← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

رواية يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فهي صحيحة بهذا الطريق. والحاصل أن يحيى بن أبي كثير يروي حديث جابر ﵁ هذا عن كلّ من محمد بن عبد الرحمن بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فأما ابن سعد، فيروي عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن، عنه، وأما ابن ثوبان، فيروي عن جابر مباشرة، بل صرّح بتحديث جابر ﵁ له عند النسائيّ من رواية شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فصرّح بالإخبار، وتابعه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، فصرح به أيضًا أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار". وخلاصة القول أن زيادة "عليكم برخصة الله … " ثابتة صحيحة من رواية يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، وأما من رواية يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد، كما أشار إليه المصنّف هنا فليست ثابتة، وقد تكلّم في الرواية الأولى النسائيّ، وغيره، وقد استوفيت البحث في ذلك في "شرح النسائيّ"، ورجّحت صحتها، فراجعه تستفد (١)، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: ما ذكره شعبة عن يحيى من هذه الزيادة، فلما سأله لم يحفظها، فإن كان سمعها من ثقةٌ عنه ساغ له الحديث بها عمن حدّثه عنه، ولم يضرّه نسيانه لها على قول جمهور محققي الأصوليين والمحدثين؛ خلافًا للكرخي، ومن تبعه من الحنفيّة في أنه لا يُقبل، ولا يُعمل به، وأما أَبُو قال الراوي: هذا لم أحدّث به قط، ولا رويته، فهم متّفقون على طرحه؛ لأنه مكذّب للرواية عنه، والأول غير قاطع، والراوي عنه مصحّح لها. انتهى (٢). وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ ﵀ في" ألفيّة الأثر" حيث قال: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ

стр. 12322

أَوْ قالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه في النظم من إسقاطه في الأول، وكذا ما ذكره القاضي من أنهم متّفقون على طرحه، محل نظر، بل المحقّقون على قبوله فيه أيضًا، كما اختاره في "جمع الجوامع"؛ وفاقاً لابن السمعانيّ وغيره، وحكاه الفخر الشاشيّ عن الشافعيّ، وحكى الصفيّ الهنديّ والآمديّ الاتفاق عليه؛ لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرّر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلًا ضابطًا أيضًا لكنه كذبَ عدلًا، وتكذيب العدل خلاف الظاهر. لا يقال: يلزم أن يكون الأصل كاذبًا، وهو أيضًا عدلٌ، فيكون خلاف الظاهر؛ لأنا نقول: بل هو الظاهر؛ لأنه كذّب في التكذيب للفرع العدل، وقد عَلِمت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الأصل إلا أنه لعدالته يُحمَل على النسيان. وهذا القول هو الراجح عند المحدّثين كما قال السخاويّ نقلاً عن الحافظ، ويدلّ عليه صنيع الشيخين، حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس ﵂ "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير" مع قول أبي معبد لعمرو: لم أُحدّثك به، فمانه دلّ على أن الشيخين يريان صحّة الحديث، ولو أنكره الأصل؛ إذ الناقل عنه عدلٌ، فيُحَمل على أن الشيخ نسي. هذا كلّه فيما إذا نفاه الشيخ صريحًا، أما إذا نفاه بما يَحتمل، كأن قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو قال: نسيت، أو نحو ذلك، فإنه يُقبل من باب أولى، والقول بإنكار هذا ضعيفٌ، راجع شرحي "إسعاف ذوي الوطر على ألفيّة الأثر" المذكورة (١). وقد نظمت هذا بقولي: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ … قَبُولُهُ فَلَيْسَ ذَا مِمَّا قَدَحْ

стр. 12323

وَهْوَ الْمُرَجَّحُ لَدَى الْمُحَدِّثِينْ … وَمَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ يَسْتَبِينْ إِذْ أَخْرَجَا حَدِيثَ عَمْرٍ وعَنْ أَبِي … مَعْبَدٍ النّافِي لَهُ فَلْتَطِبِ وَإِنْ يَقُلْ نَسِيتُ أَوْ لَمْ يَجْزِمِ … بِالنَّفْي فَالْقَبُولُ أَوْلَى فَاعْلَمِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٧) - (بَاب لَا يَنبغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ في السَّفَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ لمذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٥] (١١١٦) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ لِسِت عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال: هُدْبة بن خالد بن الأسود الْقَيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٦٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.

стр. 12324

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وأبي نضرة، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أنه (قَالَ: غَزَوْنَا) وفي رواية أبي مَسْلمة: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان"، وفي رواية عاصم: "سافرنا مع رسول الله ﷺ "، وفي رواية حميد عن أنس: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان". [تنبيه]: هذه الغزوة هي غزوة مكة، كما بُيّن ذلك في رواية ابن حبّان، في "صحيحه" كما طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لسبع عشرة حين فتح مكة، فصام صائمون … " الحديث (١). (مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ) كذا في هذه الرواية، وفي رواية التيميّ، وعُمر بن عامر، وهشام: الثمان عشرة خلت"، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة: "في ثنتي عشرة"، وفي رواية شعبة: "لسبع عشرة، أو تسع عشرة"، وقال الزهريّ: "صبّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان"، قال القرطبيّ ﵀: وهذه أقوال مضطربةٌ، والذي أطبق عليه أصحاب السير أن خروج النبيّ ﷺ لغزوة الفتح كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة كان في تسع عشرة، وهو أحسنها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). (فَمِنَّا) أي بعضٌ من الصحابة ﵃ (مَنْ صَامَ) أي وهم الأقوياء (وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ)

