← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وهو عبد الرحمن، عن أبيه، وهو أول مولود وُلد بالبصرة بعد بنائها، قاله في "العمدة" (١). ٥ - (ومنها): أن صحابيّه يلقب بصورة الكنية، فأبو بكرة لقبه؛ لأنه تدلّى من حِصن الطائف ببكرة البئر إلى النبيّ ﷺ ، وكان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَةَ، فأعتقه النبيّ ﷺ يومئذ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ خَالِدٍ) الْحَذّاء (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁). [تنبيه]: نقل في "العمدة" عن الحافظ العراقيّ ﵀ قال: ولا أعلم من روى هذا الحديث عن أبي بكرة غير ابنه عبد الرحمن، ورواه عن عبد الرحمن جماعة، منهم خالد الحذّاء، وإسحاق بن سُويد، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وسالم أبو حاتم، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن إسحاق، كلهم أسنده عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث خالد الحذاء، وانفرد به البخاريّ من حديث إسحاق بن سُويد، ورواه أحمد في "مسنده"، والطبرانيّ في "الكبير" من رواية علي بن زيد، وسالم بن أبي حاتم، ويكنى أيضًا أبا عبد الله، ورواه الطبرانيّ من رواية عبد الملك بن عمير، ورواه البزار في "مسنده" من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، وقال البزار في "مسنده": وهذا الكلام لا نعلم رواه أحد عن النبيّ ﷺ بهذا اللفظ إلَّا أبو بكرة، نحو كلامه بغير لفظه. انتهى. وقد روى أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شهر حرام تام ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة"، رواه ابن عديّ في "الكامل" في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق الواسطيّ، ونقل تضعيفه عن أحمد، ويحيى، والبخاريّ، والنسائيّ، وذكر أبو عمر في "التمهيد" هذا الحديث، وقال: لا يحتج بهذا، فإنه يدور على

стр. 12042

عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف، قال شيخنا: ليس مداره عليه، كما ذكر، وأيضًا فقد اختُلِف عليه فيه، فروي عنه بهذا اللفظ، كما تقدم، ورُوي عنه باللفظ المشهور، رواه البزار في "مسنده" كذلك، قال: حدّثنا عمرو بن مالك، حدّثنا مروان بن معاوية، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، رفعه إلى النبيّ ﷺ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة"، وأما متابعته على اللفظ الآخر: "كل شهر حرام"، فرواه الطبراني في "الكبير" قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلوانيّ، حدّثنا سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شهر حرام لا ينقص، ثلاثين يومًا وثلاثين ليلةً"، ورجال إسناده كلهم ثقات، وأحمد بن يحيى وثقه أحمد بن عبد الله الفرائضيّ، وباقيهم رجال الصحيح. انتهى (١). (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "شَهْرَا عِيدٍ) كلام إضافيّ مبتدأ خبره قوله: (لَا يَنْقُصَانِ) وقوله: (رَمَضَانُ) خبر لمحذوف: أي أحدهما رمضان، بمنع الصرف؛ للعلميّة، وزيادة الألف والنون (وَذُو الْحِجَّةِ") أي والثاني: ذو الحجة، قال ابن الجوزيّ: فإن قيل: كيف سُمِّي شهر رمضان شهر عيد، وإنما العيد في شوال؟ فقد أجاب عنه الأثرم بجوابين: أحدهما: أنه قد يُرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم رمضان، والثاني: لَمّا قَرُب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قَرُب منه، قاله في "العمدة" (٢). وقال في "الفتح": أطلق على رمضان أنه شهر عيد؛ لقربه من العيد، أو لكون هلال العيد ربما رُؤي في اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرم، والأول أولى، ونظيره قوله ﷺ : "المغرب وتر النهار"، أخرجه الترمذيّ، من حديث ابن عمر ﵄، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأُطلق كونها وتر النهار؛ لقربها منه، وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تَغْرُب الشمس. انتهى (٣). [تنبيه]: قال في "الفتح": قد اختَلَفَ العلماء في معنى هذا الحديث،

стр. 12043

فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان، ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود، معاند للموجود المشاهد، ويكفي في ردّه قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا العدّة"، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يُحتج إلى هذا. ومنهم من تأول له معنى لائقًا، وقال أبو الحسن: كان إسحاق ابن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة، إن كانا تسعة وعشرين، أو ثلاثين. انتهى. وقيل: لا ينقصان معًا إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين، جاء الآخر ثلاثين، ولا بُدّ، وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاريّ، وسقط ذلك في رواية أبي ذرّ، وفي رواية النسفيّ وغيره عقب الترجمة قبل سياق الحديث: قال إسحاق: وإن كان ناقصًا فهو تمام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقصٌ، وإسحاق هذا هو ابن راهويه، ومحمد هو البخاريّ المصنّف. ووقع عند الترمذيّ نقل القولين عن إسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، وكأن البخاريّ اختار مقالة أحمد، فجزم بها، أو تواردا عليها، قال الترمذيّ: قال أحمد: معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة. انتهى. قال الحافظ: ثم وجدت في نسخة الصغانيّ ما نصّه عقب الحديث: قال أبو عبد الله: قال إسحاق: تسعة وعشرون يومًا تامّ، وقال أحمد بن حنبل: إن نقص رمضان تَمّ ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تَمّ رمضان، وقال إسحاق: معناه: وإن كان تسعًا وعشرين فهو تمام غير نقصان، قال: وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة، وروى الحاكم في "تاريخه" بإسناد صحيح أن إسحاق بن إبراهيم سئل عن ذلك، فقال: إنكم ترون العدد ثلاثين، فإذا كان تسعًا وعشرين ترونه نقصانًا، وليس ذلك بنقصان، ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، فأوهم مغلطاي أنه مراد الترمذيّ بقوله: وقال أحمد، وليس كذلك، وإنما ذكره قاسم في "الدلائل" عن البزار، فقال: سمعت البزار يقول: معناه لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، قال: ويدل عليه رواية زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، مرفوعًا: "شهرا عيد لا يكونان ثمانية

стр. 12044

وخمسين يومًا"، وادَّعَى مغلطاي أيضًا أن المراد بإسحاق: إسحاق بن سُويد العدويّ، راوي الحديث، ولم يأت على ذلك بحجة. وذكر ابن حبان لهذا الحديث معنيين: أحدهما ما قاله إسحاق، والآخر أن المراد أنهما في الفضل سواءٌ؛ لقوله في الحديث الآخر: "ما من أيام العملُ فيها أفضل من عشر ذي الحجة". وذكر القرطبيّ أن فيه خمسةَ أقوال، فذكر نحو ما تقدم، وزاد أن معناه: لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة، ومن قبله أبو الوليد ابن رشد، ونقله المحبّ الطبريّ، عن أبي بكر بن فورك. وقيل: المعنى: لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقيّ، وقبله الطحاويّ، فقال: معنى لا ينقصان: أن الأحكام فيهما، وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين. وقيل: معناه: لا ينقصان في نفس الأمر، لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابن حبان أيضًا، ولا يخفى بُعْدُه. وقيل: معناه: لا ينقصان معًا في سنة واحدة، على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وُجد وقوعهما، ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، قال الطحاويّ: الأخذ بظاهره، أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان؛ لأنا قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام. وقال الزين ابن المنير: لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسيّ باعتبار العدد ينجبر بأن كلًّا منهما شهر عيد عظيم، فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من المشهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق. قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما رجّحه النوويّ ﵀، قال: الأصحّ أن معناه: لا ينقص أجرهما، والثواب المرتب عليهما، وإن نقص عددهما، فقوله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه"،

