابن عباس بهذا من أفراد المصنّف ﵀.
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٥٢٨] (١٠٨٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٦٢٩)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢١١١) و"الكبرى" (٢٤٢١)، و (أحمد) في "مسنده"، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩١٦) (١/ ٣٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٧ و ٤/ ٢٥١) و"المعرفة" (٣/ ٣٩٩)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع:
قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد" (١٤/ ٣٥٦): واختَلَف العلماء في الحكم إذا رَأَى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان، فرُوي عن ابن عباس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، أنهم قالوا: لكل أهل بلد رؤيتهم، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وحجة من قال هذا القول حديث ابن عبّاس ﵄، ثم أخرج حديث الباب.
ثم قال: وفيه قول آخر، رُوي عن الليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، قالوا: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول مالك، فيما روي لابن القاسم، وقد رُوي عن مالك، وهو مذهب المدنيين من أصحابه، أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه، إلا أن يَحْمِل الإمام على ذلك، وأما مع اختلاف الكلمة فلا، إلا في البلد بعينه.
قال أبو عمر ﵀: إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثرًا مرفوعًا، وهو حديث حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول طائفة من فقهاء التابعين، ومع هذا إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يُكَلَّفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق
стр. 12030
عليهم، أرأيت لو رُئي بمكة، أو بخراسان هلال رمضان أعوامًا بغير ما كان بالأندلس، ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الأندلس، أو عند بعضهم، أو عند رجل واحد منهم، أكان يجب عليه قضاء ذلك، وهو قد صام برؤيةٍ، وأفطر برؤيةٍ، أو بكمال ثلاثين يومًا، كما أُمِرَ؟ ومَن عَمِل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب، والله الموفق للصواب. نتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: قول ابن عبّاس ﵁: "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " كلمة تصريح برفع ذلك للنبيّ ﷺ ، وبأمره به، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز، أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كلّ بلد أن يعملوا على رؤيتهم دون رؤية غيرهم، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يَحْمِل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهاديّة مُختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهادٌ، ولا تحلّ مخالفته، ألا ترى أن معاوية ﵁ أمير المؤمنين قد صام بالرؤية، وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عبّاس ﵄ إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو، ووجه هذا يُعرف من علم الهيئة والتعديل، وذلك يتبيّن فيها أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلّة ومغاربها، فيطلُع الهلال ويغرُب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين، وعلى هذا فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرُبَ، قال: وإلى ذلك صار ابن عبّاس، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وبه قال إسحاق، وإليه أشار الترمذيّ، حيث بوّب: "لأهل كلّ بلد رؤيتهم"، وحكَى أبو عمر بن عبد البرّ الإجماع على أنه لا تُراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان، كالأندلس من خُرَاسان، قال: ولكلّ بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين، قال: وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد، ثم ذكر ما ذكره ابن المنذر من الخلاف في المسألة، وقد
стр. 12031
تقدّم، ثم قال: وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نُقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم، وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيُلزِمَ الناس كلّهم الصيام، وعَلّل هذا بأن البلاد كلها لا كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.
قال القرطبيّ: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم، والصواب الفرق بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيُحمل إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(أحدهما): أن لأهل كلّ بلد رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم"، من حديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ وجهًا للشافعيّة.
(الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندلس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقّه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن الشافعيّ.
стр. 12032
وفي ضبط البعد أوجه:
(أحدها): اختلاف المطالع: قطع به العراقيون، والصيدلانيّ، وصححه النوويّ في "الروضة"، و"شرح المهذّب".
(ثانيها): مسافة القصر: قطع به الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في "الصغير"، والنوويّ في "شرح مسلم".
(ثالثها): اختلاف الأقاليم.
(رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كل بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم.
(خامسها): قول ابن الماجشون المتقدّم. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع.
وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم رؤيتهم الخاصّة بهم؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ ظاهر في الدلالة عليه، وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلًا على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا من دون فرق، والله تعالى أعلم.
