وهو ماء عليه نخل كثير، ووقع عند مسلم في حديث جابر: "فلما بلغ كُراع الغميم"، هو بضم الكاف، والغَمِيم بفتح المعجمة، وهو اسم وادٍ أمام عُسفان، قال عياض: اختَلَفت الروايات في الموضع الذي أفطر ﷺ فيه، والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عَمَل عُسفان. انتهى.
(ثُمَّ أفطَرَ) وقد وقع الحديث عند البخاريّ في "المغازي" بسياق أوضح من هذا من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظه: "خرج النبيّ ﷺ في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدَمه المدينة، فسار ومن معه من المسلمين، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِيد، فأفطر وأفطروا".
وأخرج أيضًا في "المغازي" من طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: خرج النبيّ ﷺ في رمضان، والناس صائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء فوضعه على راحلته، ثم نظر الناس، زاد في رواية أخرى، من طريق طاوس، عن ابن عباس: "ثم دعا بماء، فشرب نهارًا؛ ليراه الناس".
وأخرجه الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه: "فلما بلغ الكَدِيد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شَرِبَ، فأفطر، فناوله رجلًا إلى جنبه، فشرب"، ويأتي للمصنّف في الباب من طريق الدّراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في هذا الحديث: "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدَح من ماء بعد العصر"، وله من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن جعفر: "ثم شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة"، واستَدَلّ بهذا الحديث على تحتم الفطر في السفر، ولا دلالة فيه، كما سيأتي بيانه، أفاده في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان،
стр. 12287
وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه إتمامه، وقد غَلِطَ بعض العلماء كيفَهْم هذا الحديث، فتوهَّم أن الكَدِيد وكُراع الغَمِيم قريب من المدينة، وأن قوله: "فصام حتى بلغ الكَدِيد، وكُرَاع الغَمِيم"، كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كُراع الغميم في يومه أفطر في النهار، قال: واستَدَلّ به هذا القائل على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائمًا له أن يفطر في يومه، ومذهب الشافعيّ والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طَلَع عليه الفجر في السفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة؛ لأن الكَديد وكُراع الغميم على سبع مراحل، أو أكثر من المدينة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقوله: (قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهَ ﷺ ) يعني أن الصحابة ﵃ كانوا إذا اختلفت عليهم أحاديث رسول الله ﷺ ، وتعارضت يأخذون بالمتأخر، ويجعلون المتقدّم منسوخًا به.
[تنييه]: قوله: "وكان صحابة رسول الله ﷺ الخ " هذا الكلام من قول الزهريّ، وقع مدرجًا عند المصنّف في رواية الليث هذه، قال في "الفتح": هذه الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ وقعت مدرجة عند مسلم من طريق الليث، عن الزهريّ، وأخرجه بعده من طريق سفيان، عن الزهريّ، قال: مثله، قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟، ثم أخرجه من طريق معمر، ومن طريق يونس، كلاهما عن الزهريّ، وبَيّنا أنه من قول الزهريّ، وبذلك جزم البخاريّ في "كتاب الجهاد" من "صحيحه"، وظاهره أن الزهريّ ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافق على ذلك، كما سيأتي قريبًا.
وقال القرطبيّ ﵀: ظاهر كلام ابن شهاب: أن الذي استَقَرّ عليه أمره ﷺ إنما كان: الفطر في السفر، وأن الصوم السابق منسوخ.
وهذا الظاهر ليس بصحيح، بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا؛ فإنها تدل على أن النبيّ ﷺ صام بعد ذلك في السفر، وأصحابه كذلك، وخيّر فيه، ومِن
стр. 12288
أدلّ ذلك قول أبي سعيد ﵁: ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله ﷺ . وما أخرجه النسائي عن عائشة ﵂: أنها سافرت مع رسول الله ﷺ في عمرته، فقالت: يا رسول الله ﷺ قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ، فقال: "أحسنتِ يا عائشة"، وما عابه عليّ.
ويمكن أن يُحْمَل قول الزهريّ على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبيّ ﷺ فيما تحققت فيه المعارضة، لا في هذا الموضع؛ فإنه لم تتحقق فيه المعارضة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ: ﵀: قوله: "يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ إلخ " هذا محمول على ما عَلِموا منه النسخ، أو رجحان الثاني مع جوازهما، وإلا فقد طاف ﷺ على بعيره، وتوضأ مرةً مرةً، ونظائر ذلك من الجائزات التي عَمِلها مرةً، أو مرات قليلة؛ لبيان جوازها، وحافظ على الأفضل منها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٦٠٤ و ٢٦٠٥ و ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ و ٢٦٠٩] (١١١٣)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤٤ و ١٩٤٨) و"الجهاد" (٢٩٥٣) و"المغازي" (٤٢٧٥ و ٤٢٧٦ و ٤٢٧٧ و ٤٢٧٨ و ٤٢٧٩)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٨٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٦١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٩٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧٦٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧١٦)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٢٧١) (٢٧١٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و ٢٥٩ و ٣٢٥ و ٣٣٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٩)، و (الطحاويّ)
стр. 12289
في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٥٥ و ٣٥٦٣ و ٣٥٦٤ و ٣٥٦٦)، و (الطبرانيّ) في " الأوسط" (١/ ١٧٥)، و (البزّار) في "مسنده" (٣/ ٢٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٠ - ٢٤١ و ٢٤٦) و"المعرفة" (٣/ ٣٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤/ ٢٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الفطر في رمضان للمسافر.
٢ - (ومنها): إباحة السفر في رمضان، وفي ذلك ردُّ قولِ من قال: ليس لمن ابتدأ صيام رمضان في الحضر أن يسافر، فيفطرَ، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ورَدُّ قولِ من قال: إن المسافر في رمضان إن صام بعضه في الحضر، لم يجز له الفطر في سفره، قاله ابن عبد البرّ ﵀ (١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن للمسافر أن يُفطر في أثناء النهار، ولو استَهَلّ (٢) رمضانَ في الحضر، والحديث نصٌّ في الجواز؛ إذ لا خلاف أنه ﷺ استَهَلّ رمضانَ في عام غزوة الفتح، وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على أن للمرء أن يفطر، ولو نوى الصيام من الليل، وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وقَطَع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر، وكأنّ مستند قائله ما وقع في البويطيّ من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس ﵄ هذا، وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم، وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟، منعه الجمهور، وقال أحمد، وإسحاق بالجواز، واختاره المزنيّ؛ مُحْتَجًّا بهذا الحديث؛ ظنًّا منه أنه ﷺ أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عِدَّة أيام، وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي
стр. 12290
شيبة، والبيهقيّ عن أنس ﵁ أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يَرْكَب، ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكل مُفَطِّر، وفرّق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه في الجماع، قال: فلو جامع فعليه الكفارة، إلا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع.