стр. 12045

متّفق عليه، هذا الفضل يحصل، سواء تمّ عدد رمضان، أو نقص (١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الفتح": أما ما ذكره البزار من رواية زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، فإسناده ضعيف، وقد أخرجه الدارقطنيّ في "الأفراد"، والطبرانيّ من هذا الوجه بلفظ: "لا يتم شهران ستين يومًا"، وقال أبو الوليد ابن رشد: إن ثبت فمعناه: لا يكونان ثمانية وخمسين في الأجر والثواب. [تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: ورَوَى الطبرانيّ حديث الباب من طريق هُشيم عن خالد الحذّاء بسنده هذا، بلفظ: "كلّ شهر حرامٍ لا ينقص، ثلاثون يومًا، وثلاثون ليلةً"، قال الحافظ ﷺ : وهو بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ عن خالد ما تقدّم، وهو الذي توارد عليه الحفاظ من أصحابه، كشعبة، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم، وقد ذكر الطحاويّ أن عبد الرحمن بن إسحاق رَوَى هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا اللفظ، قال الطحاويّ: وعبد الرحمن بن إسحاق لا يقاوم خالدًا الحذّاء في الحفظ. قال الحافظ: فعلى هذا فقد دخل لهشيم حديث في حديث؛ لأن اللفظ الذي أورده عن خالد هو لفظ عبد الرحمن. وقال ابن رشد: إن صح فمعناه أيضًا في الأجر والثواب. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة ﷺ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٥٣١ و ٢٥٣٢، (١٠٨٩)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩١٢)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ١٩٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٣/ ٧٥)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١/ ٥٣١)، و (الطيالسيّ) في

стр. 12046

"مسنده" (١/ ١١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤٧ و ٥١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٣٤٣١ و ٣٤٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٥)، و (البزّار) في "مسنده" (٩/ ٩٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٥٨) و"مشكل الآثار" (٤٩٦ و ٤٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥٠) و"المعرفة" (٣/ ٣٥٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن شهري رمضان وذي الحجة لا ينقص الأجر المرتّب عليهما، وإن كان تسعة وعشرين، قال البيهقيّ في "المعرفة": إنما خصهما بالذكر؛ لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وبه جزم النوويّ، وقال: إنه الصواب المعتمد، والمعنى أن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل، سواء كان رمضان ثلاثين، أو تسعًا وعشرين، وسواء صادف الوقوف اليوم التاسع، أو غيره، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال (١). ٢ - (ومنها): أن فائدة هذا الحديث رفع ما يَقَع في القلوب من شكٍّ لمن صام تسعًا وعشرين، أو وقف في غير يوم عرفة. وقد استَشْكَل بعض العلماء إمكان الوقوف في الثامن اجتهادًا، وليس مشكلًا؛ لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين أن أول ذي الحجة الخميس مثلًا، فوقفوا يوم الجمعة، ثم تبيّن أنهما شهدا زورًا. وقال الطيبيّ: ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص، وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم؛ لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثَمَّ قال: "شهرا عيد" بعد قوله: "شهران لا ينقصان"، ولم يقتصر على قوله: "رمضان وذي الحجة". انتهى.

стр. 12047

٣ - (ومنها): أن في الحديث حجةً لمن قال: إن الثواب ليس مرتّبًا على وجود المشقة دائمًا، بل لله أن يتفضل بإلحاق الناقص بالتامّ في الثواب. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة، قال: لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدةً، فاكتفى له بالنية. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال ليس بواضح، والظاهر أن النيّة لا بدّ منها في كلّ يوم؛ لانفصال الأيام بعضها عن بعض بتخلّل الليالي بينها، فليتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه يقتضي أن التسوية في الثواب بين الشهر الذي يكون تسعًا وعشرين وبين الشهر الذي يكون ثلاثين إنما هو بالنظر إلى جعل الثواب متعلقًا بالشهر من حيث الجملة، لا من حيث تفصيل الأيام، قاله في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُويدٍ، وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللْهِ ﷺ قَالَ: "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ"، فِي حَدِيثِ خَالِدٍ: "شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُويدِ) بن هُبيرة العدويّ البصرىّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه

стр. 12048

للنصب [٣] (ت ١٣١) (خ م د س) (١) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥. والباقون ذُكروا قبله، و"خالد": هو الحذّاء. [تنبيه]: رواية معتمر عن إسحاق وخالد، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه" (٦/ ٤٨٥) فقال: (١٩١٢) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا معتمر، قال: سمعت إسحاق بن سُويد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وحدّثني مسدَّد، حدّثنا معتمر، عن خالد الحذاء، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضانُ وذو الحجة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قول اللهِ : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وَبَيَانِ صِفَةِ الْفَجْرِ الَّذِي تتَعَلَّقُ بِهِ الأَحْكَامُ، مِنَ الصَّوْمِ وَغيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٣] (١٠٩٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ إِدْرِيس، عَنْ حُصَيْنٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ").

стр. 12049

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د ﵁ ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع و (٧٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيَّر في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٥٠/ ٦. ٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتم) بن عبد الله سعد بن الحشرج الطائيّ، أبو طَرِيف الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵁، وكان ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح العراق، وحروب عليّ ﵁. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁) وفي رواية الترمذيّ: "أخبرني عديّ بن حاتم"، وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن مَنِيع، وهكذا أورده أبو عوانة من طريق

стр. 12050

أبي عُبيد، عن هُشيم، عن حُصين، قاله في "الفتح" (١). (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال في "الفتح": ظاهره أن عديًّا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله: "لما نزلت"؛ أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذفٌ، تقديره: لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني، والله تعالى أعلم. وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ: "علّمني رسول الله ﷺ الصلاة، والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين … " الحديث. (قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في كثير من النسخ، أو أكثرها: "فقال له عديّ"، وفي بعضها: "قال عديّ"، بحذف "له"، وكلاهما صحيح، ومن أثبتها أعاد الضمير إلى معلوم، أو متقدم الذكر عند المخاطب. انتهى (٢). (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي) بكسر الواو: الْمِخَدّة، والجمع وِسادات، ووَسَائد، والوِساد بغير هاء كل ما يُتوسّد به من قُماشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثل كِتَاب وكُتُب، ويقال: الوِسَادُ لغة في الوِسَادة، وهو عَرِيض الوساد: أي بليدٌ، قاله في "المصباح" (٣). (عِقَالَيْنِ) تثنية

