← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

(١٩٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٦٦)، و (البزّار) في "مسنده" (٩٧٦)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٧ و ١٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، و (البيهقيّ) في " الكبرى" (٤/ ٢٣٦) و" المعرفة" (٣/ ٣٨٧)، و (الطبرانيّ) في " الأوسط " (٢/ ٢٩٦ و ٥/ ١٧٥ و ٩٢/ ٨ و ٥٥/ ١٩) و"الكبير" (١٠/ ١٣٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٣٥ و ٤٣٢٥ و ٤٤٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب السحور، وهو يحصل بأقلّ ما يتناوله المرء من مأكول، ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ بسند حسن، بلفظ: "السحور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يَجرَع أحدكم جُرعة (١) من ماء، فإن الله، وملائكته، يصلّون على المتسحّرين"، وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" عن ابن عمر ﵂ مرفوعًا: "إن الله وملائكته يُصلّون على المتسحّرين" (٢)، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحّروا، ولو بِلُقْمة"، قاله في "الفتح" (٣). ٢ - (ومنها): بيان بركة السحور، ففيه اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتّقَوِّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة حيث جعل أكلها وشربها في هذا الوقت سببًا لحصول صلاة الله تعالى، وملائكته على المتسخر. ٤ - (ومنها): بيان عناية الشرع بمخالفة أهل الكتاب، حيث شرع لنا

стр. 12112

السحور من أجله، ففي حديث عمرو بن العاص ﵁ الآتي مرفوعًا: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): نقل الإمام ابن المنذر ﵀ الإجماع على ندبية السحور (١)، وقال النوويّ ﵀: وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يكون الأمر بالسحور في حديث الباب للاستحباب، لا للوجوب، وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه"، فقال: "باب بركة السحور، من غير إيجاب"؛ لأن النبيّ ﷺ ، وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السحور. انتهى. وأشار البخاريّ ﵀ بهذا إلى حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ نهى عن الوصال، فلما أبوا واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر لزدتكم" الحديث، متّفق عليه. وهو استدلال حسنٌ جِدًّا، فإنه يدلّ على أن السحور ليس بحتم؛ إذ لو كان حتمًا لما واصل بهم النبيّ ﷺ ، فإن الوصال يستلزم ترك السحور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٠] (١٠٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا، وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكلَةُ السَّحَرِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُوسَى بْنُ عُلَي) -بالتصغير- ابن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن

стр. 12113

المصريّ، ثقةٌ ربما أخطأ [٧] (ت ١٦٣) وله نيّفٌ و (٩٠) سنة (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٤/ ١٨٧٣. ٣ - (أَبُوهُ) عليّ -بالتصغير والتكبير، والمشهور التصغير، وكان يغضب منه- ابن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْميّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ، من صغار [٣] مات سنة بضع (١١٠) (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٣/ ١٨٧٣. ٤ - (أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) السَّهْميّ، اسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلظ [٢]. رَوَى عن عمرو، وعبد الله بن عمرو، وأم سلمة. ورَوَى عنه ابنه عروة بن أبي قيس، وعُليّ بن رَبَاح، وبشر بن سعيد، وعبد الرحمن بن جبير المصريّ، ويزيد بن أبي حبيب. قال ابن يونس: ويقال: إنه رأى أبا بكر الصديق، وكان أحد فقهاء الموالي الذين أدركهم يزيد بن أبي حبيب، واسمه عبد الرحمن بن ثابت، وشهد فتح مصر، واختَطّ بها، ومات سنة أربع وخمسين فيما ذكر ربيعة الأعرج، عن ابن لَهِيعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن سحنون في كتابه: إن عبد الرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يكنى أبا قيس، قال ابن يونس: وهذا خطأٌ، وإنما أراد أبا قيس مالك الحكم الحبشيّ؛ يعني آخر، غير أبي قيس صاحب الترجمة، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط (١) برقم (١٠٩٦)، و (١٧١٦): "إذا حَكَم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب … " الحديث. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرّتين، وهو الذي فتحها، مات ﵁ بمصر سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.

стр. 12114

و"قُتيبة بن سعيد" ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى موسى وأبيه، فأخرج لهما البخاريّ في "الأدب المفرد". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المصريين، وقتيبة بَغْلانيّ، وبَغْلان من قُرى بَلْخَ، وقد دخل مصر. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) "الفصل" بمعنى الفاصل، و"ما" موصولة، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي الفارق الذي بين صيامنا (وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي اليهود والنصارى (أَكلَة السَّحَرِ") كذا في رواية المصنّف، وأبي داود، وفي رواية النسائيّ: "أَكْلَة السَّحُور". قال النوويّ ﵀: معناه الفارق والمميّز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسخرون، ونحن يستحبّ لنا أن نتسحّر. و"أكلة السحر": هي السَّحور، وهي بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور في روايات بلدنا، وهي عبارة عن المرّة الواحدة من الأكل، كالغَدْوَة، والعَشْوة، وإن كثر المأكول فيها، وأما الأكْلة -بالضمّ- فهي اللُّقْمة، وادّعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضمّ، ولعله أراد أن رواية أهل بلدهم فيها بالضمّ، قال: والصواب الفتح؛ لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀: روايتنا عن متقني شيوخنا "أَكْلَة" -بفتح الهمزة-

стр. 12115

وهي مصدر أكل أكلة، كضرب ضَرْبَة، والمراد بها أكلُ ذلك الوقت، وقد روي أُكلة بضم الهمزة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الأُكلة بالضمّ هي اللُّقْمة، وليس المراد أن المتسحّر يأكل لقمة واحدة، ويصحّ أن يقال: إنه عبّر عما يُتَسحّر به باللقمة لققته. انتهى كلام القرطبيّ (١). وهذا الحديث يدل على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خُفّف به عنهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵁ من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٢٥٥٠ و ٢٥٥١، (١٠٩٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٤٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٠٩)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ٤٦) و"الكبرى" (٢/ ٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٦٠٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٦/ ٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط " (٣/ ٣٠٥) و"مسند الشاميين" (١/ ١٥٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب السُّحور. ٢ - (ومنها): بيان أن الصوم شريعة قديمة، فُرض على أهل الكتاب، وهو ما دلّ عليه الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 12116