وقد أطال الشوكاني في "نيل الأوطار" في ردّ قول ابن عباس ﵄، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس ﵄، بدون دليل مقنع، فتأويل قوله: "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ) بأنه أراد قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته … " تأويل بارد، ظاهر التعسّف، فابن عباس ﵄ من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه ﷺ أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 12033
(٦) - (بَابُ بَيَانِ أنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِكُبْرِ الْهِلَالِ وَصُغْرِهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤيةِ، فَإنْ غُمَّ، فَلْيُكَمَّلْ ثَلَاُثونَ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢٩] (١٠٨٨) - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ، قَالَ: تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، قَالَ: فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَينَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَي لَيْلَةٍ رَأيتُمُوهُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِن اللهَ مَدَّهُ لِلرُّؤيةِ، فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير في الآخر [٥] (ت ١٣٠) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٥ - (أبو الْبَخْتَرِيِّ) - بفتح الموحّدة، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح التاء المثنّاة فوقُ- سعيد بن فيروز، ويقال: ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فيه تشيّعٌ قليلٌ، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي كبشة، وأبي بَرْزة، ويعلى بن مُرّة، وأبي عبد الرحمن السلمي، والحارث الأعور، وغيرهم.
стр. 12034
وروى عنه عمرو بن مرة، وعبد الأعلى بن عامر، وعطاء بن السائب، وسلمة بن كهيل، ويونس بن خَبّاب، وحبيب بن أبي ثابت، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم.
قال عبد الله بن شعيب، عن ابن معين: أبو الْبَخْتريّ الطائيّ اسمه سعيد، وهو ثبت، ولم يسمع من عليّ شيئًا، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال أبو داود: لم يسمع من أبي سعيد، وقال فِطْر بن خَليفة، عن حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد بن جبير، وأبو البختريّ، فكان الطائيّ أعلمنا وأفقهنا، وقال هلال بن خَبّاب: كان من أفاضل أهل الكوفة.
قال أبو نعيم: مات في الجماجم سنة (٨٣) وقال ابن سعد: قُتل بدجيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣)، وكان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه: لم يدرك أبا ذرّ، ولا أبا سعيد، ولا زيد بن ثابت، ولا رافع بن خَدِيج، وهو عن عائشة مرسل، وقال أبو زرعة: هو عن عمر مرسلٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سعيد بن فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة فيه تشيع، ونَقَل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": ليس بالقويّ عندهم، قال الحافظ: كذا قال، وهو سهو. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٨٨) وأعاده بعده، و (١٥٣٧): "نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يأكل منه، أو يؤكل منه … ".
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
стр. 12035
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بفتح الموحّدة، والتاء، بينهما خاء معجمة ساكنة، واسمه سعيد بن فيروز، وقيل غيره، كما تقدّم آنفًا، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا) أي من بلدنا الكوفة (لِلْعُمْرَةِ) أي لأجل أدائها (فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ) -بفتح، فسكون- قرية مشهورة شرقيّ مكة، تُسَمَّى الآن بالمضيق، قاله ابن حجر الهيتميّ في "شرح المشكاة".
وقال القرطبيّ ﵀: بطن نخلة موضع معروفٌ بذات عِرْق، ولذلك قال في رواية أخرى: "قال أبو الْبَخْتَريّ: أهللنا رمضان، ونحن بذات عِرْق". انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: وبطن نخل، ويقال: نخلة بالإفراد أيضًا، وهما نَخْلتان: إحداهما نخلة اليمانية بوادٍ يأخذ إلى قَرْنٍ والطائف، قال الشاعر:
وَمَا أَهَل بِجَنْبَي نَخْلَةُ الْحُرُمُ
أي المحرمون، وبها كان ليلة الجنّ، وبها صلّى رسول الله ﷺ صلاة الخوف لَمّا سار إلى الطائف، وبينها وبين مكة ليلة.
والثانيةْ نخلةُ الشاميّة بوادٍ يأخذ إلى ذات عِرْقٍ، ويقال: بينها وبين المدينة ليلتان. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: المراد هنا هي الشاميّة، كما أشار إليه القرطبيّ بدليل الرواية التالية، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) أي اجتمعنا لرؤية الهلال، لكمال ظهوره، أوأرى بعضنا بعضًا لخفاء نظره، أو عدم علمه بمحله، وقال النوويّ ﵀: أن تكلّفنا النظر إلى جهته لنراه (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ) أي صاحب ثلاث ليال لعلو درجته، قال السنديّ: وهذا بعيد إلا أن يكون أول الشهر مشتبهًا، فافهم
стр. 12036
(وَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، قَالَ) أبو البختري (فَلَقِينَا) أي نحن، فـ "نا" ضمير المتكلّمين في محل الرفع على الفاعليّة (ابْنَ عَبَّاسٍ) بالنصب على المفعوليّة، يُروى بالرفع على أنه الفاعل و"نا" هو المفعول، قيل: الوجه الأول أولى من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى؛ إذ فيه رعاية للأدب.
