تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد بالعَرَض ما يقوم بغيره مطلقًا، وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات، ويراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى.
ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله، وأن له علمًا وقدرةً وحياةً وكلامًا، ويسمون هذه الصفات، ثم منهم من يقول: هي صفات وليست أعراضًا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية، ومنهم من يقول: بل تسمى أعراضًا؛ لأن العرض قد يبقى، وقول من قال: إن كل عرض لا يبقى زمانين قول ضعيف، وإذا كانت الصفات الباقية تُسمى أعراضًا جاز أن تسمى هذه أعراضًا، ومنهم من يقول: أنا لا أُطلق ذلك بناءً على إن الإطلاق مستنده الشرع.
والناس متنازعون هل يُسَمَّى الله بما صَحّ معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يَرِد بإطلاقه نصّ ولا إجماع، أم لا يُطلَق إلا ما أطلَقَه نصّ أو إجماع؟ على قولين مشهورين.
وعامة النظّار يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع، كلفظ القديم والذات (١) ونحو ذلك.
ومن الناس مَن يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدْعَى بها، وبين ما يُخْبَر به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يُدعَى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
стр. 1262
وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: هو سبحانه قديم موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يُدْعَى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يَدُلُّ على المدح، كقول القائل: يا شيء، إذا كان هذا لفظًا يعم كل موجود، وكذلك لفظ ذات وموجود ونحو ذلك، إلا إذا سُمِّي بالموجود الذي يجده من طلبه، كقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فهذا أخصّ من الموجود الذي يعم الخالق والمخلوق.
إذا تبيّن هذا فالنفس وهي - الروح المدبرة لبدن الإنسان - هي من باب ما يقوم بنفسه التي تُسَمَّى جوهرًا وعينًا قائمة بنفسها، ليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة بغيرها.
وأما التعبير عنها بلفظ الجوهر والجسم، ففيه نزاع، بعضه اصطلاحي وبعضه معنويّ، فمَن عَنَى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر، ومن عَنَى بالجسم ما يشار إليه، وقال: إنه يشار إليها فهي عنده جسم، ومن عَنَى بالجسم المركب من الجواهر المفردة أو المادّة والصورة، فبعض هؤلاء قال: إنها جسم أيضًا، ومَن عَنَى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة، فمنهم من يقول: إنها جوهر، والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها، فإنه يشار إليها، وتَصْعَد وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه كما جاءت بذلك النصوص، ودلت عليه الشواهد العقلية.
فصل
وأما قول القائل: "أين مسكنها من الجسد؟ "، فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد، كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة.
стр. 1263
فصل
وأما قوله: "أين مسكن العقل فيه؟ "، فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأما من البدن فهو متعلق بقلبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقيل لابن عباس: بماذا نِلْتَ العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، لكن لفظ القلب قد يراد به المضغة الصَّنَوْبَريّة الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوادء، كما في "الصحيحين" عن النبيّ ﷺ : "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه"، وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه سُمّي القليب قليبًا؛ لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقلُ متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ، كما يقوله كثير من الأطباء، ونُقِل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: إن أصل العقل في القلب، فإذا كَمُلَ. انتهى إلى الدماغ.
والتحقيق أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب.
والعقلُ يراد به العلم، فالعلم والعمل الاختياريّ أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء، وكلا القولين له وجه صحيح، وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، لا تجده مفصّلًا عند غيره فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1264
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله تقدّم قريبًا.
٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم بن سَلْمان، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الملك المصريّ، مولى رَبيعة بن شُرَحبيل، ثقةٌ ثبتٌ [٨].
رَوَى عن جعفر بن ربيعة، وعمرو بن الحارث، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، وأبي قَبِيل، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، وابن وهب، وقتيبة، وابن عبد الحكم الأكبر، وأبو صالح، ويحيى بن بكير، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، ليس به بأسٌ، وقال أيضًا: كان رجلًا صالحًا، وقال عثمان عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وأبو حاتم، وزاد: هو أحبّ إليّ من الْمُفَضّل بن فَضَالة، وبكر بن مضر ونافع بن يزيد متقاربان، وقال الخليليّ: هو وابنه ثقتان، وقال البخاريّ: كناه قتيبة، وأثنى عليه خيرًا، وقال العجليّ: مصريّ ثقةٌ.
وقال سعيد بن عُفَير: مولده سنة (١٠٢)، وقال غيره: سنة (١٠٠)، وقال يحيى بن عثمان بن صالح: مات سنة (١٧٣)، وقال ابن عُفَير وابن بُكير: سنة (٧٤)، وكذا قال ابن يونس، وزاد: يوم الثلاثاء، وكان عابدًا، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله المذكور في السند الماضي.
стр. 1265
وقوله: (بِهَذَا الاسْنَادِ) أي بإلإسناد الماضي، وهو عن ابن الهادي، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل المتن السابق.
[تنبيه]: رواية بكر بن مضر هذه ساقها الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في "سننه" بسند المصنّف، فقال:
(٤٦٧٩) حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين، أغلبَ لذي لُبٍّ منكنّ"، قالت (١): وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادةُ رجل، وأما نقصان الدين، فإن إحداكنّ تُفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلي".
وأخرجها الإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٦٦ - ٦٧، فقال:
حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، وقال مرّة: حيوة، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار؛ لكثرة اللعن، وكُفْر العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب لذي لُبّ منكنّ"، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل والدين، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٠] (٨٠) - (وحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ).
стр. 1266
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكّة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيه، كان يرسل [٥].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وجابر، وربيعة بن عباد الدِّيلي، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وأبي صالح السمان، وبسر بن سعيد، والأعرج، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده الثلاثة: أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومالك، وابن عجلان، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وحفص بن ميسرة، وداود بن قيس الفراء، وأيوب السختياني، وجرير بن حازم، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومعمر، وهشام بن سعد، والسفيانان، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يسمع من جابر ولا من أبي هريرة، وقال مالك عن ابن عجلان: ما هِبْتُ أحدًا قط هيبتي زيد بن أسلم، وقال العطاف بن خالد: حَدّث زيد بن أسلم بحديث، فقال له رجل: يا أبا أسامة عمّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي ما كنا نجالس السفهاء، وقال أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي، وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بتفسير القرآن. وقال البخاري في "تاريخه": قال زكريا بن عدي: ثنا هشيم، عن محمد بن عبد الرحمن القرشي،
стр. 1267
قال: كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم، ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مُطعِم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، وقال حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: لا أعلم به بأسًا إلا أنه يفسر برأيه القرآن ويكثر منه، وقال الساجي: ثنا أحمد بن محمد المعيطي، قال: قال ابن عيينة: كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا، وكان في حفظه شيء، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، تُوُفي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وقال أبو زرعة: لم يسمع من سعد، ولا من أبي أمامة، قال: وزيدُ بن أسلم عن عبد الله بن زياد، أو زياد عن علي مرسل، وقال أبو حاتم: زيد عن أبي سعيد مرسل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابن عبد البر في مقدمة "التمهيد" ما يدل على أنه كان يدلس، وقال في موضع آخر: لم يسمع من محمود بن لبيد.