٣ - (ومنها): بيان أن أهل الكتاب ما كان لهم السحور؛ فكانوا لا يأكلون ولا يشربون بعد النوم كما كان ذلك في أول الإسلام، حيث إن من نام لا يحلّ له إذا استيقظ أن يأكل، ويشرب، ويجامع أهله، حتى نسخه الله تعالى بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. ٤ - (ومنها): بيان ما منّ الله تعالى به على هذه الأمة من التخفيف والتيسير، ورفع الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فشرع لهم السحور حتى يتقوّوا به على الصوم، وجعله فاصلًا بين صومهم وبين صوم أهل الكتاب. ٥ - (ومنها): بيان أن ما جاء به النبيّ ﷺ كله سهل، وشر، فقد رفع الله تعالى بسببه كل العسر، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ إلى أن قال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]. قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٢/ ٢٥٥): أي أنه جاء بالتيسير والسماحة، كما ورد الحديث من طُرُق عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بُعِثتُ بالحنيفية السَّمْحَة"، وقال ﷺ لأميريه: معاذ وأبي موسى الأشعريّ لما بعثهما إلى اليمن: "بشِّرا ولاتنفرا، وَيسِّرا ولاتُعَسِّرا، وتطاوعا، ولا تختلفا"، متّفقٌ عليه. وقال صاحبه أبو برزة الأسلميّ ﵁: "إني صحبت رسول الله ﷺ ، وشَهِدت تيسيره"، وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضِيقٌ عليهم، فوسّع الله على هذه الأمة أمورها، وسقلها لهم، ولهذا قال رسول الله لمجر: "إن الله تجاوز لأمتي ما حَدَّثت به أنفسها، ما لم تَقُل، أو تعمل"، متّفقٌ عليه. وقال ﷺ : "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، ولهذا أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وثبت في "صحيح مسلم": أن الله تعالى قال بعد كل سؤال، مِن هذه:

стр. 12117

"قد فعلتُ قد فعلت". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيع (ح) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، بِهَذا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠]، (ت. ٢٥) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية وكيع، وابن وهب، كلاهما عن موسى بن عليّ ساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢١٥) فقال: ١٩٤٠ - ثنا محمد بن أبي صفوان الثقفيّ، ثنا عبد الرحمن، نا موسى بن عليّ (ح) وثنا يونس، نا عبد الله بن وهب (ح) وأخبرني ابن عبد الحكم، أن ابن وهب أخبرهم، قال: أخبرني موسى بن على بن رَبَاح (ح) وحدّثنا محمد بن عيسى، نا عبد الله -يعني ابن المبارك- (ح) وحدّثنا جعفر بن محمد، نا وكيع، كلاهما عن موسى بن عليّ بن رَبَاح، عن أبيه، عن أبي قيس مولى عيرو بن العاص، عن عيرو بن العاص (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور"، وفي حديث وكيع: "ما بين صيامكم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12118

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٢] (١٠٩٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﷺ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا اِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (زَيْذ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابي الشهير، مات ﷺ سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣. والباقون ذُكروا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابي ﵂، وكلاهما من مشاهير الصحابة ﵃، فأما أنس فقد سبق الكلام عليه قبل حديث، وأما زيد ﵁، فهو من الراسخين في العلم، وكان أعلم بالفرائض، وكان كاتب الوحي لرسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قال: قلت لأنس … فصرّح بالسؤال (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁، أنه قال (قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاة) أي صلاة الصبح، وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن

стр. 12119

مالك: أن رسول الله ﷺ ، وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبيّ ﷺ إلى الصلاة، فصلّيا، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. (قُلْتُ) القائل أنىس ﵁، والمقول له زيد بن ثابت ﵁، وفي رواية لأحمد عن يزيد بن هارون، عن همام، وفيه أنّ أنسأ قال: قلت لزيد … (كَمْ كانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟) أي ما بين التسحّر، والصلاة، وفي رواية للبخاريّ: "قلت: كم كان بين الأذان والسُّحُور" (قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً) قال القرطبيّ ﵀: كذا الرواية "خمسين" بالياء، لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضًا، وهو شاذّ، لكن سوّغه دلالة السؤال المتقدّم عليه؛ لأنه لَمّا قال: "كم كان قدر ما بينهما؟ فقال: خمسين آية"، فحذف "قدر"، وبقي ما بعده مخفوضًا على حاله معه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إنما كان هذا الوجه شاذًّا؛ لأن شرط حذف المضاف، هابقاء المضاف إليه مجروراً أن يُعطف المضاف المحذوف على مماثله، كما في قول الشاعر [من الطويل]: أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا حيث جرّ "نارٍ" لعطفه على "امرئٍ"، وإلى هذا أَشار في "الخلاصة" بقوله: وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ وفي رواية البخاريّ: "قدرَ خمسين آية"، وفي رواية النسائيّ: "قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية"؛ أي متوسّطة، لا طويلة، ولا قصيرة، لا سريعة، ولا بطيئة، و"قدرُ" بالرفع على أنه خبر المبتدأ، ويجوز النصب على أنه خبر "كان" المقدّرة في جواب زيد، لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير "كان " واسمها من قائل واحد، والخبر من آخر: أي كان الزمن قدرَ إلخ. وقال المهلّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدّر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت ﵁ عن ذلك التقدير بالقراءة، إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان

стр. 12120

وقت عبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة، أو ثلث، أو خمس ساعة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٢ و ٢٥٥٣، (١٠٩٧)] و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٤١ و ٥٤٢) و"الصوم " (١٧٨٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٦٣٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٤٣) و"الكبرى" (٢/ ٧٧)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٩٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٣٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٢ و ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٨ و ١٩٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ١١٥ و ١١٧)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٣٨) و"المعرفة" (١/ ٤٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان القدر الذي يكون بين السحور وصلاة الصبح، وذلك قدر قراءة خمسين آية. ٢ - (ومنها): استحباب تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: فيه الإشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. ٤ - (ومنها): ما قاله أيضًا: كان ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمته، فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحّر لاتبعوه، فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضًا على بعضهم، ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر.