стр. 12051

عِقَال بكسر المهملة: هو الحبل الذي يُعقل به البعير، والجمعُ عُقُل بضمّتين، قال الفيّوميّ ﵀: عَقَلتُ البعير عَقْلًا، من باب ضَرَب، وهو أن تَثْني وَظِيفه مع ذراعه، فتشدّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل، وذلك هو الْعِقَال، وجمعه عُقُل، مثلُ كِتاب وكُتُب. انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: "لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عِقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجَعَلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي … "، وفي رواية مجالد: "فأخذت خيطين من شعر" (عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ) أي أتبين انسلاخ الليل من النهار، حتى أترك الأكل والشرب. قال القرطبيّ ﵀: إنما جعلهما تحت وساده؛ لاعتنائه بهما، ولينظر إليهما، وهو على فراشه من غير كُلْفة قيام، ولا طلب، فكان يرفع الوساد إذا أراد أن ينظر إليهما، والعقال: الخيط، سُمّي بذلك؛ لأنه يُعقل به؛ أي يُربط به، وُيحبس. انتهى (٢). وقال القاضي عياض: إنما أخذ العقالين، وجعلهما تحت رأسه، وتأول الآية لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أن المراد به بياض النهار، وسواد الليل، وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أوّلًا، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، كما أشار إليه الطحاويّ، والداوديّ، قال القاضي: وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوّله من لم يكن مخالطًا للنبيّ ﷺ ، بل هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا أنكر النبيّ ﷺ على عديّ بقوله ﷺ : "إن وسادك لعريض، إنما هو بياض النهار، وسواد الليل"، قال: وفيه أن الألفاظ المشتركة لا يصار إلى العمل بأظهر وجوهها، وأكثر استعمالها إلا إذا عُدِم البيان، وكان البيان حاصلًا بوجود النبيّ ﷺ ، قال أبو عبيد: الخيط الأبيض: الفجر الصادق، والخيط الأسود: الليل، والخيط: اللون.

стр. 12052

قال النوويّ ﵀: وفي هذا مع قوله ﷺ : "سواد الليل، وبياض النهار"، دليل على أن ما بعد الفجر هو من النهار، لا من الليل، ولا فاصل بينهما، وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وحُكي فيه شيء عن الأعمش وغيره، لعله لا يصح عنهم. انتهى (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِن وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ) قال النوويّ: ﵀: وقع في أكثر النسخ، أو كثير منها: "إن وسادك لعريض"، وفي بعضها: "إن وسادتك لعريض"، بزيادة تاء، وله وجه أيضًا مع قوله: "عَرِيض"، ويكون المراد بالوسادة: الوساد، كما في الرواية الأخرى، فعاد الوصف على المعنى، لا على اللفظ. انتهى (٢). قال القاضي عياض ﵀: معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين اللذين أرادهما الله تعالى، وهما الليل والنهار، فوسادك يعلوهما، ويغطيهما، وحينئذ يكون عريضًا، وهو معنى الرواية الأخرى، في "صحيح البخاريّ": "إنك لعريض القفا"؛ لأن من يكون هذا وساده يكون عِظَم قفاه من نسبته بقدره، وهو معنى الرواية الأخرى: "إنك لضخم"، وأنكر القاضي قول من قال: إنه كناية عن الغباوة، أو عن السِّمَن؛ لكثرة أكله إلى بيان الخيطين، وقال بعضهم: المراد بالوساد: النوم؛ أي إن نومك كثير، وقيل: أراد به الليل؛ أي من لم يكن النهار عنده إلا إذا بان له العقالان طال ليله، وكثر نومه، قال النوويّ: والصواب ما اختاره القاضي، والله أعلم. انتهى (٣). (إِنَّمَا هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود؛ أي المعنى المراد منه (سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ") وفي رواية البخاريّ: "فقال: إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار"، وله في "التفسير" من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين: "إن وسادك إذًا لعريض، أَن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك"، ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف: "فضحك، وقال: لا، يا عريض القفا".

стр. 12053

قال الخطابيّ ﵀ في "المعالم": في قوله: "إن وسادك لعريض" قولان: "أحدهما": يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأن النائم يتوسّد، أو أراد: ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال. "والقول الآخر": أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى: "إنك عريض القفا"، وجزم الزمخشريّ بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ ﷺ قفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا. وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك الفهم، وكانه فهم منه أن النبيّ ﷺ نسبه إلى الجهل، والجفاء، وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه ﷺ قال له: "إنك لعريض القفا"، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق لم يستحقّ ذمًّا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عَنَى بذلك النبيّ ﷺ -والله أعلم- أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: "إنما هو سواد الليل، وبياض النهار"، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟، وإلى هذا يرجع قوله: "إنك لعريض القفا"؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفًا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه ما زاده البخاريّ، قال: "إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك"، وقد أكثر الناس فيه. انتهى كلام القرطبيّ: ﵀ (١). وقد ترجم عليه ابن حبان ﵀ في "صحيحه": [ذكر البيان بأن العرب

стр. 12054

تتباين لغاتها في أحيائها]، وأشار بذلك إلى أن عديًّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ﵁ هذا مُتَّفَق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٣٣] (١٠٩٠)، و (البخاري) في "الصوم" (١٩١٦) و"التفسير" (٤٥٠٩ و ٤٥١٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٤٩)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٨٩٦ و ٢٨٩٧)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢١٦٩) و"الكبرى" (٢٤٧٩) وفي "التفسير" منه (١١٠٢١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٧٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٢٥)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ١٥٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٦٢)، و (الطبرانيّ) في (الكبير) (١٧/ ١٧٨ و ١٧٩)، و (الطبريّ) في "التفسير" (٢٩٨٦ و ٢٩٨٧ و ٢٩٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢١٥)، و (البغويّ) في "تفسيره" (١/ ١٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تأويل الآية المذكورة، وهو واضح؛ لأنه ﷺ بيّن المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سواد الليل، وبياض النهار. ٢ - (ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أُمروا به فيما أنزل الله ، والسؤال عما خفي عليهم وجه العمل به. ٣ - (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا

стр. 12055

الصحابي ﵁ لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ ﷺ . ٤ - (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلًا بشرط صحّة القصد، ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلّة القدم؛ إلا لمن عصمه الله تعالى، كذا قال ابن المنيّر ﵀. ٥ - (ومنها): أنه يستفاد من هذا الحديث -كما قال عياض ﵀ وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تمّ صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل ظانًّا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى أن يحصل التبيّن. وقد روى عبد الرزّاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄، قال: "أحلّ الله لك الأكل والشرب ما شككت". ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟ فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كل ما شككت حتى لا شككت. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية؟ واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر، وتحقُّقه، لا بمجرّد الطلوع؛ لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية، فتبصّر، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في شرح أحاديث المسحور قريبًا - إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12056

(المسألة الرابعة): قال في "الفتح" ما حاصله: معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار، وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط: اللون. وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط، قاله الزمخشريّ، قال: وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون "من" للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه "من فلان" رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث (١) لأنه قبل نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه -وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين- لم يصحّ عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. انتهى. قال الحافظ ﵀: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين؛ لأنه مما اتفق الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول. ومسألة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلّمين وغيرهم، وقد حَكَى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة أوجه: [الجواز مطلقًا]: عن ابن شريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران.