قال خليفة وغير واحد: مات سنة ست وثلاثين ومائة، زاد بعضهم: في العشر الأول من ذي الحجة، وقيل غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٦ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن سعد بن أبي سَرْح - بفتح السين المهملة، وسكون الراء، بعدها حاء مهملة - ابن الحارث بن حَبيب بن جَذِيمة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ القرشيّ العامريّ المكّي، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمرو، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر.
ورَوَى عنه زيد بن أسلم، ومحمد بن عجلان، وسعيد المقبري، وبكير بن الأشجّ، وداود بن قيس الْفَرّاء، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وإسماعيل بن أمية، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حَكِيم، وغيرهم.
قال ابن معين والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: وُلد بمكة، ثم قَدِمَ مصر مع أبيه، ثم رجع إلى مكة، فلم يزل بها حتى مات.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا الحديث، وحديث (٨٨٩): "تصدّقوا تصدّقوا … "، و (٩٨٥): "كنا نخرج زكاة
стр. 1268
الفطر … "، وكرره خمس مرّات، و (١٠٥٢): "لا والله ما أخشى عليكم … "، و (١٥٥٦): "تصدّقوا عليه … ".
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄ المذكور في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له النسائيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين من محمد بن جعفر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد عن عياض، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم يسق المصنّف متن حديث أبي سعيد ﵁ ولا أحاله كعادته، وقد ساقه البخاريّ في "صحيحه" من رواية سعيد بن أبي مريم:
(٣٠٥) حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد - هو ابن أسلم - عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء تصدقن، فإني أُريتكنّ أكثر أهل النار"، فقلنَ: وبم يا رسول الله؟ قال: "تُكثرن اللعن وتَكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ " قلن: بلى، قال: "فذلكِ من نقصان دينها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 1269
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٦/ ٢٥٠] (٨٠)، ويأتي من طريق آخر في "العيدين" (٨٨٩)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٠٤) و"العيدين" (١٤٦٢) و"الصوم" (١٩٥١) و"الزكاة" (٢٦٥٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١٥٧٦ و ١٥٧٩) وفي "الكبرى" (١٧٨٥ و ١٨٠١)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٢٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١ و ٣٦ و ٤٢ و ٥٤ و ٥٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٤٢)، و (ابن خزيمة) (١٤٣ و ١٤٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقة ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) واسمه ميسرة، مولى المطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب المخزوميّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أنس بن مالك، ومولاه المطَّلِب، وعكرمة، وأبي سعيد المقبريّ، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن جبير، والأعرج، وعاصم بن عُمر بن قتادة، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن سُوَيد بن حَيَّان، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند،
стр. 1270
وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ويزيد بن الهاد، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وفضيل بن سليمان، والدَّراوَرْديّ، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: في حديثه ضعفٌ ليس بالقويّ، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال البخاريّ: رَوى عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري سمع أم لا؟ وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ليس هو بذاك، حَدَّث عنه مالك بحديثين، رَوَى عن عكرمة، عن ابن عباس: "من أَتَى بهيمة، فاقتلوه"، وقد رَوى عاصم، عن أبي زرعة، عن ابن عباس: "ليس على من أتى بهيمة حَدّ"، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: لا بأس به؛ لأن مالكًا يروي عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صاحب مراسيل، وقال عثمان الدارميّ في حديثٍ رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف؛ من أجل عمرو بن أبي عمرو، وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ، يُعْتَبر حديثه من رواية الثقات عنه، وقال العجليّ: ثقة، يُنْكَر عليه حديث البهيمة، وقال الساجيّ: صدوق إلا أنه يَهِمُ، وكذا قال الأزديّ، وقال الطحاويّ: تُكُلِّم في روايته بغير إسقاط، وقال الذهبيّ: حديثه حسنٌ مُنْحَطّ عن الرتبة العُلْيا من الصحيح، قال الحافظ: كذا قال، وحَقُّ العبارة أن يحذف العُلْيا.
قال ابن سعد: مات في أول خلافة أبي جعفر، وزيادُ بن عُبيد الله على المدينة.
وأَرَّخَ ابنُ قانع وفاته سنة (١٤٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٣٦٥): "هذا جبلٌ يُحبّنا ونحبه … "، و (١٦٤٠): "إن النذر لا يُقرّب من ابن آدم شيئًا … "، و (١٦٤٣): "اركبها أيها الشيخ … ".
٦ - (الْمَقْبُرِيُّ) سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، وكان أبوه مكاتبًا لامرأة من بني ليث، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا
стр. 1271
لها، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين (١) [٣].
رَوَى عن سعد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وأم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي شُريح، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وعن أبيه أبي سعيد، ويزيد بن هرمز، وأخيه عباد بن أبي سعيد، وعبد الله بن رافع مولى أم سلمة، وخلق كثير.
ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وعبد الحميد بن جعفر، وعبيد الله بن عمر، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطَّلِب وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وخلق كثير.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: سعيد أوثق - يعني من العلاء بن عبد الرحمن -، وقال ابن المدينيّ، وابن سعد، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن خِرَاش: ثقة جليل أثبت الناس فيه الليث بن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: قد كان تغير وكَبِرَ، واختلط قبل موته، يقال: بأربع سنين، وكان شعبة يقول: ثنا سعيد المقبريّ بعدما كَبِرَ، وقال الواقديّ: اختَلَط قبل موته بأربع سنين. وقال ابن عديّ: إنما ذَكَرته لقول شعبة هذا، وأرجو أن يكون من أهل الصدق، وما تَكَلَّم فيه أحد إلا بخير، وقال البخاري: رَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، فقال: عن أبي سعد، عن أبي شُريح، وقال ابن حبان في "الثقات": اختَلَط قبل موته بأربع سنين، وقال الساجي: قال ابن معين: أثبت الناس في سعيدٍ ابنُ أبي ذئب، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: هل سمع المقبريّ من عائشة؟ فقال: لا، وذَكَر عبد الحق الإشبيليّ أنه لم يسمع من أم سلمة أيضًا، وقال ابن عساكر: قَدِم الشام مُرابطًا، وحَدّث بساحل بيروت، قال: وقد فَرّق الخطيب بين سعيد بن أبي سعيد الذي حَدّث ببيروت وبين المقبريّ، ووَهِمَ في ذلك (٢).
стр. 1272
قال البخاريّ: مات بعد نافع، وقال نوح بن حبيب: مات سنة (١١٧)، وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات في أول خلافة هشام، وقال ابن سعد وابن أبي خيثمة: مات في آخر خلافة هشام سنة (١٢٣)، وقال أبو عبيد: مات سنة (٢٥)، وقال خليفة: سنة (٢٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
[تنبيهات]:
(الأول): أنه اختُلِف في المراد بـ"المقبريّ" هنا هل هو أبو سعيد المقبريّ أو ابنه سعيد؟، فإن كل واحد منهما يقال له: المقبريّ، وإن كان المقبريّ في الأصل هو أبا سعيد، فقال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ عن أبي مسعود الدمشقيّ: هو أبو سعيد المقبريّ والد سعيد، قال أبو عليّ: وهذا إنما هو في رواية إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: خالفه سليمان بن بلال، فرواه عن عمرو، عن سعيد المقبريّ، قال الدارقطنيّ: وقول سليمان بن بلال أصحّ.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: رواه أبو نعيم
стр. 1273
الأصفهانيّ في كتابه "المخرّج على صحيح مسلم" من وجوه مَرْضيّة، عن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ هكذا مُبَيّنًا، لكن رَويناه في "مسند أبي عوانة: المخرّج على صحيح مسلم" من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سعيد، ومن طريق سليمان بن بلال عن سعيد، كما سبق عن الدارقطنيّ، فالاعتماد عليه إذًا. انتهى كلام ابن الصلاح (١).