واعترض بعض المانعين في أصل المسألة، فقال: ليس في الحديث دلالة على أنه ﷺ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فَيَحْتَمِل أن يكون نوى أن يصبح مُفطرًا، ثم أظهر الإفطار؛ ليفطر الناس، لكن سياق الأحاديث ظاهرٌ في أنه ﷺ كان أصبح صائمًا، ثم أفطر، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض عجيب منه، فلو سلّمنا أنه ﷺ لم ينو ليلًا، فبماذا يُجيب عن حال الصحابة؟ فإنهم أفطروا بعدما نووا الصيام بلا شكّ.
ومما يُرَدّ به عليه أيضًا ما أخرجه النسائيّ وغيره، وصححه ابن خزيمة، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبيّ ﷺ بِمَرِّ الظهران، فأُتي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: ادْنُوَا، فكلا، فقالا: إنا صائمان، فقال: "اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم، ادنوا فكلا"، قال ابن خزيمة: فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مُضِيّ بعض النهار. انتهى.
والحاصل أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من جواز الفطر للمسافر أثناءَ النهار، وإن نوى الصوم من الليل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن في حديث رسول الله ﷺ ناسخًا ومنسوخًا، وهذا أمر مجمعٌ عليه، قاله ابن عبد البرّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصوم في السفر:
قال في "الفتح": قد اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل مَن صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]،
стр. 12291
ولقوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، ومقابلُ البرّ الإثم، وإذا كان آثمًا بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحُكِي عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.
واحتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، قالوا: ظاهره فعليه عدّة، أو فالواجب عدّة، وتأوّله الجمهور بأن التقدير: فأفطر فعدّة.
ومقابل هذا القول قول مَن قال: إن الصوم في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك، أو المشقة الشديدة، حكاه الطبريّ عن قوم.
وذهب أكثر العلماء، ومنهم: مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، ولم يشقّ عليه.
وقال كثير منهم: الفطر أفضل؛ عملًا بالرخصة، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال آخرون: هو مخيّر مطلقًا، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، فإن كان الفطر أيسر عليه، فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر، كمن يَسْهُل عليه حينئذ، ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر.
قال الحافظ: والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتدّ عليه الصوم، وتضرر به، وكذلك من ظُنّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدم نظيره في المسح على الخفين، وفي تعجيل الإفطار.
وقد رَوَى أحمد من طريق أبي طعمة، قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله، كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على مَن رَغِب عن الرخصة؛ لقوله ﷺ : "مَن رَغِبَ عن سنتي، فليس مني"، وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر، فروى الطبريّ، من طريق مجاهد، قال: إذا سافرت فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكْفُوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك،
стр. 12292
وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك، حتى يذهب أجرك، ومن طريق مجاهد أيضًا عن جنادة بن أمية، عن أبي ذرّ ﵁ نحو ذلك، وقد أخرج الشيخان عن أنس ﵁ نحو هذا مرفوعًا حيث قال كليلى للمفطرين حيث خَدَموا الصُّوَّام: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".
واحتَجّ من منع الصوم أيضًا بما وقع في آخر هذا الحديث أن ذلك كان آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله ﷺ ، وزعموا أن صومه ﷺ في السفر منسوخٌ.
وتُعُقّب أوّلًا بما تقدم من أن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهريّ، وبأنه استند إلى ظاهر الخبر، من أنه ﷺ أفطر بعد أن صام، ونَسَبَ من صام إلى العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأنه سيأتي لمسلم من حديث أبي سعيد ﵁ أنه ﷺ صام بعد هذه القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، ونحن صيام، فنزلنا منزلًا، فقال النبيّ ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا"، فكانت رخصةً، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم مُصَبِّحو عدوّكم، فالفطر أقوى لكم، فأفطروا"، فكانت عزيمةً، فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر.
قال الحافظ ﵀: وهذا الحديث نصّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته ﷺ الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم، فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شقّ عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يَحتاج إلى الفطر؛ للتقوي به على لقاء العدوّ.
وروى الطبريّ في "تهذيبه" من طريق خيثمة: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؟، فقال: إنها نزلت، ونحن نرتحل جياعًا، وننزل على غير شِبَعٍ، وأما اليوم فنرتحل شِبَاعًا، وننزل على شِبَع، فأشأر أنس ﵁ إلى الصفة التى يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.
وأما الحديث المشهور: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر"، فقد أخرجه ابن ماجه مرفوعًا، من حديث ابن عمر ﵂ بسند ضعيف، وأخرجه
стр. 12293
الطبريّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂ مرفوعًا أيضًا، وفيه ابن لَهِيعة، وهو ضعيف، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة، عن أبيه، مرفوعًا، والمحفوظ عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائيّ، وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أوّلًا حيث يكون الفطر أولى من الصوم، والله أعلم.
وأما الجواب عن قوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، فسيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
قال الجامع عفا الله: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح في هذه المسألة قول من قال: إنه يجوز الصوم والفطر للمسافر، وأن الأفضل منها هو ما كان أيسر عليه، من الفطر، أو الصوم، وقد سبق أنه مذهب عمر بن عبد العزيز ﵀، واختاره ابن المنذر ﵀؛ لأن الله تعالى شرع الفطر للمرض والسفر بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم أتبعه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ بيانًا لحكمة تشريع الفطر للأمرين المذكورين، فكلّ ما كان أيسر على المكلّف كان هو محلّ إرادة الشارع الحكيم.
والحاصل أن من كان الصوم أيسر عليه من الفطر في حال السفر، وشقّ عليه قضاؤه بعده يكون الصوم في حقّه أفضل، ومن كان الصوم عليه أشقّ، فالفطر في حقّه أفضل، وكذا من ثقُل على قلبه قبول رخصة الله تعالى، فإن الفطر في حقّه أفضل، وأما من لم يتحقق المشقة، فإنه يخيّر بين الصوم والفطر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسافر يدخل يومه في الحضر مفطرًا:
قال في "التمهيد": اختلفوا في المسافر يكون مفطرًا في سفره، ويدخل الحضر في بقية من يومه ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، وهو قول ابن عُلَيّة، وداود في المرأة تَطْهُرُ، والمسافر يَقْدَم، وقد أفطرا في السفر: إنهما يأكلان، ولا يمسكان، قال مالك، والشافعيّ: ولو قَدِمَ مسافر في هذه الحال، فوجد امرأته قد طَهُرت جاز له وطؤها، قال الشافعيّ: أُحِبّ لهما أن يستترا
стр. 12294
بالأكل والجماع؛ خوفَ التُّهْمَة، وروى الثوريّ عن أبي عبيد، عن جابر بن زيد أنه قَدِمَ من سفر في شهر رمضان، فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها، فجامعها، ورُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من أكل أول النهار، فليأكل آخره، قال سفيان: هو كصنيع جابر بن زيد، ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافًا لهما، وقال ابن علية: القول ما قال ابن مسعود: مَن أكل أول النهار فليأكل آخره.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حيّ، وعبيد الله بن الحسن في المرأة تَطْهُر في بعض النهار، والمسافر يَقْدَم، وقد أفطر في سفره: إنهما يمسكان بقية يومهما، وعليهما القضاء، واحتَجّ لهم الطحاويّ بأن قال: لم يختلفوا أن من غُمّ عليه هلال رمضان، فأكل، ثم عَلِمَ أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم، قال: فكذلك الحائض والمسافر.