стр. 12057

[والمنع مطلقًا]: عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. [ثالثها]: جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. [رابعها]: عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة. وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق؛ يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون: لم يقع. قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان: [أحدهما]: ما له ظاهر، وقد استُعْمِل في خلافه. [والثاني]: ما لا ظاهر له، فقالت طائفة من الحنفيّة، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه، وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل. وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الأعراب، كالرجال الذين حَكَى عنهم سهل، وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ. وادَّعَى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولًا على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدلّ على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزّاق بإسناد رجاله ثقات: إن بلالًا أتى النبيّ ﷺ ، وهو يتسحّر، فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت، فقال: "يرحم الله بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

стр. 12058

وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأن الصحابة عملوا أوّلًا على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان، فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره. قال الحافظ: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة ﵃ فعلوا ما نقله سهل بن سعد، وفيه نظر (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٤] (١٠٩١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثنا أَبُو حَازِمٍ، حَدثنا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَأخُذُ خَيْطًا أَبْيَضَ، وَخَيْطًا أَسْوَدَ، فَيَأكُلُ (٢) حَتى يَسْتَبِينَهُمَا، حَتَّى أنزَلَ اللهُ : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَبَيَّنَ ذَلِكَ) (٣). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّميريّ، أبو سليمان البصريّ، ضعيفٌ يُعتبر به (٤) [٨]. رَوَى عن أبي مالك الأشجعيّ، وأبي حازم بن دينار الأعرج، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، وصالح بن خَوّات بن صالح بن خوات بن جبير، وغيرهم. وروى عنه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعليّ ابن المديني، ومحمد بن

стр. 12059

أبي بكر المقدَّميّ، وعبد الرحمن بن مبارك العيشيّ، وعاصم بن عليّ بن عاصم، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، ومحمد بن زياد الزياديّ ونصر بن علي الجهضميّ، وغيرهم. قال عباس الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: لَيِّن الحديث، رَوَى عنه ابن المدينيّ، وكان من المتشددين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ليس بالقويّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه، قال: وسمعت أبا داود يقول: ذهب فضيل بن سليمان، والسَّمْتيّ إلى موسى بن عقبة، فاستعارا منه كتابًا، فلم يردّاه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال صالح بن محمد جَزَرَة: منكر الحديث، رَوَى عن موسى بن عقبة مناكير، وقال الساجيّ، عن ابن معين: ليس هو بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال الساجيّ: وكان صدوقًا، وعنده مناكير، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن حديث فضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، فقال: ليس بشيء، إنما هو حديث ابن المنكدر، وقال ابن قانع: ضعيف، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وذكره ابن عديّ، وأورد له أحاديث، ولم يقل فيه شيئًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست وثمانين ومائة، وقال ابن أبي عاصم، عن أبي المغلس النميريّ: مات سنة خمس وثمانين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٠٩١) و (١١٩٦) و (٢٠٦٥). [تنبيه]: [فإن قلت]: لِمَ أخرج المصنّف ﵀ لفضيل بن سليمان، مع تضعيف الأئمة له؟. [قلت]: لم يُخرج له المصنّف ﵀ ما انفرد به، وإنما أخرج له ما توبع عليه، وهي أيضًا قليلة، فقد أخرج له ثلاثة أحاديث فقط، وكلّها مما توبع عليه، فقد تابعه هنا أبو غسّان، وفي (١١٩٦) تابعه يحيى بن أبي كثير، وعبد العزيز بن رُفيع، وفي (٢٠٦٥) تابعه جماعة، سيأتي بيانه في "كتاب اللباس والزينة". وكذا أخرج له البخاريّ ﵀ في "صحيحه" ما توبع عليه، كما بيّنه

стр. 12060

الحافظ ﵀ في "هدي الساري"، فلتراجعه (١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج الأثور التمّار القاصّ المدنيّ، مولى الأسود بن سفيَّان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣. ٤ - (سَهلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ المشهور ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصف الأول بصريّ، والثاني مدنيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃ على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: الظاهر أن المصنّف ﵀ إنما قدّم رواية فضيل على رواية أبي غسّان مع ما فيها من الكلام؛ نظرًا لعلوّ سندها؛ لأنه رباعيّ، بخلاف سند أبي غسان، فإنه خماسيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الساعديّ ﵁) أنه (قَالَ: لَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ) أي من الصحابة ﵃، وفي رواية البخاريّ: "فكان رجال"، قال في "الفتح": لم أقف على تسمية أحد منهم، ولا يَحسُن أن يفسّر بعضهم بعديّ بن

стр. 12061

حاتم؛ لأن قصّة عديّ متأخّرة عن ذلك، كما سبق ويأتي. انتهى (١). (يَأْخُذُ خَيْطأ أَبْيَضَ، وَخَيْطًا أَسْوَدَ) ولفظ البخاريّ: "فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما … "، من الغريب أنه ذكر في "الفتح" ما نصّه: في رواية فضيل بن سليمان، عن أبي حازم عند مسلم: "لَمّا نزلت هذه الآية جعل الرجل يأخذ خيطًا أبيض، وخيطًا أسود، فيضعهما تحت وسادته، فينظر متى يستبينهما"، قال: ولا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون بعضهم فَعَل هذا، وبعضهم فَعَل هذا، أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر، فيربطونهما حينئذ في أرجلهم ليشاهدوهما. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا النصّ الذي عزاه في "الفتح" إلى مسلم من طريق فضيل، عن أبي حازم ليس موجودًا في النسخ المتداولة بيننا، بل نصّ رواية فضيل هذا الذي نشرحه بين يديك لا ذكر لجعله تحت الوسادة أصلًا، وإنما هذا في حديث عديّ الماضي، اللهمّ إلا أن يكون لدى الحافظ نسخة أخرى بالسياق الذي أورده، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (فَيَأكلُ) وفي نسخة: "ثم يأكل" (حَتَّى يَسْتَبِينَهُمَا) يعني حتى يتبيّن له لونهما، و"استبان" يتعدّى ويلزم، وما هنا من المتعدّي، كما هو ظاهر، قال الفيّوميّ ﵀: بان الأمرُ يَبيّنُ، فهو بَيّنٌ، وجاء "بائنٌ" على الأصل، وأبانَ إبانةً، وبيّن، وتبيّن، واستبان، كلُّها بمعنى الوضوح والانكشاف، والاسم: البَيَانُ، وجميعها يُستعمَل لازمًا ومتعدّيًا، إلا الثلاثيّ، فلا يكون إلا لازمًا. انتهى (٣). وفي الرواية التالية: "حتى يتبيّن له رِأْيهما" بكسر الراء: أي منظرهما (حَتى أنزَلَ اللهُ : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَبَينَ ذَلِكَ) وفي نسخة: "فتبيّن ذلك"؛ أي كون المراد هو بياض الفجر، وسواد الليل، لا بياض الحبل الأبيض وسواد الحبل الأسود، وفي الرواية التالية: "فأنزل الله بعد ذلك مِنَ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يَعنِي بذلك الليل والنهار"، قال القرطبيّ ﵀: رُوي أنه كان بينهما عامٌ،

