← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخّر النبيّ ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات، وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا، وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥]، ذمهم مع أنهم يصلون لأنهم سَهَوْا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في "صحيح مسلم " عن النبيّ ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَرْقُب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا"، فجعل هذه صلاة المنافقين؛ لكونه أخّرها عن الوقت، ونقرها، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما يُنكَر، وقالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا"، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة"، فنَهَى عن قتالهم إذا صَلَّوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبَيَّن أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها، لا تركها. وإذا عُرِف الفرق بين الأمرين، فالنبيّ ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صَلَّوا، ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قُتِلوا كفارًا مرتدين بلا ريب، ولا يُتَصَوَّر في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه مُقِرًّا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبيّ ﷺ ، وما جاء به، يأمره وليّ الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يُقْتَل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا، ولو قال: أنا مُقِرّ بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يُلقي المصحف في الْحُشّ، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي، مع هذه الحال، كان كاذبًا فيما أظهره من القول.

стр. 1297

فهذا الموضع ينبغي تدبُّره، فَمَن عَرَف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعَلِمَ أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقرّ بالوجوب، وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على مَن جَعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة، لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواءٌ جُعِل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان، كما تقدم بيانه. وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق، كما ثبت عنه في "الصحيح" أنه ﷺ قال: "أربع من كُنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جَرَت على المنافق المحض، كابن أُبيّ وأمثاله من المنافقين، فلأن تَجْرِي على هؤلاء أولى وأحرى. وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يَظُن أن مَن قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتدّ ردةً ظاهرةً، فلا يَرِث، ولا يورث، ولا يناكَح، حتى أَجْرَوا هذه الأحكام على مَن كَفّروه بالتأويل، من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين مَن يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل مَن لا يشكّون في نفاقه، ومَن نَزَل القرآن ببيان نفاقه، كابن أُبيّ وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء

стр. 1298

ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعْصَم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. ولَمّا خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب ﵁، واعتزلوا جماعة المسلمين، قال لهم: إن لكم علينا أن لا نَمْنَعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء، فلَمّا استحلوا قتل المسلمين، وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبيّ ﷺ حيث قال: "يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قرائتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة"، فكانت الحرورية قد ثَبَت قتالهم بسنة النبيّ ﷺ ، واتفاق أصحابه، ولم يكن قتالهم قتالَ فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين من المسلمين، بل قد ثبت عن النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه قال للحسن ابنه: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، وقال في الحديث الصحيح: "تَمْرُق مارقة على حين فرقة من المسلمين، فتقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ"، فدَلَّ بهذا على أن ما فعله الحسن من ترك القتال، إما واجبًا أو مستحبًّا لم يمدحه النبيّ ﷺ على ترك واجب أو مستحب، ودَلّ الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم عليّ وأصحابه، كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال الخوارج أمر به النبيّ ﷺ ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين، الذي ليس فيه أمر من النبيّ ﷺ . والمقصود أن علي بن أبي طالب وغيره من أصحابه ﵃ لم يَحْكُموا بكفرهم، ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال. والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء، وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا مَن حُكي عنه في ذلك قولان، كمالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ ما لا يُحْصَى، وقابله بعضهم، فصار يَظُنّ أنه لا يُطْلَق كفر أحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أَتَوا من الإلحاد، وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.

стр. 1299

والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية، الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يَخفى على بعض الناس أنه كُفْرٌ، فيُطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يُكَفَّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جَحَد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا، وتأَوَّل، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوّل المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له، واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يُخَرَّج الحديث الصحيح في الذي قال: "إذا أنا مُتُّ، فاحرقوني، ثم اسحقوني، في اليمّ، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين"، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حَرّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. [فإن قيل]: فالله قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟. [قيل]: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لابد أن يَظْهَر موجبه في القول والعمل، كما قال بعض السلف: ما أَسَرَّ أحد سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفَلَتات لسانه، وقد قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات، ما يستحق عليه العقوبة عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يُعْلَم من باطنه بلا حجة ظاهرة، ولهذا كان النبيّ ﷺ يعلم من المنافقين مَنْ عَرَّفه الله بهم، وكانوا يحلفون له، وهم كاذبون، وكان يَقْبَل علانيتهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، وأساس النفاق الذي بني عليه، وإن المنافق (١) لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه،

стр. 1300

ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب، كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وأمثال هذا كثير، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥] وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [:] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين. وقد تبيّن أن الدين لا بُدّ فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله تعالى ورسوله ﷺ بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤدّ واجبًا ظاهرًا ولا صلاةً ولا زكاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله ﷺ لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين، وأهل الكتاب، يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ . ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا له، أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظيّ، كان مخطئًا خطأً بَيِّنًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلفُ والأئمةُ الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها، وأعمّها، وأوّلها، وأجلّها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ دقيقٌ، وتحقيق أنيقٌ، فتمسّك به، تُرشَدْ سواء السبيل، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي لأقوم الطريق. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة تارك الصلاة: (اعلم): أن القائلين بعدم كفر تارك الصلاة اختلفوا في عقوبته، وأما من

стр. 1301

كفّره، فلا خلاف عندهم في قتله على تفاصيل في قتله - ستأتي إن شاء الله تعالى -، وقد عزا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى القول بقتله إلى أكثر السلف (١). وأما القائلون بعدم كفره، فقد ذهب مالك، والشافعيّ، وجماعة إلى قتل تارك الصلاة، وإن كان مسلمًا عندهم. وذهب أبو حنيفة، والزهريّ، والْمُزَنيّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر إلى أنه لا يُقتل، ولكن يُحبس، ويُعزّر. واحتج الأولون بأدلة: (الأول): قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: فأمر بالقتل مطلقًا، واستثنى منه ما إذا تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم؛ لأنه علّق تخلية السبيل على ثلاثة شروط، والحكم المعلّق بشرط ينعدم عند عدمه، ولأن الحكم المعلّق بسبب عُرِف أنه يدلّ على أن ذلك السبب علّة له، فإذا كان علّة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجُز أن تُخَلَّى سبيلهم دونها. انتهى من "شرح العمدة" (٢/ ٦٠)، وبنحوه مختصرًا قاله ابن القيّم في "الصلاة" (ص ٣١ - ٣٢)، والقرافيّ في "الذخيرة" (٢/ ٤٨٣) وغيرهم. وأجاب القائلون بعدم قتله بأجوبة: (منها): أن المراد بذلك الالتزام بالصلاة، لا مجرّد الأداء والفعل (٢). وأجيب بأن هذا خلاف ظاهر الآية، فإنها ظاهرة في الإقرار والالتزام والفعل، لا في الالتزام فقط. (ومنها): أن الآية عامّة في الصلاة والزكاة، وهم لا يرون قتل تارك الزكاة. وأجيب بأن الزكاة يمكن أخذها منه بالقوّة، فإن نصب قتالًا قوتل، وإن