وفَرّق ابن شُبْرُمة بين الحائض والمسافر، فقال في الحائض: تأكل، ولا تصوم إذا طهرت بقية يومها، والمسافر إذا قَدِمَ، ولم يأكل شيئًا يصوم يومه، ويقضي.
قال أبو عمر: قد رَوَى ابن جريج، عن عطاء في الذي يُصبح مفطرًا في أول يوم من رمضان، يظنه من شعبان، فيأكل، ثم يأتيه الخبر الثبت أنه رمضان، أنه يأكل ويشرب بقية يومه إن شاء، ولا نعلم أحدًا قاله غير عطاء، والله أعلم. انتهى كلام ابن البرّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الأولون من عدم وجوب الإمساك على المسافر إذا وصل بلده أثناء النهار مفطرًا، وكذا الحائض إذا طهرت أثناء النهار هو الذي يظهر رجحانه؛ لأنهما ليسا أهلًا للوجوب في أول النهار، وأما قياس من قاسهما على من بلغه ثبوت الهلال أثناء النهار، حيث يجب عليه أن يصوم، فليس بصحيح؛ لأن هذا أهل للوجوب في أول النهار، وإنما أكل لعدم علمه بثبوت الهلال، فليس مثلهما، وإنما هو مثل من أكل ناسيًا، فإنه يُعذر بذلك، ويصوم، فتامله حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12295
[٢٦٠٥] ( … ) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن سُفْيَانَ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ يَحْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ؟ يَعْنِي: وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالآخِرِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم قريبًا.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَا أدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ؟) سيأتي في رواية معمر أنه من قول الزهريّ، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها الحميديّ ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٣٨):
(٥١٤) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهريّ قال: سمعت عبيد الله، يحدث عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ خرج من المدينة عام الفتح، في شهر رمضان، فصام حتى إذا بلغ الكديد أفطر، قال: وإنما يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله ﷺ ، قال سفيان: لا أدري قاله الزهريّ عن عبيد الله، أو عن ابن عباس. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ الزهْرِيُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْآخِرِ، فَالآخِرِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ).
стр. 12296
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
وقوله: (فَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ) أي أتاهم صباحًا.
وقوله: الِثَلَاثَ عَشْرَةَ … إلخ) هكذا في هذه الرواية، وسيأتي ما يُخالفها، في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، ففي رواية: "لستّ عشرة مضت من رمضان"، وفي رواية: "لثمان عشرة خلت"، وفي رواية سعيد: "في ثنتي عشرة"، ولشعبة: "لسبع عشرة، أو تسع عشرة"، وروى أحمد بإسناد صحيح من طريق قَزَعَة بن يحيى، عن أبي سعيد قال: "خرجنا مع النبيّ ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان"، قال في "الفتح": وهذا يدلّ أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا، وأما ما قال الواقديّ: إنه خرج لعشر خلون من رمضان، فليس بقويّ؛ لمخالفته ما هو أصح منه.
قال: وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخرى، منها عند مسلم: "لستّ عشرة"، ولأحمد: "لثماني عشرة"، وفى أخرى: "لثنتى عشرة".
قال: والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى، والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي: "دخل لتسع عشرة مضت"، وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى بالشك "في تسع عشرة، أو سبع عشرة"، وروى يعقوب بن سفيان من رواية ابن إسحاق، عن جماعة من مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإن ثبت حُمِل على أن مراده أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير. انتهى (١).
وقوله: (خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) أي مضت منه.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد بن حُميد ﵀ في "مسنده" (١/ ٢١٦) فقال:
стр. 12297
(٦٤٥) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى إذا بلغ الكَدِيد، وهو ما بين عُسفان وقُدَيد أفطر، وأفطر المسلمون معه، فلم يصوموا من بقية رمضان شيئًا، قال الزهريّ: فكان الفطر آخر الأمرين، قال الزهريّ: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر، قال الزهريّ: فصبَّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من رمضان. انتهى.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللُّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠٧] ( … ) - (وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانُوا يَتَبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
و"ابن شهاب" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ١٩٣) فقال:
(٢٥٢٢) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، قال ابن شهاب: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، وَيرَوْنه الناسخ المحكم. انتهى.
стр. 12298
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٨] ( … ) - وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثمَّ دَعَا بِإنَاء فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أفطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأفطَرَ، فَمَنْ شَاءَ (١) صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ إمام [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
و"ابْنُ عَبَّاس" ﵄ ذُكر قبله.
[تنبيه]: قوله في هذه الرواية: "عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄ "، وكذا هو عند البخاريّ، قال في "الفتح": كذا عنده من طريق أبي عوانة، عن منصور، عن مجاهد، وكذا أخرجه من طريق جرير، عن منصور، في "المغازي"، وأخرجه النسائي من طريق شعبة، عن منصور، فلم يذكر طاوسًا في الإسناد، وكذا أخرجه من طريق الْحَكَم، عن مجاهد، عن ابن
стр. 12299
عباس، فَيَحْتَمِل أن يكون مجاهد أخذه عن طاوس، عن ابن عباس، ثم لقي ابنَ عباس، فحمله عنه، أو سمعه من ابن عباس، وثَبَّته فيه طاوس، وقد تقدم نظير ذلك في حديث ابن عباس في قصة الجريدتين على القبرين في "الطهارة". انتهى.
وقوله: (سَافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ) أي في عام الفتح، وفي رواية البخاريّ: "خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عُسفان … ".
وقوله: (حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ) بضمّ العين، وسكون السين المهملتين: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر ويؤنّث، قال الفيّوميّ: ويُسمّى في زماننا مَدْرَجَ عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة. انتهى.
وقد تقدّم الجمع بين هذا، وبين قوله: "حتى بلغ الكديد"، وقوله الآتي: "حتى بلغ كُراع الغَمِيم" في شرح الحديث الماضي، فتنبّه.
وقوله: (لِيَرَاهُ النَّاسُ) قال في "الفتح": كذا للأكثر، و"الناسُ" بالرفع على الفاعلية، وفي رواية المستمفي: "لِيُرِيه" بضم أوله، وكسر الراء، وفتح التحتانية و"الناسَ" بالنصب على المفعولية، وَيحْتَمِل أن يكون الناسخ كتب "ليراه الناسُ" بالياء، فلا يكون بين الروايتين اختلاف. انتهى.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ … إلخ)، وفي رواية البخاريّ: "فكان ابن عبّاس يقول: قد صام رسول الله ﷺ ، وأفطر … "، فَهِمَ ابنُ عباس ﵄ من فعله ﷺ ذلك أنه لبيان الجواز، لا للأولوية، وسيأتي في حديث أبي سعيد وجابر ﵄ ما يوضح المراد.
