← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

أحدكم صائمًا، فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور". وفي إسناده الرباب بنت صُليع الضبيّة لم يرو عنها غير حفصة بنت سيرين، ولم يوثّقها غير ابن حبّان، وصححه الشيخ الألبانيّ، ولعله لشاهده، فقد يشهد له ما أخرجه الترمذفي، وأبو داود عن أنس ﵁ قال: "كان النبيّ ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رُطَبات، فإن لم تكن رُطَبات فتُمَيرات، فإن لم تكن تُمَيرات حَسَا حَسَوَات من ماء"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني ﵀، ورجال إسناده رجال الصحيح. قال الترمذيّ ﵀: وروي أن رسول الله ﷺ كان يفطر في الشتاء على تمرات، وفي الصيف على الماء (١). انتهى. ٨ - (ومنها): بيان أن الأمر الشرعيّ أبلغ من الحسيّ، وأن العقل لا يقضي على الشرع. ٩ - (ومنها): أن فيه البيانَ بذكر اللازم والملزوم جميعًا لزيادة الإيضاح. ١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز الاستفسار عن الظواهر؛ لاحتمال أن لا يكون المراد إمرارَها على ظاهرها، قاله الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀، قال الحافظ ﵀: وكأنه أخذ ذلك من تقريره ﷺ الصحابيّ على ترك المبادرة إلى الامتثال. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ

стр. 12147

رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا غَابَت الشَّمْسُ، قَالَ لِرَجُلٍ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا، فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِئ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (عَبَّاد بْنُ الْعَؤَامِ) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها، وله نحو (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد أيضًا من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقيه، وهو (١٦١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (لَوْ أَمْسَيْتَ) يَحْتَمِل أن تكون "لو" للتمنِّي، فلا تحتاج إلى جواب، وَيحْتَمِل أن تكون شرطيّة، ويقدّر جوابها: أي لكان خيرًا، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كَامِلٍ (١)، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ يَقُولُ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَت الشَّمْسُ، قَالَ: "يَا فُلَانُ انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ (٢)، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ).

стр. 12148

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد أيضًا من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، ولاحقه، وهو (١٦٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ) يعني أن رواية عبد الواحد بن زياد، عن سليمان الشيبانيّ، مثل رواية عليّ بن مُسهِر، وعبّاد بن العوّام، كلاهما عنه. [تنبيه]: رواية عبد الواحد، عن الشيبانيّ، هذه ساقها البزار ﵀ في "مسنده" (٨/ ٢٦٤) فقال: (٣٣٢٥) - أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: أخبرنا سليمان الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: سِرْنا مع رسول الله ﷺ ، وهو صائم في سفر، فلما غربت الشمس قال لرجل: "انزل، فاجدح لنا"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: "انزل، فاجدح لنا"، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، قال: "أنزل، فاجدح لنا"، فنزل، فجدح، فشرب رسول الله ﷺ ، ثم قال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَن ابْنِ أَبِي أَوْفَى (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى

стр. 12149

حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ (١)، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"، وَلَا قَوْلُهُ: "وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا" إِلَّا فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَحْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم قريبًا. ٧ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٩ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: إسناد ابن أبي عمر، وإسحاق ابن راهويه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالأسانيد الثلاثة الماضية، وهو (٢٦٣) من رباعيّات الكتاب، وأما الإسنادان الأخيران، فمن خماسيّات الكتاب. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ) يعني أن حديث سفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وشعبة ثلاثتهم عن الشيبانيّ، بمعنى حديث عليّ بن مسهر، وعبّاد بن العوّام، وعبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن الشيبانيّ. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ) إلخ بيّن به الاختلاف الواقع بينهم في لفظ الحديث، فقد اتّفق كلهم على أنه ليس في رواياتهم قوله: "فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"، وَلَا قَوْلُهُ: "وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا"، وإنما في رواية هُشَيْمٍ وَحْدَهُ.

стр. 12150

[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، عن الشيبانيّ، فقد ساقها البخاريّ ﵀ في "الصوم" من"صحيحه"، فقال: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، سمع ابن أبي أوفى ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: "انزل، فاجدَحْ لي"، قال: يا رسول الله الشمس، قال: "انزل، فاجدَح لي"، قال: يا رسول الله الشمس، قال: "انزل فاجدَح لي"، فنزل، فجَدَح له، فشرب، ثم رمى بيده ها هنا، ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى. وأما رواية جرير بن عبد الحميد، عن الشيبانيّ، فقد ساقها البخاريّ أيضًا في "الطلاق" من"صحيحه"، فقال: (٤٩٩١) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كنا في سفر، مع رسول الله ﷺ ، فلما غربت الشمس قال لرجل: "انزل، فاجدَحْ لي"، قال: يا رسول الله لو أمسيت، ثم قال: "انزل، فاجدح"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت، إن عليك نهارًا، ثم قال: "انزل، فاجدح"، فنزل، فجَدَحَ له في الثالثة، فشرب رسول الله ﷺ ، ثم أومأ بيده إلى المشرق، فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى. وأما رواية شعبة، عن الشيبانيّ، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٧٦) فقال: (٢٤٧٧) - حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمدبن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: كان رسول الله ﷺ في سفر، وهو صائم، قال: فدعا صاحب شرابه بشراب، فقال صاحب شرابه: لوأمسيت يا رسول الله، ثم دعاه، فقال: لو أمسيت يا رسول الله، ثم دعاه، فقال: لوأمسيت، ثم دعاه، فقال: "إذا جاء الليل من ها هنا، فقد حل الإفطار"، أو كلمة هذا معناها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12151

(١١) - (بَابُ النَّهْيِ عَن الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٣] (١١٥٢) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن الْوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟، قَالَ: (إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ، وَأُسْقَى"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَمالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، الإمام الحجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، كما أسلفته آنفًا. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ) أي تتابع الصوم من

стр. 12152

غير إفطار بالليل، والحكمة في النهي أنه يورث الضعف، والسآمة، والقصور عن أداء غيره من الطاعات، فقيل: النهي للتحريم، وقيل: للتنزيه، والقول بالتحريم هو الحقّ، كما سيأتي. (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ) وفي الرواية التالية: "قيل له: أنت تواصل"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "فقال له رجلٌ من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل". وقال في "الفتح": قوله: "قالوا: إنك تواصل" كذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي هريرة ﵁: "فقال له رجل من المسلمين"، وكان القائل واحد، ونُسب القول إلى الجميع؛ لرضاهم به، ولم أقف على تسمية هذا القائل في شيء من الطرق. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ ("إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) وفي الرواية التالية: "إني لست مثلكم"، وفي حديث أبي هريرة": "وأيّكم مثلي"، ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور، وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله: "مثلي": أي على صفتي، أو منزلتي من ربّي، قاله في "الفتح" (٢). (إِنِّي أُطْعَمُ، وَأُسْقَى") بالبناء للمفعول؛ أي يُطعمني الله ، ويسقيني، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "إني أبيت يُطعمني ربي، ويسقيني". قال النوويّ ﵀: معناه يجعل الله تعالى فِيَّ قُوّة الطاعم الشارب، وقيل: هو على ظاهره، وأنه يُطْعَم من طعام الجنة، كرامةً له، والصحيح الأول؛ لأنه لوأكل حقيقةً لم يكن مواصلًا، ومما يوضح هذا التأويل، ويقطع كل نزاع قوله ﷺ في الرواية التي بعد هذا: "إني أَظَلَّ يُطعمني ربي، ويسقيني"، ولفظة "ظَلّ" لا يكون إلا في النهار، قال: ولا يجوز الأكل الحقيقيّ في النهار بلا شك. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة -إن شاء الله تعالى- وترجيح مذهب القائلين بحمل الحديث على ظاهره،