стр. 1302

أفضى ذلك إلى قتله، بخلاف الصلاة، فلا تكون إلا بإقامته إياها. (ومنها): ما قاله أبو حيّان في "البحر المحيط" (٥/ ١٣): والظاهر أن مفهوم الشرط لا ينهض أن يكون دليلًا على تعيين قتل من ترك الصلاة والزكاة متعمّدًا، غير مستحلّ، ومع القدرة؛ لأن انتفاء تخلية السبيل تكون بالحبس وغيره، فلا يتعيّن القتل. انتهى. والجواب أن الآية تتكلّم عن قتلهم إن يقوموا بعدّة أمور، فإن لم يقوموا بها كلّها، فلا يُخلّى سبيلهم من القتل، فليس الكلام مطلقًا؛ فتأمّل. (الثاني): ما رواه عُبيد الله بن عديّ بن الخيار، أن عبد الله بن عديّ الأنصاريّ حدّثه، أن النبيّ ﷺ بينما هو جالس بين ظهراني الناس، إذ جاءه رجلٌ يستأذنه أن يُسارّه، فسارّه في قتل رجل من المنافقين، فجهر النبيّ ﷺ بكلامه، وقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: "أليس يشهد أني رسول الله؟ "، قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: "أليس يُصلي؟ "، قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبيّ ﷺ : "أولئك الذين نُهيت عنهم"، وفي رواية: "عن قتلهم"، أخرجه مالك، وأحمد، والشافعيّ، وسنده صحيح (١). قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة، لم يسأل النبيّ ﷺ عنها، ولم يسقها مع الشهادتين مساقًا واحدًا، وقوله بعد ذلك: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" يوجب حصر الذين نُهي عن قتلهم في هذا الصنف. انتهى (٢). وأجاب ابن حزم عن هذا بأن هذا استدلال بالمفهوم. وتُعُقّب بأن الاستدلال بالمفهوم قول المحقّقين من العلماء، كما هو مبسوط في محلّه من أصول الفقه، فلا التفات إلى ما قاله. (الثالث): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في حديث الخوارج، فقال ذو الخويصرة التميميّ للنبيّ ﷺ : يا رسول الله اتّق الله، فقال ﷺ : "ويلك، ألست

стр. 1303

أحقّ أهل الأرض أن يتّقي الله؟ "، قال: ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟، فقال: "لا لعلّه أن يكون يصلّي"، قال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : "لم أُومَر أَنْ أَنقُب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم"، متّفق عليه. قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: فلما نُهي عن قتله، وعلّل ذلك باحتمال صلاته، كُلم أن ذاك هو الذي حقَنَ دمه، لا مجرّد الإقرار بالشهادتين، فإنه قد قال: يا رسول الله، ومع هذا لم يجعل النبيّ ﷺ ذلك وحده موجبًا لحقن الدم. انتهى (١). وتعقّبه ابن حزم كسابقه بأنه مفهوم، وردّ بأنه دليل على الراجح. (الرابع): حديث الاستئذان في الخروج على الأمراء، فقال النبيّ ﷺ : "لا ما صلّوا"، أخرجه مسلم. قال الإمام ابن عبد البرِّ رحمه الله تعالى: فدلّ أنهم لا يُقاتلون، ولا يُقتَلون إذا صلّوا الخمس، ودلّ ذلك على أن من لم يُصلّ الخمس قوتل، وقُتِل. انتهى (٢). وتُعُقّب بأن الإذن في المقاتلة، ولا يلزم من الإذن فيه الإذن في القتل (٣). وأجيب بأن المقاتلة قد تُفضي إلى القتل، فلو كان القتل غير مأذون فيه أصلًا لَمَا أذن في المقاتلة من باب سدّ الذرائع. (الخامس): قول أبو بكر الصدّيق ﵁: "لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة … " الحديث، متّفقٌ عليه. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجمع عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه. انتهى (٤). واحتجّ القائلون بالحبس والتعزير، دون القتل بأدلّة: (الأول): حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أن أقاتل

стр. 1304

الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقّها"، متّفقٌ عليه، حيث لم تُذكر فيه الصلاة. وأجيب بأن الصلاة والزكاة قد ثبت ذكرهما في روايات أخرى، في "الصحيحين"، فيُحمل المطلق على المقيّد، بل هذا من أدلّة الفريق الأول، كما لا يخفى على بصير. (الثاني): حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة (١) "، متّفق عليه. وأجيب بأن هذا عامّ، يُخصّص بالأدلّة السابقة (٢). وأجيب أيضًا بأن مفهوم العدد لا يُعمل به هنا؛ لثبوت أدلّة أخرى بقتل من عَمِل عَمَل قوم لوط، والمحارب، ونحوهما، وقد ثبتت أدلّة بقتل تارك الصلاة، وحمله بعضهم على أن التارك لدينه هو تارك الصلاة، وعدّه ابن القيّم من أدلّة من قال بقتل تارك الصلاة، بل من أقوى الأدلّة في ذلك (٣). (الثالث): ما ذكره الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى من أن تارك الصلاة قد كان مؤمنًا عند الجميع بيقين، فلا يجب قتله إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، فالواجب القول بأقلّ ما قيل في ذلك، وهو الضرب والسجن، وأما القتل ففيه اختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات. انتهى (٤). وأجيب بأن من قتله بالأدلّة السابقة لم يقتله برأي ولا بهوى، والعمل بغلبة الظنّ معمول به في الشرع، والقول بأنه لا يُقتل إلا بيقين فيه توسّع؛ إذ ثبت في الشرع أنه لو شهد عدلان على قتل رجل لآخر، يقتل القاتل

стр. 1305

بشهادتهما، مع أن المتيقّن أنه معصوم الدم قبل القتل، وإنما قُتل بغلبة الظنّ، وما سبق من أدلّة قتل تارك الصلاة كافٍ للعمل به؛ فتأمّل، والله تعالى أعلم. واستدلّوا أيضًا بأدلّة أخرى عقليّة، لكنها مما لا يُلتفت إليها؛ لكونها في مقابلة النصوص السابقة. وخلاصة القول أن قول من قال بقتل تارك الصلاة بعد استتابته هو الأرجح؛ لما سبق من الأدلّة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في حكم من ترك شرطًا، أو رُكنًا من الصلاة عمدًا ذاكرًا: قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: وأما من أخلّ بشيء من شرائطها، وأركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف، فهذا بمنزلة التارك لها، فيما ذكره أصحابنا، كما ثبت في حديث حذيفة ﵁ (٢)، ولأن هذه الصلاة وجودها كعدمها في منع الاكتفاء بها، فأشبه من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض. انتهى (٣). وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: حكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة، واستقبال القبلة، وسترة العورة حكم ترك الصلاة، وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه، وكذلك ترك الركوع والسجود، وإن ترك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه، وهو يعتقد وجوبه، فقال ابن عقيل: حكمه حكم تارك الصلاة، ولا بأس أن نقول بوجوب قتله، وقال الشيخ أبو البركات ابن تيميّة: عليه الإعادة، ولا يُقتل من أجل ذلك بحال، قال ابن القيّم: فوجه قول ابن عقيل: أنه تارك للصلاة عند نفسه، وفي عقيدته، فصار كتارك الزكاة، والشرط المجمع

стр. 1306

عليه، ووجه قول أبي البركات أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه. قال ابن القيّم: وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه، وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول، فإن تارك ذلك عازم وجازم على الإتيان بصلاة باطلة، فهو كما لو ترك مجمعًا عليه انتهى (١). وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في "أضوائه": والظاهر أن ترك ما لا تصحّ الصلاة دونه، كالوضوء، وغسل الجنابة، كتركها، وجحد وجوبه كجحد وجوبها. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله أبو البركات أرجح، فمن ترك ما لا خلاف فيه من الشروط والأركان فهو كمن تركها، وأما من ترك مختلفًا فيه، فإنه لا يُقتل، بل يؤمر بإعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أشار به إلى الإسناد الذي قبله، وهو: "عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁". وقوله: (مِثْلَهُ) يعني رواية زهير بن حرب مثل رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب.