стр. 12325

أي وهُم الضعفاء (فَلَمْ يَعِبْ) بفتح أوله، وكسر ثانية: أي لا يلوم، ولا يعاتب (الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ) أي لأنه عَمِل بالرخصة، ومن أخذ بها لا لوم عليه (وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) أي لعمله بالعزيمة، قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وهذا تصريح بأن هذا الصوم وقع في رمضان (١)، ومذهب جمهور الفقهاء صحة صوم المسافر، والظاهرية خالفت فيه، أو بعضهم بناءً على ظاهر لفظ القرآن، من غير اعتبارهم للإضمار، وهذا الحديث يردّ عليهم. قال: هذا معنى حسنٌ؛ لأنه أضاف الإباحة إلى النبيّ ﷺ ، وأنه لم يعب على واحدة من الطائفتين، وهو من أصح إسناد جاء في هذا الحديث. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٦١٥ و ٢٦١٦ و ٢٦١٧ و ٢٦١٨] (١١١٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٦)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧١٣)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٨٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٥٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٥ و ٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٦٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٣٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه لا ينبغي أن يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر

стр. 12326

على الصائم في السفر؛ لكون كلّ منهما على صواب، فالصائم أخذ بالعزيمة، والمفطر أخذ بالرخصة، وكلّ منهما مما شرعه الله لعباده. ٢ - (ومنها): أن من فعل شيئًا مما شرعه الله لا ينبغي للآخرين أن يعيبوا عليه، وإن كانوا يرونه خلاف الأولى. ٣ - (ومنها): بيان جواز الصوم والفطر في رمضان لمن لم يشقّ عليه، ولم يرغب عن الرخصة. ٤ - (ومنها): بيان إباحة السفر في رمضان، وفى ذلك ردّ لقول من قال: من دخل عليه رمضان لم يجز له أن يسافر فيه، إلا أن يصوم؛ لأنه قد لزمه صومه في الحضر، ولو دخل عليه رمضان في سفره، كان له أن يفطر في سفره ذلك (١). ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: وفيه ردٌّ لقول من زعم أن الصيام في السفر لا يجزئ؛ لأن الفطر عزيمة من الله تعالى، كما رُوي عن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس ﵁، وقال بذلك قوم من أهل الظاهر، ورُوي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر. ورُوي عن عبد الرحمن بن عوف: أن الصائم في السفر كالمفطر، ورُوي عن ابن عباس أيضًا والحسن أنهما قالا: إن الفطر في السفر عَزْمةٌ لا ينبغي تركها، وحديث هذا الباب يردّ هذه الأقاويل، ويبطلها كلّها. وقد رُوي عن ابن عباس في هذه المسألة: خذ بيسر الله، وهذا منه إباحة للصوم والفطر للمسافر، خلاف القولين اللذين ذكرناهما عنه. قال: وعلى إباحة الصوم والفطر للمسافر جماعةُ العلماء، وأئمة الفقه بجميع الأمصار إلا ما ذكرتُ لك عمن قدمنا ذكره، ولا حجة في أحد مع السنة الثابتة، هذا إن ثبتٌ ما ذكرناه عنهم. وقد ثبتٌ عن النبيّ ﷺ من وجوه أنه صام في السفر، وأنه لم يَعِب على من أفطر، ولا على من صام، فثبتت حجته، ولزم التسليم له، وإنما اختلف الفقهاء في الأفضل من الفطر في السفر، أو الصوم فيه لمن قدر عليه. انتهى

стр. 12327

كلام ابن عبد ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم قريبًا تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وأن الأرجح أن من كان الصوم عليه أيسر، فهو أفضل في حقّه، ومن كان الفطر أيسر عليه، فهو الأفضل في حقّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن التَّيْمِيِّ (ح) وَحَدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، يَعْنِي ابْنَ عَامِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ هَمَّامٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَامِرٍ، وَهِشَامٍ: "لِثَمَانَ عَشْرَةَ (٢) خَلَتْ"، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: "فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ"، وَشُعْبَةَ: "لِسَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ"). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقن حافظٌ إمام حجة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٤ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرحمن الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.

стр. 12328

٥ - (أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٦ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٧ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد الْعُطارديّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٥/ ١٥٣٢. ٨ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السلميّ البصريّ قاضيها، صدوقٌ له أوهامٌ [٦] (م س) تقدم في "الصيام " ٩/ ٢٥٥٣. ٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ١٠ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كلّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) أي كلّ هؤلاء الخمسة: سليمان التيميّ، وشعبة، وهشام الدستوائيّ، وعُمر بن عامر، وسعيد بن أبي عَروبة. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة المذكور قبله، وهو: عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. [تنبيه]: رواية التيميّ، عن قتادة هذه، لم أجد من ساقها. وأما رواية شعبة، عنه، فساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٨/ ٣٢٨) فقال: (٣٥٦٢) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ لسبع عشرة حين فتح مكة، فصام صائمون، وأفطر مفطرون، فلم يعب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. انتهى. وأما رواية هشام الدستوائيّ، عنه، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ١٩٥) فقال:

стр. 12329

(٢٨٢٤) - وحدّثنا أبو أمية، حدّثنا مسلم، حدثنا هشام، حدّثنا قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: خرجنا مع النبيّ ﷺ ثمان عشرة من رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. انتهى. وأما رواية عُمر بن عامر، فقد ساقها الطبريّ ﵀ في "تهذيب الآثار" (١٠٩/ ١) فقال: (١٤٧) - حدّثنا بشار، قال: حدّثنا سالم بن نوح، قال: حدّثنا عُمر بن عامر، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع النبيّ لمجر لثماني عشرة مضت من رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. انتهى. وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣/ ٤٥) فقال: (١١٤٣١) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ لثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان، مخرجه إلى حنين، فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٧] ( … ) - (حَدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثنا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَمَا يُعَابُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمُهُ، وَلَا عَلَى الْمُفْطِرِ إِفْطَارُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيُّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.