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب الجمهور في جواز الصوم والفطر جميعًا (١). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12300
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ، وَلَا عَلَى مَنْ أفْطَرَ، قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، وَأفطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (وَكِيعُ) بن الْجرّاح، تقدّم قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الأمويّ مولاهم، أبو سعيد الْجَزَريّ الْحَرّانيّ، مولى بني أمية، ويقال له: الْخِضْرميّ -بالخاء المعجمة المكسورة- وهي من قرى اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (١).
رَأَى أنسًا، وروى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وطاووس، وغيرهم.
وروى عنه أيوب السَّخْتيانيّ، وهو من أقرانه، وابن جريج، ومالك، ومعمر، ومِسْعَر، وزهير بن معاوية، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ ثبتٌ، وهو أثبت من خُصَيف، وهو صاحب سنّة، وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقةٌ ثبثٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن عمار، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغير واحد: ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ثقةٌ، أخذ عنه الأكابر، قال سفيان: ما رأيت غرببًا أثبت منه، وقال يعقوب بن شيبة: هو إلى الضعف ما هو، وهو صدوق، وقد رَوَى عنه مالك، وكان ممن ينقي الرجال، وقال
стр. 12301
الحميديّ، عن سفيان: كان حافظًا، وكان من الثقات، لا يقول: إلا سمعت، وحدّثنا، ورأيت، وقال الثوريّ لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم الجزريّ، وأيوب، وعمرو بن دينار؟ فهؤلاء ومن أشبههم ليس لأحد فيهم متكلَّمٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: حديث عبد الكريم، عن عطاء رديء، قال ابن عديّ: يعني عن عائشة كان النبيّ ﷺ يقبّلها، ولا يُحْدِث وضوءًا، إنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات، فأحاديثه مستقيمة، وقال النسائيّ: أنا إبراهيم بن يعقوب، عن أحمد، قال: قلت لعليّ -يعني ابن المدينيّ-: عبد الكريم إلى من تضمُّه؟ قال: ذاك ثبت، قلت: هو مثل ابن أبي نجيح؟ قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ، وهو ثقةٌ ثبتٌ، وقال عبد الله بن عمرو الرّقّيّ: قال لي سفيان بن سعيد: يا أبا وهب، لقد جاءنا صاحبكم عبد الكريم الجزريّ بأحاديث، لو حدَّث بها هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا، منها: "الندم توبةٌ". وقال أبو عروبة: هو ثبتٌ عند العارفين بالنقل، وقال ابن نمير، والترمذيّ، وأبو بكر البزار، وابن الْبَرْقيّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال سفيان الثوريّ: ما رأيت أفضل منه، كان يحدِّث بشيء لا يوجد إلا عنده، فلا يُعْرَف ذلك فيه؛ يعني لا يفتخر، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةً مأمونًا، كثير الحديث، وقال صالح بن أحمد، عن عليّ ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: حدَّث عبد الكريم عن عطاء في لحم البغل؟، فقال: ما سمعته، وأنكره يحيى.
وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين ومائة.
وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١١١٣) و (١٢٠١) و (١٣١٧) وأعاده بعده و (١٦٤٦) و (٢٤٧١).
والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث واضح، وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ﵀، وإلا فأصل حديث ابن عبّاس ﵄ متّفق عليه، كما مرّ قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 12302
(١٦) - (بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ) (١)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٠] (١١١٤) - (حَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنى ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ركِبها: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِن بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أولَئِكَ الْعُصَاةُ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الثقفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد المعروف بالصادق الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 12303
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى جعفر، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم؛ تذكيرًا؛ لطول العهد بهم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من جعفر، والباقيان بصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، وغزا مع النبيّ ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو من المعمّرين، كما سبق آنفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ) أي سنة غزوة الفتح (إِلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيم) بضمّ الكاف، وفتح الغين المعجمة.
قال ابن الأثير ﵀: كُرَاعُ الغَمِيم: هو: اسم موضع بين مكة والمدينة، والْكُرَاع: جانبٌ مستطيلٌ من الْحَرَّة؛ تشبيهًا بالكُرَاع، وهو ما دون الرُّكبة من الساق، و"الْغَمِيمُ " بالفتح: وادٍ بالحجاز. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: وكُرَاعُ الْغَمِيم، وزانُ كَرِيم: وادٍ بينه وبين المدينة نحو مائة وسبعين مِيلًا، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلًا، ومن عُسفان إليه ثلاثة
стр. 12304
أميال، وكُراعُ كلِّ شيءٍ: طَرَفُهُ. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: و"الغميم" -بفتح الغين-: وادٍ أمام عُسفان بثمانية أميال. و"كُرَاع" جبل أسود هناد يُضاف إلى "الغَمِيم"، والكُراع لغة: هو كلّ أنفٍ مالَ من جبل أو غيره. انتهى.
وفي حديث ابن عباس المتقدّم: "حتى بلغ الْكَديد"، وفي رواية: "حتى أتى قُدَيدًا"، وفي رواية: "حتى أتى عُسفان"، قال القرطبيّ بعد أن ساق هذه الروايات ما نصّه: وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة (٢) كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي حكاية حاله ﷺ عند سفره في قدومه إلى مكة، وكان في رمضان في سنة عشرة منه، كما جاء في حديث أبي سعيد ﵁، وهذه المواضع متقاربة، ولذا عبّر كلّ واحد من الرواة بما حضر له من تلك الموضع؛ لتقاربها. انتهى (٣).
(فَصَامَ النَّاسُ) أي اقتداءً به ﷺ حيث صام، وفيه دليل على جواز الصوم في السفر، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه. (ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ) بفتحتين: إناءٌ يُرْوي الرجلين، جمعه أَقْداح، كسبب وأسباب (٤). (مِنْ مَا، فَرَفَعَهُ) أي إلى فيه، وقوله: (حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) غاية لرفعه، وفيه بيان سبب الرفع، فكأنه قال: إنما رفعه لأجل أن يراه الناس.
وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "خرج النبيّ ﷺ ، والناس صائم، ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء، فوضعه على راحلته، ثم نظر الناس"، زاد في رواية أخرى من طريق طاوس، عن ابن عباس: "ثم دعا بماء، فشرب نهارًا ليراه الناس".
وعند الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه: "فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شقّ عليهم الصيام، فدعا بقدح
стр. 12305
من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شرب، فأفطر، فناوله رجلًا إلى جنبه، فشرب" (١).
(ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ) لم يُعرف القائل (٢). (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد أن أفطر، وحثّ الناس على الفطر (إِن بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ) أي ظنًّا منهم أن الفطر رخصةٌ، ورأوا أن لهم قوّةً على الصوم.