قال السندي ﵀ يَحْتَمل أن يكون قولهم: "فلقينا ابن عبّاس" مجازًا عن لقاء رسولهم له، ويَحْتَمِل أنهم لقوه بعد أن أرسلوا إليه الرسول، وعلى الوجهين فلا منافاة بين هذه الرواية والرواية التالية، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا) أي لابن عبّاس ﵄ (إِنَّا) أي معشر القوم (رَأَيْنَا الْهِلَالَ) أي مرتفعًا جدًا (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْم: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابنُ لَيْلَتَينِ، فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (أَيَّ لَيْلَةٍ) قال في "المرقاة": بالرفع، وفي نسخة صحيحة بالنصب، وهوأفصح من "أيةَ ليلة" (رَأَيْتموهُ؟) أي الهلال فيها (قَالَ) أبو البختريّ (فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا) أي رأيناه ليلة كذا؛ يعني أنهم عيّنوا الليلة التي رأوه فيها، قال في "المرقاة": ولم يظهر لي وجه تكرير "كذا" (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ مَدَّهُ لِلرُّؤيةِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها: "فقال: إن رسول الله ﷺ مَدَّهُ للرؤية"، هكذا ذكر النووي النسختين، ولم يتعقّب ذلك بشيء، وقد تعقّب الثانية القرطبيّ ﵀، ودونك عبارته: قال: قوله: "إن الله مدّه للرؤية" هكذا صحّت روايتنا فيه، وهكذا الأصول الصحيحة، والنسخ المعتمدة، وقد سقط في بعض النسخ لمن لا يضبط، ولا يحفظ: "قال: إن الله"، فيبقى اللفظ: "إن رسول الله ﷺ مدّه للرؤية"، وهو خطأٌ صُراحٌ، لا يقبل الإصلاح. انتهى.
ثم إن جميع النسخ متفقة على "مَدَّهُ" من غير ألف فيها، وفي الرواية الثانية: "فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : إن الله قد أمَدّه لرؤيته"، هكذا هو في جميع النسخ "أمدّه" بألف في أوله، قال القاضي عياض ﵀: قال بعضهم: الوجه أن يكون أمدّه بالتشديد، من الإمداد، أو مدّه من الامتداد، قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه: أطال مُدّته إلى الرؤية، يقال منه: مَدَّ، وأمدَّ، قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، قرئ بالوجهين: أي يُطيلون لهم، قال: وقد يكون أمده
стр. 12037
من الْمُدّة التي جعلت له، قال صاحب "الأفعال": أمددتك مدّةً: أي أعطيتكها، أو يكون من الإمداد، وهي الزيادة في الشيء من غيره، كان الشهر يكون تسعة وعشرين، ويزيده الله يومًا، فيكون ثلاثين، ومنه أمددت الجيش: إذا كثرته، وكذلك كلّ شيء. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "مدّه للرؤية": أي ضرب مدّة رمضان رؤية الهلال. انتهى (٢).
(فَهُوَ) أي رمضان (لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ) قال ابن حجر الهيميّ: بإضافة "ليلة" إلى الجملة، وقال القاري: وفي النسخ المصحّحة بالتنوين، ويدلّ عليه ما سبق من قوله: "أيُ ليلة رأيتموه"، غايته أنه يقدّر لفظ "فيها"؛ أي رأيتموه فيها، والمعنى أن رمضان حاصل لأجل رؤية الهلال في تلك الليلة، ولا عبرة بكُبْره (٣).