стр. 12330

٢ - (بِشْرُ بْنَ مُفَضلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحيّ البصريّ القصير، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٦. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّة فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَن، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختَلَط قبل موته بثلاث سنين، لكن إسماعيل ابن عُليّة ممن روى عنه قبل الاختلاط [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَلَا يَجدُ الصَّائِمُ … إلخ) مضارع وجد، من باب ضرب، يقال: وجدت عليه مَوْجدة: إذا غضبت عليه؛ أي لا يَغضب، ولا يَعترض، وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: "فلم يعب الصائم على المفطر … إلخ". وقوله: (يَرَوْنَ أَن مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ) قال النوويّ ﵀:

стр. 12331

هذا تصريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر، ولا مشقّة ظاهرة، وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء؛ لتعادل الأحاديث، والصحيح قول الأكثرين. انتهى. وقال في "الفتح" بعد ذكر الحديث ما لفظه: وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو رافع للنزاع. انتهى. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١٩] (١١١٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدَّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَا: سَافَرْنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَيَصُومُ الصَّائِمُ، وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ، فَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍ والْأَشْعَثِيُّ) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ١٩/ ٤. ٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنديّ، أبو مسعود الْعَسْكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٣ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، هَرَويّ الأصل، صدوقٌ إلا أنه عَمِيَ، فتلقّن، من كبار [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٤ - (حُسَيْنُ بْنُ حرَيْثٍ) بن الحسن بن ثابت بن قُطْبة الْخُزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن الفضل بن موسى السِّينَانيّ، والفضيل بن عياض، وابن عيينة، وابن المبارك، وجرير، وابن عُلية، والدراورديّ، والوليد بن مسلم، ووكيع، وغيرهم.

стр. 12332

ورَوى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وسوى أبي داود، فكتابةً، وحامد بن شعيب البلخيّ، وابن خزيمة، وأبو أحمد الفراء، والذُّهْليّ، وأبو زرعة، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال السَّرّاج: مات بعد مائتين منصرفًا من الحج سنة (٢٤٤). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١١١٧) و (٢١٥٣) و (٢١٥٤) و (٢٥١٦) و (٢٨٦٥). ٥ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الايمان" ٨/ ١٣٨. ٦ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٦١٩] (١١١٧)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٠] (١١١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أنسٌ ﵁ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ

стр. 12333

رَسُول الله ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) ذُكر في الباب. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابد [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩. ٤ - (أشرُ) بن مالك ﵁، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: هذا الإسناد كلاحقه من رباعيّات المصنّف ﵀ وهو (١٦٥) من رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث يُعلم مما مضى. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أنجرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٦٢٠ و ٢٦٢١] (١١١٨)، و (البخاريّ) في "الصوم " (١٩٤٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٥)، و (مالك) في "الموطّأ " (١/ ٢٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٦١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٨)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (٣/ ١٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْتُ، فَصُمْتُ، فَقَالُو لِي: أَعِدْ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ أنسًا أَخْبَرَني أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللهِ ﷺ -كَانُوا يُسَافِرُونَ، فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمِثْلِهِ).

стр. 12334

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (؛ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد كسابقه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦٦) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زهير بن عبد الله بن جُدْعان المكيّ الفقيه، تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٤/ ٢٢، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٢] (١١١٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا (١) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو فعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس

стр. 12335

لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مُوَرِّقُ) بن مُشَمْرِج، ويقال: ابن عبد الله الْعِجليّ، أبو المعتمر البصريّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ٣ أو ٥ أو ١٠٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٥ - (أنسُ) بن مالك ﵁، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ ﵁) أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ) هو سفر غزوة الفتح، وفي رواية قَزَعة الآتية: "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، ونحن صيام" (فَمِنَّا الصَّائِمُ) أراد به الجنس (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وفي رواية: "فصام بعضٌ، وأفطر بعض". وفيه دليل على جواز الصوم في السفر؛ لتقرير النبيّ ﷺ للصائمين على صومهم (قَالَ) أنس ﵁ (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْم حَارٍّ) أي شديد الحرارة (أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ) وفي رواية البخاريّ: "أكثرنا ظلًّا من يستظلّ بكسائه"، وفي رواية النسائيّ: "واتخذنا ظلالًا"، والمعنى أنهم لم يكن لهم فَساطيط، ولا أخبية (وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ) أي يستتر منها (بِيَدهِ) أي لعدم

стр. 12336

قدرته على الاتّقاء بكساء (قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ) بالضمّ: جمع صائم؛ أي صاروا قاعدين في الأرض، وضعفوا عن الحركة، ومباشرة حوائجهم؛ لأجل ضعفهم بسبب الصوم (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أي بالخدمة، وفي الرواية التالية: "فتحزم المفطرون، وعَمِلوا" -بالحاء المهملة، والزاي- ووقع في بعض النسخ: "فتخدّموا" -بالخاء المعجمة، والدال المهملة- وادَّعَى بعضهم أنه الصواب؛ أي أنهم كانوا يخدمون، وفي رواية البخاريّ: "وأما الذين أفطروا، فبعثوا الرِّكاب، وامْتَهَنوا، وعالجوا". (فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ) بالفتح: جمع بناء، والمراد بها الأخبية؛ أي أقاموا على أوتاد مضروبة في الأرض (وَسَقَوُا الرِّكَابَ) بكسر الراء: أي الإبل التي يُسار عليها، واحدها راحلة، ولا واحد لها من لفظها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أي الأجر الوافر، وهو ما فعلوه من خدمة الصائمين بسقي الركاب، وضرب الخباء، ونحوهما؛ لما حصل منهم من النفع المتعدّي، وليس المراد نقص أجر الصُّوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم، ومثل أجر الصُّوّام؛ لتعاطيهم أشغالهم، وأشغال الصوّام، فلذلك قال: "بالأجر كله "؛ لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم، قاله الحافظ ﵀. وقيل: المعنى: أي ذهبوا بالثواب الأكمل؛ لأن الإفطار كان في حقهم أفضل، وفي ذكر "اليوم " إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال الطيبيّ ﵀: أي إنهم مَضَوا، واستصحبوا الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، على طريقة المبالغة، يقال: ذهب به: إذا استصحبه، ومضى به معه. وقيل: "أل" فيه يَحْتَمل أن تكون للعهد، مشيرًا إلى أجر أعمال المفطرين، وأن تكون للجنس يقيد مبالغة بأن يبلغ أجرهم مبلغًا ينغمر فيه أجر الصوم، ويُجعل كأن الأجر كلّه للمفطر، كما يقال: عمرو الشجاع.