стр. 12121

٥ - (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه تقوية على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشقّ على بعضهم، ولا سيّما من كان صفراويًّا، فقد يُغْشَى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان. انتهى. ١ - (ومنها): تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ﵁ ما كان يبيت مع النبيّ ﷺ . ٧ - (ومنها): استحباب الاجتماع على السحور. ٨ - (ومنها): حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: "تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ، ولم يقل: نحن ورسول الله ﷺ ؛ لما يُشعر لفظ المعيّة بالتبعيّة. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀؛ فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة ﵁: "هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع"، قال: فيمكن أن يُحمل حديث حذيفة على أنه قصد الإخبار بتأخير السحور، فأتى بتلك العبارة. انتهى (١). وأجاب الحافظ بأنه لا معارضة، بل تُحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقة. انتهى (٢)، وهو جواب جيّد. ١٠ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استَدَلّ به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر؛ لأنه الوقت الذي يَحْرُم فيه الطعام والشراب، والمدّة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة، وهي قراءة الخمسين آية، أو نحوها قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ فيه، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر، وفيه أنه ﷺ كان يدخل فيها بغلس، قاله في "الفتح" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12122

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَامٌ (ح) وَحَدثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ٧١، (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء العطّار، أبو سعيد البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٥/ ١٥٣٢. ٦ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السّلميّ، أبو حفص البصريّ قاضيها، صدوقٌ له أوهامٌ [٦]. رَوَى عن قتادة، وعمرو بن دينار، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن أبي كثير، وغير هم. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، وسالم بن نوح، ومعتمر بن سليمان، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زريع، وآخرون. قال ابن المدينيّ: سألت يحيى بن سعيد: حَمَلتَ عنه أشياء؟ قال: لا، ولا حرفًا، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وكذا قال أبو طالب عن أحمد، وزاد: روى أحاديث أنكرها، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان شعبة لا يستمريه، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن

стр. 12123

معين: ليس به بأس، زاد بعضهم عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن الدَّوْرَقيّ عن ابن معين: عمر بن عامر بَجَليّ كوفيّ ضعيف (١)، تركه حفص بن غياث، وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: عمر بن عامر شيخ صالح، كان على قضاء البصرة، مات فَجْأَةً، قال عليّ: قال أبو عبيدة: لم يمت قاض فجأة غيره، وقال أبو زرعة: مات وهو ساجدٌ، وقال أبو حاتم: سعيد وهشام أحبّ إلي منه، وهو يجري مع همام، وقال عمرو بن عليّ: عمر بن عامر، ويحيى بن محمد بن قيس ليسا بمتروكي الحديث، وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيفٌ، وأبو هلال فوقه، وعمران القطان عندي فوقه، وكان قاضي البصرة، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة (١٣٩)، وقال الساجيّ: هو من الشيوخ صدوق، ليس بالقويّ، فيه ضعف، قال: وقال أحمد: كان عبد الصمد بن عبد الوارث يروي عنه، عن قتادة مناكير، وقال العقيليّ: ثنا عبد الله بن أحمد، سمعت أبي يقول: عمر بن عامر ثقة ثبثٌ في الحديث، إلا أنه كان مُرجئًا، وقال العجليّ: ثقةٌ. أخرج له مسلم والنسائي، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٠٩٧) و (١١١٦) و (٢٤٦٩). و"قتادة" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: ٥٤١ - حدّثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا هَمّام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن زيد بن ثابت حدّثه، أنهم تسحروا مع النبيّ ﷺ ، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين، أو ستين؛ يعني آية. انتهى. وأما رواية عُمر بن عامر، عن قتادة، فساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الكبير" (٥/ ١١٧) فقال:

стр. 12124

٤٧٩٥ - حدّثنا زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِيُّ، ثنا محمد بن الْمُثَنَّى، ثنا سَالِمُ بن نُوحٍ، عن عُمَرَ بن عَامِرٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ، قال: تَسَحَّرْنَا مع رسول اللهِ ﷺ ، فما قُمْنَا حتى صلى الْغَدَاةَ، قلت: فما قَدْرُ ذلك؟ قال: قَدْرُ ما يَقْرَأُ الإِنْسَانُ خَمْسِينَ آيَة. انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج الإمام البخاريّ ﵀ هذا الحديث في "صحيحه"، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فجعله من مسند أنس ﵁، فقال: ٥٤٢ - حدّثنا حسن بن صباح، سمع رَوْح بن عُبادة، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تَسَحَّرَا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبيّ الله ﷺ إلى الصلاة، فصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. انتهى. قال في "الفتح" ما حاصله: إنه ترجح عند مسلم رواية همام، فإنه أخرجها، وأعرض عن رواية سعيد، ويدلّ على رجحانها أيضًا أن الإسماعيلي أخرج رواية سعيد، من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال: عن أنس، عن زيد بن ثابت. قال: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك، لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل هذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور، قال: ثم وجدت ذلك صريحًا في رواية النسائيّ وابن حبان، ولفظهما: عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أنس إني أريد الصيام أطعمني شيئًا، فجئته بتمر، وإناء فيه ماءٌ، وذلك بعدما أذَّن بلال، قال: يا أنس انظر رجلًا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء، فتسحر معه، ثم قام، فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة. قال: فعلى هذا فالمراد بقوله: "كم كان بين الأذان والسحور؟ " أي أذان ابن أم مكتوم؛ لأن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12125

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٤] (١٥٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ، مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) أو قبله (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠. ٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. و"يحيى بن يحيى" التميميّ ذُكر قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بن مالك ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) وفي حديث أبي هريرة ﵁: "لا يزال الدين ظاهرًا"، وظهور الدين مستلزم لدوام الخير (مَا) مصدريّة ظرفيّة؛ أي مُدّة فعلهم ذلك؛ امتثالًا للسنة، واقفين عند حدّها، غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها. (عَجَّلُوا الْفِطْرَ") زاد أبو ذرّ في حديثه: "وأخّروا السحور"، أخرجه أحمد، وزاد أبو هريرة في حديثه: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون"، أخرجه

стр. 12126

أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أَمَدٌ، وهو ظهور النجم. وقد رَوَى ابن حبان، والحاكم، من حديث سهل أيضًا بلفظ: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم"، وفيه بيان العلة في ذلك. وقال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على تعجيل الفطر بعد تحقّق غروب الشمس، ومعناه: لا يزال أمر الأمّة منتظمًا، وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنّة، وإذا أخّروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: إنما كان تعجيل الفطر خيرًا؛ لأنه أحفظ للقوّة، وأرفع للمشقّة، وأوفق للسنّة، وأبعد عن الغلوّ والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع، وأما تعجيل المغرب، فقد تقدّم الكلام عليه في الأوقات. انتهى (٢). وقال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: من السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور، والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكّ هل غابت الشمس أم لا؟؛ لأن الفرض إذا لزم بيقين لم يُخْرَج عنه إلا بيقين، والله يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأفق عن أعين الناظرين، فمن شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها، قال ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا -يعني المشرق- وأدبر النهار من هاهنا -يعني المغرب- وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم"، متّفقٌ عليه. انتهى (٣). وقال في "الفتح": اتفق العلماء على أن محل تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بأخبار عدلين، وكذا عدلٌ واحدٌ في الأرجح. قال الشافعيّ ﵀ في "الأم": تعجيل الفطر مستحبّ، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده، ورأى الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقًا، وهو كذلك؛ إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًّا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ

стр. 12127

كونه مكروهًا هو الذي دلّ عليه ظاهر النصّ؛ لأنه نصّ على أن التعجيل فيه مخالفة لليهود والنصارى، كما سلف من حديث أبي هريرة ﵁، وقد أُمِر ﷺ بمخالفتهم، وأمر به أمته، وفي تأخير الفطر موافقة لهم، ومخالفة لهديه ﷺ ، فكيف يقال: إنه غير مكروه؟ بل الذي يظهر من النصوص المذكورة التحريم، فتأمّل بالإنصاف. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: من البدع المنكرة ما أُحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت، زعموا، فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قَلَّ عنهم الخير، وكثُر فيهم الشرّ، والله المستعان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٤ و ٢٥٥٥] (١٠٩٨)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٥٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٦٩٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٨٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣١ و ٣٣٧ و ٣٣٩)، و (الدا رميّ) في "سننه" (٢/ ١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٧٣ و ٢٧٤)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٨/ ٢٧٣ و ٢٧٥)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٩٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ١٣٩ و ١٦٨ و ١٨٧ و ١٩١ و ١٩٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٥٠١ و ٥٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٣٧)

стр. 12128

و"المعرفة" (٣/ ٣٨٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تعجيل الفطر، قال ابن عبد البرّ ﵀: أحاديث تعجيل الإفطار، وتأخير السحور صحاحٌ، متواترةٌ، وأخرج عبد الرزأق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا. ٢ - (ومنها): ما قاله المازريّ ﵀: أشار هذا الحديث إلى أن تغيير هذه السنة عَلَمٌ على فساد الأمر، ولا يزالون بخير ما داموا محافظين عليها. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قاله المهلَّب ﵀: الحكمة في تعجيل الإفطار أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: في هذا الحديث ردّ على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة. انتهى. قال الحافظ ﵀: وما تقدم من الزيادة عند أبي داود أولى بأن يكون سبب هذا الحديث، فإن الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه ﷺ بذلك. انتهى. ٥ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المالكية على عدم استحباب ستة شوال؛ لئلا يَظنّ الجاهل أنها ملتحقة برمضان، وهو ضعيف، ولا يخفى الفرق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوب (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْذ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).

стр. 12129

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَعْقُوبُ) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبت فقيه حجة إمام [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم ساقها مقرونًا بابن أبي حازم، في "مستخرجه" (٣/ ١٧٣) فقال: وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوا فطرهم". انتهى. وأما رواية سفيان الثوريّ، عن أبي حازم، فساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٣٣٤) فقال: ٢٢٨٧٩ - حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سَعْدٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ الناس بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكثاب قال: [٢٥٥٦] (١٠٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَحَدُهُمَا يُعَجَّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ

стр. 12130

الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَخلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: "وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧. ٥ - (أَبُو عَطِيَّةَ) الوادعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، أو ابن عوف، وقيل: ابن حُمْرة (١)، وقيل: ابن أبي حُمْرة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، ويقال: ابن أبي جندب، وقيل: إنهما اثنان، ثقةٌ [٢]. قال: جاءنا كتاب عمر، وروى عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعائشة، ومسروق بن الأجدع. وروى عنه عُمارة بن عمير، ومحمد بن سيرين، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأشعث بن أبي الشعثاء، وخيثمة بن عبد الرحمن، والأعمش، وغيرهم. قال الأثرم: قلت لأحمد: الأعمش عن أبي عطية، ما اسم أبي عطية؟ قال: مالك بن أبي حمرة، وهو مالك بن عامر، قلت: هو الذي روى عنه ابن

стр. 12131

سيرين؟ فأنكر ذلك جدًّا (١)، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أبو عطية الذي روى عنه ابن سيرين مالك بن عامر، وأبو عطية الوادعيّ عمرو بن أبي جندب، وقال في موضع آخر: أبو عطيّة الوادعيّ: مالك بن عامر، وهو الهمدانيّ، وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين، عن أبي عطية؟ فقال: ثقةٌ، وقال الواقديّ: أبو عطية عَمْرو بن جندب، ويقال: مالك بن عامر الهمدانيّ، من أصحاب عبد الله، وشهد مشاهد عليّ، ومات في ولاية عبد الملك، وقال ابن سعد: أبو عطية اسمه مالك بن عامر الهمدانيّ، ثم الوادعيّ، تُوُفّي في ولاية مصعب بن الزبير على الكوفة، وكان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: أبو عطية الوادعيّ؟ قال: عَمْرو بن جندب، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكزره مرّتين. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في الباب الماضي. و"يحيى بن يحيى" ذُكر قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي عطيّة، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وعائشة فمدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض:

стр. 12132

الأعمش، عن عُمارة، عن أبي عطيّة، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) الوادعيّ، تقدّم آنفًا الخلاف في اسمه، واسم أبيه، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقُلْنَا) وفي الرواية التالية: "فقال لها مسروق"، وفي رواية النسائيّ: "قلت لعائشة"، ويُجْمَع بين هذا إلاختلاف بكودط مسروق هو الذي تولّى السؤال؛ لكون عائشة ﵂ تعرفه، حيث كان كثير الرواية عنها، بخلاف أبي عطيّة، فإنه ما يروي عنها إلا قليلًا، وإنما قال أبو عطيّة: قلت لعائشة، أو قلنا لها، لكونه طلب من مسروق أن يسألها، والله تعالى أعلم. (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ) أي يختار تعجيل الفطر في الصوم (وَيُعَجِّلُ) بتشديد الجيم، من التعجيل (الصّلَاةَ) أي صلاة المغرب، ففي الرواية التالية: "رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يُعجّل المغرب، والإفطار، والآخر يؤخِّر المغرب، والإفطار"، وفي رواية النسائيّ: "أحدهما يعجّل الإفطار، ويؤخّر السحور". وإنما فعل ابن مسعود ﵁ ذلك؛ اتّباعًا للسنّة. (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَبُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) الظاهر أنه إنما فعل ذلك؛ ليبيّن للناس جوازه، أو فَعَله احتياطًا، حيث لم تبلغه السنّة في ذلك. (قَالَتْ) عائشة ﵂ (أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ) أبو عطيّة (قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ) توفي سنة (٣٢) تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٣/ ١١. (قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي إن فعل ابن مسعود ﵁ هو الموافق لسنة رسول الله ﷺ ، والآخر مجتهد مأجور حيث لم يخالف السنّة قصدًا، كما يأتي من طريق ابن أبي زائدة قوله: "كلاهما لا يألو عن الخير". وقوله: (زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ) أي يعني شيخه الثاني، وهو محمد بن العلاء زاد في روايته على رواية يحيى قوله، مبيّنًا الرجل الآخر: ("وَالْآخَرُ) أي الرجل