стр. 12062

والفجر مأخوذٌ من تفجّر الماء؛ لأنه ينفجر شيئًا بعد شيء. انتهى (١). ولفظ البخاريّ: عن سهل بن سعد الساعديّ ﵁ قال: "أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فانزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يَعنِي الليل والنهار" (٢). قال القرطبيّ ﵀: حديث عديّ يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل متّصلًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأن عديّ بن حاتم ﵁ حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد ﵁، فإن فيه أن الله تعالى لم يُنزلِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ إلا منفصلًا عن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ رافعًا لذلك الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل. وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصحّ الجمع بأن يكون حديث عديّ متأخّرًا عن حديث سهل، وأنّ عديّا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجرّدة، ففهمها على ما قرّرناه، فبيّن له النبيّ ﷺ أن الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وعلى هذا يكون ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلّقًا بقوله: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال، متعلّقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل. ويَحْتَمِل أن يكون الحديثان قضية واحدة، وذكر بعض الرواة -يعني في قصّة عديّ- متصلًا بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرّقًا كما

стр. 12063

بيّنه حديث سهل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني ضعيف؛ -كما قال الحافظ- لأن قصّة عديّ متأخرة لتأخر إسلامه، كما تقدّم. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عدي: أن النبيّ ﷺ قال -لما أخبره بما صنع-: يا ابن حاتم ألم أقل لك: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾؟، وللطبرانيّ من وجه آخر عن مجالد وغيره: فقال عديّ: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بتّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا، وإلى هذا، قال: "إنما هو الذي في السماء". فتبيّن بهذا كله أن قصّة عديّ مغايرة لقصّة سهل، فأما من ذُكِرَ في حديث سهل، فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ علموا المراد، فلذلك قال سهل في حديثه: "فعلموا أنما يَعني الليل والنهار"، وأما عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ على السببيّة، فظنّ أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ حتى ذكّره بها النبيّ ﷺ ، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر [من المتقارب]: وَلَمَّا تَبَدَّتْ (٢) لَنَا سُدْفَةٌ … ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا (٣) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵁ هذا مُتَفَق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 12064

أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٣٤ و ٢٥٣٥] (١٠٩١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩١٧) و"التفسير" (٤٥١١)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٠ و ٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٧)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٢/ ١٨٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ١٤٦)، و (الرويانيّ) في "مسنده" (٢/ ٢٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢١٥) و"الصغرى" (٣/ ٣٠٠) و"المعرفة" (٣/ ٣٦٦)، والله تعالى أعلم. وأما فوائده، فقد تقدّمت في المسألة الثالثة من شرح حديث عديّ بن حاتم ﵁ الذي قبله، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، وَالْخَيطَ الْأَبيَضَ، فَلَا يَزَالُ يَأكلُ ويشْرَبُ، حَتَّى يَتَبَينَ لَهُ رِئْيُهُمَا، فَأنزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أنَّمَا يَعْني بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) هو: محمد بن سهل بن عسكر بن عُمارة بن دُويد، ويقال: ابنَ عسكر بن مستور بدل "عُمارة" التميميّ مولاهم، أبو بكر البخاريّ الحافظ الجوّال، سكن بغداد، ثقة [١١]. رَوَى عن عثمان بن عمر بن فارس، وعبد الرزاق، ويحيى بن حسان، والقاسم بن كثير، وسعيد بن أبي مريم، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو حاتم، والذُّهليّ، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربيّ، وابن أبي عاصم، وغيرهم. قال النسائيّ، وابن عديّ: ثقة، وقال مسلمة: كان ثقةً صدوقًا، وقال محمد بن إسحاق الثقفيّ: سكن بغداد، ومات بها في شعبان سنة إحدى وخمسين ومائتين، وفيها أَرَّخه غير واحد.

стр. 12065

تفرّد به المصنف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة عشر حديثًا بالمكرّر (١). ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ اِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦. ٣ - (ابْنُ أبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الْجُمحي مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ) محمد بن مطَرّف بن داود الليثيّ المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [٧] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٢/ ١٥٢٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتى يَتبيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا) قال النوويّ ﵀: هذه اللفظة ضُبطت على ثلاثة أوجه: [أحدهما]: "رِئيِهما" -براء مكسورة، ثم همزة ساكنة، ثم ياء -ومعناه: منظرهما، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال في "كتاب العين": الرِّءيُ: ما رأيته من حال حسنة (٢). [والثاني]: "رئيِّهما"- بزاي مكسورة، وياء مشدّدة، بلا همزة- ومعناه: لونهما. [والثالث]: "رِئيُّهما" -بفتح الراء وكسرها، وكسر الهمزة، وتشديد الياء- قال القاضي عياض: هذا غلطٌ هنا؛ لأن الرِئيّ: هو التابع من الجنّ، قال: فإن صحّ رواية فمعناه: مرئيّ، والله أعلم. وفي رواية البخاريّ: "حتى يتبين له رؤيتهما"، قال في "الفتح": قوله: "حتى يتبين" كذا للأكثر بالتشديد، وللكشميهنيّ: "حتى يستبين" بفتح أوله،

стр. 12066

وسكون المهملة، والتخفيف، قوله: "رؤيتهما" كذا لأبي ذرّ، وفي رواية النسفيّ: "رِئيُهما" بكسر أوله، وسكون الهمزة، وضم التحتانية، ولمسلم من هذا الوجه: "زِيُّهما" بكسر الزاي، وتشديد التحتانية، قال صاحب "المطالع": ضبِطت هذه اللفظة على ثلاثة أوجه: ثالثها: بفتح الراء، وقد تُكْسَر، بعدها همزة، ثم تحتانية مشددة، قال عياض: ولا وجه له إلا بضرب من التأويل، وكأن رَئيّ بمعنى مَرْئِيّ، والمعروف أن الرِئيّ: التابع من الجنّ، فَيَحْتَمِل أن يكون من هذا الأصل؛ لترائيه لمن معه من الإنس. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٦] (١٠٩٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى، وَمحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ أنهُ قَالَ: "إِن بِلَالًا يُؤَذِّن بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى تَسْمَعُوا تَأذِينَ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْن يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْن رُمْحٍ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (قتيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبدِ اللهِ) بن عمر، تقدّم قريبًا. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم أيضًا قريبًا.

стр. 12067

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب ﵄ (عَنْ رَسُولي اللهِ ﷺ أنَهُ قَالَ: "إِن بِلَالًا) هو ابن رباح المؤذّن المشهور ﵁، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) أي الأذان المعروف في الشرع؛ إذ هو المتبادر من إطلاق اللفظ الشرعيّ، قال في "الفتح": وادّعى بعض الحنفيّة -كما حكاه السروجيّ منهم- أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا، أو تسحيرًا، كما يقع للناس اليوم، وهذا مردود، لكن الذي يصنعه الناس اليوم مُحْدَثٌ قطعًا، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعيّ مقدَّم، ولأن الأذان لو كان بألفاظ مخصوصة لَمَا التبس على السامعين، وسياق الخبر يقتضي أنه خَشِي عليهم الالتباس، وادَّعَى ابن القطّان أن ذلك كان في رمضان خاصّةً، وفيه نظر. انتهى (١). وقال أيضًا: فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرّة، وزعم بعضهم أن ابتداء ذلك باجتهاد منه، وعلى تقدير صحته، فقد أقرّه النبيّ ﷺ على ذلك، فصار في حكم المأمور به. انتهى (٢).