стр. 12153

فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، دىاليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٥٦٣ و ٢٥٦٤ و ٢٥٦٥] (١١٠٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٢٢ و ١٩٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٤/ ٢٨١ و ٢٨٢ و ٧/ ٦١) و"المعرفة" (٣/ ٤٢٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الوصال، قيل: يَحْتَمِل التحريم والكراهة، لكن قوله ﷺ : "إياكم والوصالَ"، يقتضي التحريم، وكذا قوله في حديث أنس ﵁ في "الصحيحين"، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في "صحيح البخاريّ": "لا تواصلوا … "، فالحقّ أن النهي للتحريم، كما سيأتي تحقيقه قريبًا. ٢ - (ومنها): بيان شدّة رأفته ﷺ بأمته حيث نهاهم عن الوصال، كما قالت عائشة ﵂: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمةً لهم". ٣ - (ومنها): أن في قول الصحابة ﵃ للنبيّ ﷺ : "إنك تواصل" دليل على استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبتٌ في حقه ﷺ ثبتٌ في حقّ أمته، إلا ما اسُتْثِني، فطلبوا الجمع بين قوله في النهي، وفعله الدال على إباحة ذلك، فأجابهم باختصاص فعله به، وأنه لا يتعداه في هذه الصورة إلى غيره، قاله وليّ الدين (١). ٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله، ولم يَعْلَم المستفتي بسر المخالفة.

стр. 12154

٥ - (ومنها): أن فيه الاستكشافَ عن حكمة النهي. ٦ - (ومنها): أن فيه ثبوت خصائصه ﷺ ، وأن عموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١] مخصوص بمثل هذا الحديث. ٧ - (ومنها): أن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائتساء به إلا فيما نهاهم عنه. ٨ - (ومنها): أن خصائصه ﷺ يُتَأَسَّى به في جميعها، قال في "الفتح": وقد توقف في ذلك إمام الحرمين، وقال أبو شامة: ليس لأحد التشبه به في المباح، كالزيادة على أربع نسوة، ويستحب التنزه عن المحرم عليه، والتشبه به في الواجب عليه كالضحى، وأما المستحب فلم يتعرض له، والوصال منه، فَيَحْتَمِل أن يقال: إن لم يَنْهَ عنه لم يُمْنَع الائتساء به فيه، والله أعلم. انتهى. ٩ - (ومنها): أن فيه بيانَ قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر. ١٠ - (ومنها): أن فيه أبينَ دليل، وأوضحَ حجة على أن فعله ﷺ إذا تعارض مع قوله، إما أن يُجمع بينهما، أو يُطلب الترجيح، ولا يقال: إن قوله يقدّم على فعله، كما يقول به بعض الأصوليين، وجه دلالة الحديث على هذا أن الصحابة ﵃ لما واصل النبي ﷺ بعد نهيه لهم عنه، فهِموا أن نهيه ليس للتحريم، فواصلوا، فسألهم عن وصالهم بعد نهيه لهم عنه، فأشاروا بأنهم تركوا قوله؛ اتّباعًا لفعله؛ ظنًّا منهم أن فعله في هذا للجواز، فلو كان القول يقدّم على الفعل لقال لهم: إذا تعارض قولي مع فعلي، فخذوا بقولي؛ لأن القول لكم، والفعل لي، فلمّا عدل عن هذا إلى قوله: "إني لست كأحدكم … " عرفنا أن هذا خصوصيّة له ﷺ ، ولولا هذا لكان ما فهمه الصحابة ﵃ صوابًا، وأنه إذا تعارض القول مع الفعل يكون كتعارض القولين سواءً، وطريق العمل في ذلك الجمع، أو النسخ، أو الترجيح، كما هو مشهور في محلّه، فتنبّه لهذه الدقيقة، فإن فيها زلّ قدم كثير من الفقهاء والأصوليين، وقد أشبعت البحث في هذا في غير هذا الموضع، ولا سيّما في "التحفة

стр. 12155

المرضيّة" و"شرحها"، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): بيان أن الوصال من خصائصه ﷺ ، قال الشافعيّ ﵀ بعد أن ذكر حديث النهي عن الوصال: وفرَّق الله بين رسوله ﷺ وبين خلقه في أمور، أباحها له، وحظرها عليهم، وذكر منها الوصال، وقال الخطابيّ ﵀: الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله ﷺ ، وهو محظور على أمته، وحَكَى النوويّ في "شرح المهذَّب" اتفاق نصوص الشافعيّ والأصحاب على أنه من الخصائص، ثم ذكر خلافًا في كيفية ذلك، فنقل عن الشافعيّ والجمهور أنه مباح له، وعن إمام الحرمين أنه قربة في حقه، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "إنكم لستم في ذلك مثلي … "، وفي "سنن أبي داود" عن عائشة ﵂: أن النبيّ ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال" (١). ١٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: قال أصحابنا: الحكمة في النهي عن الوصال أن لا يضعف عن الصيام، وسائر الطاعات، أو يَمَلّها ويسأم؛ لضعفه بالوصال؛ إذ يتضرر بدنه، أو بعض حواسّه، أو غير ذلك من أنواع الضرر. انتهى. ويشير إلى ذلك قوله في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في تتمة الحديث: "فاكْلَفُوا من العمل ما تطيقون". وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذي": وَيحْتَمِل أن النهي عن ذلك خوف أن يُفتَرض عليهم، فيَعْجَزوا عنه، كما ورد في قيام رمضان، وعلى هذا فقد امِنَ من ذلك بعده ﷺ . انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العراقيّ ﵀ وإن كان محتَمِلًا، فبناء على قوله: "وعلى هذا إلخ" بعيدٌ، فالحق أن النهي لا يزال مستمرًّا بعد موته ﷺ ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الوصال: قال وليّ الدين ﵀: الوصال هنا أن يصوم يومين فصاعدًا، ولا يتناول