стр. 12133

الآخر الذي يؤخّر الإفطار، والصلاة (أَبُو مُوسَى") عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير، توفّي ﵁ (٥٠) أو بعدها، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٦ و ٢٥٥٧] (١٠٩٩)، و (أبو داود) في "الصوم " (٢٣٥٤)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٠٢)، و (النسائيّ) في "الصيام" ٤/ ١٤٤) و"الكبرى" (٢/ ٧٨ و ٧٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٨ و ١٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١/ ٢٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وقد تقدّم قول الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: أحاديث تعجيل الفطر، وتأخير السحور صحاح متواترة، وعند عبد الرزّاق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا". انتهى (١). ٢ - (ومنها): أن أكابر الصحابة ﵃، ومن بعدهم قد تَخْفَى عليهم السنّة، فيجتهدون، فيعملون بخلافها، وأنهم معذورون ومأجورون بذلك، وأما من قلّدهم، فلا عذر له إذا تبيّن له ثبوت النصّ، فليُتنبّه لهذا، فإنه من مزالّ الأقدام، فإن كثيرًا من المقلّدين قد تبلغهم السنة مخالفةً لمذهبهم، فلا يلتفتون إليها، وهذا هو الخسران المبين؛ لأنه من اتّباع الهوى، ومن تخذيل الشيطان،

стр. 12134

وقد ذمّ الله تعالى من خالف السنّة متبعًا لهواه، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]-نعوذ بالله من الخذلان-. ٣ - (ومنها): أن اختلاف أهل العلم كثيرًا ما يكون مبناه على اطلاع بعضهم على النصوص، وعدم اطلاع الآخرين عليها، فالواجب على المقلّدين أن ينظروا فيمن تؤئده النصوص، فيتبعوه. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ كثرة علم عائشة ﵂ بالسنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْب، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ﵁، فَقَالَ لَهَا مَسْرُون: رَجُلَانِ مِنْ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَن الْخَيْرِ: أَحَدُهُمَا يُعَبلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ، فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَن الْخَيْرِ) أي لا يقصّر عنه، قال في "القاموس": وأَلَا أَلْوًا، وأُلُوًّا، وأُلِيًّا، وأَلَّى، واتَّلَى: قَصَّرَ، وأبطأ، وتكبّرَ، قال: وما ألوته: ما استطعته، وما ألوتُ الشيءَ أَلْوًا، وأُلُوًّا: ما تركته. انتهى (١).

стр. 12135

[تنبيه]: قوله: "لا يألو" بإفراد الضمير، مع أن المبتدأ، وهو "كلاهما" مثنى المعنى؛ لأنه يجوز فيه الوجهان، مراعاة اللفظ؛ لأن لفظ "كلا" مفرد، ومراعاة المعنى؛ لأن معناه مثنّى، قال الخضريّ ﵀: الأكثر في "كلا"، و "كلتا" مراعاة اللفظ، وبه جاء القرآن نصًّا في قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وأما ضمير ﴿خِلَالَهُمَا﴾، فيَحْتَمل رجوعه لـ ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾، وإن كان مضافًا إليه، كما يرجع مع "كلّ" للمضاف إليه، وقد اجتمعا في قوله يَصِف فرسين تسابقا [من البسيط]: كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَرْيُ بَيْنُهَمَا … قَدْ أَقلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِمَا رَابِي فثنَّى "أَقْلعا"؛ أي تركا الجري؛ مراعاةً للمعنى، وراعى اللفظ في "رابي"، بمعنى منتفِخ من التعب. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ، وَخُرُوجِ النَّهَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٨] (١١٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَاتَّفَقُوا فِي اللَّفْظِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَت الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، لَمْ يَذْكُر ابْنُ نُمَيْرٍ: "فَقَدْ"). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.

стр. 12136

٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقية [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل باب. ٦ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، وُلد في حياة النبيّ ﷺ ، ومات سنة (٧) أو بعدها (خ م د س ت) تقدم في "الصلاة" ٧/ ٨٥٦. ٧ - (عُمَرُ) بن الخطّاب الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فرق بينهم؛ لاختلاف شيوخهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعاصم، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، ويحيى نيسابوريّ، وقد دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه في موضعين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ صغير عن تابعيّ كبير، هشام عن أبيه، وصحابيّ صغير عن صحابيّ كبير، عاصم عن أبيه، وكان مولد عاصم في عهد النبيّ ﷺ ، لكنه لم يسمع منه شيئًا، قاله في "الفتح" (١). شرح الحديث: (عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ) أبيه (عُمَرَ) بن الخطّاب (﵁) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية ابن خزيمة، من طريق أبي معاوية، عن هشام: "قال

стр. 12137

لي" ("إِذَا أقبَلَ اللَّيْلُ) زاد في رواية البخاريّ: "من ها هنا"؛ أي: من جهة المشرق، والمراد به وجود الظلمة حسًّا (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ) زاد في رواية البخاريّ أيضًا: "من ها هنا"؛ أي من جهة المغرب (وَغَابَت الشَّمْسُ) وللبخاريّ: "وغربت الشمس". قال الطيبيّ ﵀: وإنما قال: "وغابت الشمس" مع الاستغناء عنه؛ لبيان كمال الغروب؛ كيلا يُظَنّ أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها. انتهى (١). قال النوويّ ﵀: قال العلماء: كلُّ واحد من هذه الثلاثة يتضمّن الآخَرَين، ويلازمهما، وإنما جَمَعَ بينها؛ لأنه قد يكون في وادٍ، ونحوه، بحيث لا يُشاهد غروب الشمس، فيَعتَمِد إقبال الظلام، وإدبار الضياء. انتهى (٢). وقال في "الفتح": ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور؛ لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل، لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يُظَنّ إقبال الليل من جهة المشرق، ولا يكون إقباله حقيقةً، بل لوجود أمر يُغَطِّي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثَئم قَيَّد بقوله: "وغربت الشمس"؛ إشارةً إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس، لا بسبب آخر، ولم يذكر ذلك في الحديث الثاني -يعني حديث ابن أبي أوفى الآتي- فَيَحْتَمِل أن يُنَزَّل على حالين، أما حيث ذكرها ففي حال الغيم مثلًا، وأما حيث لم يذكرها، ففي حال الصحو، ويَحْتَمِل أن يكونا في حالة واحدة، وحَفِظَ أحد الراويين ما لم يحفظ الآخر. وإنما ذكر الإقبال والادبار معًا؛ لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقق الغروب، قاله القاضي عياض: ﵀. وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": الظاهر الاكتفاء باحد الثلاثة؛ لأنه يُعْرَف انقضاء النهار بأحدهما، ويُؤيِّده الاقتصار في رواية ابن أبي أوفى على إقبال الليل. انتهى. (فَقَدْ أفطَرَ الصَّائِمُ") أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد: إذا أقام بنجد، وأَتْهَمَ: إذا أقام بتِهَامة، قاله في "الفتح".