стр. 12068

وسيأتي الكلام على تعيين الوقت الذي يؤذّن فيه من الليل قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا) فيه إشعار بأن الأذان كان علامةً عندهم على دخول الوقت، فَبَيَّن لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك (حَتى تَسْمَعُوا تَأذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكتُومٍ) اسمه عمرو، وقيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبيّ ﷺ عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشيّ عامريّ، أسلم قديمًا، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان النبيّ ﷺ يكرمه، ويستخلفه على المدينة، وشَهِدَ القادسية في خلافة عمر ﵁، فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في "سورة عبس"، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنهْ وُلد أعمى، فكُنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عَمِيَ بعد بدر بسنتين (١)، قاله في "الفتح" (٢)، تقدّمت ترجمته في "كتاب الأذان" برقم (٤/ ٨٤٩). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في هذا الكتاب من طريق مالك، عن ابن شهاب: "ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحتَ". قال في "الفتح": قوله: "وكان رجلًا أعمى" ظاهره أن فاعل "قال" هو ابنُ عمر، وبذلك جزم الشيخ الموفَق في "المغني"، لكن رواه الإسماعيليّ، عن أبي خليفة، والطحاويّ، عن يزيد بن سِنَان، كلاهما عن القعنبيّ، فَعَيَّنَا أنه ابنُ شهاب، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحاق، ومعاذ بن المثنى، وأبو مسلم الكجيّ، الثلاثة عند الدارقطنيّ، والخزاعيّ، عند أبي الشيخ، وتَمَّام عند أبي نعيم، وعثمان الدارميّ عند البيهقيّ، كلهم عن القعنبيّ، وعلى هذا ففي رواية البخاريّ إدراج، ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون

стр. 12069

شيخه قاله، وكذا شيخ شيخه، وقد رواه البيهقيّ من رواية الربيع بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس والليث، جميعًا عن ابن شهاب، وفيه: قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضًا، قال: وسيأتي في "كتاب الصيام" عن البخاريّ من وجه آخر، عن ابن عمر ما يؤدي معناه، فثبتت صحة وصله، ولابن شهاب فيه شيخ آخر، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر عنه، عن سعيد بن المسيِّب، وفيه الزيادة، قال ابن عبد البرّ: هو حديث آخر لابن شهاب، وقد وافق ابنُ إسحاق معمرًا فيه عن ابن شهاب. وقوله: "أصبحتَ أصبحتَ" أي دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستُشْكِل؛ لأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذِّن حتى يدخل في الصباج للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه، إلا مَن شَذَّ كالأعمش، وأجاب ابن حبيب، وابن عبد البرّ، والأصيليّ، وجماعة من الشراح، بأن المراد: قاربت الصباح. وَيعْكُر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها: "ولم يكن يؤذِّن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أَذِّنْ"، وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية البخاريّ التي في "الصيام": "حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر"، وإنما قلت: إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبيّ ﷺ ، وأيضًا فقوله: "إن بلالًا يؤذِّن بليل" يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرقٌ؛ لِصِدْق أن كلًّا منهما أَذَّنَ قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال، وأقرب ما يقال فيه: إن أذانه جُعِل علامة لتحريم الأكل والشرب، وكأنه كان له مَن يراعي الوقت، بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر، وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يَعْتَرِض الفجر في الأفق. ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم: "أصبحتَ" أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة، فليس بمستبعد من مؤذن النبيّ ﷺ المؤيَّد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة.

стр. 12070

وقد رَوَى أبو قُرَّة من وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه: (وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر، فلا يخطئه". انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، دىاليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٣٦ و ٢٥٣٧ و ٢٥٣٨ و ٢٥٣٩ و ٢٥٤٠، (١٠٩٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٧ و ٦٢٠ و ٦٢٣) و"الصوم" (١٩١٨) و"الشهادات" (٢٦٥٦) و"أخبار الآحاد" (٧٢٤٨)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (١/ ٣٩٢ و ٣٩٤)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٢/ ١٠) و"الكبرى" (١/ ٥٠٠)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٧٤)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١/ ٤٩٠ و ٤/ ٢٣٢)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨١ و ١٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٥ و ٣/ ١٦٨ و ١٦٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٥٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١/ ٢٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢٤٩ و ٢١٠ و ٢١١ و ٢٢١)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢١٦) و"الكبير" (٥/ ١٢٤، ١٢/ ٢٧٧ و ٣٧١ و ٢٤/ ١٩١) و"مسند الشاميين" (٤/ ٢٢٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣٧٠ و ٤٠١)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٨٣ و ٣٨٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٨٥ و ٣٨١ و ٣٨٢ و ٤٢٩ و ٤/ ٢١٨) و"المعرفة" (١/ ٤١٥)، و (الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ٢٠٥)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٤٠)، والله تعالى أعلم.

стр. 12071

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأذان الذي يحرم به الأكل ونحوه في الصوم، وهو الأذان الثاني الذي يقع بعد طلوع الفجر الصادق، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان جواز الأذان قبل طلوع الفجر؛ وذلك ليرجع القائم، ويستيقظ النائم. قال العلماء الذاهبون إلى الأذان للصبح قبل دخول وقتها: إن الحكمة في ذلك أن صلاة الفجر في أول الوقت ذات فضل، وهي تأتي في حال نوم، فلو لم يؤذن حتى يطلع الفجر لما تمكنوا بعد الوضوء والغسل، والاجتماع في المسجد من الصلاة، إلا بعد الإسفار كثيرًا، فشُرع الأذان ليلًا؛ لهذه العلة، كي ينتبه الناس، ويتأهبوا في أول الوقت، قال: وهذا أصل لما يفعله الناس من ذكر الله تعالى، وتسبيحه، والصلاة على النبيّ ﷺ قبل أذان الصبح، وكذلك يفعلون يوم الجمعة، لكونه شُرع للناس التكبير لصلاة الجمعة (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر وليّ الدين هذه البدعة، وأقرّها، وهذا من مثله عجيبٌ؛ لأنه محدث فقيه، فالواجب في مثل هذا على أهل العلم أن لا يسكتوا، بل يبيّنوا للناس أن هذا فعل منكرٌ مخالف لما كان عليه هدي النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، فإحداث الناس هذه الأشياء في الصبح، ويوم الجمعة من البدع المنكرة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): استحباب أذانين للصبح، أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوعه أول الطلوع، قال وليّ الدين ﵀: وبهذا صرّح أصحابنا، قالوا: فإن اقتُصِر على أذان واحد، فالأفضل أن يكون بعد الفجر، على ما هو المعهود في سائر الصلوات، فإن اقتُصر على الأذان لها قبله أجزأه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وفي إجزاء الأذان قبل الوقت نظر، فليتأمل. [تنبيه]: قال وليّ الدين ﵀: استَثْنَى أحمد من الأذان قبل الفجر شهر