وقال الحافظ المزّي رحمه الله تعالى: حديث "يا معشر النساء تصدّقن … إلخ" أخرجه مسلم في "الإيمان" … إلخ، ثم قال: قال أبو مسعود: هو أبو سعيد المقبريّ، وقال ابن الفَلَكيّ: رواه إسماعيل بن أبي أُويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبريّ. انتهى (٢).
وكتب الحافظ في "نكته": الرواية التي أشار إليها أخرجها أبو عوانة في "صحيحه المستخرج على صحيح مسلم" عن محمد بن يحيى، عن إسماعيل بن أبي أويس المذكور، وكذا أخرجها من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، وصرّح بأنه "عن سعيد المقبريّ"، فبطل ما قاله أبو مسعود، ثم وجدته في "الإيمان" لابن منده من طريق أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس كذلك. انتهى كلام الحافظ (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الحافظ: "ثم وجدته … إلخ" الذي وجدته في "الإيمان" لابن منده (٢/ ٦٨٣) من الوجه الذي ذكره بلفظ "المقبريّ"، ولم يصرّح باسمه، إلا أن يكون لاختلاف النسخ.
والحاصل أن الصواب في "المقبريّ" في هذا السند - كما أشار إليه الدارقطنيّ في كلامه السابق - أنه سعيد بن أبي سعيد لا أبوه كيسان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 1274
(التنبيه الثاني): قال الإمام الذهبيّ في "التاريخ" في ترجمة سعيد المقبريّ: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين، وما أظنّه رَوَى شيئًا في الاختلاط، ولذلك احتجّ به مطلقًا أرباب الصحاح. انتهى.
وقال في "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٢١٧): قلت: ما أحسبه رَوَى شيئًا في مدّة اختلاطه، وكذلك لا يوجد له شيء منكر. انتهى.
وقال في "ميزان الاعتدال" (٢/ ١٤٠): ما أحسب أن أحدًا أخذ عنه في الاختلاط، فإن ابن عيينة أتاه فرأى لُعابه يسيل، فلم يَحمِل عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه فائدة جليلة، لم أظفَر بها إلا عن هذا الإمام الذي له اليد الطولى في سبر أحوال الرجال، وفَحْص مروياتهم، فتمسّك به ينفعك في مواطن كثيرة، والله تعالى أعلم.
(التنبيه الثالث): "الْمَقْبُريّ" - بضم الباء، وفتحها - وجهان مشهوران فيه، وهي نسبة إلى الْمَقْبُرة، وفيها ثلاث لغات: ضم الباء، وفتحها، وكسرها، والثالثة غريبة، قال إبراهيم الحربيّ وغيره: كان أبو سعيد يَنْزِل المقابر، فقيل له: المقبريّ، وقيل: كان مَنْزِله عند المقابر، وقيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ جعله على حَفْر القبور، فقيل له: المقبريّ، وجَعَلَ نُعيمًا على إجمار المسجد، فقيل له: نعيم الْمُجْمِر، واسم أبي سعيد كَيْسان الليثيّ المدنيّ، والله تعالى أعلم (١).
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
قوله: (بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أن معنى حديث أبي هريرة ﵁ مثل معنى حديث ابن عمر ﵄، وإن اختلف لفظهما.
[تنبيه]: حديث أبي هريرة ﵁ هذا قد ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده" (٢/ ٤٣٧٣)، فقال:
(٨٨٦٢) حدثنا سليمان (٢)، أنبأنا إسماعيل، أخبرني عمرو - يعني ابن
стр. 1275
أبي عمرو - عن سعيد (١) المقبريّ، عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ انصرف من الصبح يومًا، فأتى النساء في المسجد، فوَقَفَ عليهنّ، فقال: "يا معشر النساء، ما رأيت من نواقص عقول ودين أذهب لقلوب ذوي الألباب منكنّ، وإني قد رأيتكن أكثر أهل النار يوم القيامة، فتقرّبن إلى الله ما استطعتنّ"، وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود، فأتت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﷺ ، وأخذت حليًّا لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين بهذا الحليّ؟ فقالت: أتقرب به إلى الله ورسوله (٢)، لعلّ الله أن لا يجعلني من أهل النار، فقال: ويلك هَلُمِّي، فتصدقي به عليّ وعلى وَلَدِي فإنا له موضع، فقالت: لا والله حتى أذهب به إلى النبيّ ﷺ ، فذهبت تستأذن على النبيّ ﷺ ، فقالوا للنبيّ ﷺ : هذه زينب، تستأذن يا رسول الله، فقال: "أَيُّ الزيانب هي؟ " فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: ائذنوا لها، فدخلت على النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالةً، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدثته، وأخذت حليًّا أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدقي به عليّ وعلى وَلَدي، فإنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "تصدقي به عليه وعلي بنيه، فإنهم له موضع"، ثم قالت: يا رسول الله، أرأيتَ ما سمعتُ منك حين وقفتَ علينا: "ما رأيتُ من نواقص عقول قط ولا دين أذهب بقلوب ذوي الألباب منكنّ"؟ قالت: يا رسول الله، فما نقصان ديننا وعقولنا؟ فقال: "أما ما ذكرتُ من نقصان دينكنّ، فالحيضة التي تصيبكنّ تمكث إحداكن ما شاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم، فذلك من نقصان دينكنّ، وأما ما
стр. 1276
ذكرتُ من نقصان عقولكن فشهادتكنّ، إنما شهادة المرأة نصف شهادة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٦/ ٢٥٠]، و (الترمذيّ) (٢٦١٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦٥٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٠٠ و ٢٤٦١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٧٥ و ٦٧٦ و ٦٧٧)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (٢٤٣) و"الحلية" (٢/ ٦٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٧٢٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٧) - (بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥١] (٨١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا ويلَهُ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي -، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريبًا.
стр. 1277
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير المذكور قريبًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل باب.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان المذكور قبل باب.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر فما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير أبي صالح وأبي هريرة ﵁ فمدنيّان.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى غير الأعمش، وهو ممن اشتهر باللقب.
٦ - (ومنها): أنه اجتمع فيه الرواة الذين هم أثبت الناس في شيوخهم: أبو معاوية في الأعمش، وهو في أبي صالح، وهو في أبي هريرة ﵁.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح.