стр. 12156

في الليل لا ماءً، ولا مأكولًا، فإن أكل شيئًا يسيرًا، أو شرِبَ ولو قطرةً فليس وصالًا، وكذا إن أخّر الأكل إلى السحر؛ لمقصود صحيح، أو غيره فليس بوصال، كذا قاله الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وقال الرُّويانيّ في "الحلية": هو أن يَصِلَ صوم الليل بصوم النهار قصداً، فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال، والتقرب إلى الله تعالى به لم يحرم. وقال البغويّ: العصيان في الوصال؛ لقصده إليه، وإلا فالفطر حاصل بدخول الليل، كالحائض إذا صلّت عَصَت، وإن لم يكن لها صلاة. قال النوويّ في "شرح المهذب": وهو خلاف إطلاق الجمهور، وخلاف ما صَرَّح به إمام الحرمين، ثم قال النوويّ: والصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدًا، بلا عذر. قال الإمام الإسنويّ: ومقتضاه أن ما عدا الأكل والشرب، كالجماع، والاستقاء، وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال، وهو ظاهر من جهة المعنى؛ لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف، وهذه الأمور تزيده، أو لا تمنع حصوله، لكن ذكر جماعة خلاف ذلك، منهم الرويانيّ في "البحر"، قال: الوصال المكروه أن لا يَطْعَم بالليل بين يومي صوم، ويستديم جميع أوصاف الصائمين، والجرجانيّ في "الشافي" قال: الوصال أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار. وقال ابن الصلاح: يزول بما يزول به صورة الصوم، وقال الإسنوي أيضًا: وتعبيرهم بصوم يومين، يقتضي أن المأمور بالإمساك، كتارك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالًا؛ لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أن ذلك جرى على الغالب. انتهى. وكلام القاضي أبي بكر ابن العربيّ يُشْعِر بأن الوصال هو الإمساك بعد حِلِّ الفطر، فإنه حَكَى في حكمه ثلاثة أقوال: التحريم، والجواز، وثالثها أن يواصل إلى السحر، قاله أحمد، وإسحاق، ثم قال: والصحيح منعه، فيقتضي أن المواصلة إلى السحر داخلة في حدّ الوصال، وأن جميع أنواع الوصال حرام، حتى إنه يحرم عليه أن يواصل بعد الغروب، وذلك يصدق بتأخير الفطر قليلًا، وهذا لا يقوله أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا أن القاضي

стр. 12157

عياضًا حَكَى عن بعض العلماء أن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفطر، ويوم النحر، وقال بعضهم: ذلك جائزٌ، له أجر الصائم. انتهى، وكلا القولين مردودٌ. أما تحريم الإمساك بعد الغروب، فلقوله ﷺ : "فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر"، أخرجه البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، والظاهر أن صاحب هذه المقالة، إنما أراد تحريم الإمساك المستمرّ إلى آخر الليل، ولم يُرِد تحريم مطلق الإمساك، فإن هذا لا يمكن القول به، إلا أن ينضم إلى ذلك نية الصوم، واعتقاد كونه صومًا شرعيًّا، والخلل في ذلك من عبارة القاضي، وأنها غير وافية بالمقصود. وأما القول بان له أجر الصائم، فكيف يصح والليل ليس محلًّا للصوم، ولو نواه فيه لم ينعقد، فكيف يكتب له أجر صومه؟. انتهى (١). قمال الجامع عفا الله عنه: أقرب الأقوال عندي قول من قال: إن الوصال إنما يكون بترك الأكل والشرب؛ لأن هذا هو الذي يدل عليه ظاهر قوله ﷺ : "أبيت عند ربيّ يُطعمني، ويسقيني"، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصال: قال الحافظ وليّ ﵀: اختَلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى النهي عنه، وحَكَى ابن المنذر كراهته عن مالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال العبدريّ من أصحابنا: هو قول العلماء كافّة، إلا ابن الزبير، وهو متفق عليه في مذهب الشافعيّ. واختلفوا في أنها كراهة تحريم، أو تنزيه، وفيه وجهان مشهوران للشافعية، أصحهما عندهم، وهو ظاهر نصّ الشافعيّ أنها كراهة تحريم. انتهى (٢). وقال في "الفتح": اختُلِف في المنع المذكور، فقيل: على سبيل

стр. 12158

التحريم، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على مَن شَقَّ عليه، ويباح لمن لم يشق عليه، وقد اختَلَف السلف في ذلك، فنُقِل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، وذهب إليه من الصحابة أيضًا أخت أبي سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن زيد التيميّ، وأبو الجوزاء، كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية"، وغيرهم، رواه الطبري وغيره. ومن حجتهم أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم لَمَا أقرّهم على فعله، فعُلِم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم، والتخفيف عنهم، كما صَرَّحت به عائشة ﵂ في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل؛ خشيةَ أن يُفْرَض عليهم، ولم يُنكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشقّ عليه، وسيأتي نظير ذلك في صيام الدهر، فمن لم يشقّ عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب، ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر، لم يُمنع من الوصال. قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "ولم ينكر إلخ" نظرٌ لا يخفى، وكيف لم ينكر؟، وقد ثبتٌ إنكاره ﷺ على عبد الله بن عمرو، وأنكر على من واصل، وأنكر على الرهط الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبيّ ﷺ ، يسألون عن عبادته ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، إلى أن قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل الثساء، فلا أتزوج أبدًا، فلما سمع بذلك ﷺ ، أنكر عليهم أشدّ الإنكار، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، متّفقٌ عليه، فأيّ إنكار أشدّ من هذا؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. قال: وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم، والكراهة، هكذا اقتصر عليه النوويّ، وقد نَصّ الشافعي في "الأم" على أنه محظور. وأغرب القرطبيّ، فنقل التحريم عن بعض أهل الظاهر على شكّ منه في

стр. 12159

ذلك، ولا معنى لشكه، فقد صرح ابن حزم بتحريمه، وصححه ابن العربيّ من المالكية. وذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فقد أخرج البخاريّ عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعم يطعمني، وساقٍ يسقين". وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخفّ لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محلّ ذلك ما لم يشقّ على الصائم، وإلا فلا يكون قربة. قال: وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالًا، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه، كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالًا؛ لمشابهته الوصال في الصورة، قال: ويُحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل، وقد ورد أن النبيّ ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر، أخرجه أحمد، وعبد الرزاق، من حديث عليّ ﵁، والطبرانيّ من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلًا من طريق ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، ومن طريق أبي قلابة، وأخرجه عبد الرزاق، من طريق عطاء. واحتَجُّوا للتحريم بقوله في الحديث المتقدم: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم"؛ إذ لم يُجعل الليل محلًّا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه، كيوم الفطر. وأجابوا أيضًا بان قوله: "رحمةً لهم" لا يمنع التحريم، فإن من رحمته لهم أن حَرَّمه عليهم، وأما مواصلته بهم بعد نهيه، فلم يكن تقريرًا، بل تقريعًا وتنكيلًا، فاحتُمِل مثهم ذلك؛ لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم؛ لما يترتب