стр. 12072

رمضان، فقال: إنه يكره فيه الأذان قبل الفجر؛ لئلا يغتر الناس به، فيتركوا سحورهم، وهذا تخصيص لا دليل عليه، وإذا عُلِم من عادة المؤذن أنه يؤذن قبل الفجر لم يغتر الناس بأذانه، فيتركوا سحورهم، والعجب أن أبا الحسن ابن القطان قال في "بيان الوهم والإيهام": إن بلالًا إنما كان يؤذن ليلًا في رمضان خاصةً، فهذا عكس المحكيّ عن أحمد، ولم أعلم مستند ابن القطان في ذلك، وقد قال فخر الدين بن قدامة بعد نقله كلام أحمد، وَيحْتَمِل أن لا يكره في حقّ من عُرفت عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالًا كان يفعل ذلك، وقال النبيّ ﷺ : "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بالليل؛ لينبّه نائمكم، ويرجع قائمكم"، قال ابن قدامة: وينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي كلها؛ ليعلم الناس ذلك من عادته، ولا يؤذن في الوقت تارةً، وقبله أخرى، فيقع الإلباس. انتهى (١). ٤ - (ومنها): استحباب أذان واحد بعد واحد، قال في "الفتح": وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. ٥ - (ومنها): جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد ﵀: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرُّض له. انتهى، ونَصَّ الشافعي على جوازه، ولفظه: ولا يتضيق إن أذَّن أكثر من اثنين، قاله في "الفتح". وقال النوويّ ﵀: وفيه اتخاذ مؤذنين للمسجد الكبير، قال أصحابنا: وإن دعت الحاجة جاز اتخاذ أكثر منهما، كما اتخذ عثمان ﵁ أربعة، وإن احتاج إلى زيادة على أربعة فالأصح اتخاذهم بحسب الحاجة والمصلحة. انتهى (٢). وقال في "الطرح": فيه أن النبيّ ﷺ كان له مؤذنان بالمدينة، وفي "صحيح مسلم" عن عائشة وابن عمر ﵃ قالا: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان:

стр. 12073

بلال، وابن أم مكتوم الأعمى (١)، ورَوَى البيهقيّ عن عائشة ﵂ قالت: كان للنبي ﷺ ثلاثة مؤذنين بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم، قال أبو بكر بن إسحاق الصِّبْغيّ: والخبران صحيحان، فمن قال: كان له مؤذنان، أراد اللذين كانا يؤذنان بالمدينة، ومن قال: ثلاثة أراد أبا محذورة الذي كان يؤذن بمكة. قال ويئ الدين: وكان له مؤذن رابع، وهو سعد القرظ، أذَّن للنبيّ ﷺ بقباء مرارًا، ثم صار بعد النبيّ ﷺ مؤذنًا بالمدينة لما ترك بلال الأذان، وأذَّن له زياد بن الحارث الصُّداليّ أيضًا، وقال: "إن أخا صداء أَذن، ومن أذَن فهو يقيم"، رواه أبو داود وغيره (٢)، لكنه لم يكن راتباً، ولهذا عُدّ مؤذنو النبي ﷺ أربعةً. قال الجامع عفا الله عنه: حديث الصدائيّ ضعيف، كما قال الترمذيّ، ففي كونهم أربعة نظر، فتنبّه. قال الشافعيّ ﵀: وأحب أن أقتصر في المؤذنين على اثنين؛ لأنا إنما حفظنا أنه أذَّن لرسول الله ﷺ اثنان، ولا نضيق إن أذَّن أكثر من اثنين، واحتج الشافعي في "الإملاء" في جواز أكثر من اثنين بقصة عثمان، فقال: ومعروف أنه زاد في عدد المؤذنين فجعله ثلاثة، وذكر أبو علي الطبريّ، والرافعئ أن المستحب ألا يزاد على أربعة مؤذنين، وحكاه النوويّ في "شرح مسلم " عن أصحابنا، لكنه قال في "الروضة": أنكره كثيرون من أصحابنا، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة، ورؤية المصلحة، فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على الأربعة فعله، وإن رأى الاقتصار على اثنين لم يزد، قال النوويّ: وهذا هو الأصح المنصوص (٣). ٦ - (ومنها): جواز شهادة الأعمى، فقد استدلّ به مالك، والمزنيّ،

стр. 12074

وسائر من يقبل شهادة الأعمى، وأجاب المانعون، وهم الجمهور عن هذا بان الشهادة يُشترط فيها العلم، ولا يحصل علم بالصوت؛ لأن الأصوات تشتبه، وأما الأذان، ووقت الصلاة فيكفي فيها الظنّ، قاله النوويّ ﵀ (١). ٧ - (ومنها): ما قال في "الطرح": فيه جواز أن يكون المؤذن أعمى، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى، وهو جائز بلا كراهة؛ إذا كان معه بصير، كما كان بلال وابن أم مكتوم، قال أصحابنا: ويكره أن يكون الأعمى مؤذنأ وحده، ورَوَى البيهقيّ في "سننه " عن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يكره أن يكون المؤذن أعمى، قال البيهقيّ: وهذا، والذي رُوي عن ابن مسعود في ذلك محمول على أعمى منفرد، لا يكون معه بصير يعلمه الوقت. انتهى. وبوّب عليه البخاري في "صحيحه": "أذان الأعمى إذا كان له من يخبره"، وقال ابن بطال: اختلفوا في أذان الأعمى، فكرهه ابن مسعود، وابن الزبير، وكره ابن عباس إقامته، وأجازه طائفة، وروي أن مؤذن النخعيّ كان أعمى، وأجازه مالك، والكوفيون، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إذا كان له من يُعَرِّفه الوقت؛ لأن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن يقال له: "أصبحتَ، أصبحت". انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز كون المؤذّن أعمى إذا كان له من يعرّفه بالوقت هو الذي يترجّح عندي؛ لحديث قصّة ابن أم مكتوم ﵁، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعة، وهو الذي اختاره الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال: "باب شهادة الأعمى، ونكاحه، وأمره، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يُعرف بالأصوات"، ثم أورد أقوال القائلين بقوله، وأورد الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): جواز العمل بخبر الواحد. ٩ - (ومنها): بيان أن ما بعد الفجر من حكم النهار.