٨ - (ومنها): أن صحابيه أحفظ من روى الحديث في دهره ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ) أي آية السجدة (فَسَجَدَ) قال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: السجود في اللغة: التذلّل والخضوع، وغايته وضع الجبهة على الأرض، قال ابن السّكّيت: هو الميل، قال زيد الخيل [من الطويل]:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ … تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
стр. 1278
أي خاضعةً، و"الأُكْم": الجبال الصغار، جعلها سُجّدًا للحوافر؛ لقهر الحوافر إياها، وأنها لا تمتنع عليها، يعني أن الحوافر تطأ الأرض، فتجعل تأثُّر الأُكْم للحوافر سُجُودًا، وقال آخر [من المتقارب]:
فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ … سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا
وقال: قال أبو عُبيدة: وأنشدني أعرابيّ من بني أسد:
وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا
يعني أن البعير طأطأ رأسه لأجلها، ودَرَاهِمُ الأَسجاد دراهمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال الشاعر [من الكامل]:
مِنْ خَمْرِ ذِي نُطَفٍ أَغَنَّ مُنَطَّقٍ … وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ (١)
ويُطلق السجود أيضَّا عَلى الميل، يقال: سجدت النخلة: أي مالت، وسجدت الناقة: طأطأت رأسها، قال ابن السكّيت: أسجد الرجل: إذا طأطأ رأسه، وسجد: إذا وضع جبهته في الأرض، وقال ابن دُريد: أصل السجود: إدامة النظر مع إطراق إلى الأرض.
قال القرطبيّ: والحاصل أن أصل السجود: الخضوع، وسُمّيت هذه الأحوال سُجودًا؛ لأنها تُلازم الخضوع غالبًا، ثم قد صار في الشرع عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحوٍ مخصوص، والسجود المذكور في هذا الحديث هو سجود التلاوة؛ لقوله: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد". انتهى (٢).
(اعْتَزَلَ) بالبناء للفاعل، قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أي تباعد، وكلُّ من عَدَلَ إلى جانب، فهو معتزل، ومنه سُمّيت الْفِرْقَةُ الْعَدْليّة معتزلةً، ورُوي أن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى كان يُقرّر يومًا مع أصحابه مسألةً من الأصول، فاعترض عليه جماعة من أصحابه، فلَمّا قام الحسن من مجلسه اعتزل المعترضون إلى ناحية يُقرِّرون تلك المسألة على خلاف قول الحسن، فلما عاد الحسن ورآهم جالسين في ناحية قال: من المعتزلة؟، وفي رواية: فلما تكرّر
стр. 1279
نكيرهم على قول الحسن قال لهم: اعتزلوا عنّا. انتهى كلام الطيبيّ (١).
(الشَّيْطَانُ) قال الأبّيّ رحمه الله تعالى: الأظهر في الشيطان أنه إبليس؛ لقوله: "فأبيتُ"، قال: ولا يمتنع أن يكون بكاؤه حقيقةً لأنه جسم، ولا يتّفق له هذا دائمًا؛ لأن "إذا" ليست من ألفاظ العموم. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وبكاء إبليس المذكور في الحديث ليس نَدَمًا على معصية ولا رجوعًا عنها، وإنما ذلك لفرْطِ حسده وغيظه، وألمه مما أصابه من دخول أحد من ذرّيّة آدم ﵇ الجنّة ونجاته بالسبب الذي عصى هو به، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذان والإقامة ويوم عرفة، على ما يأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - (٣).
[تنبيه]: قال السمين الحلَبيّ رحمه الله تعالى: "الشيطان": المتمرّد من الجنّ، وقال أبو عُبيدة: الشيطان اسم لكلّ عارم من الجنّ والإنس والحيوانات، وقد يُطلَقُ على كلّ قُوّة ذميمة في الإنسان، كما رُوي: "الحسدُ شيطان، والغضبُ شيطان" (٤)، وذلك لأنهما ينشآن عنه.
واختَلَفَ أهل اللغة في اشتقاقه، فقال جمهورهم: هو مشتقّ من شَطَنَ يَشْطُنُ: أي بَعُدَ؛ لأنه بعيد من رحمة الله تعالى، وأنشدُوا [من الوافر]:
نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ شَطُونٌ … فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا رَهِينُ
وقال آخر [من الخفيف]:
أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ … ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكْبَالِ
وحَكَى سِيبويه: تَشَيْطَنَ: أي فعل فعل الشياطين، فهذا كلّه يدلّ على أنه من شَطَنَ؛ لثبوت النون وسقوط الألف في تصاريف الكلمة، ووزنه على هذا فَيْعَالٌ.
وقيل: هو مشتقّ من شاط يَشيطُ: أي هاج، واختَرَقَ، ولا شكّ أن هذا المعنى موجود فيه، فأخذوا بذلك أنه مشتقّ من هذه المادّة، لكن لم يُسمع في
стр. 1280
تصاريفه إلا ثابتَ النون محذوف الألف كما تقدّم، ووزنه على هذا فَعْلان، ويترتّب على القولين صرفه وعدم صرفه إذا سُمّي به، وأما إذا لم يُسمّ به فإنه منصرفٌ البتّةَ؛ لأن من شرط امتناع فَعْلان الصفةِ أن لا يُؤَنَّثَ بالتاء، وهذا يؤنّث بها، فيقال: شيطانةٌ. انتهى (١).
وقوله: (يَبْكِي) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "اعتَزَلَ"، وكذا قوله: (يَقُولُ) فهما حالان مترادفان أو متداخلان.
(يَا وَيْلَهُ) دُعاءٌ بالويل، وأصل الكلمة "وَيْ" وُصلت بـ"له"، و"الويل": الحزن والهلاك، وهي كلمة تقال: لمن وقع في هَلَكَة، ومعنى النداء فيه: يا حزني، ويا هلاكي احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عَرَضَ له من الأمر الفظيع، وهو الندم على ترك السجود لآدم ﵇، ولعلّ نداء الويل للتحزّن على ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والطرد والخيبة في الدارين، وللحسد على ما حصل لابن آدم من القرب والكرامة والفوز في الدارين (٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "يا ويله" هو من آداب الكلام، وهو أنه إذا عَرَضَ في الحكاية عن الغير ما فيه سُوء واقتضت الحكايةُ رجوعَ الضمير إلى المتكلم، صَرَفَ الحاكي الضمير عن نفسه تصاونًا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه. انتهى (٣).
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ) أراد به بيان الخلاف بين شيخيه، فأما أبو بكر فقال في روايته: "يا ويله" بَضمير الغائب، وأما أبو كُريب، فقال في روايته: (يَا وَيْلِي) بضمير المتكلّم، ويجوز فيه من حيث اللغة فتح لامه وكسرها، كما في نظائره (٤).
ووقع في "مختصر القرطبيّ لصحيح مسلم" بلفظ: "يا ويلتا"، فقال القرطبيّ: والألف فيه للندبة والتفجّع. انتهى (٥).
стр. 1281
(أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ) ببناء الفعل للمفعول (فَسَجَدَ) أي امتثالًا لأمر الله له (فَلَهُ الْجَنَّةُ) أي جزاءً على امتثاله لأمره.
(وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا، أي أمرني الله تعالى بالسجود لآدم ﵇ مع الملائكة الكرام ﵈ (فَأَبَيْتُ) أي امتنعتُ من فعل ما أُمرتُ به، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: أَبَى الرجلُ يَأْبَى إِباءً بالكسر والمدّ، وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبيٌّ على فاعل، وفَعِيل، وتأبّى مثله، وبناؤه شاذٌّ؛ لأن باب فَعَلَ يَفْعَلُ - بفتحتين - يكون حلقيَّ العين أو اللام، ولم يأت من حلقيّ الفاء إلا أبي يأبَى، وعضَّ يَعَضُّ في لغة، وأثّ الشعرُ يَأَثُّ: إذا كثُر والْتَفَّ، وربما جاء في غير ذلك، قالوا: وَدّ يودّ في لغة، وأما لغةُ طيّئ في باب نَسِيَ يَنْسَ إذا قلبوا، وقالوا: نَسَى يَنْسَى، فهو تخفيف. انتهى (١).
وقد حَكى ابن سِيدهْ عن قومٍ: أَبِيَ يَأْبَى، كنَسِيَ يَنْسَى، وحكى ابن جني وصاحب "القاموس": أَبَى يَأْبِي، كضرب يضرب، فعلى هذا يجوز أن يكون أَبَى يَأْبَى - بالفتح فيهما - من باب تداخل اللغتين، أي أن المتكلِّم بالفتح فيهما أخذ الماضي من لغةٍ والمضارع من لغةٍ. انتهى (٢).
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: "الإباء": الامتناع، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا … وَشَرُّ مَوَاطِنِ الْحَسَبِ الإِبَاءُ
قال: والمشهور أَبَى يَأْبَى بالفتح فيهما، وكان القياس كسر عين المضارع، ولذلك اعتبره بعضهم، فكسر حرف المضارعة، فقال: تِئْبِي، ونِئْبِي، وقيل: لَمّا كانت الألف تُشبه حروف الحلق فُتِح لأجلها عين المضارع، وقيل: أَبَى يَأْبَى، بالفتح فيهما، وكان القياس كسر عين المضارع، ونُقل أَبِيَ يأبَى بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع، وهذا قياسٌ، فيحتَمِلُ أن يكون مَن قال: أَبَى يَأْبَى - بالفتح فيهما - استَغنَى بمضارع مَن قال: أَبِيَ بالكسر، ويكون من التداخل، نحوُ رَكِنَ يَرْكَنُ وبابِهِ. انتهى كلام السمين باختصار (٣).
стр. 1282
(فَلِي النَّارُ") أي فوجبت النار عليّ بسبب الامتناع عن امتثال الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٧/ ٢٥١ و ٢٥٢] (٨١)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٥٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٥٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١/ ١٥٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في "كتاب الإيمان"؛ لأنه يدلّ على نقيض الإيمان وهو الكفر.
٢ - (ومنها): بيان فضل السجود لله تعالى، حيث يكون سببًا لدخول الجنّة.
٣ - (ومنها): بيان شؤم التكبّر والإباء لأمر الله تعالى؛ فإنه سبب لحرمان الجنّة ودخول النار، وقد أخرج المصنّف رحمه الله تعالى من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبْر"، قال رجل: إن الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً، قال: "إن الله جميلٌ، يحب الجمال، الكبرُ بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس".
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى قول الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
قال القاضي عياض: قال المفسّرون: إنما كان سجود الملائكة لآدم ﵇ تحيّةً، لا عبادةً له، وطاعةً لله تعالى، وقد كان فيما ذُكم قبلُ السجود للتحيّة مباحًا، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] أي
стр. 1283
ليوسف ﵇، وقيل: لله ، والهاء في ﴿لَهُ﴾ عائدة عليه تعالى.
وقيل: أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم ﵇؛ ليَظْهَر فضله عليهم؛ إذ ظنّت الملائكة أنه لا يَفْضُلهم أحدٌ، وقيل: هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] ذُكِر هذا عن قتادة، فلما خَلَق الله تعالى آدم ﵇، وعلّمه أسماء ما لم يعلموه، بان لهم أنه أعلم منهم، فلما أمرهم بالسجود له، بان فضله عليهم. انتهى (١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في "تفسيره": اختَلَفَ الناسُ في كيفية سجود الملائكة لآدم ﵇ بعد اتّفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور: كان هذا أمرًا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة؛ لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريمًا لآدم، وإظهارًا لفضله، وطاعةً لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى ﴿لِآدَمَ﴾ إلى آدم، كما يقال: صَلِّ للقبلة، أي إلى القبلة، وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مُبْقًى على أصل اللغة فهو من التذلّل والانقياد، أي اخْضَعُوا لآدم، وأَقِرُّوا له بالفضل، فسجدوا، أي امتثلوا ما أمروا به.
واختُلِفَ أيضًا هل كان ذلك السجود خاصًّا بآدم ﵇، فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم، إلا لله تعالى، أم كان جائزًا بعد إلى زمان يعقوب ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحًا إلى عصر رسول الله ﷺ ، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: "لا ينبغي أن يُسْجَد لأحد إلا لله رب العالمين"، روى ابن ماجهْ في "سننه"، والبستي في "صحيحه" عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: لما قَدِمَ معاذ من الشام، سجد للنبيّ ﷺ قال: "ما هذا يا معاذ؟ " قال: أتيت الشام، فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فَوَدِدتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال
стр. 1284
رسول الله ﷺ : "فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حقّ ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه"، لفظ ابن ماجه (١).
قال القرطبيّ: ومعنى "القتب" أن العرب يَعِزّ عندهم وجود كُرْسيّ للولادة، فيحملون نساءهم على القَتَبِ عند الولادة (٢).
قال: وهذا السجود المنهي عنه، قد اتَّخَذه جُهّال المتصوفة عادةً في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فَيَرَى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقْدَمِ؛ لجهله، سواء أكان للقبلة أم غيرها، جهالةً منه، ضَلّ سعيهم، وخاب عملهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٣)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: مقصود مسلم رحمه الله تعالى بذكر هذين الحديثين - يعني حديث أبي هريرة ﵁ هذا، وحديث جابر ﵁ بعده - هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر، إما حقيقةً، وإما تسميةً.
فأما كفر إبليس بسبب السجود، فمأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾، قال الجمهور: معناه: وكان في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم: وصار من الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
وأما تارك الصلاة، فإن كان منكرًا لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، خارجٌ من ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط
стр. 1285
المسلمين مُدّةً يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه، وسيأتي تحقيقه بعد هذا، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه قد احتج أصحاب أبي حنيفة ﵏ بقوله: "أُمِر ابن آدم بالسجود" على أن سجود التلاوة واجبٌ، ومذهب مالك، والشافعيّ، والكثيرين أنه سنةٌ، وأجابوا عن هذا بأجوبة:
[أحدهما]: أن تسمية هذا أمرًا، إنما هو من كلام إبليس، فلا حجة فيها، فإن قالوا: حكاها النبيّ ﷺ ، ولم يُنكرها.
قلنا: قد حَكَى غيرها من أقوال الكفار، ولم يبطلها حال الحكاية، وهي باطلة.
[الوجه الثاني]: أن المراد أمر ندب لا إيجاب.