قال في "المرقاة": واستفيد من قوله: "لليلة رأيتموه" أن لا عبرة برؤية الهلال قبل الغروب، وأنه لو رؤي ليلة ثلاثين شعبان أو رمضان نهارًا قبل الزوال أو بعده لم يُحكم لليلة الماضية، ولا المستقبلة، فلا يفطره من رمضان، ولا يمسكه من شعبان، بل إن رؤي بعد الغروب حُكم به للمستقبلة، وإلا فلا، للخبر السابق صوموا لرؤيته، ولما صَحّ أن عمر ﵁ أرسل إلى جند له بالعراق أن هذه الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا، حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس، وصَحَّ عن ابن عم ﵄ أن ناسًا رأوا هلال الفطر نهارًا، فأتم صيامه إلى الليل، وقال: لا، حتى يُرَى من حيث يُرَى بالليل، وفي رواية: لا يصلح أن نفطر حتى تروه ليلًا من حيث يُرَى، قال البيهقيّ: وروينا في ذلك عن عثمان، وابن مسعود، وقال غيره: وعن عليّ، وأنس، ولا مخالف لهم، ورَوَى مالك بلاغًا أن الهلال رؤي زمن عثمان بعشيّ، فلم يفطر حتى أمسى.
стр. 12038
وقال جمع من السلف: إن رؤي قبل الزوال فللماضية، أو بعده فللمستقبلة.
قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الأول هو الصحيح؛ لظاهر قوله: "لليلة رأيتموه"، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ولم يقل أحد: إنه لو رؤي يوم التاسع والعشرين يكون لماضية؛ لاستحالة كون الشهر ثمانية وعشرين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢٥٢٩ و ٢٥٣٠] (١٠٨٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٢٧ و ٣٤٤ و ٣٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩١٥ و ١٩١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٣٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ، وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَأرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَسْألهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن اللهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤيتِهِ، فَإِنْ أُغمِيَ عَلَيْكُمْ، فَأكمِلُوا الْعِدة").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد المعروف بالزَّمِن، تقدّم قبل بابين.
стр. 12039
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ) قال في "النهاية": أَهَلَّ المحرم بالحجّ: إذا لَبَّى، ورفع صوته، ومنه إهلال الهلال، واستهلاله: إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته. انتهى. فمعناه: رأينا هلال رمضان.
وقوله: (وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ) - بكسر العين، وسكون الراء- قال الفيّوميّ: ذات عِرْق ميقات أهل العراق، وهو عن مكة نحو مرحلتين، ويقال: هو من نجدِ الحجاز. انتهى.
وقوله: (فَاَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَسْألهُ) هذا لا ينافي ما تقدّم في الرواية التي قبلها من أنهم سألوه؛ لاحتمال أنهم تراءوه بذات عِرْق، وتنازعوا فيه، فأرسلوا يسألونه فأجابهم بذلك، فلما وصلوا بطن نخلة رأوه، فسألوه شِفاهًا، فأجابهم بما يطابق الجواب، وحاصلهما أنه لا بُدّ في الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثين شعبان من رؤية هلاله، قاله في "المرقاة" (١).
وقوله: ("إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤيتِهِ. . إلخ) معناه: لا تنظروا إلى كُبْر الهلال وصُغْره، فإن تعليق الحكم على رؤيته، (فإن أغمي عليكم)؛ يعني ليلة رمضان، (فأكلموا العدّة)؛ أي عدة شعبان، هذا الظاهر؛ لقولهم في أول الحديث: أهللنا رمضان، وَيحْتَمِل: فإن أغمي في آخره، فأكملوا عدة رمضان (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الأخير ضعيف جدًّا؛ لمنافاته لسياق القصّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 12040
(٧) - (بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قَوْلهِ ﷺ : "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَان")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٣١] (١٠٨٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الْحَذّاءُ، أبو الْمُنازل البصريّ، ثقةٌ حافظ يرسل، تغيّر حفظه في الأخير [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيِ بَكْرَةَ) الثقفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٥ - (أَبُوهُ) أبو بكرة نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو الثقَفيّ الصحابيّ المشهور بكنيته، قيل: اسمه مسروح، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل البصرة.
стр. 12041
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وهو عبد الرحمن، عن أبيه، وهو أول مولود وُلد بالبصرة بعد بنائها، قاله في "العمدة" (١).
٥ - (ومنها): أن صحابيّه يلقب بصورة الكنية، فأبو بكرة لقبه؛ لأنه تدلّى من حِصن الطائف ببكرة البئر إلى النبيّ ﷺ ، وكان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَةَ، فأعتقه النبيّ ﷺ يومئذ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ خَالِدٍ) الْحَذّاء (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁).