وفي الرواية التالية: "فقيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" (فَقَالَ) ﷺ "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ") مبتدأ وخبره، هكذا وقع عند المصنّف مكررًا مرتين؛ للتأكيد.
وفي رواية النسائيّ: "فأفطر بعض الناس، وصام بعضٌ، فبلغه أن ناسًا صاموا، فقال: أولئك العصاة".
قال الإمام ابن حبّان ﵀: قوله ﷺ : "أولئك العصاة" إنما أَطْلَق عليهم هذه اللفظة بتركهم الأمر الذي أَمَرَهم به، وهو الإفطار، لا أنهم صاروا عُصَاة بصومهم في السفر.
وقال في موضع آخر: سماهم رسول الله ﷺ العصاة بتركهم الأمر الذي أمرهم بالإفطار في السفر؛ لِيَقْوَوْا به، لا أنهم عُصاة بصومهم في السفر؛ إذ الصوم والإفطار في السفر جميعًا طَلْقٌ مُباحٌ. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: وهذا محمول على من تضرر بالصوم، أوأنهم أُمِروا بالفطر أمرًا جازمًا؛ لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصيًا إذا لم يتضرر به، ويؤيد التأويل الأول قوله في الرواية الثانية: "إن الناس قد شقّ عليهم الصيام". انتهى (٤).
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان ﵀ هذا الحديث في "صحيحه" مطوّلًا (٦/ ٤٢٣) فقال:
(٢٧٠٦) - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبيان، قال: حدّثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن
стр. 12306
رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، حتى بلغ كُرَاع الْغَمِيم، قال: فصام الناس، وهم مشاةٌ ورُكبان، فقيل له: إن الناس قد شَقّ عليهم الصوم، إنما ينظرون ما تفعل، فدعا بقدح، فرفعه إلى فيه حتى نظر الناس، ثم شَرِب، فأفطر بعض الناس، وصام بعضٌ، فقيل للنبيّ ﷺ : إن بعضهم صام، فقال: "أولئك العصاة"، واجتمع المشاةُ من أصحابه، فقالوا: نتعرض لدعوات رسول الله ﷺ ، وقد اشتدّ السفر، وطالت المشقّة، فقال لهم رسول الله ﷺ : "استعينوا بالنَسْل (١)، فإنه يقطع عَلَمَ الأرض، وتَخِفُّون له"، قال: ففعلنا، فخَفَفْنا له (٢). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٦١٠ و ٢٦١١، (١١١٤)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧١٠)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٧٧) و"الكبرى" (٢/ ١٠١)، و (الشا فعيّ) في "المسند" (١/ ٢٧٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٨٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٠٧ و ٣٥٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٥)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤١ و ٢٤٦) و"المعرفة" (٣/ ٣٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب الفطر على من تضرّر به.
стр. 12307
٢ - (ومنها): جواز الفطر في رمضان للمسافر.
٣ - (ومنها): جواز الفطر أثناء النهار لمن بات ناويًا للصوم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الشفقة بأمته.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من متابعته ﷺ ، ولو شقّ عليهم ذلك.
٦ - (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث أباحت الفطر للمسافر، وخففت شطر الصلاة، لما يلحقه من التعب بسبب عناء السفر.
٧ - (ومنها): أن من لم يقبل رخصة الشرع في مواضع الترخيص، وأبى إلا العزيمة، يكون عاصيًا بسبب إعراضه عن قبول رخصة الله تعالى، فإن الرخصة في مواضعها لا تقلّ عن العزيمة في مواضعها، فإتيانها كإتيانها، والإعراض عنها كالإعراض عنها.
فقد أخرج أحمد في "مسنده"، والبيهقيّ في "سننه"، من حديث ابن عمر ﵄، والطبرانيّ في "معجمه الكبير" من حديث ابن عباس، وابن مسعود ﵃، مرفوعًا: "إن الله تعالى يُحبّ أن تُؤْتَى رُخَصُه، كما يُحبّ أن تؤتى عزائمه"، وأخرج أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقيّ في "شعب الإيمان"عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا أيضًا: "إن الله تعالى يحبّ أن تُوتَى رُخَصُهُ، كما يَكْرَه أن تُؤْتَى معصيته"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدّحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوق كان يُحدّث من كُتُب غيره فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
стр. 12308
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير عبد العزيز.
وقوله: (فَقِيلَ لَهُ … إلخ) مفعول "زاد" منصوب محكيّ؛ لقصد لفظه.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن جعفر هذه ساقها الترمذيّ ﵀ في "جامعه" (٣/ ١٤٦) فقال:
(٦٤٤) - حدّثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كُرَاع الْغَمِيم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شَقّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغة أن ناسًا صاموا، فقال: "أولئك العصاة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٢] (١١١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلًا، قَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا لَهُ؟ "، قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد، تقدم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل بابين.
стр. 12309
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ) بن زُرَارة الأنصاريّ المدنيّ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٤) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٥/ ١٦٨٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤١/ ١٤٦١.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن عمر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) قال في "الفتح": أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختُلِف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدّثني جابر بن عبد الله، فذكره، قال النسائيّ: هذا خطأٌ، ثم ساقه من طريق الْفِرْيابيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدّثني من سمع جابرًا، ومن طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال: "ذكرُ تسمية هذا الرجل المبهم"،
стр. 12310
فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح؛ يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن وجابر.
وتعقبه المزّيّ، فقال: ظَنَّ النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه، وليس كذلك؛ لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. انتهى. قال الحافظ: والذي يترجح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلمًا لَمّا روى الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: "عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم"، فلما سألته لم يحفظه. انتهى.
والضمير في "سألت" يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى؛ لأن شعبة لم يَلْقَ يحيى، فدلّ على أن شعبة أُخْبِرَ أنه كان يبلغه عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث زيادة، وأنه لَمّا لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى مسألة عنها، فلم يحفظها.
وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن، فقال فيه: ابن ثوبان، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في "العلل" بأن من قال فيه: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد. انتهى.
وقد اختُلِفَ فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجُلُّ الرواة عن يحيى بن أبي كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن، لا يذكرون جدَّه، ولا جدّ جده. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
стр. 12311
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ المزّيّ فيه نظرٌ، بل الصواب -والله تعالى أعلم- ما قاله المزّيّ ﵀، كما حقّقه الحافظ أبي الحسن ابن القطان ﵀ في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، وقد نقلته في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) وقد تقدّم في حديث جابر ﷺ الماضي من طريق جعفر، عن أبيه، عنه أن ذلك السفر كان إلى مكة عام الفتح، ولابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر: سافرنا مع النبي ﷺ رمضان، فذكر نحوه (فَرَأَى رَجُلًا قَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ) وفي رواية النسائيّ: "أن رسول الله ﷺ رأى ناسًا مجتمعين على رجل" (وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "مرّ برجل في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء … "، وفي رواية له: "أنّ رسول الله ﷺ ، رأى رجلًا قد ظُلّل عليه في السفر … "، وفي رواية ابن خزيمة: "فشقّ على رجل الصومُ، فجعلت راحلته تَهِيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبيّ ﷺ بذلك، فأمره أن يفطر".