стр. 1307

(غَيْرَ أنهُ قَالَ) أي إلا زهيرًا قال في روايته بدل "فأبيتُ فلي النار": ("فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ"). [تنبيه]: هذه الرواية التي أحالها المصنّف رحمه الله تعالى هنا، ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال: حدثنا وكيع، ويعلى، ومحمد ابنا عُبيد، قالوا: أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة، اعتَزَلَ الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣] (٨٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ المذكور قبل باب. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ المذكور قبل باب أيضًا. ٣ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد الضبّيّ المذكور قبل باب أيضًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران المذكور في الحديث الماضي. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإِسْكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.

стр. 1308

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن جملة من اشتهر بكنية أبي سفيان نحو أحد عشر رجلًا، ومنهم في "الصحيحين" اثنان فقط، هذا، وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، سيأتي للمصنّف في "كتاب الصلاة" (٥٧٣) رقم محمد فؤاد. ٤ - (ومنها): أن في قوله: "قال يحيى: أخبرنا جرير" فائدة نفيسة، وهي تصريحه بالإخبار، وأن تحمّله كان بالقراءة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان. ٦ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﷺ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) طلحة بن نافع رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابرًا) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ") بنصب "تركَ" على أنه اسم "إنّ"، وخبرها الظرف قبله. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول من "صحيح مسلم": "الشرك والكفر" بالواو، وفي "مُستخَرَجي أبي عوانة الإسفراييني، وأبي نعيم الأصبهانيّ": "أو الكفر" بـ "أو"، ولكل واحد منهما وجه. ومعنى "بينه وبين الشرك ترك الصلاة" أن الذي يَمْنَع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه، ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحدٍ، وهو الكفر بالله تعالى، وقد يُفرَّق بينهما، فيُخَصّ الشرك بعَبَدَة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى، ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: الفرق بين الشرك والكفر فرق

стр. 1309

ما بين الأخصّ والأعمّ، فكلّ شرك كفر، وليس كلُّ كفر شركًا من حيث الحقيقة، والصحيح وهو مذهب الأكثرين أن ترك الصلاة لا يوجب حقيقة ذلك، بل اسم الكفر فحسب بالمعنى الذي سبق قريبًا بيان وجهه، ومنها أن المراد بين الرجل وبين مشابهة أهل الشرك ترك الصلاة، وذلك أن ترك الصلاة شأن أهل الكفر، وهو أخصّ معاصيهم التي وقع التمايز بينهم وبين المسلمين، وعلى هذا تقرب رواية من رواه بحرف الواو، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق في المسائل المتقدّمة في حديث أبي هريرة ﵁ تحقيق القول في حكم تارك الصلاة مستوفًى، فارجع إليه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٣٧/ ٢٥٣ و ٢٥٤] (٨٢)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٧٨)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦١٨ و ٢٦٢٠)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١/ ٢٣٢) كما في بعض نسخ "المجتبى"، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٧٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٣٣ و ٣٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٩)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٠٢٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٥٣)، و"الطبرانيّ" في "الصغير" (١/ ١٣٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢١٧ و ٢١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٤٥ و ٢٤٦ و ٢٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1310

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْر، تَرْكُ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠]، (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل، ثقة ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩، والصحابيّ تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٨) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أفضَلَ الأَعْمَالِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥] (٨٣) - (وَحَدَّثنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، (ح) حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زَيادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْني ابْنَ سَعْدٍ - عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ"،

стр. 1311

قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ"، وَفي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) واسم أبيه بَشِير - بفتح الباء - التُّرْكيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، مولى الأزد، ثقةٌ [١٠]. رَأى شعبةَ، ورَوى عن مالك، وفليح بن سليمان، وأبي أويس، وأبي سعيد بن أبي الوضاح، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وابن المبارك، وأبي حفص الأبّار، وابن أبي الزناد، وأبي الأحوص، وأبي المحياة، يحيى بن يعلى التيمي، وأبي بكر بن عياش، وإبراهيم بن سعد، وعدة. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي، عن أحمد بن علي المروزي، عنه، وحفيده أبو طالب، أحمد بن محمد بن منصور بن أبي مزاحم، وأبو زرعة الرازي، وعثمان بن خُرّزاذ، وأبو حاتم، وأبو معاوية بن صالح الأشعري، وموسى بن هارون، والحسن بن علي بن شبيب المعمري، وأحمد بن محمد بن الجعد الوَشّاء، وأحمد بن يونس الضبي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن علي بن المثنى الْمَوْصلي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وأبو القاسم البغوي، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد: حدثنا منصور بن بشير، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن قتادة، عن أنس في الافتتاح بالحمد لله، قال عبد الله: فحدثت به أبي، فقال: ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد، وليس هو عن أيوب، فأنكر. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: صدوق إن شاء الله تعالى، وقال عبد الخالق: سئل ابن معين عنه، فقال: صدوق، قيل: من أين تعرفه؛ قال: أعرفه وهو كاتب، وقال ابن محرز، عن ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة، عن ابن معين؛ تركي ثبت، وقال أحمد بن أبي يحيى، عن ابن معين: ليس به بأس، إذا حدث عن الثقات، وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فأثنى عليه، وقال: كتبت عنه، قال: وسئل أبي عنه، فقال: صدوق، وقال

стр. 1312

الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحسين بن فهم: منصور بن بشير، وهو ابن أبي مزاحم، كان له ديوان، فتركه، وكان ثقة، صاحب سنَّة، تُوُفّي في ذي القعدة، سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة، أو أكثر، وفيها أرخه ابنُ أبي خيثمة، وغير واحد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) بن أبي هاشم الْوَرَكَانيّ - بفتحتين -، أبو عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك بن أنس، وفضيل بن عياض، وشَريك بن عبد الله، وأبي معشر المدني، وأيوب بن جابر اليمامي، ومعمر بن سليمان الرَّقّي، والمعافى بن عمران الموصلي، ومعتمر بن سليمان التيمي، في آخرين. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن أبي بكر بن علي المروزي عنه، ويحيى بن معين، وابن أبي خيثمة، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وإبراهيم بن الجنيد الختلي، والمعمري، وعباس الدوري، والحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن علي الأبار، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وآخرون. قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عنه، وقال أبو زرعة: كان جار أحمد بن حنبل، وكان يرضاه، وكان صدوقًا ما علمته، وقال صالح بن محمد: كان أحمد يوثقه، ويشير به، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد، وغيره: مات في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين، وفيها أرخه ابن قانع، وقال: كان ثقة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.

стр. 1313

٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ حجة [٤] (١٢٥) (ع) تقدّم في "المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ٢/ ٣ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فقد تفرّد بهما هو، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخيه هذا أول محلّ ذكرهما، في هذا الكتاب، وقد ذكرت آنفًا جملة ما رواه لهما في هذا الكتاب من الأحاديث. ٤ - (ومنها): ما ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" قال: وأما منصور بن أبي مُزاحم، فبالزاي والحاء، وجميع ما في "الصحيحين" مما هذه صورته فهو مزاحم، بالزاي والحاء، ولهم في الأسماء مراجم، بالراء والجيم، ومنه الْعَوّام بن مُراجم. انتهى (١). ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فبغداديّان. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب. ٧ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ ٨ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وملتقَى الإسنادين هو إبراهيم بن سعد، فكلّ من منصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن جعفر يرويان عن إبراهيم بن سعد.