стр. 12160

عليهم من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه، وأرجح من وظائف الصلاة، والقرأءة، وغير ذلك، والجوعُ الشديد ينافي ذلك، وقد صَرَّح بأن الوصال يختص به؛ لقوله: "لست في ذلك مثلكم"، وقوله: "لست كهيئتكم"، هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر، كما تقدم في بابه. قال الحافظ: ويدلّ على أنه ليس بمحرَّم حديث أبي داود، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدَّثني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ أن رسول الله ﷺ نَهَى عن الحجامة، والمواصلة، ولم يُحَرِّمهما؛ إبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: "إنني أواصل إلى السحر، وربي يطعمني، ويسقيني"، فإن الصحابيّ صَرَّح فيه بأنه ﷺ لم يُحَرِّم الوصال. ورَوَى البزار، والطبرانيّ من حديث سمرة ﵁: نَهَى النبيّ ﷺ عن الوصال، وليس بالعزيمة. وأما ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث أبي ذرّ ﵁: أن جبريل قال للنبيّ ﷺ : "إن الله قد قَبِل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك"، فليس إسناده بصحيح، فلا حجة فيه. ومن أدلة الجواز: إقدام الصحابة ﵃ على الوصال بعد النهي، فَدَلّ على أنهم فَهِمُوا أن النهي للتنزيه، لا للتحريم، وإلا لَمَا أقدموا عليه. ويؤيد أنه ليس بمحرَّم أيضًا أنه ﷺ حديث بَشِير ابن الخصاصية، الذي أخرجه أحمد، والطبرانيّ، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم في "تفسيريهما" بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بَشِير ابن الخصاصية، قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلةً، فمنعني بشير، وقال: إن النبيّ ﷺ نَهَى عن هذا، وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا"، لفظ ابن أبي حاتم. قال: سوَّى في علة النهي بين الوصال، وبين تأخير الفطر، حيث قال في كل منهما: "إنه فعل أهل الكتاب"، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يُعْتَدّ به من أهل الظاهر. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في قوله: "ولم يقل إلخ"، وقوله:

стр. 12161

"من لا يُعتدّ به إلخ"، من المجازفة، وكيف لا يُعتدّ بمن يكون ظاهر النصّ معه؟ والله المستعان. قال: ومن حيث المعنى ما فيه من فطم النفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها، فلهذا استمرّ على القول بجوازه مطلقًا أو مقيدًا مَن تقدم ذكره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا حاول الحافظ في تأييد مذهب القائلين بإباحة الوصال، مع أن النصوص واضحة مستنيرة في الدلالة على التحريم. فالحقّ الذي يقتضيه ما سبق من الأدلّة أن النهي عن الوصال للتحريم، إلا ما استثناه، وهو الوصال حتى السحر، وأما ما ذكره من استمرار بعض الصحابة، أو من بعدهم عليه، فلا يكون حجة؛ إذ لا حجة فيما عارضه النصوص. قال أبو محمد بن حزم ﵀ بعد أن ذكر أدلة النهي ما نصّه: هذا يوضح أن لا حجة في أحد غير رسول الله ﷺ ، لا صاحب ولا غيره، فقد واصل قوم من الصحابة ﵃ في حياة النبيّ ﷺ ، وتأولوا في ذلك التأويلات البعيدة، فكيف بعده ﵇، فكيف من دونهم، ولا فرق بين من خالف حَضَّه ﵇ على صوم يوم عرفة، ونهيه ﵇ عن تخصيص صوم يوم الجمعة، وتأولوا في ذلك أنه ﵇ لم يصم يوم عرفة، وقول ابن مسعود: قَلّما رأيته ﵇ مفطرًا يوم جمعة، وبين من خالف نهيه عن الوصال، وتأول أنه ﵇ كان يواصل. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والحاصل أن القول بتحريم الوصال إلا إلى السحر هو الظاهر الذي تؤيّده الأدلة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "يطعمني ويسقيني": قيل: هو على حقيقته، وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله؛ كرامةً له في ليالي صيامه.

стр. 12162

وتعقبه ابنُ بطال، ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، وبأن قوله: "يَظَلّ" يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقةً لم يكن صائمًا. وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ: "أبيت"، دون "أَظَلّ"، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ "أَظَلّ" على المجاز، وعلى التنزل فلا يَضرّ شيء من ذلك؛ لأن ما يؤتى به الرسول كلعلى سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها، لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه، كما غُسِل صدره ﷺ في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرامٌ. وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارف للعادة، كالمحضر من الجنة، فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب، كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة. وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، ولا يلزم شيء مما تقدم ذكره، بل الرواية الصحيحة: "أبِيت"، وأكله وشربه في الليل مما يُؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله؛ خصوصيةً له بذلك، فكأنه قال -لما قيل له: إنك تواصل-، فقال: "إني لست في ذلك كهيئتكم"؛ أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمني ربي ويسقيني، ولا تنقطع بذلك مواصلتى، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنًى. وقال الزين ابن المنير: هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشِّبَع والرِّيّ بالأكل والشرب، ويستمرّ له ذلك حتى يستيقظ، ولا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص أجره. وحاصله أنه يُحْمَل ذلك على حالة استغراقه ﷺ في أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية. وقال الجمهور: قوله: "يُطعمني ويُسقيني" مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوّة، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب، ويُفيض عليّ

стр. 12163

ما يسُدّ مَسَدّ الطعام والشراب، ويُقَوِّي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة، ولا كَلَال في الإحساس، أو المعنى: أن الله تعالى يَخْلُق فيه من الشِّبَع والزيِّ ما يُغنيه عن الطعام والشراب، فلا يُحِسّ بجوع، ولا عطش. والفرق بينه وبين الأول، أنه على الأول يُعْطَى القوّة من غير شِبَعٍ، ولا رِيٍّ، مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يُعْطَى القوّة مع الشِّبَع والرِّيّ. ورُجِّح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم، ويفوِّت المقصود من الصيام والوصال؛ لأن الجوع هو رُوح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبيّ: ويُبعده أيضًا النظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يَشبَع، وَيرْبط على بطنه الحجارة من الجوع. وتمسك ابن حبان بظاهر الحال، فاستدلّ بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه ﷺ كان يجوع، وَيشُدّ الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأن الله تعالى كان يُطعم رسوله ﷺ ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعًا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ ثم قال: وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثم ادَّعَى أن ذلك تصحيف ممن رواه، وإنما هي الْحُجَز بالزاي، جمع حُجْزة، وقد أكثر الناس من الردّ عليه في جميع ذلك، وأبلغ ما يُرَدَّ عليه به أنه أخرج في "صحيحه" من حديث ابن عباس ﵄ قال: خرج النبيّ ﷺ بالهاجرة، فرأى أبا بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما"؟ قالا: ما أخرجنا إلا الجوع، فقال: داوأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع … " الحديث، فهذا الحديث يَرُدّ ما تمسك به. وأما قوله: وما يغني الحجر من الجوع؟ فجوابه أنه يُقيم الصلب؛ لأن البطن إذا خلا ربما ضَعُف صاحبه عن القيام؛ لانثناء بطنه عليه، فإذا ربط عليه الحجر اشتدّ، وقَوِيَ صاحبه على القيام، حتى قال بعض من وقع له ذلك: كنت أظن الرِّجْلين يحملان البطن، فإذا البطن يَحْمِل الرِّجْلين. وَيحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "يطعمني ويسقيني" أي يَشغلني بالتفكر في عظمته، والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب، وإلى هذا جَنَحَ ابن القيِّم، وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى

стр. 12164

ذوق، وتجربة يَعْلَم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسمانيّ، ولا سيما الفَرِحُ المسرور بمطلوبه الذي قَرَّت عينه بمحبوبه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن لي مما سبق من استعراض هذه الأقوال، وحججها أن أقربها، وأشبهها بالصواب القول بما دلّ عليه ظاهر النصّ، من أن الله تعالى يُطعم نبيّه ﷺ ، ويسقيه طعامًا، وشرابًا حقيقيين، وأن ذلك الطعام والشراب ليس مما يفسد الصوم، ولا ينافي الوصال؛ لأنه ليس من طعام الدنيا، ولا من شراب الدنيا، والتكليف إنما يتعلّق بهما، كما سبق الإشارة إليه في كلام ابن المنيّر ﵀ وغيره. والحاصل أن حمل الحديث على المعنى الحقيقيّ دون تعرّض إلى التأويلات المتكلّفة، هو الأرجح؛ لعدم ما يمنع منه، كما أشرت إليه آنفًا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ، قِيلَ لَهُ: أَنْتَ تُوَاصِلُ؟، قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ، وَأُسْقَى"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.