[الثالث]: المراد المشاركة في السجود، لا في الوجوب، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ، رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى عليك ما في الوجه الأول من الضعف، فالوجه الثالث هو الأقرب، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: وجه احتجاج الحنفيّة به على وجوب سجود التلاوة، أن إبليس عصى بترك ما أُمر به من السجود، فذُمّ، ولُعِنَ، وابن آدم أطاع بفعله، فمُدِح، وأُثيب بالجنّة، فلو تركه لعصى؛ إذ السجود نوع واحدٌ، فلزم من ذلك كون السجود واجبًا.
وذهب الجمهور إلى أنه مندوب وفضيلة، وليس بواجب، وأجابوا عما قاله الحنفيّة بأن ذمّ إبليس ولعنه لم يكن لأجل ترك السجود فقط، بل لتركه عُتُوًّا على الله وكبرًا، وتسفيهًا لأمره تعالى، وبذلك كَفَرَ، لا بترك العمل بمطلق السجود، ألا ترى قوله تعالى مخبِرًا بذلك حين قال: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]؟.
стр. 1286
سلّمنا أنه ذُمّ على ترك السجود، لكن لا نسلّم أن السجود نوع واحدٌ، فقد قال بعض المفسّرين: إن السجود الذي أمر الله تعالى به الملائكة إنما كان طأطأة الرأس لآدم ﵇ تحيّةً له، وسجود التلاوة وضع الجبهة بالأرض على كيفيّة مخصوصة.
سلّمنا أنه نوع واحدٌ، لكن منقسمٌ بالإضافة، ومتغايرٌ بها، فيصحّ أن يؤمر بأحدها، ويُنهَى عن الآخر، كما يؤمر بالسجود لله تعالى، ويُنهى عن السجود للصنم، فما أُمر به الملائكة من السجود لآدم مُحَرَّم على ذرّيّته، كما قد حُرِّم ذلك علينا، وكيف يُستدلّ بوجوب أحدهما على وجوب الآخر (١)، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في أبواب سجود القرآن - إن شاء الله تعالى -.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تارك الصلاة:
ذهب الإمامان: مالك والشافعيّ رحمهما الله تعالى، والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يَكْفُر، بل يَفْسُقُ، ويستتاب، فإن تاب، وإلا قتلناه حدًّا، كالزاني المحصن، ولكنه يُقْتَل بالسيف.
وذهب جماعة من السلف إلى أنه يَكْفُر، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وبه قال عبد الله بن المبارك، وإسحاق ابن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ رحمه الله تعالى.
وذهب أبو حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة، والْمُزَنيّ، صاحب الشافعيّ رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يَكْفُر، ولا يُقْتَل، بل يُعَزَّر، ويُحبَس، حتى يُصلي.
واحتَجَّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور، وبالقياس على كلمة التوحيد.
واحتج من قال: لا يقتل، بحديث: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … " الحديث، وليس فيه الصلاة.
واحتج الجمهور على أنه لا يَكْفُر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وبقوله ﷺ : "من قال: لا إله
стр. 1287
إلا الله دخل الجنة، من مات، وهو يَعْلَم أن لا إله إلا الله، دَخَلَ الجنّة، ولا يَلْقَى الله تعالى عبد بهما غير شاكّ، فيحجبَ عن الجنة"، وحديث: "حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله"، وغير ذلك.
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فَعَلُوا ذلك عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم"، وتأولوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهي القتل، أو أنه محمول على المستحلّ، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار، قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، فليس كلّ من ترك الصلاة كافرًا كفرًا يخرج به عن الملّة، ويُحكم عليه بالردّة، بل الذي يظهر أن تارك الصلاة لا يكفر كفرًا مخرجًا عن الملّة إلا أن يجحدها، أو يتركها تركًا كليًّا، أو يُصرّ على الترك، وإن أفضى إلى قتله، وقد رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى، قد فصّلها تفصيلًا حسنًا، فقال خلال تحقيقه لمسألة الإيمان ما حاصله:
ولهذا فَرَضَ متأخرو الفقهاء مسألةً يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان مُقِرًّا بوجوب الصلاة، فدُعِي إليها، وامتنع، واستتيب ثلاثًا مع تهديده بالقتل، فلم يُصَلّ حتى قُتِل هل يموت كافرًا أو فاسقًا؟ على قولين.
وهذا الفرض باطلٌ، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بَشَرٌ قط، بل ولا يُضرَب أحد ممن يُقِرّ بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضَرَرٌ عظيم، لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لِدِين يعتقد أنه إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يُقْتَل، وسواء كان الدّين حقًّا أو باطلًا، إما
стр. 1288
مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنًا وظاهرًا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط. انتهى (١).
وقال أيضًا في موضع آخر: فأما من كان مصرًّا على تركها لا يصلي قطّ، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، بل أكثر الناس يصلّون تارةً، ويتركونها تارةً، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في "السنن"، حديث عبادة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ، كان له عهد عند الله أن يُدخله الجنة، ومن لم يُحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له".
فالمحافظ عليها الذي يُصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، قد يكون لهذا نوافل تكمّل بها فرائضهم، كما جاء في الحديث. انتهى (٢).
وقال في "شرح العمدة": فأما إذا لم يُدْعَ، ولم يمتنع فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدّين في شيء من الأشياء، ولهذا لم يُعلم أن أحدًا من تاركي الصلاة تُرك غسله، والصلاة عليه، ودفنه مع المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا إهدار دمه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلّ عصر، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد حَمَل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب.
[فإن قيل]: فالأدلّة الدالّة على تكفيره عامّة عُمُومًا مقصودًا، وإن حملتموها على هذه الصور كما قيل قلّت فائدتها، وإدراك مقصودها الأعظم، وليس في شيء منها هذه القيود.
[قلنا]: الكفر على قسمين:
[قسم]: تنبني عليه أحكام الدنيا، من تحريم المناكح، والذبائح، ومنع التوارث، والعقل، وحِلّ الدم والمال، فهذا إنما يثبت لنا كفره إما بقول يوجب الكفر، أو عمل، مثل السجود للصنم، وإلى غير القبلة، والامتناع عن الصلاة،
стр. 1289
وشبه ذلك، فهذا النوع لا نُرتّبه على تارك الصلاة حتى يحقّق امتناعه الذي هو الترك؛ لجواز أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد، أو له عذر، وشبه ذلك.
[والثاني]: ما يتعلّق بأحكام الآخرة، والانحياز عن أمة محمد ﷺ ، واللحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك، فهذا قد يجوز على كثير ممن يَدّعي الإسلام، وهم المنافقون الذين أمرُهُم بالكتاب والسنة معلوم الذين قيل فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٤].
فمن لم يصلّ، ولم يُرد أن يصلي قط، ومات على ذلك من غير توبة، فهذا تارك الصلاة، مندرج في عموم الأحاديث، وإن لم يظهر في الدنيا حكم كفره، ومن قال من أصحابنا: لا يُحكم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي أن يُحمل قوله على الكفر الظاهر، فأما كفر المنافقين، فلا يُشترط له ذلك، فإن أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط.