стр. 1314

[فإن قلت]: لِمَ طوّل المصنّف رحمه الله تعالى هذا الإسناد، ولم يختصره بقوله: "حدثنا منصور بن أبي مُزاحِم، ومحمد بن جعفر بن زياد، قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد"؟. [قلت]: إنما سلك المصنّف مسلك التطويل؛ إشارةً إلى صناعة حديثيّة التي طالما تميّز بها هو عن غيره من مَهَرَة الحديث حتى عن البخاريّ إمام هذا الفنّ رحمه الله تعالى، فقد اشتمل صنيعه هذا على ثلاثة أمور: (أحدها): أن شيخه منصورًا حدثه مع غيره، ولذا قال: "وحدثنا منصور … إلخ"، وأما شيخه محمد بن جعفر، فحدّثه وحده، ولذا قال: "حدّثني محمد بن جعفر … إلخ". (والثاني): أن منصورًا أخذه عن شيخه بالسماع، ولذا قال: "حدّثنا إبراهيم"، وأما محمد بن جعفر، فأخذه بالقراءة، ولذا قال: "أخبرنا إبراهيم". (والثالث): أن منصورًا نسب شيخه إلى أبيه، فقال: "حدّثنا إبراهيم بن سعد"، وأما محمد بن جعفر، فلم ينسبه، بل قال: "أخبرنا إبراهيم"، ولذا احتاج المصنّف إلى زيادة "يعني"، فقال: "يعني ابن سعد"، وقد سبق أن نَبَّهْتُ على هذه القاعدة غير مرّة، ولا سيّما في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. والصحابيّ تقدّم الكلام فيه قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: سئلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أُبهِم السائل، وهو أبو ذرّ ﵁، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا نظر؛ لأن حديث أبي ذرّ ﵁ مخالف لهذا الحديث، كما سيأتي بعدُ، فتأمله، والله تعالى أعلم. (أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟) ولفظ البخاريّ: "أيّ العمل أفضل" بإفراد العمل، وفي رواية الترمذيّ: "أي الأعمال خير". و"أَيّ " هنا استفهاميّة، ولا تُستعمل إلا مضافةً، وهي هنا مضافة إلى الأعمال، و"أفضل" اسم تفضيل من فضَلَ يفضُلُ من باب نصر، ويقال: فَضِلَ

стр. 1315

يَفْضَلُ، من باب سَمِعَ يَسْمَعُ، حكاها ابن السّكّيت، وفيه لغة ثالثةٌ، فَضِلَ يَفْضُل بكسر العين في الماضي، وضمّها في المضارع، وهي من باب تداخل اللغتين، وليست لغة مستقلّةً، يقال: فضَلَ فَضْلًا: زاد، والفضل والفضيلة: الخير، وهو خلاف النّقْص والنقيصة (١). [فإن قلت]: إن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة: الإضافة، واللام، و"من"، فلا يقال: زيد أفضل، فكيف جاز هنا؟. [أجيب]: بأنه يجوز استعماله مجرّدًا إذا عُلِمَ، نحو "الله أكبر"، أي أكبر من كلّ شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] الآية (٢)، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ﷺ ("إِيمَانٌ بِاللَّهِ") برفع "إيمان" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو إيمان بالله، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا يدلّ على أن الإيمان من جملة الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغةً وشرعًا، فإنه عمل القلب وكسبه، وقد بيّنّا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأنه منقسم إلى ما يكون عن برهان، وعن غير برهان، ولا يُلتفتُ لخلاف من قال: إن الإيمان لا يُسمّى عملًا؛ لجهله بما ذكرناه، ولا يخفى أن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال كلّها؛ لأنه متقدّم عليها، وشرطٌ في صحّتها، ولأنه من الصفات المتعلّقة، وشرفها بحسب متعلّقاتها، ومتعلّق الإيمان هو الله تعالى، وكتبه ورسله، ولا أشرف من ذلك، فلا أشرف في الأعمال من الإيمان، ولا أفضل منه انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وقد بيّنّا أن الإيمان هو التصديق بالقلب" فيه ما تقدّم غير مرّة أن الحقّ أن الإيمان ليس مجرّد التصديق القلبيّ فقط، بل يتناول الأعمال أيضًا، فتنبّه لذلك، وراجع لذلك كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فإنه قد ردّ على من زعم أن الإيمان هو مجرّد التصديق، وأطال النفس في ذلك، وناقش القائلين بذلك، وغلّطهم، وبيّن أن الإيمان في

стр. 1316

اللغة أعمّ من مجرّد التصديق، وأن العمل داخل في مسمّاه (١)، والله تعالى أعلم. (قَالَ) السائل (ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ بعد الإيمان ما هو الأفضل؟ (قَالَ) ﷺ ("الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ") "الجهاد" بالكسر: مصدر جاهد يُجاهد جهادًا، ومجاهدَةً، وهو من الْجَهْد بالفتح، وهو المشقّة، وهو قتال الكفّار لإعلاء كلمة الله تعالى. و"السبيل": الطريق، يُذكّر، ويؤنّث. ووقع في "مسند الحارث بن أبي أُسامة"، عن إبراهيم بن سعد: "ثم جهادٌ"، فواخى بين الثلاثة في التنكير، بخلاف ما عند "الصحيحين"، وقال الكرمانيّ: الإيمان لا يتكرر كالحجّ، والجهادُ قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصيّ، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أَتَى به مرّة مع الاحتياج إلى التكرار لَمَا كان أفضل. وتُعُقِّب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيمُ، وهو يعطي الكمال، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهدُ وهو يعطي الإفراد الشخصيّ، فلا يُسَلَّمُ الفرق (٢). وقال الطيبيّ: قوله: "إيمان بالله، والجهاد، وحجّ مبرور" أخبار مبتدأ محذوف، ونكّر الإيمان؛ ليُشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة، وعَرَّفَ الجهاد؛ ليدلّ على الكمال؛ لأن الخبر المعرَّفَ باللام يدلّ على الاختصاص، كما قال: "فذالكم الرباط،

стр. 1317

فذالكم الرباط"، ووَصَفَ الحجّ بالمبرور؛ ليُدلي بما يُدلي التنكير في "الإيمان"، والتعريف في "الجهاد". [فإن قلت]: لِمَ لا نحمِلها على الابتداء محذوفة الأخبار؟. [قلت]: يأبى التنكير في الإيمان ذلك، على أن المقدّر في الكلّ: "أفضلُ الأعمال"، وهو أعرف من "حجّ مبرور"، ومن "إيمانٌ بالله"، فأُجري الجهاد مجراهما مراعاة للتناسب. انتهى (١). (قَالَ) السائل (ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ) ﷺ ("حَجٌّ) في اللغة: القصد، وأصله من قولك: حججتُ فلانًا أحُجّه حجًّا: إذا عُدتَ إليه مرّةً بعد أخرى، فقيل: حج البيت؛ لأن الناس يأتونه في كلّ سنة، قاله الأزهريّ، وقال في "العباب": رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه، قال الْمُخَبَّلُ السعديّ [من الطويل]: وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانَ الْمُزَعْفَرَا (٢) قال ابن السّكّيت: يقول: يُكثرون الاختلاف إليه، هذا هو الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكّة - حرسها الله تعالى - للنسك، تقول: حَجَجتُ البيت أَحُجُّهُ حجًّا، فأنا حاجّ، ويُجمَع على حجج، مثلُ بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ. انتهى. وفي الشرع الحجّ: قصد زيارة البيت على وجه التعظيم، وقال الكرمانيّ: الحجّ قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة (٣). (مَبْرُورٌ") أي مقبول، ومنه: بُرَّ حجُّك، وقيل: المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، قاله في "الفتح" (٤).