стр. 12337

وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان: [أحدهما]: أن يرإد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم. [والثاني]: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغاً يَنغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأنّ الأجر كله للمفطر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا مُتَّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٦٢٢ و ٢٦٢٣] (١١١٩)، و (البخاريّ) في "الجها د" (٢٨٩٠)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٢٨٣) وفي "الكبرى" (٢٥٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٢٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٥٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٢٠٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٦٨/ ٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٣)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال الحافظ: هذا الحديث من الأحاديث التي أوردها البخاريّ في غير مظنتها؛ لكونه لم يذكرها في الصيام، واقتصر على إيرادها في الجهاد. انتهى (٢).

стр. 12338

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان فضل الإفطار في السفر على الصيام. ٢ - (ومنها): الحضّ على المعاونة في الجهاد. ٣ - (ومنها): أن أجر الخدمة في الغزوأعظم من أجر الصيام، قاله بعضهم، وتُعُفب بانه ليس ذلك على العموم. ٤ - (ومنها): جواز الصوم في السفر؛ خلافًا لمن قال: لا ينعقد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلي، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ بَعْضٌ، وَأفطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ، وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، قَالَ: فَقَالَ فِي ذَلِكَ: "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَفْصُ) بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيه تغيّر قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الايمان" ٨/ ١٣٦. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12339

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٤] (١١٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَزَعَةُ، قَالَ: أتيْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلكَ عَمَّا يَسْأَلكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، سَأَلتُهُ عَن الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ إِلَى مَكَةَ، وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقوَى لَكُمْ، فَأَفطِرُوا"، وَكَانَتْ عَزْمَةً، فَأفطَرْنَا، ثمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [٧] (ت ١٥٨) (ز م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٤ - (رَبِيعَةُ) بن يزيد الدمشقيّ، أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٥ - (قَزَعَة) بن يحيى البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠٢٥. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄، تقدّم في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ رَبِيعَةَ) بن يزيد أنه (قَالَ: حَدَّثَنى قَزَعَةُ) -بفتحات- ابن يحيى (قَالَ: أَتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أن عنده كثيرًا من الناس (فَلَمَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي

стр. 12340

لَا أَسْأَلكَ عَمَا يَسْأَلكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ) أي لكونه مما لا حاجة له إليه (سَأَلتُهُ عَن الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ) أي عن حكمه، هل هو جائز، أم لا؟ (فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ إِلَى مَكَةَ) أي في عام الفتح (وَنَحْنُ صِيَامٌ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي صائمون؛ لمصادفة سفر الفتح شهر رمضان (قَالَ: فَنَزَلْتا مَنْزِلًا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) أي قربتم من ملاقاتهم، يقال: دنا منه، وإليه يَدْنو دُنُوًّا: أي قرُبَ (وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ ") أي على قتالهم، وفيه دليلٌ على أن حفظ القوّة بالفطر أفضل لمن هو منتظر لقاء العدوّ، قاله القرطبيّ ﵀ (١). (فَكَانَتْ) أي كانت مقولة رسول الله ﷺ : "والفطر أقوى لكم" (رُخْصَةً) بضمّ الراء، وسكون الخاء المعجمة، ويجوز ضمّها؛ للإتباع، والرخصة: التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، يقال: رَخَّصَ الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص لنا إرخاصًا: إذا يسّره وسهّله (٢). والمعنى: صار توجيه رسول الله ﷺ هذا تسهيلًا لنا، وتخييرًا بين الفطر والصوم، ولذلك صاروا على قسمين، كما قال: (فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ) أي حيث رأوها رخصة غير ملزمة للفطر. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فكانت رخصة"؛ يعني: أنهم لم يفهموا من هذا الكلام الأمر بالفطر، ولا الجزم به، وإنما نبَّه به على أن الفطر أولى لمن خاف الضعف. وسُمِّي هذا رخصة بناءً على أن كل مكلف مخاطبٌ بصوم رمضان، كما قد أفهمه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو بالنسبة إليهم؛ إذ قد كان النبيّ ﷺ قد صام حين خروجه من المدينة، وصام الناس معه إلى أن بلغ الكَدِيد، كما تقدَّم، فلما خاف عليهم الضعف نبههم على جواز الفطر، وأنه الأفضل، فسُمّي ذلك رخصة بالنسبة إلى ترك ما كانوا قد اختاروه من الصوم، ولما فهموا: أن هذا من باب الرُّخص كان منهم من هو موفور القوّة فصام، وكان منهم من خاف على نفسه فأفطر. ثم بعد ذلك قال لهم: "إنكم مُصَبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم،

стр. 12341

فأفطروا". قال: "وكانت عزمة"؛ أي: أنهم فهموا من أمره بالفطر أنه جزم، ولا بدَّ منه، وأنه واجب، فلم يصم منهم أحد عند ذلك فيما بلغنا، ولو قدّر هنالك صائم لاستحقُّوا أن يقال لهم: "أولئك العصاة"، وقد حَمَل بعض علمائنا قوله: "أولئك العصاة" على هذا، بناءً على أن منهم من صام بعد الأمر بالفطر، ولم يُسمع ذلك في حديث مرويّ، وانما هو تقدير من هذا القائل. انتهى (١). (ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ) أي ملاقوهم صباحًا، يقال: صبّحتُ فلانًا بالتشديد: إذا أتيته وقت الصباح (وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفطِرُوا) هذا أمر بالإفطار، وهو للوجوب، ولذا قال: (وَكَانَتْ) أي تلك الحال، وهي الفطر، أو مقالته ﷺ هذه (عَزْمَةً) بفتح فسكون: خلاف الرخصة، يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْمًا، من باب ضرب: عَقَد ضميره على فعله، وعَزَمَ عزيمة، وعَزْمَة: اجتَهَد، وجدَّ في أمره، وعزيمة الله تعالى: فريضته التي افترضها، والجمع: عزائم (٢). وقيل: معنى "عزمة": أي فريضة؛ لأن الجهاد كان فرضًا في ذلك، وكان حاصلًا بالإفطار، والصوم كان جائزًا لهم، وترك الفرض لأجل الجائز لم يكن جائزًا لهم. انتهى. (فَأَفطَرْنَا) أي أفطر كلّ الصحابة الذين صاموا في المرّة الأولى، والذين لم يصوموا؛ لكون الأمر عزيمة، فلا يجوز الترخّص فيه؛ لأن الله تعالى توعّد من خالف أمره بالعقاب، فقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال المناويّ ﵀: وأخذ من تعليله ﷺ بدنوّ العدوّ، واحتياجهم إلى القوّة التي يَلْقَوْن العدوّ بها أن الفطر هنا للجهاد، لا للسفر، فلو وافاهم العدوّ في الحضر، واحتاجوا إلى التقوّي بالفطر جاز، على ما قيل؛ لأنه أولى من الفطر بمجرد السفر، والقوّةُ ثَمّ تخص المسافر، وَهُنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر. انتهى (٣).