فأما إن أخّرها عن وقتها، وفعلها فيما بعدُ فمات، أو كان ممن يلزمه أن يفعلها فيما بعدُ فمات، فهذا مع أنه فاسقٌ من أهل الكبائر، ليس بكافر، كالأمراء الذي يؤخّرون الصلاة عن وقتها حتى يخرج الوقت، ولذلك أمرنا النبيّ ﷺ أن نُصلّي معهم النافلة، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]: أخّروها حتى يخرج وقتها، ولو تركوها لكانوا كفّارًا.
وهذا الضرب كثير في المسلمين، وهم من أهل الكبائر الذين ادّخرت لهم الشفاعة، وما جاء من الرجاء لمن يتهاون في الصلاة، فإليهم ينصرف، ولهذا قال النبيّ ﷺ : "ومن لم يُحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد"، ونفيُ المحافظة لا ينفي الفعل، بخلاف من لم ..... (١) فإنه يكون تاركًا بالكليّة كما تقدّم.
فأما من يترك الصلاة بعض الأوقات لا يقضيها، ولا ينوي قضاءها، أو
стр. 1290
يُخلّ ببعض فرائضها، ولا يقضيها، ولا ينوي قضاءها، فمقتضى ما ذكره كثير من أصحابنا أنه يكفر بذلك، فإن دُعي إليها وامتنع، حُكم عليه بالكفر الظاهر، وإلا لحقه حكم الكفر الباطن بذلك، ثم إذا صلّى الأخرى صار مؤمنًا، كما دلّ على ذلك قوله ﷺ : "من ترك صلاة العصر متعمّدًا حبِط عمله"، وقوله: "من ترك الصلاة عمدًا فقد برئت منه الذمّة"، ولا يلزم من ذلك أحكام الكفر في حقّه، كالمنافقين، والأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضًا حتى يعزِمَ على تركها بالكليّة، كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها كما تقدّم من الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبر يوم القيامة بالنوافل، ولأنه متى عزم على بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرّد إيمان. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث دقيق، وتحرير أنيق (٢).
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر خلال تحقيقه لهذه المسألة أيضًا ما نصّه: وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا، وَيدَعُون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتَجرِي عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض، كابن أُبَيّ وأمثاله من المنافقين، فلأن تَجري على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يَظُنّ أن مَن قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد رِدّةً ظاهرةً، فلا يرث،
стр. 1291
ولا يورث، ولا يناكَح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفّروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكّون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه، كابن أُبَيّ وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعصَم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقد لخّص بعض المحقّقين (٢) كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: المتتبّع لكلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في هذه المسألة يجد الآتي:
١ - أن شيخ الإسلام يكفّر من جحد وجوب الصلاة وإن صلى، وعلى هذا إجماع أهل العلم كما نقله غير واحد.
٢ - أن من أقرّ بوجوبها، لكنه لم يلتزمها، أي يقرّ بأنها لازمة له، فهو كافر أيضًا اتفاقًا، وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٩٧ - ٩٨).
٣ - أن من أقرّ بوجوبها، والتزمها، لكنه لم يفعلها بالكلّيّة، فمات، ولم يسجد لله سجدةً، فهو كافر أيضًا باطنًا، طالما أنه يُدْعى إليها، ويُصرّ على الترك، ويرضى بالقتل، انظر: "شرح العمدة" (٢/ ٩٤) مع أنه قد أطلق التكفير، أي في الظاهر والباطن في غير هذا الموضع، انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٩) إلا أن يُحمل كلامه هنا على أنه أراد الكفر الباطن، لا الظاهر، فيلتئم الكلام إذًا، والله أعلم.
قال الجامع: هذا التأويل متعيّنٌ؛ لأن شيخ الإسلام قد صرّح به في كثير من المواطن، فينبغي حمل ما أطلقه عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - أنه إذا دُعي إلى الصلاة، وأصرّ على تركها، حتى قُتل، فهو كافر ظاهرًا
стр. 1292
وباطنًا، كما مرّ في غير موضع، وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٨ - ٤٩).
٥ - أن من أقرّ بوجوبها، ولم يفعلها بالكليّة، لكنه عازم على القضاء، فلا يُكفّر باطنًا، ولا ظاهرًا، كما في "شرح العمدة" (٢/ ٩٤). انتهى (١)، وهو تفصيلٌ حسنٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي (٢) أن تارك الصلاة متعمّدًا كافر مطلقًا، كما وردت النصوص الصحيحة الصريحة بذلك، لكن كفره يختلف، فمنه ما يكون كفرًا دون كفر، ومنه ما يكون كفرًا مخرجًا عن الملّة فلا بدّ من تفصيله، على الوجه المذكور.
والحاصل أن تارك الصلاة عمدًا كافرٌ يُقاتل على تركها، لكن إن كان مقرًّا بوجوبها، بل أحيانًا يصلي بعضها، فيكون كفره كفرًا دون كفر، وإن كان جاحدًا لوجوبها، فهو كافر مطلقًا بلا خلاف، وإن كان مقرًّا بوجوبها إلا أنه تارك لها تركًا كلّيًّا عازمًا على تركها فهو كافرٌ مطلقًا أيضًا، وإن كان يصلي بعضًا، ويترك بعضًا، ودعاه الإمام أو من أمره إلى الصلاة، فأبى، وأصرّ على الترك حتى قُتل، فإنه يكون كافرًا مطلقًا أيضًا؛ لأن إصراره على تركها حتى يُقتل دليل على عدم إقراره بوجوبها، وأما إذا تركها، ولم يُدْعَ إليها، ولم يصرّ على تركها حتى القتل، فإنه يكون كافرًا ظاهرًا، لا باطنًا، فيرث ويورث، ويُدفن في مقابر المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم من امتنع من فعل بقيّة الأركان غير الشهادتين:
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: قد تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض الأربع - يعني الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ - بعد
стр. 1293
الإقرار بوجوبها، فأما الشهادتان، إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم والصالحيّ، وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مُصَدّقًا بقلبه كان كافرًا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقًا وحُبًّا وانقيادًا بدون الإقرار الظاهر ممتنع.
وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة، فهو كافر، وكذلك مَن جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش، والظلم، والكذب، والخمر، ونحو ذلك، وأما مَن لم تَقُم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام، ونحو ذلك، أو غَلِطَ فظَنّ أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُستثنَوْن من تحريم الخمر، كما غَلِطَ في ذلك الذين استتابهم عمر ﵁، وأمثال ذلك، فإنهم يُستتابون، وتُقام الحجة عليهم، فإن أصرُّوا كفروا حينئذ، ولا يُحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يَحكُم الصحابة ﵃ بكفر قُدامة بن مظعون وأصحابه لَمّا غَلِطُوا فيما غَلِطوا فيه من التأويل.
وأما مع الإقرار بالوجوب، إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوال للعلماء، هي روايات عن أحمد:
[أحدهما]: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحجّ، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عَزَمَ على تركه بالكلية كَفَرَ، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد، اختارها أبو بكر.
[والثاني]: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك، مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وهو إحدى الروايات عن أحمد، اختارها ابن بَطّة وغيره.
[والثالث]: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعيّ، وطائفة من أصحاب أحمد.
стр. 1294
[والرابع]: يكفر بتركها، وترك الزكاة فقط.