стр. 1318

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال شَمِر: هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومنه بَرَّت يَمِينُهُ: إذا سَلِمَ من الحنث، وبَرَّ بيعُهُ: إذا سَلِمَ من الخِدَاع، والخلابة، وقيل: المبرور الْمُتَقَبَّلُ، وقال الحربيّ: بُرَّ حَجُّك بضم الباء، وبَرَّ الله حَجَّك بفتحها: إذا رجع مبرورًا مأجورًا، وفي الحديث: سُئل رسول الله ﷺ ما بِرُّ الحجّ؟ قال: "إطعامُ الطعام، وطيب الكلام" (١)، فعلى هذا يكون من البرّ الذي هو فعل الجميل، ومنه بِرُّ الوالدين والمؤمنين، قال: ويكون أيضًا في هذا كلّه بمعنى الطاعة، ويكون بمعنى الصدق، وضدّ الفجور، ومنه بَرَّت يمينه، فيكون الحجّ المبرور الصادق الخالص لله تعالى على هذا. انتهى كلام القاضي (٢). وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الحجّ المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول المقابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرَّ حَجُّهُ - أي بفتح الباء - وبُرَّ حَجُّهُ - أي بضمّها - وبَرّ الله حَجَّهُ، وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: البرّ بالكسر: الخير والفضل، وبَرَّ الرجُلُ يَبَرُّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرَّ بالفتح، وبارٌّ أيضًا: أي صادقٌ، أو تقيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأوّل أبرار، وجمع الثاني بَرَرَةٌ، مثلُ كافرٍ وكَفَرَةٍ، ومنه قوله للمؤذّن: "صَدَقْتَ، وبَرِرْتَ" (٤) أي صدّقتَ في دعواك إلى

стр. 1319

الطاعات، وصِرْتَ بارًّا، دُعاءٌ له بذلك، ودعاء له بالقبول، والأصلُ: بَرَّ عَمَلُك، وبَرِرتُ والدي أَبَرُّهُ بِرًّا، وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتحرّيتُ مَحابّه، وتَوَقَيتُ مكارهه، وبَرَّ الحجُّ واليمينُ، والقول بِرًّا أيضًا، فهو بَرّ وبارّ أيضًا، ويُستَعْمَلُ متعدّيًا أيضًا في الحجّ، وبالحرف في اليمين والقول، فيقال: بَرَّ الله تعالى الحَجّ يَبَرُّهُ بُرُورًا: أي قَبِلَهُ، وبَرِرْتُ في القول واليمين أَبَرُّ فيهما بُرُورًا أيضًا: إذا صَدَقْتُ فيهما، فأنا بَرٌّ وبارٌّ، وفي لغة - يتعدّى بالهمزة، فيقال: أبرّ الله تعالى الحجَّ، وأبررتُ القولَ واليمينَ. انتهى (١). [فإن قلت]: قول من قال: "المبرور الْمُتَقَبَّل" فيه إشكال؛ إذ لا اطّلاع لأحد على القبول. [أجيب]: بأنه يُعرف بعلاماته، فقد قيل: من علامات القبول الإتيان بجميع أركانه، وواجباته، مع إخلاص النيّة، واجتناب ما نُهي عنه، وأن يزداد بعده خيرًا، فيكون حاله أحسن مما كان قبله (٢)، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني أن شيخه محمد بن جعفر خالف منصور بن أبي مُزاحم في سياق هذا الحديث فـ (قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ") ﷺ ، فزاد "ورسوله"، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فلا اختلاف بين روايتيهما؛ لأن الإيمان بالله تعالى مستلزم للإيمان برسوله ﷺ ، ووافق محمدًا على الزيادة أحمد بن يونس، وموسى بن إسماعيل عند البخاريّ، فقد رواه عنهما، عن إبراهيم بن سعد، بسند المصنّف، فقالا: "إيمان بالله ورسوله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 1320

أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٨/ ٢٥٥ و ٢٥٦] (٨٣)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٦)، و"الحجّ" (١٥١٩)، و (الترمذيّ) (١٦٥٨)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١١٣) و"الجهاد" ٦/ ١٩ و"الإيمان وشرائعه" (٨/ ٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٢٦٨ و ٢٨٧ و ٣٣٠ و ٣٤٨ و ٣٨٨ و ٥٣١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥ و ١٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٤٨ و ٢٤٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٢٧)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال. ٢ - (ومنها): أن الإيمان قول وعمل. ٣ - (ومنها): بيان أن نيل الدرجات تكون بالأعمال. ٤ - (ومنها): بيان أن أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد في سبيل الله تعالى، وبعده الحجّ المبرور. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: في قوله ﷺ : " إيمان بالله ورسوله ﷺ " تصريح بأن العمل يُطلق على الإيمان، والمراد به - والله أعلم - الإيمان الذي يُدخَل به في ملة الإسلام، وهو التصديق بقلبه، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان ها هنا الأعمال بسائر الجوارح؛ كالصوم، والصلاة، والحج، والجهاد، وغيرها؛ لكونه جُعِلَ قَسيمًا للجهاد والحج، ولقوله ﷺ : "إيمان بالله ورسوله"، ولا يقال هذا في الأعمال، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة إيمانًا، فقد قَدّمنا دلائله، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الاهتمام بسؤال النبيّ ﷺ عما هو الأفضل، فالأفضل من الأعمال حتى يعملوا به، فينالوا الأجر الأعظم بذلك.

стр. 1321

٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة اهتمامه بتعليم أمته كلّ خير، وحثّها عليه. ٨ - (ومنها): أن هذا السؤال ليس مما يشمله النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية؛ وقوله ﷺ : "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"، متّفقٌ عليه؛ لأن هذا من مهمات أمور الدين، والنهي إنما ورد في السؤال الذي لا فائدة فيه، أو لا علاقة له بالدين، كسؤال من أبي؟، وأين أبي؟، وأين أنا أفي الجنّة، أم في النار؟، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التوفيق بين الأحاديث المختلفة في جواب السؤال عن أفضل الأعمال: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُستَشكَل الجمع بينها، مع ما جاء في معناها من حيث إنه جَعَلَ في حديث أبي هريرة ﵁ أن الأفضل الإيمان بالله، ثم الجهاد، ثم الحج، وفي حديث أبي ذَرّ ﵁ الإيمان والجهاد، وفي حديث ابن مسعود ﵁ الصلاة، ثم بِرُّ الوالدين، ثم الجهاد، وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عَرَفتَ ومن لم تعرف"، وفي حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو ﵃: أيُّ المسلمين خير؟ قال: "مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"، وصح في حديث عثمان ﵁: "خيرُكم مَن تَعَلَّم القرآن وعلمه"، وأمثالُ هذا في "الصحيح" كثيرة. واختلف العلماء في الجمع بينها، فذكر الإمام الجليل، أبو عبد الله الْحَلِيميّ الشافعيّ عن شيخه الإمام العلامة المتقن، أبي بكر القَفّال الشاشيّ الكبير - وهو غير القَفّال الصغير المروزيّ المذكور في كتب متأخري أصحابنا الخراسانيين، قال الحليميّ: وكان القَفَّال أعلم مَن لقيته من علماء عصره - أنه جَمَعَ بينها بوجهين: [أحدهما]: أن ذلك اختلاف جواب جَرَى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد به خيرُ جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال،