стр. 12165

٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر الْعُمَريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قِيلَ لَهُ: أنتَ تُوَاصِلُ) لا يُعرف القائل بعين، ففي رواية أبي هريرة ﵁ الآتية: "فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: "في رَمَضَانَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (جَذُهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن حديث أيوب، عن نافع مثل حديث عبيد الله بن عمر، عنه. وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: "في رَمَضَانَ") الفاعل ضمير "أيوب". [تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ١٥٣) فقال:

стр. 12166

(٦٤١٣) - حدّثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: واصل رسول الله ﷺ ، فواصل الناس، فنهاهم، فقالوا: يا رسول الله، فإنك تواصل، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أُطْعَم، وأُسْقَى". انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٦] (١١٠٣) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَن أَبا هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي، وَيَسْقِينِي"، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَن الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ"، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقذم أيضًا قبل بابين. ٤ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٥ - (أَبُو سَلَمَةً بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الفقيه المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها) أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.

стр. 12167

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، هكذا في رواية يونس، عن الزهريّ عند المصنّف، وتابعه شعيب بن حمزة، عند البخاريّ في "الصوم"، وعُقَيل عنده أيضًا في "باب التعزير"، ومعمرٌ عنده أيضًا في "كتاب التمني" وآخرون كلّهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وخالفهم عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، فرواه عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، علَّقه البخاريّ في "كتاب المحاربين"، وفي "التمني"، قال في "الفتح": وليس اختلافًا ضارًّا، فقد أخرجه الدارقطنيّ في "العلل" من طريق عبد الرحمن بن خالد هذا، عن الزهريّ عنهما جميعًا، وكذلك رواه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهريّ، عن سعيد وأبي سلمة جميعًا، عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الإسماعيليّ، وكذا ذكر الدارقطنيّ أن الزبيديّ تابع ابن نمر على الجمع بينهما. انتهى (١). (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن الْوِصَالِ) هو الترك في ليالي الصوم لما يُفطّر بالنهار بالقصد، فيخرج من أمسك اتّفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل، أو بعضه (٢). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ولفظ البخاريّ: "فقال له رجل من المسلمين"، وكذا هو للأكثرين، ووقع في رواية عُقيل عند البخاريّ: "فقال رجالٌ" (فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟) هو بمعنى قوله: "لست كأحدكم" (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في محلّ الاستئناف المراد به التعليل (أَبِيتُ يُطْعِمُنِي) بضمّ أوله، لا غير؛ لأنه

стр. 12168

مِن أطعم الرباعيّ (رَبِّي، وَيَسْقِينِي") يجوز فتح أوله، وضمّه، مِن سقى، وأسقى، كلاهما لغتان مشهورتان (١)، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ومن الثاني قوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] الآية (فَلَمَا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَن الْوِصَالِ) أي لَمّا امتنعوا عن ترك الوصال؛ ظنًّا منهم أنه إنما نهاهم رفقًا بهم، لا تحريمًا عليهم (وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ) ظاهره أن قدر المواصلة بهم كانت يومين، وقد صَرَّح بذلك في رواية معمر عند البخاريّ، كما أشرنا إليها قريبًا (فَقَالَ) ﷺ ("لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ) أي رؤية هلال رمضان (لَزِدْتُكُمْ") استُدِلّ به على جواز قول "لو" وحُمِل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية، كما سيأتي بيانه في "كتاب القدر" (٢) -إن شاء الله تعالى-. والمراد بقوله: "لو تأخر لزدتكم" أي في الوصال إلى أن تَعْجِزُوا عنه، فتسألوا التخفيف عنكم بتركه، وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حِصَار الطائف، فلم يُعجبهم، فأمرهم بمباكرة القتال من الغد، فأصابتهم جراح وشدّة، وأحبوا الرجوع، فأصبح راجعًا بهم، فأعجبهم ذلك، وسيأتي ذكره مُوَضَّحًا في "كتاب الجهاد" (٣) -إن شاء الله تعالى- (كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ) وفي رواية للبخاريّ: "كالتنكيل لهم"، ووقع في رواية المستملي: "كالمنكر" بالراء، وسكون النون، من الإنكار، وللحمويّ: "كالمنكي" بتحتانية ساكنة، قبلها كاف مكسورة خفيفة، في النكاية، قال في "الفتح": والأول هو الذي تضافرت به الروايات، خارج هذا الكتاب -يعني "صحيح البخاريّ"-، والتنكيل: المعاقبة. انتهى.

стр. 12169

والمعنى أنه إنما فعل بهم ذلك الوصال؛ لأجل أن يُعاقبهم حيث خالفوا نهيه، كما أشار إليه بقوله: (حِينَ أَبَوْا) أي امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا) أي عن الانتهاء عما نهاهم عنه؛ ظنًّا منهم عدم التحريم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٥٦٦ و ٢٥٦٧ و ٢٥٦٨ و ٢٥٦٩] (١١٠٣)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٦٥ و ١٩٦٦) و"الحدود" (٦٨٥١) و"التمنّي" (٧٢٤٢) و"الاعتصام" (٧٢٩٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ و ٢٥٣ و ٢٥٧ و ٢٦١ و ٣٤٥ و ٣٧٧ و ٤٩٥ و ٤٩٦ و ٥١٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٧١ و ٢٠٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٧٥)، و (أبو عواتة) في "مسنده" (٢/ ١٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٣٨). وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث ابن عمر ﵄، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ"، قَالُوا: فَإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِنَّكُمْ لَسْتُمْ في ذَلِكَ مِثْليِ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي، وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.

стр. 12170

٢ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرُمَة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨. ٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جَرِير البَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل غيره، ثقةٌ [٣] تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦. و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ) أي باعدوا أنفسكم عن وصال الصوم. وقوله: (فَاكْلَفُوا) أي خُذوا وتحملوا، وهو بفتح اللام، أمر من كَلِفَ، يقال: كَلِفتُ الأمرَ، من باب تَعِبَ: حملته على مشقّة، ويتعدّى إلى مفعول ثانٍ بالتضعيف، فيقال: كففته الأمرَ، فتكلّفه، مثلُ حَمَّلته، فتحمّله وزنًا ومعنًى على مشفة أيضًا، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقوله: (مِنَ الْأَعْمَالِ) بيان مقدّم لـ "ما"، فيتعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كونه كائنًا من الأعمال. وقوله: (مَا تُطِيقُونَ) "ما" موصولة مفعول "اكْلَفُوا"، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة، قال في "الخلاصة": … ... … ... … ... … ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَب" والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام شرحه وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَاكْلَفُوا مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ").