стр. 12342

(ثمَّ قَالَ) أبو سعيد ﵁ (لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أي رأيت أنفسنا أيها الصحابة ﵃ (نَصُومُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ) هذا يدلّ على ثبوت استمرار التخيير لهم بين الصوم والفطر في السفر غير حالة دنوّهم من عدوّهم. وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الصوم هو الأصل والأفضل، وأن الفطر إنما كان لعلة وسبب، ولما زال ذلك رجع إلى الأفضل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف:. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٦٢٤، (١١٢٠)] و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ٣١٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٤٢٧ و ٢/ ١٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٥٧)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١١٠)، و (الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٣/ ١٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٢)، وفوائد الحديث تقدّمت في الأحاديث السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَاب التخْيِيرِ: في الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ في السَّفَرِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٥] (١١٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍ والْأَسْلَمِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفطِرْ").

стр. 12343

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد، أبو الحارث المصريّ الإمام، ثقةٌ ثبثٌ فقيه حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وليث مصريّ، وقُتيبة بغلانيّ. ٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أنَّهَا قَالَتْ: سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ) هو: حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلميّ، أبو صالح، ويقال: أبو محمد المدنيّ. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر ﵄، وعنه ابنه محمد، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، وسليمان بن يسار، وأبو مُراوح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال البخاريّ في "التاريخ": حدّثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة الأسلميّ، عن أبيه، قال: كنا

стр. 12344

مع رسول الله ﷺ ليلة ظلماء، دُحْمُسة (١)، فأضاءت أصابعي، حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لَتُنير، قال ابن سعد وغيره: مات سنة (٦١) وهو ابن (٧١) سنةً، وقيل: إنه بلغ ثمانين. أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثه الآتي في الباب. وقولها: (سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ) وفي رواية البخاريّ: "أن حمزة بن عمر الأسلميّ قال للنبيّ ﷺ … "، قال في "الفتح": قوله: "أن حمزة بن عمرو الأسلميّ" هكذا رواه الحفاظ عن هشام، وقال عبد الرحيم بن سليمان عند النسائيّ، والدراورديّ عند الطبرانيّ، ويحيى بن عبد الله بن سالم عند الدارقطنيّ، ثلاثتهم عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵁، عن حمزة بن عمرو ﵁، فجعلوه من مسند حمزة ﵁، والمحفوظ أنه من مسند عائشة ﵂. وَيحْتَمِل أن يكون هؤلاء لم يَقْصِدوا بقولهم: "عن حمزة" الرواية عنه، وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير عن عائشة، عن قصة حمزة، أنه سأل … إلخ، لكن قد صَحّ مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم (٢) من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مُراوح، عن حمزة، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عروة، لكنه أسقط أبا مُراوح، والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مُراوح، عن حمزة. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: أخرج الإمام مالك ﵀ هذا الحديث في "الموطّأ"، فقال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حمزة بن عمرو الأسلميّ

стр. 12345

قال لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ … " الحديث، فجعله مرسلًا؛ لأن عروة لم يشهد السؤال. قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هكذا قال يحيى، عن مالك، عن هشام، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو، وقال سائر أصحاب مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال: يا رسول الله أصوم في السفر؛، وكان كثير الصيام، والحديث محفوظ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، كذلك رواه جماعة عن هشام، منهم: ابنُ عيينة، وحماد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى القطان، ويحيى بن هاشم، ويحيى بن عبد الله بن سالم، وعمرو بن هاشم، وابن نمير، وأبو أُسامة، ووكيع، وأبو معاوية، والليث بن سعد، وأبو ضمرة، وأبو إسحاق الفزاريّ، كلهم رووه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، كما رواه جمهور أصحاب مالك، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ورواه أبو معشر المدنيّ، وجرير بن عبد الحميد، والمفضل بن فَضالة، كلهم عن هشام، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو. كما رواه يحيى، عن مالك سواءً، حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن الجهم، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو معشر المدنيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال: جئت إلى النبيّ ﷺ ، فسألته، فقلت: يا رسول الله، إني رجل أصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". ورَوَى ابن وهب في "موطئه" قال: أخبرني عمرو بن الحرث، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مُراوح، عن حمزة بن عمرو الأسلميّ، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ من جناح؛ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، فهذا أبو الأسود، وهو ثبتٌ في عروة وغيره، قد خالف هشاماً، فجعل الحديث عن عروة، عن أبي مُراوح، عن حمزة، وهشامٌ يجعله عن عروة، عن عائشة، وفي رواية أبي الأسود ما يدلّ على أن رواية يحيى ليست بخطأ.