стр. 1322

أو نحو ذلك، واستشهد في ذلك بأخبار، منها: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "حجةٌ لمن لم يَحُجَّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوةٌ لمن حَجَّ أفضل من أربعين حجة" (١). [الوجه الثاني]: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو من خيركم مَن فَعَل كذا، فحُذِفت "مِنْ"، وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم، ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم. ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : "خيرُكم خيرُكم لأهله" (٢)، ومعلوم أنه لا يصير ذلك خير الناس مطلقًا. ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه: هذا كلام القَفّال رحمه الله تعالى. وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ثم يُعْرَف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. [فإن قيل]: فقد جاء في بعض هذه الروايات: أفضلها كذا، ثم كذا بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب. [فالجواب]: أن "ثم" هنا للترتيب في الذكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٦]، ومعلوم أنه ليس

стр. 1323

المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] الآية، ونظائر ذلك كثيرة، وأنشدوا فيه [من الخفيف]: قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في الجمع بينها وجهين: [أحدهما]: نحو الأول من الوجهين اللذين حكيناهما، قال: قيل: اختَلَفَ الجواب؛ لاختلاف الأحوال، فأَعْلَمَ كُلَّ قوم بما بهم حاجة إليه، وترك ما لم تدع حاجتهم إليه، أو مما كان السائل علمه قبلُ، فأُعلِم بما تدعو الحاجة إليه، أو بما لم يُكَمّله بَعْدُ من دعائم الإسلام، ولا بَلَغَهُم عِلْمُه. أوالثاني،: أنه قَدَّم الجهاد على الحج؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربةِ أعدائه، والجدّ في إظهاره (١). وذكر صاحب "التحرير" هذا الوجه الثاني، ووجهًا آخر أَنّ "ثم" لا تقتضي ترتيبًا، وهذا قول شاذّ عند أهل العربية والأصول، ثم قال صاحب "التحرير": والصحيح أنه محمول على الجهاد في وقت الزَّحْفِ الْمُلْجِئ، والنفير العام، فإنه حينئذ يحب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم من الحجّ؛ لما في الجهاد من المصلحة العامة للمسلمين، مع أنه مُتعيِّنٌ مُتَضَيّق في هذا الحال، بخلاف الحجّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن الجهاد أفضل من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهر حديث أبي ذرّ ﵁ أن الجهاد مُساو للإيمان في الفضل، وظاهر حديث ابن مسعود ﵁ يخالفهما؛ لأنه أخّر الجهاد عن الصلاة، وعن برّ الوالدين، وليس هذا بتناقض؛ لأنه إنما اختلفت أجوبته لاختلاف أحوال السائلين، وذلك أنه ﷺ كان يُجيب كلّ سائل بالأفضل

стр. 1324

في حقّه، وبالمتأكّد في حقّه، فمن كان متأهّلًا للجهاد، وراغبًا فيه كان الجهادُ في حقّه أفضل من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصالح للجهاد له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، ولو تركهما لضاعا، فيكون برّ الوالدين في حقّه أفضل من الجهاد، كما قد استأذن رجل النبيّ ﷺ في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال: نعم، فقال: "ففيهما فجاهد"، متّفقٌ عليه، وهكذا سائر الأعمال، وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك في وقت استيلاء العدوّ وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال؛ لِمَا أصاب المسلمين من قهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا - جبر الله صدعنا، وجدّد نصرنا -. والحاصل من هذا البحث أن تلك الأفضليّة تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، ولا بُعد في ذلك، فأما تفصيل هذه القواعد من حيث هي، فعلى ما تقدّم من حديث ابن عمر ﵄ الذي قال فيه: "بني الإسلام على خمس … " الحديث، متّفق عليه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبى رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مثلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) الْقُشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّي، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبه، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.

стр. 1325

٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنّفٌ، يتشيّع، عَمِي فتغيّر [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. وابن شهاب تقدّم في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) إشارة إلى السند الذي قبله، وهو عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية معمر هذه ساقها النسائيّ عن شيخ المصنّف، فقال: (٢٦٢٤) - أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سأل رجل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم الحج المبرور"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٧] (٨٤) - (حَدَّثَني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي مُرَاَوحٍ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الإيمانُ بِالله، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ؟ قَالَ: "أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَكثَرُهَا ثَمَنًا"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: "تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاس، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ").

стр. 1326

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقة، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٦ - (أَبُو مُرَاوحٍ (١) اللَّيْثيِّ) ويقال: الغفاريّ المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبي ذر الغفاريّ، وأبي واقد الليثيّ، وحمزة بن عمرو الأسلميّ. وروى زيد بن أسلم، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعمران بن أبي أنس، والصحيح عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عنه. قال العجليّ: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم، أبو أحمد: يُعَدّ في النفر الذين وُلدوا في حياة النبيّ ﷺ ، وسمّاهم، وقال مسلم: اسمه سَعْد (٢). وقال النوويّ في "شرحه": قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وليس يوقف له على اسم، واسمه كنيته، قال: إلا أن مسلم بن الحجاج ذكره في "الطبقات"، فقال: اسمه سَعْدٌ، وذكره في "الكنى"، ولم يذكر اسمه، ويقال في نسبه: الغفاريّ، ويقال: الليثيّ، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ: هو الغفاريّ، ثم الليثيّ. انتهى (٣).

стр. 1327

رَوَى له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه (١)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٢١): "هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها، فحسن … ". ٧ - (أَبُو ذَرٍّ) اختُلِفَ في اسمه، فالأشهر جُنْدَب - بضم الدال وفتحها - ابن جُنَادة - بضم الجيم - وقيل: اسمه بُرَير - بضم الباء الموحدة، وبراءين مهملتين - والأول هو الأصحّ، الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤/ ٥٨٤ - ٥٨٥) في ترجمة أبي مُراوح هذا ما نصّه: قال فيه أبو داود: إنه أبو مُراوح الليثيّ له صحبة، وذكره ابن منده في "الصحابة"، لكن سماه واقد بن أبي واقد، وعزاه لأبي داود، فالله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع: هذا يخالف ما قاله في "الفتح" (٥/ ١٧٧) حيث جزم بأنه غيره، ونصّه: وفي الصحابة أبو مُراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود. انتهى. وهذا هو الذي رجحه في الإصابة" (٧/ ٣٠٥) حيث قال: أبو مراوح الليثيّ، قال أبو داود: له صحبة، وذكره ابن منده، وعزاه لأبي داود، وسمّاه واقد بن أبي واقد، وهو غير أبي مُراوح الغفاريّ، فيُردّ على المزّيّ حيث قال في ترجمة الغفاريّ: الليثيّ، فجعلهما واحدًا. انتهى ما في "الإصابة". قال الجامع: كونهما اثنين هو الذي يظهر لي، كما صرّح به الحافظ في "الفتح"، و"الإصابة"، وأما الردّ على المزيّ في قوله: "الليثيّ" فلا وجه له؛ لأنه يقال له: الليثيّ أيضًا، كما وقع التصريح به في رواية مسلم في هذا السند، ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" (١/ ١٦١) بلفظ "الغفاريّ" في الموضعين، وكذا وقع عند أبي عوانة في "مسنده" (١/ ٦٥) في رواية حبيب مولى عروة الآتية، فتبيّن بهذا أنه ينسب إلى كليهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

стр. 1328

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجاله الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو، وأبو داود، وغير أبي مُراوح، فما أخرج له أبو داود والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن أبا ذرّ ﵁ لا مشارك له في هذه الكنية، وقد اختُلف في اسمه واسم أبيه، والصحيح ما قدّمته، وكذلك أبو مُراوح لا يوجد له مشارك في هذه الكنية (١)، والصحيح أنه لا اسم له غيرها، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، ويأتي في "كتاب الصيام"، وليس له غير هذين، كما أسلفته في ترجمته. ٤ - (ومنها): أن فيه شيخين للمصنّف، كالسند الماضي، وفيه كتابة (ح) وقد مرّ الكلام عليها. ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فبغداديّان. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، ووقع في الإسناد التالي أربعة منهم يروي بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، عن أبي مُراوح. ٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن عروة من الفقهاء السبعة، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ) بضم الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها حاء مهملة (اللَّيْثِيِّ) ويقال أيضًا: الغفاريّ، قال في "الفتح": هو مدنيّ من كبار التابعين، لا يُعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يره، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث. انتهى (٢).