стр. 12138

وقال في "المرقاة": أي صار مفطرًا حكمًا، وإن لم يفطر حسًا كذا في "النهاية"، و"شرح السنة" بدليل الاحتياج إلى نية الصوم للغد، وإن لم يأكل ويشرب، وقيل: دخل في وقت الإفطار، قال أبو عبيد: فيه ردٌّ على المواصلين؛ أي ليس للمواصل فضل على الآكل؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، وقال الطيبيّ: ويمكن أن يُحْمَل الإخبار على الانشاء إظهارًا للحرص على وقوع المأمور به. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: معناه: انقضى صومه، وتَمّ، ولا يوصف الآن بانه صائمٌ، فان بغروب الشمس خرج النهار، ودخل الليل، والليل ليس محلًّا للصوم. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: هذه الأمور الثلاثة متلازمة؛ إذا حصل الواحد منها حصل سائرها، وإنما جمعها في الذكر -والله أعلم- لأن الناظر قد لا يرى عين غروب الشمس؛ لحائل، وَيرَى ظلمة الليل في المشرق، فيحلّ له إذ ذاك الفطر، وإقبال الليل: إقبال ظلمته، وإدبار النهار: إدبار ضوئه، ومجموعهما إنما يَحْصُلُ بغروب الشمس. انتهى (٣). وقال في دة الفتح" -بعد ذكر ما تقدّم-: ويَحْتَمِل أن يكون معناه: فقد صار مُفْطِرًا في الحكم؛ لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعيّ، وقد رَدّ ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول، فقال: قوله: "فقد أفطر الصائم" لفظُ خبر، ومعناه: الأمر؛ أي فليفطر الصائم، ولو كان المراد: فقد صار مفطرًا كان فِطْرُ جميع الصُّوّام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنًى. انتهى. قال الحافظ: وقد يجاب بأن المراد: فعل الإفطار حسًّا؛ ليوافق الأمر الشرعيّ، ولا شك أن الأول أرجح، ولو كان الثاني مُعْتَمَدًا، لكان مَن حَلَف أن لا يفطر، فصام فدخل الليل حَنِث بمجرد دخوله، ولو لم يتناول شيئًا.

стр. 12139

ويمكن الانفصال عن ذلك بأن الأيمان مبنية على العرف، وبذلك أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في مثل هذه الواقعة بعينها، ومثل هذا لو قال: إن أفطرت فأنت طالق، فصادف يوم العيد لم تُطلق حتى يتناول ما يفطر به، وقد ارتكب بعضهم الشَّطَط، فقال: يحنث، ويرجح الأول أيضًا رواية شعبة أيضًا بلفظ: "فقد حَلَّ الإفطار"، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق الثوريّ، عن الشيبانيّ. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فقد أفطر الصائم" يَحْتَمل أن يكون معناه: دخل في وقت الفطر، كما تقول العرب: أظهر: دخل في وقت الظهر، وأشهر: دخل في الشهر، وأنجد، وأتهم: إذا دخل فيهما، أعني الموضعين، وعلى هذا لا يكون فيه تعرّضٌ للوصال، لا بنفي، ولا بإثبات. وَيحْتَمِل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا حكمًا، ومعنى هذا أن زمان الليل يستحيل فيه الصوم الشرعيّ، وعلى هذين التأويلين يُخَرَّج خلاف العلماء، هل يصحّ إمساك ما بعد الغروب؟ فمنهم من قال: لا يصحّ، وهو كيوم الفطر، ومَنَعَ الوصال، وقال: لا يصحّ، ومنهم: من جَوَّزَ إمساك ذلك الوقت، ورأى أن له أجر الصائم؛ محتجًّا بأحاديث الوصال، وبقوله ﷺ : "فأيّكم أراد أن يواصل، فليُواصل حتى السحر"، رواه البخاريّ، قالوا: وإنما نهاهم عن الوصال؛ رحمةً لهم، ورِفقًا بهم؛ لما يخاف من الضعف فيه، ولما يوجد من مشقّته، وسيأتي لهذا مزيد. انتهى (٢). وقوله: (لَمْ يَذْكُر ابْنُ نُمَيْرٍ: "فَقَدْ") بيّن به الاختلاف الواقع بين شيوخه الثلاثة، في لفظة "فقد"، فقد ذكرها يحيى، وأبو كريب، ولم يذكرها محمد بن نمير، بل قال: "أفطر الصائم"، وهذا من ورع المصنّف ﵀، وشدّة احتياطه في مراعاة ألفاظ الشيوخ، وإن يكن بينها كبير اختلاف في المعنى، فلله درّه ما أشدّ إحكامه، وأسدّ أحكامه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12140

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٥٥٨] (١١٠٠)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٥٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٥١)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٦٩٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٣١٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٥٩٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨ و ٣٥ و ٤٨ و ٥٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (٧/ ٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٤ و ١٧٥ و ١٧٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٤٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٥٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢٨٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢١٦ و ٢٣٧ - ٢٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٣٥)، وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٩] (١١٠١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَابَت الشَّمْسُ قَالَ: "يَا فُلَانُ انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ: فَنَزَلَ، فَجَدَحَ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ بِيَدهِ: "إِذَا غَابَت الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِي) سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.

стр. 12141

٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٨٧) وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة (ع) تقدم في "الصلاة" ٤١/ ١٠٧٢. و"يحيى" ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالثلاثة التالية، وهو (١٦٠) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ قريبًا. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، شَهِدَ الْحُديبية، وعُفر بعد النبيّ ﷺ دهرًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالكوفة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁) وفي رواية عبد الواحد الآتية: حدّثنا سليمان الشيبانيّ، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) قال في "الفتح": هذا السفر يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، ويؤيده رواية هشيم، عن الشيبانيّ عند مسلم -يعني هذه الرواية- بلفظ: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، في شهر رمضان"، وقد تقدم أن سفره في رمضان منحصر في غزوة بدر، وغزوة الفتح، فإن ثبتٌ، فلم يشهد ابن أبي أوفى بدرًا، فتعينت غزوة الفتح. انتهى. (فَلَمَّا غَابَت الشَّمْسُ) وفي رواية عبد الواحد: "فلما غربت الشمس"، وهي تفيد معنى أزيد من معنى "غابت" (قَالَ) ﷺ ("يَا فُلَانُ) وفي رواية شعبة، عن الشيبانيّ عند أحمد: "فدعا صاحب شرابه بشراب، فقال: لو أمسيت … "، وقد أخرجه أبو داود، فسماه، ولفظه: "فقال: يا بلال انزل … إلخ"، وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم، من طرق عن عبد الواحد بن زياد، فاتفقت رواياتهم على قوله: "يا فلان"، قال الحافظ: فلعلها تصحفت إلى بلال، وقد تقدّم في حديث عمر ﵁ عند ابن خزيمة: "قال: قال لي النبيّ ﷺ : إذا أقبل الليل … إلخ"، فَيَحْتَمِل أن يكون المخاطب بذلك عمر، فإن الحديث واحدٌ، فلما كان عمر هو المقول له: "إذا أقبل الليل … إلخ"، احتَمَل أن يكون هو المقول له أوّلًا: "اجدح"، لكن يؤيد