стр. 12171

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الحِزَاميّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائبُ [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. و"أبو هريرة" ذُكر قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير للأعرج. وقوله: (مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَة) "ما" موصولة مفعول "اكْلَفُوا"، و"الطاقة": اسم من الإطاقة، كالطاعة: اسم من الإطاعة، يقال: أطقتُ الشيءَ إطاقةً: قَدَرتُ عليه، فأنا مُطِيقٌ (١). [تنبيه]: رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤١٧) فقال: (٩٣٩٨) - حدثنا قُتَيْبَةُ، قال: ثنا الْمُغِيرَةُ بن عبد الرحمن القرشيّ، عن أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ"، قالوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يا رَسُولَ اللهِ، قال: "إني لَسْتُ في ذَا مِثْلَكُمْ، إني أَبِيتُ يطعمني ربي، ويسقيني، فَاكْلَفُوا ما لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ". انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا (٢) الْأَعْمَشُ، عَنْ

стр. 12172

أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَوبو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٧٨) فقال: (٢٤٨٤) - حدّثنا محمد بن عليّ بن حبيش، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل؟، قال: "إني لست مثلكم، إني أَظَلّ عند ربي، يطعمني، ويسقيني، اكلفوا من الأعمال ما تطيقون". انتهى. [تنبيه آخر]: استغرب في "الفتح" قول المصنّف ﵀ هنا: "بِمِثْلِ حَدِيثِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ"، فقال: ووقع لمسلم فيه شيء غريبٌ، فإنه أخرجه عن ابن نُمير، عن أبيه، فقال: "بمثل حديث عُمارة، عن أبي زرعة"، ولفظ عُمارة المذكور عنده: "إني أبيت يطعمني ربي، ويسقيني"، وقد عرفت أن رواية ابن نمير عند أحمد فيها: "إني أظلّ عند ربي، فيُطعمني، ويسقيني"، قال: وليس ذلك في شيء من الطرُق عن أبي هريرة، إلا في رواية أبي صالح، ولم ينفرد بها الأعمش، فقد أخرجها أحمد أيضًا من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح. قال: ووقعت في حديث غير أبي هريرة، فأخرجها الإسماعيليّ في حديث عائشة ﵂ أيضًا، عن الحسن بن سفيان، عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، بلفظ: "أَظَلّ عند الله يطعمني، ويسقيني"، وعن عمران بن موسى، عن عثمان، بلفظ: "عند ربي"، ووقعت

стр. 12173

أيضًا كذلك عند سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، من مرسل الحسن، بلفظ: "أني أبيت عند ربي". انتهى. وقال قبل ذلك: وقد رواه أحمد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة كلهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: "إني أظلّ عند ربي، فيطعمني، ويسقيني"، وكذلك رواه أحمد أيضًا عن ابن نُمير، وأبو نعيم في "المستخرج"، من طريق إبراهيم بن سعيد، عن ابن نُمير، عن الأعمش، وأخرجه أبو عوانة، عن عليّ بن حرب، عن أبي معاوية كذلك، وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عَبِيدة بن حُميد، عن الأعمش كذلك. انتهى (١)، وهو بحث مفيدٌ. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ في بحثه المذكور، أن المصنّف خالف العادة المشهورة، وهي أنه إذا قيل: "بمثل حديث فلان" يراد به اتّفاقهما في اللفظ، وأما إذا اختلفا، فيُقال: بنحوه، وهنا قد اختلفت رواية الأعمش، عن أبي صالح، ورواية عمارة، عن أبي زرعة، فرواية الأعمش؛ بلفظ: "إني أَظَلّ عند ربي، يطعمني ويسقيني"، ورواية عُمارة بلفظ: "إني أبيت يُطعمني ربي، ويسقيني"، هذا حاصل ما أشار إليه. لكن الذي ظهر لي بتتبعي صنيع المصنّف ﵀ أن اصطلاحه في كتابه هذا ليس جارياً على القاعدة المذكورة، بل هو من باب التفنّن بتنويع العبارات، فتارة يعبّر بقوله: "بمثله" وتارة يُعبّر "بنحوه"، وتارة "مثله"، وتارةً "نحوه"، وتارةً "بمعناه"، سواء اتّحد الحديثان باللفظ، أو بالمعنى فقط، فلا ينبغي مطالبته بقاعدة أسّسها غيره، فإن لكلّ مصنّف منهجه، واصطلاحه الخاصّ به، وقد قرّرت هذا في غير هذا المحلّ، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12174

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٠] (١١٠٤) - (حَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَامَ أَيْضاً، حَتَّى كُنَّا رَهْطاً، فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ، جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ، فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ: قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا: أفطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: (نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ"، قَالَ: فَأَخَدَ يُوَاصِلُ رَسُولُ الهِ ﷺ ، وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَأَخَدَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ؟ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلي، أَمَا وَاللهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ، لَوَاصَلْتُ وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، لقيه قَيْصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) عن (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٢ - (سُلَيْمَانُ) بن المغيرة القَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١. ٣ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك ﵁ تقدّم قبل باب. و"زُهير" ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.

стр. 12175

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من سليمان، والباقيان بغداديّان، و"أنس" ﵁ تقدّم الكلام فيه قريباً. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ) أي في لياليه (فَجئْتُ، فَقُمْتُ اِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ) لم يُعرف اسمه (١). (فَقَامَ أَيْضاً، حَتَّى كُنَّا رَهْطاً) أي جماعةً، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّهْطُ: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفْرٌ، وقال أبو زيد: الرهط، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضاً: الرهط، والنَّفَرُ، والقوم، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرة: معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرهط، والعشيرة: بمعنى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجلِ: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى (٢). (فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ ) من باب نصر: أي علم ﷺ ، قال النوويّ: ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "حَسَّ" بغير ألف، ويقع في طُرُق بعض النسخ: "أَحَسَّ" بالألف، وهذا هو الفصيح الذي جاء به القرآن، وأما "حَسَّ" بحذف الألف فلغة قليلة، وهذه الرواية تَصِحّ على هذه اللغة. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ ﵀: وأحسَّ الرجلُ الشيءَ إحساساً: عَلِم به، يتعدى بنفسه مع الألف، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وربما زيدت الباء، فقيل: أحس به، على معنى شَعَرَ به، وحَسَسْتُ به، من باب قَتَلَ لغةٌ فيه، والمصدر: الْحِسّ بالكسر، تتعدى بالباء، على معنى شَعَرْتُ أيضاً، ومنهم من يُخَفِّفُ الفعلين بالحذف، فيقول: أحسته، وحَسَتُ به، ومنهم