стр. 1329

قال الجامع: تقدّم أنه ليس له عند المصنّف سوى حديثين. (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁، ووقع عند أحمد في "مسنده" من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثني أبي، أن أبا مراوح الغفاريّ أخبره، أن أبا ذر أخبره، وكذا هو في رواية الإسماعيلي، وذكر الإسماعيلي عددًا كثيرًا نحو العشرين نفسًا رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ورواه سعيد بن داود عنه، عن هشام، كرواية الجماعة، قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصحّ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة. انتهى (١). (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ بِالله، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ") ولفظ البخاريّ: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"، والواو هنا بمعنى "ثمّ"، كما قاله ابن حبّان، رحمه الله تعالى. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: وإنما قرن الجهاد بالإيمان؛ لأنه كان عليهم أن يُجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي الْعُليا، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل الأعمال (٢). (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (قُلْتُ: أَيُّ الرِّقّابِ أفضَلُ؟) أي للعتق، حتى يكون ثوابها أكثر عند الله تعالى، ولأبي عوانة في "مسنده": "فأيّ العتاقة أفضل؟ " (قَالَ) ﷺ ("أَنْفَسُهَا) خبر لمحذوف، أي هي أنفسها (عِنْدَ أَهْلِهَا) أي أغبطها، وأجودها، وأرفعها عندهم، والمال النفيس: هو المرغوب فيه، قاله الأصمعيّ، وأصله من التنافس في الشيء الرفيع (٣)، وإنما كان أنفسها أفضل؛ لأن عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤)، (وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا") منصوب على التمييز، أي من حيث الثمن، وهذا تفسير لما وقع عند أكثر رواة البخاريّ بلفظ: "أعلاها ثمنًا" بالعين المهملة، وهي رواية النسائيّ أيضًا، وللكشميهنيّ: بالغين المعجمة، وكذا

стр. 1330

للنسفيّ، وهي رواية أبي عوانة في "مسنده"، قال ابن قرقول: معناهما متقارب. انتهى. وعند أبي نعيم في "المستخرج": "أغلاها ثمنًا، وأنفعها عند أهلها". وقال النووي رحمه الله تعالى: المراد به - والله أعلم - إذا أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أما إذا كان معه ألفُ درهم، وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين، أو رقبة نفيسة مثمنة، فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية، فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال البغويّ من أصحابنا رحمه الله تعالى في "التهذيب" بعد أن ذكر هاتين المسألتين كما ذكرتُ: قال الشافعيّ رحمه الله تعالى: في الأضحية استكثارُ القيمة مع استقلال العدد أحبّ إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثارُ العدد مع استقلال القيمة أحبّ إليّ من استكثار القيمة مع استقلال العدد؛ لأن المقصود من الأضحية اللحمُ، ولحمُ السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق تكميلُ حال الشخص، وتخليصه من ذُلّ الرِّقّ، فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال في "الفتح" بعدما ذكر نحو هذا: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فربّ شخص واحد إذا أُعتق انتفع بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يَحصُل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، وربّ محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم. فالضابط أن ما كان أكثر نفعًا كان أفضل، سواء قلّ أو كثر، واحْتُجّ به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنًا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: المراد بقوله: "أغلى ثمنًا" من المسلمين. ويؤيّد ما قالوه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أيما رجل أعتق امرءًا مسلمًا، استنقذ الله بكلّ عضو منه عضوًا منه من النار"، متّفقٌ عليه (٢). قَالَ أبو ذرّ ﵁ (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفعَلْ؟) أي لم أقدر عليه، ولا تيسّر لي؛ لأن المعلوم من أحوالهم أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تعذّر عليهم (٣).

стр. 1331

وفي رواية الإسماعيليّ: "أرأيتَ إن لم أفعل"، أي إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل، وأراد القدرة، ولأبي عوانة في "مسنده": "أفرأيت إن لم أجد"، ولأبي نعيم في "المستخرج": "أرأيت إن ضعفت"، وللدارقطنيّ في "الغرائب" بلفظ "فإن لم أستطع" (قَالَ) ﷺ ("تُعِينُ) بضمّ أوله، من الإعانة رباعيًّا (صَانِعًا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية المشهورة بالضاد المعجمة وبالياء من تحتها، ورواه عبد الغافر الفارسيّ "صانعًا" بالصاد المهملة، والنون، وهو أحسن؛ لمقابلته لأخرق، وهو الذي لا يُحسن العمل. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: "صانعًا"، وفي الرواية الأخرى: "الصانع"، فرُوِيَ بالصاد المهملة فيهما وبالنون من الصَّنْعَة، ورُوي بالضاد المعجمة، وبهمزة بدل النون، تُكتَب ياءً من الضَّيَاع، والصحيح عند العلماء رواية الصاد المهملة، والأكثر في الرواية بالمعجمة: "فَتُعِين ضَائِعًا" (٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: روايتنا في هذا الحديث من طريق هشام أوّلًا "ضائعًا" بالمعجمة، وبياء بعد الألف، وكذلك في الرواية الأخرى "فتعين الضائع" من جميع طُرُقنا عن مسلم، في حديث هشام والزهريّ، إلا من رواية أبي الفتح الشاسيّ، عن عبد الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بَحْر حَدَّثَنَا عنه فيهما بالصاد المهملة، كما تقدّم، وهو صوابُ الكلام؛ لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضًا صحيحًا، لكن صحت الرواية هنا عن هشام بالصاد المهملة، وكذلك رويناه في "صحيح البخاريّ". قال ابن المدينيّ: الزهريّ يقول: "الصانع" بالصاد المهملة، وَيرَون أنّ هشامًا صَحَّفَ في قوله: "ضائعًا" بالمعجمة. وقال الدارقطنيّ عن معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، قال الدارقطنيّ: وكذلك رواه أصحاب هشام عنه بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما قاله الزهريّ، وفي "الموطّا" من رواية التِّنِّيسيّ، وابن وهب، وغيرهما عن الزهريّ: "أن تصنع لضائع" بالمعجمة، وقد يُصحّح هذه الرواية