стр. 12075

١٠ - (ومنها): جواز الأكل مع الشكّ في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك، فقال: يجب القضاء. ١١ - (ومنها): جواز الأكل بعد النيّة، ولا تفسد نيّة الصوم بالأكل بعدها؛ لأن النبي ﷺ أباح الأكل إلى طلوع الفجر، ومعلوم أن النيّة لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدلّ على أنها سابقة، وأن الأكل بعدها لا يضرّ، قال النوويّ ﵀: وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا، ومذهب غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى أكل بعد النيّة، أو جامع فسدت، ووجب تجديدها، وإلا فلا يصحّ صومه، وهذا غلطٌ صريح. انتهى (١). ١٢ - (ومنها): استحباب السحور، وتأخيره. ١٣ - (ومنها): جواز الاعتماد على الصوت في الرواية؛ إذا كان عارفًا به، وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة؛ لاحتمال الاشتباه، قاله في " لفتح". وقال في "الطرح": استُدِلّ به على أنه يجوز في الرواية الاعتماد على الصوت، من غير رؤية المخبِر، بأن يكون وراء حجاب إذا كان عارفًا بالصوت، واعتَمَدَ في ذلك على إخبار ثقةٌ، فإن ابن أم مكتوم لم يكن يشاهد ما يعرف به دخول الوقت، وإنما كان يعتمد في ذلك على إخبار من يخبره بذلك، ممن يثق به، وأقرّه النبيّ ﷺ على ذلك وأيضًا فإنه ﷺ أمر بالاعتماد على صوت المؤذن، من غير مشاهدته، فمان ذلك يكون في الليل وظلمته، ولا بد أن يميز صوت بلال من صوت ابن أم مكتوم، فإن لكل منهما حُكْمًا غير حكم الآخر، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وعن شعبة بن الحجاج منعه؛ لاحتمال الاشتباه، وأما في باب الشهادة فالأكثر على المنع من الاعتماد على الصوت فيها، وباب الشهادة أضيق، وبالاحتياط أجدر، ومن جَؤز استدل بهذا الحديث، قال المهلَّب: فيه جواز شهادة الأعمى على الصوت؛ لأنه ميّز صوت من عَلَّمه الوقت ممن يثق به، فقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له. انتهى (٢).

стр. 12076

قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز شهادة الأعمى هو الراجح، كما أسلفته قريبًا، فتنبّه. ١٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تقليد الأعمى للبصير في معرفة الوقت، أو جواز اجتهاده في ذلك، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى، ولم يكن يعرف طلوع الفجر إلا بأحد هذين الأمرين، ومما يرجح أنه كان يُقَلِّدُ قوله في بعض طرقه من حديث سهل بن سعد ﵁: "وكان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ"، قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": ولو لم يرد ذلك لم يكن في اللفظ جواز رجوعه لاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين مبهم، لا يدل على واحد منهما بعينه. انتهى. ١٥ - (ومنها): جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة؛ إذا كان بقصد التعريف ونحوه. ١٦ - (ومنها): جوأز نسبة الرجل إلى أمه؛ إذأ اشتهر بذلك، واحتيج إليه، وفي الصحابة ﵁ جماعة عُرِفُوا بذلك، منهم ابن بُحينة، ويعلى ابن منية، والحارث ابن الْبَرْصَاء، وغيرهم، وحُكِي أن يحيى بن معين كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن يُنْسَب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير، ولهذا استثنى ابن الصلاح في "علوم الحديث" من الجواز ما يكرهه الملَقَّب، وهو حسن، لكن قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب، لا اللزوم. انتهى (١). ١٧ - (ومنها): أن فيه استحبابَ أن يكون الأذان على موضع عالٍ؛ لقوله: "ينزل هذا، ويرقى هذا"، والحكمة فيه أنه أبلغ في الإعلام، وهو متفق عليه، قال وليّ الدين: وهل تُلحق به الإقامة في ذلك؟، قال المحامليّ، والبغويّ من أصحابنا: لا، قال النوويّ: وهذا الذي قالاه محمول على ما إذا لم يكن مسجد كبير تدعو الحاجة فيه إلى العلو للإعلام. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12077

(المسالة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يَحْرُم فيه الأكل والشرب في الصوم: قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به. قال ابن المنذر ﵀: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: ورَوَينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: ورُوي عن حُذيفة ﵁ أنه لما طلع الفجر تسخر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود، وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء، هذا كلام ابن المنذر. انتهى كلام النوويّ (١). وقال في "الفتح": وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عيّاش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور (٢)، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: "تسحّرنا مع رسول الله ﷺ هو والله النهار، غير أن الشمس لم تطلع". وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال:

стр. 12078

الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة- أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؛ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة (١) لصليت الغداة، ثم تسحّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة. قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. والله أعلم. انتهى (٢). واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهورة المتظاهرة: (منها): حديث عديّ بن حاتم ﵁، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالأ أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ "إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار"، متفق عليه. (ومنها): حديث سهل بن سعد ﵁، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار، متفق عليه.

стр. 12079

(ومنها): حديث سمرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير"، رواه مسلم. (ومنها): حديث ابن مسعود ﵁ عن النبيّ كتَ قال: "لا يمنعنّ أحدكم - أوأحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطا إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدّهما عن يمينه وشماله"، رواه البخاريّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر هو الأرجح، لظهور أدلّته. لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقّن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة. قال النوويّ ﵀: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر؛ للآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولمَا صحّ عن ابن عباس بأنه قال: "كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك"، رواه البيهقيّ بإسناد صحيح، وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال: "أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي"، قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر ﵁، وقول ابن عباس: "أرني شرابي " جارٍ على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لَمَا اختلف الرجلان فيه؛ لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قولى: "أصبحت " ليس صريحاً في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١)، وهو بحث نفيش جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الأذان للصبح قبل دخول وقتها:

стр. 12080

ذهب إلى جوازه مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، ودا ود، والجمهور، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع، ورَوَى الشافعيّ في كتابه القديم، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: عَجِّلوا الأذان بالصبح يدلج المدلج، وتخرج العاهرة، وعن عروة بن الزبير أنه قال: إن بعد النداء بالصبح لحزبًا حسنًا، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة، وعن حبان بن الحارث قال: أتيت عليًا بدير أبي موسى، وهو يتسحر، فقال: ادْنُ، فاطعم، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، فطعم، فلما فرغ أمر ابن النباح، فأقام الصلاة، قال الشافعيّ: وهو لا يأمر بالإقامة إلا بعد النداء، وحين طلع الفجر أمر بالإقامة، ففي هذا دلالة على أن الأذان كان قبل الفجر. وذهب آخرون إلى منع الأذان لها قبل دخول وقتها، كسائر الصلوات، وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح بن حيّ، قالوا: فان أُذِّن لها قبل الفجر أعاد الأذان بعده. وَرَوى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عائشة ﵁ قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر، وعن إبراهيم النخعي قال: شَيَّعنا علقمة إلى مكة، فخرجنا بليل، فسمع مؤذناً يؤذن، فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب محمد ﷺ أَبُو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذَّن، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كَرِه أن يؤذن قبل الفجر، وعن عبيد الله بن عمر: قلت لنافع: إنهم كانوا ينادون قبل الفجر؟ قال: ما كان النداء إلا مع الفجر. وحَكَى ابن حزم عن الحسن البصريّ أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس، فغضب، وقال: عُلُوج أفراع، أَبُوأدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، مَنْ أَذَّن قبل الفجر، فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيها، وعن إبراهيم النخعيّ أنه قال: كانوا إذا أذَّن المؤذن بليل، قالوا له: اتق الله، وأعد أذانك. وحَكَى ابن المنذر وغيره في المسألة مذهبًا ثالثًا عن طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد الفجر، فلا بأس أن يؤذن للصبح؛ إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم
следующие страницы →