стр. 12346

وقد روى سليمان بن يسار هذا الحديث عن حمزة بن عمرو الأسلميّ، وسنّه قريب من سنّ عروة، والحديث صحيح لعروة، وقد يجوز أن يكون عروة سمعه من عائشة، ومن أبي مُراوح جميعًا عن حمزة، فحدّث به عن كل واحد منهما، وأرسله أحيانًا، والله أعلم. انتهى كلام أبي عمر بن عبد البرّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن الحديث صحيح من رواية عروة عن عائشة قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلميّ رسول الله ﷺ ، ومن روايته، عن أبي مراوح، عن حمزة بن عمرو الأسلميّ ﵁، أنه قال: يا رسول الله … إلخ. والحاصل أنه صحيح، من مسند عائشة ﵂، ومن مسند حمزة ﵁ نفسه، وأما رواية عروة أن حمزة بن عمرو … إلخ، المذكورة في "الموطا"، فمانها مرسلة، كما سبق بيانه، فتفظن، والله تعالى أعلم. (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ) وفي رواية حماد بن زيد التالية: "إني رجلٌ أسرُد الصوم، أفاصوم في السفر؟ "، وفي رواية أبي مُراوح الآتية: "قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟ ". قال ابن دقيق العيد ﵀: ليس في قوله: "أأصوم في السفر … إلخ " تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. قال الحافظ ﵀ وهو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مُراوح الآتية عند مسلم، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قُوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، وهذا يشعر بانه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تُطلق في مقابلة ما هو واجب، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأُكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- وأنا أجد القوّة،

стр. 12347

وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أؤخِّره، فيكون دينًا عليّ؟ فقال: "أيَّ ذلك شئت يا حمزة". انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور فيه ضعف؛ لأن في سنده محمد بن حمزة بن عمرو مجهول الحال، كما قال ابن القطان، بل ضعّفه ابن حزم، وإن لم يوافق عليه، فتنبّه. (فَقَالَ) ﷺ ("إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفطِرْ") قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث التخيير للصائم في رمضان، إن شاء أن يصوم في سفره، وإن شاء أن يفطر، وهو أمر مُجْمَعٌ عليه، من جماعة فقهاء الأمصار، وهو الصحيح في هذا الباب، وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال: دعا عمر بن عبد العزيز سالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، فسألهما عن الصيام في السفر، فقال عروة: يصوم، وقال سالم: لا يصوم، فقال عروة: إنما أحَدِّث عن عائشة ﵂، وقال سالم: إنما أُحَدِّث عن عبد الله بن عمر ﵂، قال: فلما امتريا قال عمر: اللهم غَفْرًا، صُمْه في الْيُسْر، وأفطره في العسر. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله ﷺ لحمزة بن عمرو: "إن شئت صم، وإن شئت فأفطر"؛ نص في التخيير، ولا يقال: يَحْتَمِل أنه سأله عن سرد صوم التطوع لوجهين: أحدهما: قوله في الرواية الأخرى: "هى رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، ولا يقال في التطوّع مثل هذا. والثاني: أن حديثه هذا خرَّجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني صاحب ظهر، أسافر عليه، وأكريه في هذا الوجه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم أهون من أن أؤخره فيكون دينًا عليّ، أفأصوم يا رسول الله! أعظم لأجري أو أفطر؛ فقال: "أي ذلك شئت يا حمزُ"، وهذا نصٌّ في أنه صوم رمضان.

стр. 12348

قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت ما في هذا الحديث من الضعف، ولكن سياق الروايات يدلّ على أنه أراد صوم رمضان، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٦٢٥ و ٢٦٢٦ و ٢٦٢٧ و ٢٦٢٨ و ١٢٦٢٩ (١١٢١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤٢ و ١٩٤٣)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٢)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧١١)، و (النسائيّ) في "الصيام " (٤/ ١٨٧ - ١٨٨) و"الكبرى" (٢/ ١٠٧ و ١٠٨ و ١٠٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام " (١٦٦٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٩٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٦ و ١٩٣ و ٢٠٢ و ٢٠٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٨ - ٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٦٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٩٧)، و (الطبريّ) في "تفسيره " (٢/ ١٥٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٦ و ٢٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٩٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٥٢ و ١٥٣ و ١٥٤ و ١٥٥ و ١٥٦ و ١٥٧) و"المعجم الصغير" (٢/ ٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١٨/ ٨ و ٣١٧)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ١٦٦ و ١٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٣) و"المعرفة" (٣/ ٣٩٢ و ١٣٩٣، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٦٠)، وفوائد الحديث تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، وَهُوَ ابْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍ والْأَسلَمِيُّ سَأَلَ

стр. 12349

رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي رَجُل أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أفَاَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ (١): "صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأفطِرْ إِنْ شِئْتَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَسْرُد الصوم) أي أتابعه -يعني آتي به متواليًا- والمراد ما عدا الأيام المنهيّة، وهو من سَرَد يَسْرُد، من باب نصر ينصر، وقال ابن التين: وضُبِط في بعض الأمهات بضم الهمزة، ولا وجه له في اللغة، إلَّا أن يريد بفتح السين، وتشديد الراء، على التكثير. قيل: وفيه ردٌّ على من يرى أن صوم الدهر مكروه؛ لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ، بل أقرّه، وأَذِنَ له في السفر، ففي الحضر أولى. وتُعُقّب بأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبتٌ النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح، قاله في "الفتح". [فإن قلت]: إذنه ﷺ هذا لحمزة بن عمرو ﵄ يعارضه نهيه ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. [أجيب]: يحمل نهيه على ضعف عبد الله بن عمرو عن ذلك، بخلاف حمزة؛ لأنه ذكر أنه يجد قوّة على الصوم، فأذن له لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12350

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ: إِنِّي رَجُل أَسْرُدُ الصَّوْمَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم في الباب الماضي. و"هشام" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن هشام هذه ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في (مسنده" (٢/ ١٦٨) فقال: (٦٦٨) - أخبرنا أبو معاوية، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن حمزة السلمييّ (١)، سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني رجل أَسْرُد الصوم في السفر، فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدثنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَابم، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَن حَمْزَةَ قَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ، أفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.