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم هذا الرجل -يعني المظلَّل عليه- ولولا ما قدّمته من أن عبد الله بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غير، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لـ"مبهمات الخطيب"، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن قيس وغيره: "أن النبي ﷺ رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم … " الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس … " الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها
стр. 12312
أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السفر، تحت ظلال الشجرة، والله أعلم. انتهى (١).
(فَقَالَ: "مَا لَهُ؟ ") "ما" استفهاميّة؛ أي أيُّ شيء أصابه؟، وفي رواية للنسائيّ: "ما بال صاحبكم هذا؟ " (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون الواقعة، ولم يُسَمّوا (رَجُلٌ صَائِمٌ) خبر لمحذوف؛ أي هو رجل صائم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ") ولفظ البخاريّ: "ليس من البرّ الصوم في السفر"، والمصدر المؤوّل هنا اسم "ليس" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: قوله: "ليس من البرّ" فهو كقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و"من " قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد؛ أي ما جاءني أحد. انتهى.
قال النوويّ ﵀: معناه: إذا شَقّ عليكم، وخِفْتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مبيّنة للروايات المطلقة: "ليس من البر الصيام في السفر"، ومعنى الجميع فيمن تضرر بالصوم. انتهى.
وقد أشار البخاريّ ﵀ في "صحيحه" إلى هذا التأويل حيث ترجم عليه، فقال: باب قول النبيّ ﷺ لمن ظُلِّل عليه، واشتَدّ الحرّ: "ليس من البرّ الصيام في السفر"، قال في "الفتح": أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله ﷺ : "ليس من البرّ الصيام في السفر" ما ذُكِرَ من المشقّة، وأن مَن روى الحديث مجردًا فقد اختَصَر القصّة، وبما أشار إليه من اعتبار شدّة المشقّة يُجْمَع بين حديث الباب، والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قَوِي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شقّ عليه الصومِ، أوأعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأنّ من لم يتحقق المشقّة يُخَيَّر بين الصوم والفطر، وقد اختلف السلف في هذه المسألة، قال الإمام الترمذيّ ﵀: واختَلَف أهل العلم في الصوم في السفر، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أن الفطر في السفر
стр. 12313
أفضل، حتى رأى بعضهم عليه الإعادة إذا صام في السفر، واختار أحمد وإسحاق الفطر في السفر، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم: إن وجد قُوّةً فصام فحسن، وهو أفضل، وإن أفطر فحسن، وهو قول سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وقال الشافعي: وإنما معنى قول النبيّ ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، وقوله حين بلغه: أن ناسًا صاموا، فقال: "أولئك العصاة"، فوجه هذا إذا لم يَحْتَمِل قلبه قبول رخصة الله، فأما من رأى الفطر مباحًا، وصام، وقَوِي على ذلك، فهوأعجب إليّ. انتهى كلام الترمذيّ ﵀، وسيأتي إتمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-.
[تنبيه]: هذا الحديث باللفظ المذكور -أعني: "ليس من البرّ الصيام في السفر" هو المشهور، كما رواه المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، والطحاويّ، والبيهقيّ، وقد جاء ب "أم" بدل "آل"، روأه الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٤٣٤)، فقال:
٢٣١٦٧ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري، وكان من أصحاب السَّقِيفَة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس من امبر امصيام في امسفر". انتهى.
وهذا الإسناد وإن كان صحيحًا، إلا أن الظاهر أنه بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ هو اللفظ الأول. راجع: "إرواء الغليل" (٤/ ٥٨ - ٥٩) للشيخ الألباني ﵀، ورواه بإسنادين آخرين باللفظ الأول.
قال الحافظ ﵀: وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميمًا، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ خاطب بها هذا الأشعريّ؛ لأنها لغته، ويَحْتَمِل أن يكون الأشعريّ هذا نطق بها على ما أَلِفَ من لغته، فحملها الراوي عنه، وأدّاها باللفظ الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
стр. 12314
وقال الزمخشريّ: هي لغة طيّئ، فإنهم يبدلون اللام ميمًا، وقال الجزريّ في "جامع الأصول" (٧/ ٥٤٦): الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا ينطقون بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم. انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ في "مغني اللبيب" عند الكلام على أقسام "أم" ما نضه: (الرابع): أن تكون للتعريف، نُقِلَت عن طيئ، وعن حمير، وأنشدوا [من الخفيف]:
ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُوَاصِلُنِي … يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ
وفي الحديث: "ليس من امبر امصيام في امسفر"، كذا رواه النمر بن تَوْلَب ﵁ (١)، وقيل: إن هذه اللغة مختصّة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها، نحو غلام، وكتاب، بخلاف رجل، وناس، ولباس، قال: وحَكَى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وأنها في الحديث دخلت على النوعين. انتهى كلام ابن هشام ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصتّف) هنا [١٦/ ٢٦١٢ و ٢٦١٣ و ٢٦١٤] (١١١٥)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٧)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٧٧)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٥٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٢١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٩ و ٣٩٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٥٢)،
стр. 12315
و (الطبريّ) في "تفسيره" (٢٨٩٢) وفي "تهذيب الآثار" (١/ ١٥٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٩٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٢٤٠) و"الكبير" (١٢/ ٣٧٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٤٠٣ و ٤/ ١٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣) و"المعرفة" (٣/ ٣٨٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التوفيق بين هذا الحديث، والأحاديث الدالّة على مشروعيّة الصوم في السفر:
قال في "الفتح": وأما الجواب عن قوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، فسلك المجيزون الصوم في السفر فيه طُرُقًا، فقال بعضهم: قد خَرَجَ على سبب، فيُقْصَر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاريّ في ترجمته السابقة، ولذا قال الطبريّ بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ، ولفظه: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن في حرّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة، وهو مضطجعٌ كضِجْعَة الوَجِعِ، فقال رسول الله ﷺ : "ما لصاحبكم؟ أيُّ وجع به؟ "، فقالوا: ليس به وجعٌ، ولكنه صائمٌ، وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النبيّ ﷺ حينئذ: "ليس البرّ أن تصوموا في السفر، عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم": فكان قوله ﷺ ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذه القصّة أن كراهة الصوم في السفر مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة، ممن يُجهِده الصوم، وَيشُقّ عليه، أو يؤدِّي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم، من وجوه الْقُرَب، فَيُنَزَّل قوله: "ليس من البرّ الصوم في السفر" على مثل هذه الحالة، قال: والمانعون عن الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عامّ، والعبرة بعمومه، لا بخصوص السبب، قال: وينبغي أن يُتَنَبَّه للفرق بين دلالة السبب، والسياق، والقرائن على تخصيص العامّ، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرّد ورود العامّ على سبب، فإن بين العامّين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مُجْرًى واحدًا لم يُصِبْ، فإن مجرّد ورود
стр. 12316
العامّ على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق، والقرائن الدالة على مراد المتكلم، فهي المرشدة لبيان المجملات، وتعيين المحتمِلات، كما في حديث الباب.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية" هذه القصة تُشعر بأن مَن اتَّفَقَ له مثل ما اتَفَق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما مَن سَلِمَ من ذلك ونحوه، فهو في جواز الصوم على أصله، والله أعلم.