[تنبيه]: نقل في "العمدة" عن الحافظ العراقيّ ﵀ قال: ولا أعلم من روى هذا الحديث عن أبي بكرة غير ابنه عبد الرحمن، ورواه عن عبد الرحمن جماعة، منهم خالد الحذّاء، وإسحاق بن سُويد، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وسالم أبو حاتم، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن إسحاق، كلهم أسنده عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث خالد الحذاء، وانفرد به البخاريّ من حديث إسحاق بن سُويد، ورواه أحمد في "مسنده"، والطبرانيّ في "الكبير" من رواية علي بن زيد، وسالم بن أبي حاتم، ويكنى أيضًا أبا عبد الله، ورواه الطبرانيّ من رواية عبد الملك بن عمير، ورواه البزار في "مسنده" من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، وقال البزار في "مسنده": وهذا الكلام لا نعلم رواه أحد عن النبيّ ﷺ بهذا اللفظ إلَّا أبو بكرة، نحو كلامه بغير لفظه. انتهى.
وقد روى أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شهر حرام تام ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة"، رواه ابن عديّ في "الكامل" في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق الواسطيّ، ونقل تضعيفه عن أحمد، ويحيى، والبخاريّ، والنسائيّ، وذكر أبو عمر في "التمهيد" هذا الحديث، وقال: لا يحتج بهذا، فإنه يدور على
стр. 12042
عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف، قال شيخنا: ليس مداره عليه، كما ذكر، وأيضًا فقد اختُلِف عليه فيه، فروي عنه بهذا اللفظ، كما تقدم، ورُوي عنه باللفظ المشهور، رواه البزار في "مسنده" كذلك، قال: حدّثنا عمرو بن مالك، حدّثنا مروان بن معاوية، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، رفعه إلى النبيّ ﷺ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة"، وأما متابعته على اللفظ الآخر: "كل شهر حرام"، فرواه الطبراني في "الكبير" قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلوانيّ، حدّثنا سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شهر حرام لا ينقص، ثلاثين يومًا وثلاثين ليلةً"، ورجال إسناده كلهم ثقات، وأحمد بن يحيى وثقه أحمد بن عبد الله الفرائضيّ، وباقيهم رجال الصحيح. انتهى (١).
(عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "شَهْرَا عِيدٍ) كلام إضافيّ مبتدأ خبره قوله: (لَا يَنْقُصَانِ) وقوله: (رَمَضَانُ) خبر لمحذوف: أي أحدهما رمضان، بمنع الصرف؛ للعلميّة، وزيادة الألف والنون (وَذُو الْحِجَّةِ") أي والثاني: ذو الحجة، قال ابن الجوزيّ: فإن قيل: كيف سُمِّي شهر رمضان شهر عيد، وإنما العيد في شوال؟ فقد أجاب عنه الأثرم بجوابين: أحدهما: أنه قد يُرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم رمضان، والثاني: لَمّا قَرُب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قَرُب منه، قاله في "العمدة" (٢).
وقال في "الفتح": أطلق على رمضان أنه شهر عيد؛ لقربه من العيد، أو لكون هلال العيد ربما رُؤي في اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرم، والأول أولى، ونظيره قوله ﷺ : "المغرب وتر النهار"، أخرجه الترمذيّ، من حديث ابن عمر ﵄، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأُطلق كونها وتر النهار؛ لقربها منه، وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تَغْرُب الشمس. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال في "الفتح": قد اختَلَفَ العلماء في معنى هذا الحديث،
стр. 12043
فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان، ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود، معاند للموجود المشاهد، ويكفي في ردّه قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا العدّة"، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يُحتج إلى هذا.
ومنهم من تأول له معنى لائقًا، وقال أبو الحسن: كان إسحاق ابن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة، إن كانا تسعة وعشرين، أو ثلاثين. انتهى.
وقيل: لا ينقصان معًا إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين، جاء الآخر ثلاثين، ولا بُدّ، وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاريّ، وسقط ذلك في رواية أبي ذرّ، وفي رواية النسفيّ وغيره عقب الترجمة قبل سياق الحديث: قال إسحاق: وإن كان ناقصًا فهو تمام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقصٌ، وإسحاق هذا هو ابن راهويه، ومحمد هو البخاريّ المصنّف.
ووقع عند الترمذيّ نقل القولين عن إسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، وكأن البخاريّ اختار مقالة أحمد، فجزم بها، أو تواردا عليها، قال الترمذيّ: قال أحمد: معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة. انتهى.