стр. 12351

٤ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِنَانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الحيض " ٢٦/ ٨١٧. و"هشام " ذُكر قبله. وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) معناه أن أبا بكر بن أبي شيبة روى عن شيخين، وهما ابن نمير، وعبد الرحيم بن سلمان، وقد شاركه أبو كريب في شيخه ابن نمير، فقوله: "وقال أبو بكر … إلخ"؛ يعني أنه زاد عبد الرحيم على ابن نمير. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ) الضمير لابن نُمير، وعبد الرحيم. [تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه " (٥/ ١٦٦) فقال: (١٦٥٢) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سأل حمزة الأسلميّ رسول الله ﷺ ، فقال: إني أصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال ﷺ "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". انتهى. وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام، فساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (١) (٢/ ١١٠) فقال: (٢٦١٣) - أنبا عليّ بن الحسن اللانيّ الكوفيّ، قال: أنبا عبد الرحيم، قال: حدّثنا هشام، عن عروة، عن عائشة، عن حمزة بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله، إني رجل أصوم، فأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٩] (١١٢١) - (وَحَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثنَا، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ،

стр. 12352

عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَام فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"، قَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثِهِ: "هِيَ رُخْصَةٌ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنَ اللهِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح، تقدّم قريبًا. ٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْب) عبد الله، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣. ٦ - (أَبُو مُرَاوحٍ) الغفاريّ، ويقال: الليثيّ المدنيّ، يقال: اسمه سعد، ثقةٌ [٣] (خ م ق) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٢٣٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟) بضمّ الجيم: أي إثم. وقوله: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ) الضمير للإفطار، وإنما أنثه باعتبار الخبر، والكلام جاء على اعتقاد السائل، فلا يلزم أن ظاهره ترجيح الإفطار، حيث قال: "فحسنٌ"، وقال في الصوم: "فلا جناح عليه"، قاله السنديّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ: ﵀: قوله ﷺ : "هو رخصة من الله" دليلٌ على أن الخطاب بالصوم متوجه لجميع المكلفين؛ المسافرين وغيرهم، ثم رُخِّص لأهل الأعذار بسببها، وبيان ذلك: أن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم الجزم مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة، وبهذا يتحقق بطلان قول من قال: إن صوم المسافر لا ينعقد،

стр. 12353

والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال القاري ﵀: قوله: "ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه" في مغايرة العبارة بين الشرطين إشارة لطيفة إلى أفضلية الصوم؛ إذ كان ظاهر المقابلة أن يقول: "فحسن"، أو "فأحسن"؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، بل مقتضى كون الأوّل رخصةً، والثاني عزيمةً أن يُعْكَس في الجزاء بأن يقال في الأوّل: فلا جناح عليه، وفي الثاني فحسن، لكن أريد المبالغة؛ لأن الرخصة إذا كانت حسنًا، فالعزيمة أولى بذلك، ولعله ﷺ علم بنور النبوّة أن مراد السائل بقوله: "فهل عليّ جناح؟ " أي في الصوم، ويدل عليه ما تقدّم من قوله: "إني أجد بي قوّةً على الصيام"، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى (٢). والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٠] (١١٢٢) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي حَرّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ الله ﷺ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م دس ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.

стр. 12354

٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، لكنه اختَلَط بآخره [٧] (ت ١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن أبي المهاجر أقرم المخزوميّ مولاهم الدمشقيّ، أبو عبد الحميد، مؤدِّب ولد عبد الملك، ثقةٌ [٤]. أدرك معاوية، وهو غلام صغير وغيره، ورَوَى عن أنس، وعبد الرحمن بن غَنْم، وفَضالة بن عُبيد، وفي سماعه منه نظر، وميسرة مولى فَضالة، وأبي صالح الأشعريّ، وكريمة بنت الحسحاس، وأم الدرداء. ورَوَى عنه ربيعة بن يزيد، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبوه، والأوزاعيّ، وخلق. روى أبو حاتم أن الأوزاعيّ قال: كان مأمونًا على ما حدّث، وكان سعيد بن عبد العزيز إذا حَدَّث عنه قال: كان ثقةٌ صدوقًا، وقال المفضل الغلابيّ: هو ممن يُرْضَى به في الحديث، وقال العجليّ، والفسويّ، ومعاوية بن صالح، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال خليفة في تسمية عُمّال عمر بن عبد العزيز: ثم ولي إسماعيل بن عبيد الله مولى بني مخزوم البربر، فقَدِمَها سنة مائة، فأسلم عامة البربر في ولايته، وكان حسن السيرة. وقال أبو مسهر: مات في خلافة مروان، وقال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣١)، وكان مولده سنة (٦١). قال الحافظ: فعلى هذا لا يكون أدرك معاوية، وقال ابن حبّان في "الثقات": مات سنة (١٣٢) قبل دخول عبد الله بن عليّ بثلاثة أشهر. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أمُّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى، زوج أبي الدرداء، اسمها هُجَيمة، ويقال: جهيمة بنت حُعَى الأوصابية الدمشقية، ثقةٌ [٣]. رَوَت عن زوجها، وسلمان الفارسيّ، وفَضالة بن عُبيد، وأبي هريرة، وكعب بن عاصم، وعائشة ﵂. ورَوَى عنها جبير بن نفير، وهو أكبر منها، وابن أخيها مَهْديّ بن

стр. 12355

عبد الرحمن، ومولاها أبو عمران الأنصاريّ، وسالم بن أبي الجعد، وزيد بن أسلم، وغيرهم. ذكرها ابن سُميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هُجيمة بنت حُييّ الوَصّابية، وأم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حَدْرَد، وقال أبو أحمد العَسّال: أم الدرداء الصغرى هي يُروَى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى صحابيةً، وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وأم جابر: كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء، تختلف مع أبي الدرداء في بُرْنُس تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حِلق القرّاء، حتى قال لها أبو الدرداء: الْحَقِي بصفوف النساء، وقال أبو الزاهرية، عن جُبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا، فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام، وقال رُديح بن عطية المقدسيّ، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء: أن رجلًا أتاها، فقال: إن رجلًا نال منك عند عبد الملك، فقالت: إن يؤثر بما ليس فينا، فطالما زُكِّينا بما ليس فينا، وقال عبد ربه بن سليمان بن زيتون: حجّت أم الدرداء سنة إحدى وثمانين، وقال ابن حبان في "الثقات": كانت تقيم ستة أشهر ببيت المقدس، وستة أشهر بدمشق، وماتت بعد سنة إحدى وثمانين، وكانت من العابدات، ووقع عند البيهقي اسمها حمامة، فينظر. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٢٢) وأعاده بعده، و (٢٥٩٨) وأعاده أيضًا بعده، و (٢٧٣٢) وكرّره ثلاث مرّات. ٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، اختُلف في اسم أبيه، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، الصحابيّ الشهير، مات ﵁ في آخر خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في "الصلاة" ١٠٩٨/ ٤٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.