стр. 12142

كونه بلالًا قوله في رواية شعبة المذكورة: "فدعا صاحب شرابه"، فإن بلالًا ﵁ هو المعروف بخدمة النبيّ ﷺ . انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كون المبهم هنا هو بلالًا ﵁ هو الأقرب والأشبه، وأما كونه عمر ﵁، فبعيدٌ، والله تعالى أعلم. (انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا") -بالجيم، ثم الحاء المهملة- فعل أمر من الْجَدْح، وهو: تحريك السويق ونحوه بالماء بعود، يقال له: الْمِجْدَح، مُجَنَّحُ الرأس، وزعم الداوديّ أن معنى قوله: "اجْدَح لي": أي احلُبْ، وغَلَّطوه في ذلك، قاله في "الفتح". وقال النوويّ ﵀: هو بجيم، ثم حاء مهملة، وهو خَلْطُ الشيء بغيره، والمراد هنا خَلْط السويق بالماء، وتحريكه حتى يستوي، والْمِجدَح بكسر الميم: عُود مُجَنَّحُ الرأس؛ لِتُسَاط به الأشربة، وقد يكون له ثلاث شُعَب. انتهى (١). (قَالَ) الرجل المأمور بالجدح (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا) هذا ظن منه لَمّا رأى من ضوء الشمس ساطعًا، وإن كان جِرمها غائبًا، وتكريره المراجعة؛ لغلبة اعتقاده أن ذلك نهارٌ يَحْرُم فيه الأكل، مع تجويزه أن النبي ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضوء تامّا، فقصد زيادة الإعلام، فأعرض النبيّ ﷺ عن الضوء، واعتبر غيبوبة الشمس، ثم بيّن ما يَعتبره من لم يتمكّن من رؤية جِرم الشمس، وهو إقبال الظلمة من المشرق (٢). وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون المذكور كان يَرَى كثرة الضوء من شدّة الصحو، فيَظُنّ أن الشمس لم تغرُب، ويقول: لعلها غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غيم، فلم يتحقق غروب الشمس، وأما قول الراوي: "وغربت الشمس"، فإخبار منه بما في نفس الأمر، وإلا فلو تحقق الصحابيّ أن الشمس غربت ما توقف؛ لأنه حينئذ يكون معاندًا، وإنما توقف احتياطًا، واستكشافًا عن حكم المسألة. انتهى (٣).

стр. 12143

وقال النوويّ ﵀: معنى الحديث أن رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃ كانوا صيامًا، وكان ذلك في شهر رمضان، كما صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى، فلما غربت الشمس، أمره النبيّ ﷺ بالْجَدْح ليفطروا، فرأى المخاطَب آثار الضياء والحمرة التي بعد غروب الشمس، فظَنّ أن الفطر لا يحل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتَمَلَ عنده أن النبيّ ﷺ لم يرها، فاراد تذكيره، وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: "إن عليك نهارًا"؛ لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى: "لوأمسيتَ"؛ أي تأخرت حتى يدخل المساء، وتكريره المراجعة؛ لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل، مع تجويزه أن النبيّ ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرًا تامّا، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء. انتهى (١). "قَالَ) ﷺ ("انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ) الراوي (فَنَزَلَ) الرجل المأمور (فَجَدَحَ) أي خلط السويق بالماء. [تنبيه]: وقعت المراجعة في هذه الرواية مرّتين فقط، قال في "الفتح": وقد اختلفت الروايات عن الشيبانيّ في ذلك، فأكثر ما وقع فيها أن المراجعة وقعت ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها مرةً واحدةً، وهو محمول على أن بعض الرواة اختَصَرَ القصة، ورواية خالد الطحّان عن الشيبانيّ عند البخاريّ أتمهم سياقًا (٢)، وقد ذكرها ثلاث مرّات، وهو حافظٌ، فزيادته مقبولةٌ. قال الجامع عفا الله عنه: لم ينفرد خالد الطحّان بذكر الثلاث، فقد تابعه

стр. 12144

شعبة عن الشيبانيّ، عند أبي نعيم في "مستخرجه"، فذكر المراجعة ثلاث مرّات، وسيأتي بيان ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-. قال: وقد جاء أنه ﷺ كان لا يُرَاجَعُ بعد ثلاث، وهو عند أحمد في "مسنده" بسند رجاله ثقات، من حديث عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ في حديث طويل، أوله: "كان ليهوديّ عليه أربعة دراهم … " الحديث (١). انتهى. (فَأَتَاهُ) أي أتى النبيّ ﷺ (بِه) أي بالشراب المجدوح (فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ) أشار ﷺ ، ففيه إطلاق القول على الفعل (بِيَدِهِ) نحو المغرب والمشرق، قائلًا: ("إِذَا غَابَت الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا) أي من جهة المغرب (وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا) أي من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ") أي دخل وقت إفطاره، أو صار في حكم المفطر، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث عمر ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 12145