стр. 1332

أيضًا قولُهُ في حديث أبي موسى: "وأَعِنْ ذا الحاجة". انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (١). وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: في رواية هشام: "تُعِين صانعًا" هو بالمهملة والنون في أصل الحافظ أبي عامر العبدريّ، وأبي القاسم ابن عساكر، قال: وهذا هو الصحيح في نفس الأمر، ولكنه ليس رواية هشام بن عروة، إنما روايته بالمعجمة، وكذا جاء مقيدًا هذا الوجه في كتاب مسلم، في رواية هشام، وأما الرواية الأخرى عن الزهريّ: "فتُعِين الصانع"، فهي بالمهملة، وهي محفوظة عن الزهريّ كذلك، وكان يَنْسُبُ هشامًا إلى التصحيف، قال الشيخ: وذكر القاضي عياض أنه بالمعجمة في رواية الزهريّ لرواة كتاب مسلم، إلا رواية أبي الفتح السمرقنديّ، قال الشيخ: وليس الأمر على ما حكاه، في رواية أصولنا لكتاب مسلم، فكلها مُقَيَّدة في رواية الزهريّ بالمهملة على ما هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (٢). وقال في "الفتح": قوله: "تعين ضائعًا" بالضاد المعجمة، وبعد الألف تحتانية، لجميع الرواة في البخاريّ، كما جزم به عياض وغيره، وكذا هو في مسلم إلا في رواية السمرقنديّ، كما قاله عياض أيضًا، وجزم الدارقطنيّ وغيره بأن هشامًا رواه هكذا، دون من رواه عن أبيه، وقال أبو عليّ الصدفيّ، ونقلته من خطه: رواه هشام بن عروة بالضاد المعجمة والتحتانية، والصواب بالمهملة والنون، كما قال الزهريّ. وإذا تقرر هذا فقد خَبَطَ من قال من شُرّاح البخاريّ: إنه رُوي بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه، ورَوَى الدارقطنّي من طريق معمر، عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، وإنما هو بالصاد المهملة والنون، قال الدارقطنيّ: وهو الصواب؛ لمقابلته بالأخرق، وهو الذي ليس بصانع، ولا

стр. 1333

يُحسن العمل، وقال علي بن المدينيّ: يقولون: إن هشامًا صَحَّف فيه. انتهى. ورواية معمر عن الزهريّ عند مسلم كما تقدم، وهي بالمهملة والنون، وعكس السمرقنديّ فيها أيضًا، كما نقله عياض، وقد وُجِّهَت رواية هشام بأن المراد بالضائع ذو الضَّيَاع، من فَقْر أو عِيَال، فيرجع إلى معنى الأول. انتهى ما في "الفتح" (١). (أَوْ) الظاهر - والله أعلم - أنها للتنويع، لا للشكّ، أي تعين صانعًا، إن شئت، وإن شئت (تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ") بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، بالراء والقاف: هو الذي ليس بصانع، يقال: رجلٌ أخرق، وامرأة خرقاء، لمن لا صنعة له، فإن كان صانعًا حاذقًا قيل: رجل صَنَع بفتح النون، وامرأة صَنَاعٌ بفتح الصاد، قاله النوويّ (٢). وقال في "الصيانة": الأخرق ها هنا هو الذي لا يُحسن العمل، والأخرق أيضًا الذي لا رِفْقَ، ولا سياسة له في أمره، والمعنى: إذا رأيت من يُحاول عملًا، فإن كان يُحسنه فأعنه عليه، وإن لم يُحسن، فاعْمَلْه له. انتهى (٣). وقال في "الفتح": قال أهل اللغة: رجل أخرق لا صنعة له، والجمع خُرْق بضم ثم سكون، وامرأة خرقاء كذلك، ورجل صانع وصَنَعٌ بفتحتين، وامرأة صَنَاعٌ بزيادة ألف. انتهى (٤). وقال في "المفهم": الأخرق: هو الذي لا يُحسن العمل، يقال: رجل أخرق، وامرأةٌ خرقاء، وهو ضدّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاعٌ بألف بعد النون، قال أبو ذؤيب في المذكّر [من الكامل]: وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا … دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ وقال آخر في المؤنّث [من الطويل]: صَنَاعٌ بِأَشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا … جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ (٥)

стр. 1334

و"الشَّكْرُ" بفتح الشين: الفرج، وبضمّها: الثناء بالمعروف (١). (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ ضَعَفْتُ) بضمّ العين المهملة، وفتحها، من بابي كرُمَ، ونَصَرَ (٢) (عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟) أي من الصناعة، أو الإعانة، أي فماذا أعمل (قَالَ) ﷺ : ("تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ) أي تمنع وصول شرّك إليهم، يقال: كفّ عن الشيء يكفّ بضمّ الكاف كفًّا، من باب نصر: تركه، وكفَفْتُهُ كَفًّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدَّى، ولا يتعدّى (٣). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليل على أن الكفّ عن الشرّ داخل في فعل الإنسان وكسبه، ويؤجرُ عليه، ويُعاقب على تركه؛ خلافًا لبعض الأصوليين القائل: إن الترك نفيٌ محضٌ، لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب، وهو قولٌ باطلٌ بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول، غير أن الثواب لا يحصل على الكف إلا مع النية والقصد، وأما مع الغفلة والذهول فلا. انتهى (٤). (فَإِنَّهَا) أي فإن الخصلة التي هي كفّ الشرّ، وقال الطيبي: الضمير للمصدر الذي دلّ عليه الفعل، وأنّثه لتأنيث الخبر. انتهى (٥). (صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ") ولفظ البخاريّ: "تَصَدَّق بها على نفسك"، وهو: بفتح التاء والصاد المهملة الخفيفة، على حذف إحدى التاءين، والأصل تتصدق، ويجوز تشديدها على الإدغام، أي تتصدّق بهذه الصدقة على نفسك، أي تحفظها عما يُرديها، ويعود وباله عليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 1335

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٨/ ٢٥٧ و ٢٥٨] (٨٤)، و (البخاريّ) في "العتق " (٢٥١٨)، و (النسائيّ) في "الجهاد" (٣١٣٠)، وفي "العتق" من "الكبرى" (٤٣٣٧)، و (ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٥٢٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٢٩٨ و ٢٠٢٩٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٠ و ١٦٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٨ و ١٧٩ و ١٨٠ و ١٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٥٠ و ٢٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٧٣ و ٩/ ٢٧٢ و ١٠/ ٢٧٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٣٢ و ٢٣٣)، و (ابن الجارود) (٩٦٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق. ٢ - (ومنها): بيان كون الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى: الواو في حديث أبي ذر ﵁ هذا بمعنى "ثُمّ"، وهو كذلك في حديث أبي هريرة ﵁، أي المتقدم قبل هذا، وقد تقدم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلف من الروايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل: قَرَن الجهاد بالإيمان هنا؛ لأنه كان إذ ذاك أفضل الأعمال، وقال القرطبيّ: تفضيل الجهاد في حال تعيّنه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان، فلا يجاهد إلا بإذنهما، وحاصله أن الأجوبة اختَلَفَت باختلاف أحوال السائلين. ٣ - (ومنها): أن فيه حسنَ المراجعة في السؤال، وصبر المفتي والمعلم على التلميذ، ورفقه به، وقد رَوَى ابن حبان، والطبريّ، وغيرهما من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره، عن أبي ذرّ ﵁ حدَّثنا حديثًا طويلًا، فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها، تشتمل على فوائد كثيرة، منها سؤاله عن أيّ المؤمنين أكمل، وأيّ المسلمين أسلم، وأيّ الهجرة والجهاد والصدقة والصلاة أفضل، وفيه ذكر الأنبياء وعددهم، وما أنزل عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونواهي وغير ذلك. ٤ - (ومنها): بيان تفاضل الأعمال الصالحات فيما بينها، فبعضها لا يوازيه شيء، كالإيمان.
следующие страницы →