стр. 12356

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وإسماعيل بن عبيد الله، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، روت عن زوجها. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى التابعيّة، هُجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، في رواية أبي داود: "حدّثتني أم الدرداء"، فصرّح إسماعيل بالتحديث. [تنبيه]: لأبي الدرداء ﵁ امرأتان كلتاهما يقال لها: أم الدرداء، إحداهما رأت النبيّ ﷺ ، وهي الكبرى، واسمها: خيرة بنت أبي حدرد، وماتت قبل أبي الدرداء، والثانية: هي الصغرى، واسمها هجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، تزوّجها أبو الدرداء بعد النبيّ ﷺ ، وهي تابعيّة تروي عن زوجها، وسلمان، فتنبّه. (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁) عُويمر بن زيد ﵁، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ) وفي الرواية التالية: "لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم شديد الحرّ"، وفي رواية البخاريّ: "خرجنا مع النبيّ ﷺ في بعض أسفاره " (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) قال في "الفتح" ما حاصله: أن بقوله هنا: "في رمضان" يتم المراد من الاستدلال؛ يعني الاستدلال على ردّ قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، ويتوجه أيضًا الردّ بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا. قال الحافظ: وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح؛ لما رأيت في "الموطأ" من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من الصحابة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بالْعَرْج في الحرّ، وهو يصب على رأسه الماء، وهو صائم من العطش، ومن الحرّ، فلما بلغ الكديد أفطر، فإنه يدلّ على أن غزاة الفتح كانت في أيام شدّة الحرّ، وقد اتَّفَقَت الروايتان على أن كلًّا من السفرتين كان

стр. 12357

في رمضان، لكنني رجعت عن ذلك، وعرفت أنه ليس بصواب؛ لأن عبد الله بن رواحة ﵁ استُشْهِد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبيّ ﷺ ، فصح أنها كانت سفرة أخرى، وأيضًا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمرُّوا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده. وأخرج الترمذيّ من حديث عمر ﵁: غزونا مع النبيّ ﷺ في رمضان يوم بدر، ويوم الفتح … الحديث، ولا يصح حمله أيضًا على بدر؛ لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم. وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قَوِي عليه، ولم يُصِبه منه مشقةٌ شديدةٌ. انتهى (١). (فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ) "حتى" بيان لغاية شدّهْ الحرّ، و"إِنْ" مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت في خبرها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، قال في "الخلاصة": وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبًّا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا … فَلَا تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا (كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا) نافية؛ أي لم يوجد (فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير وكان شاعرًا، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، شَهِدَ بدرًا، واستُشهِد بمؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وكان ثالث الأمراء بها، وله ذكر في "صحيح مسلم"، ولا رواية له، وقد تقدّم في (١٠/ ٢١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12358

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٦٣٠ و ٢٦٣١، (١١٢٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٦٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (١/ ٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٩٤ و ٦/ ٤٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠١)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٣٠١)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١٦٠)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٥) و"المعرفة" (٣/ ٣٩٣)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣١] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الدِّمَشْقِي، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَقَدْ رَأَيتُنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارر، فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عباد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: عثمان بن حيّان بن مَعْبد بن شدّاد بن

стр. 12359

نعمان بن رَبَاح بن سعد بن ربيعة بن عامر بن يربوع بن غيط بن مُرّة بن عوف الْمُزنيّ -بضم الميم، بعدها زاي -أبو المغراء- بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة- الدمشقيّ مولى أم الدرداء، ويقال: مولى عتبة بن أبي سفيان (١). رَوَى عن أم الدرداء، وعنه هشام بن سعد، وقال: كان رجلًا من أهل الخير، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد البزار، وعبد الله بن سليمان، قال ابن وهب، عن مالك: بعث ابن حيان، وهو أمير المدينة إلى محمد بن المنكدر وأصحابه، فضربهم لما كان من كلامهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وقال ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيان بالمدينة، وقرة بن شريك بمصر، امتلأت والله الأرض جَوْراً، وقال ابن عساكر: استعمله الوليد على المدينة، وكان في سيرته عُنْف، وقال الواقديّ: نزع سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة سنة (٩٦) وكانت إمرته عليها ثلاث سنين، وقال خليفة: ولي عثمان بن حيان الصائفة سنة (١٠٣)، وغزا قيصرة من أرض الروم سنة (١٠٤)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة (١٥٠). انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: خالف الحافظ ﵀ عادته في "التقريب"، فإنه كان يذكر طبقة الراوي، وتوثيقه، أو ضدّه، وهنا لم يذكر لا طبقة، ولا توثيقًا، بل أشار إلى ضدّه بقوله: وكان عمر بن عبد العزيز يصفه بالجور. [فإن قلت]: كيف أخرج له المصنّف مع كونه مجروحًا؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، لا أصالةً، فإن الحديث رواه إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء في السند الماضي، وأيضًا إنما أتى به لعلوّه، فإنه أعلى من السند الماضي بدرجة، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، ومسائله ذُكرت قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12360

(٢٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٢] (١١٢٣) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَاسٍ، عَنْ أمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَن نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيى) التيميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عُمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١. ٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ) هو: عمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى أم الفضل، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (خ م د س) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٨. ٥ - (أمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن الهلاليّة، زوج العبّاس ﵂، وأخت ميمونة زوج النبيّ ﷺ ، ماتت في خلافة عثمان ﵁ (ع) تقدمت في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعمير، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
следующие страницы →