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٥٥٩ و ٢٥٦٠ و ٢٥٦١ و ٢٥٦٢] (١١٠١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤١ و ١٩٥٥ و ١٩٥٦ و ١٩٥٨) و"الطلاق" (٥٢٩٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٥٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٥٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٣/ ١١ - ١٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٣١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٨٠ و ٣٨١ و ٣٨٢)، و (البزّار) في "مسنده" (٨/ ٢٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥١١ و ٣٥١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٩ و ١٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٥ - و ١٧٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢١٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وقت انقضاء الصوم، وخروج النهار. ٢ - (ومنها): بيان استحباب تعجيل الفطر، وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقًا، بل متى تَحَقَّق غروب الشمس حَلَّ الفطر. ٣ - (ومنها): أن فيه تذكيرَ العالِم بما يُخْشَى أن يكون نسيه، وتَرْكُ المراجعة له بعد ثلاث. ٤ - (ومنها): بيان وقت الصوم، وأن الغروب متى تَحَقَّق كفى. ٥ - (ومنها): أن فيه إيماءً إلى الزجر عن متابعة أهل الكتاب، فإنهم يؤخرون الفطر عن الغروب. ٦ - (ومنها): جواز الصوم في السفر، وتفضيله على الفطر لمن لا تلحقه بالصوم مشقة ظاهرة. ٧ - (ومنها): بيان أن الفطر على التمر ليس بواجب، وإنما هو مستحب، لو تركه جاز، وأن الأفضل بعده الفطر على الماء، وقد جاء هذا الترتيب في الحديث الآخر في "سنن أبي داود"، وغيره في الأمر بالفطر على تمر، فان لم يجد فعلى الماء، فإنه طهور. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ ﵀ بهذا إلى ما أخرجه أبو داود بسنده عن سلمان بن عامر الضبيّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان

стр. 12146

أحدكم صائمًا، فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور". وفي إسناده الرباب بنت صُليع الضبيّة لم يرو عنها غير حفصة بنت سيرين، ولم يوثّقها غير ابن حبّان، وصححه الشيخ الألبانيّ، ولعله لشاهده، فقد يشهد له ما أخرجه الترمذفي، وأبو داود عن أنس ﵁ قال: "كان النبيّ ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رُطَبات، فإن لم تكن رُطَبات فتُمَيرات، فإن لم تكن تُمَيرات حَسَا حَسَوَات من ماء"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني ﵀، ورجال إسناده رجال الصحيح. قال الترمذيّ ﵀: وروي أن رسول الله ﷺ كان يفطر في الشتاء على تمرات، وفي الصيف على الماء (١). انتهى. ٨ - (ومنها): بيان أن الأمر الشرعيّ أبلغ من الحسيّ، وأن العقل لا يقضي على الشرع. ٩ - (ومنها): أن فيه البيانَ بذكر اللازم والملزوم جميعًا لزيادة الإيضاح. ١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز الاستفسار عن الظواهر؛ لاحتمال أن لا يكون المراد إمرارَها على ظاهرها، قاله الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀، قال الحافظ ﵀: وكأنه أخذ ذلك من تقريره ﷺ الصحابيّ على ترك المبادرة إلى الامتثال. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ

стр. 12147

رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا غَابَت الشَّمْسُ، قَالَ لِرَجُلٍ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا، فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِئ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (عَبَّاد بْنُ الْعَؤَامِ) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها، وله نحو (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد أيضًا من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقيه، وهو (١٦١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (لَوْ أَمْسَيْتَ) يَحْتَمِل أن تكون "لو" للتمنِّي، فلا تحتاج إلى جواب، وَيحْتَمِل أن تكون شرطيّة، ويقدّر جوابها: أي لكان خيرًا، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كَامِلٍ (١)، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ يَقُولُ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَت الشَّمْسُ، قَالَ: "يَا فُلَانُ انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا"، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ (٢)، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ).

стр. 12148

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد أيضًا من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، ولاحقه، وهو (١٦٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ) يعني أن رواية عبد الواحد بن زياد، عن سليمان الشيبانيّ، مثل رواية عليّ بن مُسهِر، وعبّاد بن العوّام، كلاهما عنه. [تنبيه]: رواية عبد الواحد، عن الشيبانيّ، هذه ساقها البزار ﵀ في "مسنده" (٨/ ٢٦٤) فقال: (٣٣٢٥) - أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: أخبرنا سليمان الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: سِرْنا مع رسول الله ﷺ ، وهو صائم في سفر، فلما غربت الشمس قال لرجل: "انزل، فاجدح لنا"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: "انزل، فاجدح لنا"، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، قال: "أنزل، فاجدح لنا"، فنزل، فجدح، فشرب رسول الله ﷺ ، ثم قال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَن ابْنِ أَبِي أَوْفَى (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى

стр. 12149

حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ (١)، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"، وَلَا قَوْلُهُ: "وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا" إِلَّا فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَحْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم قريبًا. ٧ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٩ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: إسناد ابن أبي عمر، وإسحاق ابن راهويه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالأسانيد الثلاثة الماضية، وهو (٢٦٣) من رباعيّات الكتاب، وأما الإسنادان الأخيران، فمن خماسيّات الكتاب. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ) يعني أن حديث سفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وشعبة ثلاثتهم عن الشيبانيّ، بمعنى حديث عليّ بن مسهر، وعبّاد بن العوّام، وعبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن الشيبانيّ. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ) إلخ بيّن به الاختلاف الواقع بينهم في لفظ الحديث، فقد اتّفق كلهم على أنه ليس في رواياتهم قوله: "فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"، وَلَا قَوْلُهُ: "وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا"، وإنما في رواية هُشَيْمٍ وَحْدَهُ.

стр. 12150

[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، عن الشيبانيّ، فقد ساقها البخاريّ ﵀ في "الصوم" من"صحيحه"، فقال: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، سمع ابن أبي أوفى ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: "انزل، فاجدَحْ لي"، قال: يا رسول الله الشمس، قال: "انزل، فاجدَح لي"، قال: يا رسول الله الشمس، قال: "انزل فاجدَح لي"، فنزل، فجَدَح له، فشرب، ثم رمى بيده ها هنا، ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى. وأما رواية جرير بن عبد الحميد، عن الشيبانيّ، فقد ساقها البخاريّ أيضًا في "الطلاق" من"صحيحه"، فقال: (٤٩٩١) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كنا في سفر، مع رسول الله ﷺ ، فلما غربت الشمس قال لرجل: "انزل، فاجدَحْ لي"، قال: يا رسول الله لو أمسيت، ثم قال: "انزل، فاجدح"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت، إن عليك نهارًا، ثم قال: "انزل، فاجدح"، فنزل، فجَدَحَ له في الثالثة، فشرب رسول الله ﷺ ، ثم أومأ بيده إلى المشرق، فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم". انتهى. وأما رواية شعبة، عن الشيبانيّ، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٧٦) فقال: (٢٤٧٧) - حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمدبن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: كان رسول الله ﷺ في سفر، وهو صائم، قال: فدعا صاحب شرابه بشراب، فقال صاحب شرابه: لوأمسيت يا رسول الله، ثم دعاه، فقال: لو أمسيت يا رسول الله، ثم دعاه، فقال: لوأمسيت، ثم دعاه، فقال: "إذا جاء الليل من ها هنا، فقد حل الإفطار"، أو كلمة هذا معناها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
следующие страницы →