[والخامس]: يكفر بتركها وترك الزكاة، إذا قاتل الإمامَ عليها، دون ترك الصيام والحج، وهذه المسألة لها طرفان:
[أحدهما]: في إثبات الكفر الظاهر.
[والثاني]: في إثبات الكفر الباطن، فأما الطرف الثاني، فهو مبنيّ على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدةً، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاةً، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]، وقد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما ﵃ في الحديث الطويل، حديث التجلي: أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سَجَد له المؤمنون، وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل الطبق، لا يستطيع السجود، فإذا كان هذا حال من سجد رياءً، فكيف حال من لم يسجد قط؟ وثبت أيضًا في "الصحيح": أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حَرّم على النار أن تأكله، فعُلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله، وكذلك ثبت في "الصحيح" أن النبيّ ﷺ يَعْرِف أمته يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، فدلّ على أن من لم يكن غُرًّا محجلًا لم يعرفه النبيّ ﷺ ، فلا يكون من أمته، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى
стр. 1295
أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فوصفه بترك الصلاة كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي، والمتولي هو العاصي الممتنع من الطاعة، كما قال تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]، وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ١١ - ١٦]، وأيضًا في القرآن علق الأُخُوَّة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما عَلَّق ذلك على التوبة من الكفر فإذا انتَفَى ذلك انتفت الأُخوّة، وأيضًا فقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وفي "المسند": "من ترك الصلاة مُتَعَمِّدًا فقد برئت منه الذمة"، وأيضًا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يُعَبَّر عنهم بها، فيقال: اختَلَفَ أهل الصلاة، واختَلَف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين، يقولون: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، وفي "الصحيح": "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا"، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
وأما الذين لم يُكَفِّروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد، كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد، كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص عَلَّقَت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة، كقوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أدخله الله الجنة"، ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله ﷺ : "خمسُ صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهنّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهنّ، لم يكن له عند الله عهدٌ، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة"، قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافرُ لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظةُ فعلها في أوقاتها كما أُمِر،
стр. 1296
كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخّر النبيّ ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات، وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا، وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥]، ذمهم مع أنهم يصلون لأنهم سَهَوْا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في "صحيح مسلم " عن النبيّ ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَرْقُب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا"، فجعل هذه صلاة المنافقين؛ لكونه أخّرها عن الوقت، ونقرها، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما يُنكَر، وقالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا"، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة"، فنَهَى عن قتالهم إذا صَلَّوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبَيَّن أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها، لا تركها.
وإذا عُرِف الفرق بين الأمرين، فالنبيّ ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صَلَّوا، ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قُتِلوا كفارًا مرتدين بلا ريب، ولا يُتَصَوَّر في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه مُقِرًّا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبيّ ﷺ ، وما جاء به، يأمره وليّ الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يُقْتَل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا، ولو قال: أنا مُقِرّ بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يُلقي المصحف في الْحُشّ، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي، مع هذه الحال، كان كاذبًا فيما أظهره من القول.
стр. 1297
فهذا الموضع ينبغي تدبُّره، فَمَن عَرَف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعَلِمَ أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقرّ بالوجوب، وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على مَن جَعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة، لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواءٌ جُعِل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان، كما تقدم بيانه.
وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق، كما ثبت عنه في "الصحيح" أنه ﷺ قال: "أربع من كُنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جَرَت على المنافق المحض، كابن أُبيّ وأمثاله من المنافقين، فلأن تَجْرِي على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يَظُن أن مَن قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتدّ ردةً ظاهرةً، فلا يَرِث، ولا يورث، ولا يناكَح، حتى أَجْرَوا هذه الأحكام على مَن كَفّروه بالتأويل، من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين مَن يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل مَن لا يشكّون في نفاقه، ومَن نَزَل القرآن ببيان نفاقه، كابن أُبيّ وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء
стр. 1298
ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعْصَم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
ولَمّا خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب ﵁، واعتزلوا جماعة المسلمين، قال لهم: إن لكم علينا أن لا نَمْنَعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء، فلَمّا استحلوا قتل المسلمين، وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبيّ ﷺ حيث قال: "يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قرائتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة"، فكانت الحرورية قد ثَبَت قتالهم بسنة النبيّ ﷺ ، واتفاق أصحابه، ولم يكن قتالهم قتالَ فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين من المسلمين، بل قد ثبت عن النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه قال للحسن ابنه: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، وقال في الحديث الصحيح: "تَمْرُق مارقة على حين فرقة من المسلمين، فتقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ"، فدَلَّ بهذا على أن ما فعله الحسن من ترك القتال، إما واجبًا أو مستحبًّا لم يمدحه النبيّ ﷺ على ترك واجب أو مستحب، ودَلّ الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم عليّ وأصحابه، كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال الخوارج أمر به النبيّ ﷺ ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين، الذي ليس فيه أمر من النبيّ ﷺ .
والمقصود أن علي بن أبي طالب وغيره من أصحابه ﵃ لم يَحْكُموا بكفرهم، ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال.
والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء، وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا مَن حُكي عنه في ذلك قولان، كمالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ ما لا يُحْصَى، وقابله بعضهم، فصار يَظُنّ أنه لا يُطْلَق كفر أحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أَتَوا من الإلحاد، وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.
стр. 1299
والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية، الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يَخفى على بعض الناس أنه كُفْرٌ، فيُطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يُكَفَّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جَحَد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا، وتأَوَّل، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوّل المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له، واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يُخَرَّج الحديث الصحيح في الذي قال: "إذا أنا مُتُّ، فاحرقوني، ثم اسحقوني، في اليمّ، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين"، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حَرّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع.
[فإن قيل]: فالله قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟.
[قيل]: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لابد أن يَظْهَر موجبه في القول والعمل، كما قال بعض السلف: ما أَسَرَّ أحد سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفَلَتات لسانه، وقد قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات، ما يستحق عليه العقوبة عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يُعْلَم من باطنه بلا حجة ظاهرة، ولهذا كان النبيّ ﷺ يعلم من المنافقين مَنْ عَرَّفه الله بهم، وكانوا يحلفون له، وهم كاذبون، وكان يَقْبَل علانيتهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، وأساس النفاق الذي بني عليه، وإن المنافق (١) لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه،
стр. 1300
ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب، كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وأمثال هذا كثير، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥] وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [:] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.
وقد تبيّن أن الدين لا بُدّ فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله تعالى ورسوله ﷺ بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤدّ واجبًا ظاهرًا ولا صلاةً ولا زكاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله ﷺ لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين، وأهل الكتاب، يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ .
ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا له، أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظيّ، كان مخطئًا خطأً بَيِّنًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلفُ والأئمةُ الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها، وأعمّها، وأوّلها، وأجلّها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ دقيقٌ، وتحقيق أنيقٌ، فتمسّك به، تُرشَدْ سواء السبيل، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم الطريق.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة تارك الصلاة:
(اعلم): أن القائلين بعدم كفر تارك الصلاة اختلفوا في عقوبته، وأما من