стр. 12176

من يُخَفِّف فيهما بإبدال السين ياءً، فيقول: حَسَيْتُ، وأحسيت. انتهى (١). (أَنَّا خَلْفَهُ) أي عَلِم ﷺ كوننا خلفه مقتدين به نصلّي بصلاته (جَعَلَ) أي شَرَعَ (يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ) أي يُخفّف فيها، ويقتصر على الجائز المجزئ مع بعض المندوبات، والتجوّز هنا للمصلحة، قاله النوويّ ﵀. وقال الفيّوميّ ﵀: تجوّزتُ في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيتُ بأقلّ ما يكفي. انتهى (٢). (ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ) أي منزلة، قال الأزهريّ: رَحْلُ الرجل عند العرب: هو منزلة، سواء كان من حَجَر، أو مَدَر، أو وَبَر، أو شَعْر، أو غيرها. انتهى. وقال الفيّومي: رحلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثم أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى. والمراد أنه ﷺ دخل بيته، أو مكانه الذي أعدّه للاعتكاف في المسجد، وهذا الاحتمال أقرب؛ كما يدلّ عليه قوله: (فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا) لأنه لو دخل بيته لا يمكن أنساً أن يرى صلاته ﷺ ، والمراد أنه ﷺ صلّى في رحله صلاة طويلة، لم يُصلّها معهم (قَالَ) أنس ﵁ (قُلْنَا لَهُ) ﷺ (حِينَ أَصْبَحْنَا: أفَطَنْتَ) بهمزة الاستفهام، وتثليث الطاء: أي أعلمت؟، قال في "القاموس": "الفِطنةُ" بالكسر: الحِذْقُ، فَطِنَ به، وإليه، وله، كفَرِحَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ فَطْناً مثلّثة، وبالتحريك، وبضمّتين، وفُطُونة، وفَطَانيةً مفتوحتين، فهو فاطنٌ، وفَطِينٌ، وفَطُونٌ، وفَطِنٌ، وفَطُنٌ، كنَدَسٍ، وفَطْنٌ، كعَدْلٍ، جمعه فُطْنٌ بالضمّ، وهي فَطِنَةٌ. انتهى (٣). (لَنَا) أي لما صنعنا (اللَّيْلَةَ؟) أي لما صنعناه، من الاقتداء بك في صلاتك في هذه الليلة، فـ "الليلةَ" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "فطنت" (قَالَ) أنس ﵁ (فَقَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي فطِنت لكم (ذَاكَ) أي الذي صنعتنم، فـ "ذا" مبتدأ، خبره قوله: (الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ") أي من التجوّز في صلاتي، ودخولي رحلي (قَالَ) أنس ﵁ (فَأَخَذَ) أي شرع (يُوَاصِلُ

стр. 12177

رَسُولُ اللهِ ﷺ ) "رسول" تنازعه "أخذ"، و"يواصل"، فاعمل الثاني على رأي البصريين؛ لقربه، وأعمل الأول على رأي الكوفيين؛ لسبقه، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْساً غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ (وَذَاكَ) أي وصاله ﷺ (فِي آخِرِ الشَّهْرِ) أي آخر شهر رمضان (فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ) أي اقتداءً به ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ رِجَالٍ) أي ما شأنهم، وحالهم (يُوَاصِلُونَ") هذا قاله إنكاراً عليهم صنيعهم هذا، ثم قاله لهم مبيّناً اختصاصه بهذا الوصال (إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي) أي لأني أبيت عند ربي يُطعمني، ويسقيني (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ "ألا" (وَاللهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم الأصول؛ يعني بتشديد الدال، وفي بعضها: "تمادى"، وكلاهما صحيح، وهو بمعنى "مُدّ" في الرواية الأخرى. انتهى. (لَوَاصَلْتُ وِصَالاً يَدَعُ) بفتح أوله وثانيه مضارع وَدَعَ، يقال: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعاً: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ؛ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزَعَمَت النحاة أن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهدٌ، وعُروة، ومقاتلٌ، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات": أي عن تركهم، فقد رُوِيت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقِلت من طريق القراء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقوله: (يَدَعُ) أي يترك (الْمُتَعَمِّقُونَ) أي المتكلفون المتشددون، قال في "النهاية": المتعمِّق: المبالغ في الأمر، المتشدد فيه، الذي يَطْلُب أقصى غايته. انتهى. وقال النوويّ: هم المشددون في الأمور، المجاوزون الحدود في قول، أو فعل. انتهى.

стр. 12178

(تَعَمُّقَهُمْ") قال في "الفتح": التعمُّق -بالعين المهملة، وبتشديد الميم، ثم قاف، ومعناه: التشديد في الأمر، حتى يتجاوز الحد فيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٥٧٠ و ٢٥٧١] (١١٠٤)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٦١) و"كتاب التمنّي" (٧٢٤١)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٧٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١٨ و ٢٣٥ و ٢٤٧ و ٢٨٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٠ و ١٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٧٤ و ٣٥٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٨٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٣٦ و ٢٢١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٤٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٢) و"المعرفة" (٣/ ٤٢٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الوصال. ٢ - (ومنها): بيان استحباب النوافل في ليالي رمضان. ٣ - (ومنها): جواز النافلة جماعة. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الشفقة بأمته، فإنه ما ترك الصلاة جماعة في رمضان إلا خشية أن يشقّ عليهم ذلك. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاهتمام والاعتناء بالاقتداء بالنبيّ ﷺ في جميع ما يفعله، صلاةً، أو صوماً، أو غير ذلك. ٦ - (ومنها): جواز معاقبة من يُخالف أمر الشرع، فإنه ﷺ عاقبهم لمّا خالفوا نهيه عن الوصال. ٧ - (ومنها): النهي عن التعمّق والتنطّع في العبادة، وفي حديث ابن

стр. 12179

مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هلك المتنطّعون"، قالها ثلاثاً، رواه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧١] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِن الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَوْ مُدَّ لنَا الشَّهْرُ، لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي -أَوْ قَالَ-: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي، وَيَسْقِينِي"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عُمر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في كلّ النسخ ببلادنا، وكذا نقله القاضي عن أكثر النسخ، قال: وهو وَهَمٌ من الراوي، وصوابه آخر شهر رمضان، وكذا رواه بعض رواة "صحيح مسلم"، وهو الموافق للحديث الذي قبله، ولباقي الأحاديث. انتهى. وقوله: (فَوَاصَلَ نَاسٌ) وفي رواية البخاريّ: "أُناس" بضم الهمزة، وهو الناس، قال الكرمانيّ ما معناه: قلت: التنوين فيه للتبعيض، كما قال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] الآية، أو للتقليل، كما في قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] الآية. انتهى.