وحَمَلَ الشافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على مَن أَبَى قبول الرخصة، فقال: معنى قوله: "ليس من البرّ … " أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم، ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يُفطر، وهو صحيح، قال: ويَحْتَمِل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أَثِمَ، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.
وقال الطحاويّ: المراد بالبرّ هنا البرّ الكامل الذي هوأعلى مراتب البرّ، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصوم؛ إذا كان للتَّقَوِّي على لقاء العدوّ مثلًا، قال: وهو نظير قوله ﷺ : "ليس المسكين بالطوّاف … " الحديث (١)، فإنه لم يُرِد إخراجه من أسباب المسكنة كلِّها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يَجِد غنى يُغنيه، ويَستحي أن يسأل، ولا يُفْطَن له. انتهى.
وقال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: فإن قال قائل، ممن يميل إلى قول أهل الظاهر في هذه المسألة: قد رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ليس البرّ"، أو: "ليس من البر الصيامُ في السفر"، وما لم يكن من البرّ فهو من الإثم، واستَدَلّ بهذا على أن صوم رمضان في السفر لا يُجزئ، فالجواب عن ذلك أن هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين، وهو رجل رآه رسول الله ﷺ ، وهو صائم قد ظُلِّل عليه، وهو يجود.
وَيحْتَمِل قوله ﷺ : "ليس البر الصيام في السفر" أي ليس هوأبرّ البرّ؛ لأنه قد يكون الإفطار أبرّ منه؛ إذا كان في حجّ، أو جهاد؛ لِيَقْوَى عليه، وقد
стр. 12317
يكون الفطر في السفر المباح بِرًّا؛ لأن الله أباحه، ونظير هذا من كلامه ﷺ قوله: "ليس المسكين الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان"، قيل: فمن المسكين؟ قال: "الذي لا يسأل، ولا يَجِد ما يُغنيه، ولا يُفْطَن له، فيتصدقَ عليه"، متّفقٌ عليه، ومعلوم أن الطوّاف مسكين، وأنه من أهل الصدقة؛ إذا لم يكن له شيء غير تطوافه، وقد قال ﷺ : "رُدُّوا المسكين، ولو بظلف مُحْرَق"، وفي لفظ: "رُدُّوا السائل، ولو بظِلفٍ مُحْرَق" (١)، وقالت عائشة ﵂: إن المسكين ليقف على بابي … الحديث (٢)، وقال : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وأجمعوا أن الطوّاف منهم، فعُلِم أن قوله ﷺ : "ليس المسكين بالطوّاف عليكم"، معناه: ليس السائل بأشدّ الناس مسكنةً؛ لأن المتعفِّف الذي لا يسئل الناس، ولا يُفْطَن له أشدّ مسكنة منه، فكذلك قوله ﷺ : "ليس البر الصيام في السفر"، معناه: ليس البرّ كله في الصيام في السفر؛ لأن الفطر في السفر برٌ أيضًا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى.
قال: وأما قوله: "ليس من البرّ" فهو كقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و"من" قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد؛ أي ما جاءني أحد، والله أعلم.
قال: فأما من احتج بقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، وزعم أن ذلك عَزْمَةٌ فلا دليل معه على ذلك؛ لأن ظاهر الكلام، وسياقه إنما يدلّ على الرخصة والتخيير، والدليل على ذلك قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية، ودليل آخر، وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام، وأتمّ يومه إن ذلك مجزئ عنه، فدلّ على أن ذلك رخصة له، والمسافر في التلاوة، وفي المعنى مثله، والكلام في هذا أوضح من أن يُحتاج فيه إلى إكثار، والله المستعان. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٣).
стр. 12318
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم أن المذهب الراجح هو مذهب الجمهور، وهو أن الصوم والفطر في السفر جائزان مشروعان، وأما حديث: "ليس من البرّ الصوم في السفر"، فمحمول على من تضرّر بالصوم، أو من لا يقبل رخصة الله تعالى في ذلك، فبهذا تجتمع الأحاديث دون أيّ تعارض، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، يُحَدِّثُ أنَهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س (تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٤] ( … ) - (وَحَدثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الإِسْنَادِ: "أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي (١) رَخصَ لَكُمْ"، قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ).
стр. 12319
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير أبي داود.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ … إلخ) مفعول "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَني هَذَا الإسنادِ: "أنهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ … " إلخ) المصدر المؤوّل مفعولُ "يزيد".
وقوله: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ الله) "عليكم" اسم فعل منقول من الجارّ والمجرور، بمعنى "الْزَمُوا"، و"برخصة الله" الباء زائدة، و"رخصة الله " مفعول به و"عليكم"، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى: استمسكوا برخصة الله، و"الرخصة" وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيلُ في الأمر والتيسيرُ فيه، والمعنى هنا: استمسكوا بتسهيل الله تعالى لكم فيما شَرَع لكم من الفطر في السفر، كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية.
قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم" دليل على أنه يُستحبّ التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، وترك التنطع والتعمّق، ومن لم يشق عليه الصوم فهو له أفضل؛ مسارعة لبراءة الذمّة، ولفضيلة الوقت. انتهى (١).
وقوله: (الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) ببناء الفعل للفاعل، والموصول صفة و"الله"، وفي نسخة: "التي رخّص لكم"، وعليها فالموصول صفة لـ"رُخصة"، والفعل
стр. 12320
يَحْتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، والعائد محذوف؛ أي التي رَخّصها لكم، وَيحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ أي التي رُخِّصت لكم، فالعائد مستتر، فتنبه.
[تنبيه]: قال في "الفتح": أوهم صاحب "العمدة" (١) أن قوله ﷺ : (عليكم برخصة الله التي رخّص لكم، مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك، وإنما هو بقية في الحديث لم يوصل إسنادها، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده (٢)، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ. انتهى (٣).
وقوله: (قَالَ: فَلَمَا سَأَلتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ) فاعل "قال" ضمير شعبة، والضمير المنصوب في "سألته " لشيخه محمد بن عبد الرحمن المذكور في السند السابق، والمعنى أن شعبة كان يبلغه عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يروي هذا الحديث عن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة المذكور، ويزيد في الحديث قوله: "عليكم برخصة الله الذي رخّص لكم"، فسأل شعبة شيخه محمد بن عبد الرحمن عن هذه الزيادة، فلم يحفظها في جملة الحديث الذي رواه عن محمد بن عمرو، عن جابر ﵁.