قال الحافظ: ثم وجدت في نسخة الصغانيّ ما نصّه عقب الحديث: قال أبو عبد الله: قال إسحاق: تسعة وعشرون يومًا تامّ، وقال أحمد بن حنبل: إن نقص رمضان تَمّ ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تَمّ رمضان، وقال إسحاق: معناه: وإن كان تسعًا وعشرين فهو تمام غير نقصان، قال: وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة، وروى الحاكم في "تاريخه" بإسناد صحيح أن إسحاق بن إبراهيم سئل عن ذلك، فقال: إنكم ترون العدد ثلاثين، فإذا كان تسعًا وعشرين ترونه نقصانًا، وليس ذلك بنقصان، ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، فأوهم مغلطاي أنه مراد الترمذيّ بقوله: وقال أحمد، وليس كذلك، وإنما ذكره قاسم في "الدلائل" عن البزار، فقال: سمعت البزار يقول: معناه لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، قال: ويدل عليه رواية زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، مرفوعًا: "شهرا عيد لا يكونان ثمانية
стр. 12044
وخمسين يومًا"، وادَّعَى مغلطاي أيضًا أن المراد بإسحاق: إسحاق بن سُويد العدويّ، راوي الحديث، ولم يأت على ذلك بحجة.
وذكر ابن حبان لهذا الحديث معنيين: أحدهما ما قاله إسحاق، والآخر أن المراد أنهما في الفضل سواءٌ؛ لقوله في الحديث الآخر: "ما من أيام العملُ فيها أفضل من عشر ذي الحجة".
وذكر القرطبيّ أن فيه خمسةَ أقوال، فذكر نحو ما تقدم، وزاد أن معناه: لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة، ومن قبله أبو الوليد ابن رشد، ونقله المحبّ الطبريّ، عن أبي بكر بن فورك.
وقيل: المعنى: لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقيّ، وقبله الطحاويّ، فقال: معنى لا ينقصان: أن الأحكام فيهما، وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين.
وقيل: معناه: لا ينقصان في نفس الأمر، لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابن حبان أيضًا، ولا يخفى بُعْدُه.
وقيل: معناه: لا ينقصان معًا في سنة واحدة، على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وُجد وقوعهما، ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، قال الطحاويّ: الأخذ بظاهره، أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان؛ لأنا قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام.
وقال الزين ابن المنير: لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسيّ باعتبار العدد ينجبر بأن كلًّا منهما شهر عيد عظيم، فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من المشهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما رجّحه النوويّ ﵀، قال: الأصحّ أن معناه: لا ينقص أجرهما، والثواب المرتب عليهما، وإن نقص عددهما، فقوله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه"،
стр. 12045
متّفق عليه، هذا الفضل يحصل، سواء تمّ عدد رمضان، أو نقص (١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": أما ما ذكره البزار من رواية زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، فإسناده ضعيف، وقد أخرجه الدارقطنيّ في "الأفراد"، والطبرانيّ من هذا الوجه بلفظ: "لا يتم شهران ستين يومًا"، وقال أبو الوليد ابن رشد: إن ثبت فمعناه: لا يكونان ثمانية وخمسين في الأجر والثواب.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: ورَوَى الطبرانيّ حديث الباب من طريق هُشيم عن خالد الحذّاء بسنده هذا، بلفظ: "كلّ شهر حرامٍ لا ينقص، ثلاثون يومًا، وثلاثون ليلةً"، قال الحافظ ﷺ : وهو بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ عن خالد ما تقدّم، وهو الذي توارد عليه الحفاظ من أصحابه، كشعبة، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم، وقد ذكر الطحاويّ أن عبد الرحمن بن إسحاق رَوَى هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا اللفظ، قال الطحاويّ: وعبد الرحمن بن إسحاق لا يقاوم خالدًا الحذّاء في الحفظ.
قال الحافظ: فعلى هذا فقد دخل لهشيم حديث في حديث؛ لأن اللفظ الذي أورده عن خالد هو لفظ عبد الرحمن.
وقال ابن رشد: إن صح فمعناه أيضًا في الأجر والثواب. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بكرة ﷺ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٥٣١ و ٢٥٣٢، (١٠٨٩)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩١٢)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ١٩٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٣/ ٧٥)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١/ ٥٣١)، و (الطيالسيّ) في