стр. 12180

وقوله: (إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي، ويَسْقِينِي) قال النوويّ: قال أهل اللغة: يقال: ظَلّ يفعل كذا: إذا عمله في النهار دون الليل، وبات يفعل كذا: إذا عمله في الليل، ومنه قول عنترة [من الكامل]: وَلَقَدْ أَبيْتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ … حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ الْمَأْكَلِ أي أَظل عليه، فيستفاد من هذه الرواية دلالة للمذهب الصحيح الذي قدّمناه في تأويل "أبيت يطعمني ربي"؛ لأن ظلَّ لا يكون إلا في النهار، ولا يجوز أن يكون أكلاً حقيقيًّا في النهار. انتهى كلامه (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم ترجيح القول بحمل الحديث على ظاهره؛ لأنه لا مانع منه، وأما ما قاله النوويّ من أن "ظَلّ" لا يكون إلا في النهار، فليس كما قال، فقد يُستعمل لمطلق الوقت، قال في "الفتح" ما حاصله: وقع في حديث أنس بلفظ: "أظلّ"، وكذا في حديث عائشة عند الإسماعيليّ، وهي محمولة على مطلق الكون، لا على حقيقة اللفظ؛ لأن المتحدَّث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً، وأكثر الروايات إنما هي "أَبيتُ"، وكأنّ بعض الرواة عَبَّر عنها بـ "أظلُّ" نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا مثلاً، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل. انتهى المقصود منه. فقد تبيّن بهذا أن المراد بـ "أَظَلّ" مطلق الكون، لا خصوص النهار، كما هو المراد في الآية المذكورة، فلا ينافي حمل الحديث على ظاهره، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٢] (١١٠٥) - (وَحَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدَه، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ

стр. 12181

أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَن الْوِصَالِ؛ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: "إِني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنى رَبِّي، وَيَسْقِينِي (١) "). رجال هذا الإسناد: ستّة: ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُوهُ) تقدّم اْيضاً في الباب الماضي. ٥ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت قبل باب. و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه ذُكر في الباب. وقولها: (رَحْمَةً لَهُمْ) منصوب على المفعوليّة من أجله؛ أي إنما نهاهم عن الوصال لأجل رحمته لهم، وفيه بيان سبب النهي. [تنبيه]: قال البخاريّ ﵀ بعد إخراج هذا الحديث عن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سلام، كلاهما عن عبدة بسنده ما نصّه: قال أبو عبد الله: لم يذكر عثمان: "رحمةً لهم". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "لم يذكر عثمان" أي ابن أبي شيبة شيخه في الحديث المذكور، قولَه: "رحمة لهم" فدلّ على اْنها من رواية محمد بن سلام وحده، وقد أخرجه مسلم عن إسحاق ابن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة جميعاً، وفيه: "رحمةً لهم"، ولم يُبَيِّن أنها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى، والحسن بن سفيان، في "مسنديهما" عن عثمان، وليس فيه: "رحمةً لهم"، وأخرجه الإسماعيليّ عنهما كذلك، وأخرجه الْجَوْزقيّ من طريق محمد بن حاتم، عن عثمان، وفيه: "رحمةً لهم"، فَيَحْتَمِلُ أن يكون عثمان كان تارةً يذكرها، وتارة يحذفها، وقد رواها الإسماعيليّ، عن جعفر الفريابيّ، عن

стр. 12182

عثمان، فجعل ذلك من قول النبيّ ﷺ ، ولفظه: قالوا: إنك تواصل؟، قال: "إنما هي رحمةٌ رَحِمَكم الله بها، إني لست كهيئتكم … " الحديث. انتهى. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٥٧٢] (١١٠٥)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٦٤)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، و (إسحاق ابن را هويه) في "مسنده" (٢/ ١٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٢)، وأما فوائده فقد تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا جَاءَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) (١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧٣] (١١٠٦) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ).

стр. 12183

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وابن حُجر مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ) وفي رواية القاسم عنها: "أن النبيّ ﷺ كان يقتلها"، وفي رواية لى: "كان ﷺ يقبّلني"، وأخرجه النسائيّ من طريق يحيى القطان، عن هشام، بلفظ: "كان يقبل بعض أزواجه، وهو صائم"، وزاد الإسماعيليّ من طريق عمرو بن عليّ بن يحيى، قال هشام: "قال: إني لم أر القبلة تدعو إلى خير"، ورواه سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام، بلفظ: "كان يقبل بعض أزواجه، وهو صائم، ثم ضحكت، فقال عروة: لم أر القبلة تدعو إلى خير"، وكذا ذكره مالك في "الموطأ" عن هشام عقب الحديث، لكن لم يقل فيه: "ثم ضحكت"، ذكره في "الفتح" (١). [تنبيه]: المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذب": سواء قَبّل الفمَ، أو الخدَّ، أو غيرهما. انتهى (٢). وقوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (ثُمَّ تَضْحَكُ) قال

стр. 12184

القاضي عياض ﵀: قيل: يَحْتَمِل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا، وقيل: التعجب من نفسها حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذي يُسْتَحيى من ذكره، لا سيما حديث المرأة به عن نفسها للرجال، لكنها اضطرت إلى ذكره؛ لتجليغ الحديث والعلم، فتتعجب من ضرورة الحال المضطرَّة لها إلى ذلك، وقيل: ضحكت سروراً بتذكر مكانها من النبيّ ﷺ وحالها معه، وملاطفته لها، قال القاضي: وَيحْتَمِل أنها ضحكت خَجلاً؛ لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهًا على أنها صاحبة القصّة؛ ليكون أبلغ في الثقة بحديثها. انتهى (١). وقد رَوَى ابن أبي شيبة، عن شريك، عن هشام في هذا الحديث: "فضحكت، فظننا أنها هي"، وروى النسائيّ من طريق طلحة بن عبد الله التيميّ، عن عائشة قالت: "أهوى إليّ النبيّ ﷺ ليقبّلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبّلني"، قال الحافظ: وهذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك من لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأن عائشة ﵂ كانت شابة، نعم لما كان الشاب مظنة لهيجان الشهوة فَرَّق مَن فَرَّق، وقال المازريّ: ينبغي أن يُعْتَبَر حال المقبِّل، فإن أثارت منه القبلة الإنزال حَرُمَت عليه؛ لأن الإنزال يُمنع منه الصائم، فكذلك ما أدى إليه، وإن كان عنها المذي فمن رأى القضاء منه قال: يحرم في حقّه، ومن رأى أن لا قضاء قال: يكره، وإن لم تؤدِّ القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها، إلا على القول بسدّ الذريعة. ظ ل الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذه الآراء لإطلاق النصوص، فإنه ﷺ لَمّا سُئل عن قبلة الصائم، أجازه مطلقاً، ولم يفصل بين ما أدّى إلى إنزال المنيّ، أو المذي، بل غضب حين قال له السائل: "قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر". والحاصل أن القبلة جائزة على إطلاقها، وإنما الممنوع هو الجماع فقط، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح بدليله، قريباً - إن شاء الله تعالى -.

стр. 12185

قال: ومن بديع ما رُوي في ذلك قوله ﷺ للسائل عنها: "أرأيت لو تمضمضت"، فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم، كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع. انتهى. قال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود، والنسائيّ من حديث عمر ﵁، قال النسائيّ: منكرٌ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحا كم (١). [تنبيه]: رَوَى أبو داود وحده من طريق مِصْاَع بن يحيى، عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يقبّلها، وَيمُصّ لسانها، وإسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٥٧٣ و ٢٥٧٤ و ٢٥٧٥ و ٢٥٧٦ و ٢٥٧٧ و ٢٥٧٨ و ٢٥٧٩ و ٢٥٨٠ و ٢٥٨١ و ٢٥٨٢ و ٢٥٨٣ و ٢٥٨٤ و ٢٥٨٥] (١١٠٦)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٢٧ و ١٩٢٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٠٥٣ و ٣٠٥٤ و ٣٠٥٥ و ٣٠٥٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٩٢)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٠٤ و ٢٩٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٤٠٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٩٢ و ٢٠٧ و ٢٤١ و ٢٥٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٤٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٠٩ و ٢١٢)، و (أبو
следующие страницы →