وهذا يدلّ على أن هذه الزيادة في حديث يحيى من هذا الطريق، أعني طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد غير محفوظة، وإنما هي محفوظة في
стр. 12321
رواية يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فهي صحيحة بهذا الطريق.
والحاصل أن يحيى بن أبي كثير يروي حديث جابر ﵁ هذا عن كلّ من محمد بن عبد الرحمن بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فأما ابن سعد، فيروي عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن، عنه، وأما ابن ثوبان، فيروي عن جابر مباشرة، بل صرّح بتحديث جابر ﵁ له عند النسائيّ من رواية شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فصرّح بالإخبار، وتابعه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، فصرح به أيضًا أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار".
وخلاصة القول أن زيادة "عليكم برخصة الله … " ثابتة صحيحة من رواية يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، وأما من رواية يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد، كما أشار إليه المصنّف هنا فليست ثابتة، وقد تكلّم في الرواية الأولى النسائيّ، وغيره، وقد استوفيت البحث في ذلك في "شرح النسائيّ"، ورجّحت صحتها، فراجعه تستفد (١)، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: ما ذكره شعبة عن يحيى من هذه الزيادة، فلما سأله لم يحفظها، فإن كان سمعها من ثقةٌ عنه ساغ له الحديث بها عمن حدّثه عنه، ولم يضرّه نسيانه لها على قول جمهور محققي الأصوليين والمحدثين؛ خلافًا للكرخي، ومن تبعه من الحنفيّة في أنه لا يُقبل، ولا يُعمل به، وأما أَبُو قال الراوي: هذا لم أحدّث به قط، ولا رويته، فهم متّفقون على طرحه؛ لأنه مكذّب للرواية عنه، والأول غير قاطع، والراوي عنه مصحّح لها. انتهى (٢).
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ ﵀ في" ألفيّة الأثر" حيث قال:
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ
стр. 12322
أَوْ قالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه في النظم من إسقاطه في الأول، وكذا ما ذكره القاضي من أنهم متّفقون على طرحه، محل نظر، بل المحقّقون على قبوله فيه أيضًا، كما اختاره في "جمع الجوامع"؛ وفاقاً لابن السمعانيّ وغيره، وحكاه الفخر الشاشيّ عن الشافعيّ، وحكى الصفيّ الهنديّ والآمديّ الاتفاق عليه؛ لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرّر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلًا ضابطًا أيضًا لكنه كذبَ عدلًا، وتكذيب العدل خلاف الظاهر.
لا يقال: يلزم أن يكون الأصل كاذبًا، وهو أيضًا عدلٌ، فيكون خلاف الظاهر؛ لأنا نقول: بل هو الظاهر؛ لأنه كذّب في التكذيب للفرع العدل، وقد عَلِمت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الأصل إلا أنه لعدالته يُحمَل على النسيان.
وهذا القول هو الراجح عند المحدّثين كما قال السخاويّ نقلاً عن الحافظ، ويدلّ عليه صنيع الشيخين، حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس ﵂ "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير" مع قول أبي معبد لعمرو: لم أُحدّثك به، فمانه دلّ على أن الشيخين يريان صحّة الحديث، ولو أنكره الأصل؛ إذ الناقل عنه عدلٌ، فيُحَمل على أن الشيخ نسي.
هذا كلّه فيما إذا نفاه الشيخ صريحًا، أما إذا نفاه بما يَحتمل، كأن قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو قال: نسيت، أو نحو ذلك، فإنه يُقبل من باب أولى، والقول بإنكار هذا ضعيفٌ، راجع شرحي "إسعاف ذوي الوطر على ألفيّة الأثر" المذكورة (١).
وقد نظمت هذا بقولي:
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ … قَبُولُهُ فَلَيْسَ ذَا مِمَّا قَدَحْ
стр. 12323
وَهْوَ الْمُرَجَّحُ لَدَى الْمُحَدِّثِينْ … وَمَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ يَسْتَبِينْ
إِذْ أَخْرَجَا حَدِيثَ عَمْرٍ وعَنْ أَبِي … مَعْبَدٍ النّافِي لَهُ فَلْتَطِبِ
وَإِنْ يَقُلْ نَسِيتُ أَوْ لَمْ يَجْزِمِ … بِالنَّفْي فَالْقَبُولُ أَوْلَى فَاعْلَمِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(١٧) - (بَاب لَا يَنبغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ في السَّفَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ لمذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٥] (١١١٦) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ لِسِت عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال: هُدْبة بن خالد بن الأسود الْقَيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٦٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
стр. 12324
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وأبي نضرة، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أنه (قَالَ: غَزَوْنَا) وفي رواية أبي مَسْلمة: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان"، وفي رواية عاصم: "سافرنا مع رسول الله ﷺ "، وفي رواية حميد عن أنس: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان".
[تنبيه]: هذه الغزوة هي غزوة مكة، كما بُيّن ذلك في رواية ابن حبّان، في "صحيحه" كما طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لسبع عشرة حين فتح مكة، فصام صائمون … " الحديث (١).
(مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ) كذا في هذه الرواية، وفي رواية التيميّ، وعُمر بن عامر، وهشام: الثمان عشرة خلت"، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة: "في ثنتي عشرة"، وفي رواية شعبة: "لسبع عشرة، أو تسع عشرة"، وقال الزهريّ: "صبّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان"، قال القرطبيّ ﵀: وهذه أقوال مضطربةٌ، والذي أطبق عليه أصحاب السير أن خروج النبيّ ﷺ لغزوة الفتح كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة كان في تسع عشرة، وهو أحسنها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). (فَمِنَّا) أي بعضٌ من الصحابة ﵃ (مَنْ صَامَ) أي وهم الأقوياء (وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ)
стр. 12325
أي وهُم الضعفاء (فَلَمْ يَعِبْ) بفتح أوله، وكسر ثانية: أي لا يلوم، ولا يعاتب (الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ) أي لأنه عَمِل بالرخصة، ومن أخذ بها لا لوم عليه (وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) أي لعمله بالعزيمة، قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وهذا تصريح بأن هذا الصوم وقع في رمضان (١)، ومذهب جمهور الفقهاء صحة صوم المسافر، والظاهرية خالفت فيه، أو بعضهم بناءً على ظاهر لفظ القرآن، من غير اعتبارهم للإضمار، وهذا الحديث يردّ عليهم. قال: هذا معنى حسنٌ؛ لأنه أضاف الإباحة إلى النبيّ ﷺ ، وأنه لم يعب على واحدة من الطائفتين، وهو من أصح إسناد جاء في هذا الحديث. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٦١٥ و ٢٦١٦ و ٢٦١٧ و ٢٦١٨] (١١١٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٦)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧١٣)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٨٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٥٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٥ و ٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٦٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٣٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه لا ينبغي أن يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر