رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبرَي مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (يَزِيدُ الرِّشْكِ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، وَهِمَ من لَيّنه [٦] (ت ١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٤/ ٧٦٧.
٤ - (مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ) بنت عبد الله، أو الصهباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧)، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ - بضمّتين، وتشديد اللام - نسبة إلى قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث والعنعنة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ) بالجرّ بدل من يزيد، أو عطف بيان له، قال المجد ﵀: الرِّشْك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّماة في السَّبَقِ، وأصله القاف، ولقبُ يزيد بن أبي يزيد الضبَعيّ أحْسَبِ أهل زمانه. انتهى (١).
(قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أنَهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النِّبِيِّ ﷺ ) بنصب "زوجَ" على البدليّة (أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ)
стр. 12707
عائشة ﵂ (نَعَمْ) أي كان يصومها؛ أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ) احترازٌ من أيام الأسبوع (كَانَ يَصُومُ؟) أي هذه الثلاثة، من أولها، أو أوسطها، وآخرها، متصلةً، أو منفصلة؟ (قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي) أي لم يكن يَهْتَمّ للتعيين (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف، فتارةً من أولها، وتارةً من وسطها، وتارةً من آخرها.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث وحديث ابن مسعود ﵁: "كان يصوم من غُرّة كل شهر ثلاثة أيام"؟، رواه أبو داود.
[أجيب]: بأن ابن مسعود ﵁ حدّث بما اطلع عليه من أحوال النبيّ ﷺ ، وظنّ أنه الغالب منها، وعائشة ﵂ اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هو، فحدّثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين.
وقال العراقيّ ﵀: يَحْتَمِل أنه يريد بغرته أوله، وأن يريد الأيام الغُرّ؛ أي الْبِيض، وقال القاضي عياض: غُرَر الشهر أوائله. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٧٤٤] (١١٦٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٥٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٦٣)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من إكثار الصوم والاجتهاد فيه.
стр. 12708
٣ - (ومنها): فضل عائشة ﵂ حيث كانت تراعي أحوال النبيّ ﷺ ، فحفظت على الأمة كثيراً من أحواله ﷺ .
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف رجالاً ونساءً، من تتبع أحوال النبيّ ﷺ ، والسؤال عنها حتى يقتدوا به؛ لأن في اتباعة الهداية، والفلاح، قال الله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٥] (١١٦١) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ، وَهُوَ يَسْمَعُ: "يَا فُلَانُ أَصُمْتَ مِنْ سُرَةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٠٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٦٩٨.
٤ - (مُطَرِّفٌ) بن عبد الله بن الشِّخِّير (١) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
стр. 12709
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، أسلم عام خيبر، وصحِبَ، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، مات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أشرت إليه آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ) أي لعمران بن حصين ﵄ (أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ) لم يَعرف اسمه، و"أو" هنا للشكّ، وهو من مُطَرِّف فإن ثابتاً البنانيّ رواه عنه بنحوه على الشك أيضاً، كما سيأتي في الباب التالي، وأخرجه المصنّف هنا من وجهين آخرين عن مطرِّف بدون شك على الإبهام: "أن النبيّ ﷺ قال لرجل: هل صُمت … "، وزاد أبو عوانة في "مستخرجه": "من أصحابه"، ورواه أحمد من طريق سليمان التيميّ به، قال لعمران بغير شك (١).
وقوله: (وَهُوَ يَسْمَعُ) جملة حاليّة من عمران ("يَا فُلَانُ) كذا في "صحيح البخاريّ"، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذر: "يا أبا فلان " بأداة الكنية (أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ ") - بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، بعدها هاء - قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "من سُرّة هذا الشهر" بالهاء بعد الراء، وذكر مسلم بعده حديث أبي قتادة، ثم حديث عمران أيضاً: "في سَرَر شعبان"، وهذا تصريح من مسلم بأن رواية عمران الأولى بالهاء، والثانية بالراء، ولهذا فرّق بينهما، وأدخل الأولى مع
стр. 12710
حديث عائشة ﵂، كالتفسير له، فكأنه يقول: "يستحب أن تكون الأيام الثلاثة من سُرّة الشهر، وهي وسطه، وهذا مُتّفَقٌ على استحبابه، وهو استحباب كون الثلاثة هي أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وقد جاء فيها حديث في كتاب الترمذيّ وغيره، وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، قال العلماء: ولعل النبيّ ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة؛ لئلا يُظَنّ تَعَيُّنها، ونبّه بسرة الشهر، وبحديث الترمذيّ في أيام البيض على فضيلتها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": "السَّرَر" بفتح السين المهملة، ويجوز كسرها، وضمها: جمع سَزَة، ويقال أيضًا: سِرَار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد: والجمهور على أن المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سُمِّيت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين، ونَقَل أبو داود، عن الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، ونَقَل الخطابيّ عن الأوزاعيّ كالجمهور، وقيل: السَّرَر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجَّهَه بأن السرر جمع سُرّةٍ، وسُرّة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط الشهر، وأنه لم يَرِد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاصّ، وهو آخر شعبان من صامه لأجل رمضان، ورجحه النوويّ بأن مسلماً أفرد الرواية التي فيها سُرّة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الْحَضّ على صيام البيض، وهي وسط الشهر، كما تقدّم، قال الحافظ: لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره، وهو سُرّةُ، بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: "سِرَار"، وأخرجه من طُرُق عن سليمان التيميّ، في بعضها سَرَر، وفي بعضها سِرار، وهذا يدلّ على أن المراد آخر الشهر.
[تنبيه]: زاد البخاريّ بعد قوله: "أما صُمتَ سَرَر هذا الشهر؟ " ما نضه: قال: أظنّه يعني رمضان، قال في "الفتح": هذا الظن من أبي النعمان؛ لتصريح البخاريّ في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية أبي الصَّلْت، وكان ذلك وقع من
стр. 12711
أبي النعمان لَمّا حَدَّث به البخاريّ وإلا فقد رواه الْجَوْزقيّ من طريق أحمد بن يوسف السلميّ، عن أبي النعمان بدون ذلك، وهو الصواب، ونَقَل الحميديّ عن البخاريّ أنه قال: إن شعبان أصحّ، وقيل: إن ذلك ثابت في بعض الروايات في "الصحيح"، وقال الخطابيّ: ذكرُ رمضان هنا وَهَمٌ؛ لأن رمضان يتعيّن صوم جميعه، وكذا قال الداوديّ، وابن الجوزيّ، ورواه مسلم أيضاً من طريق ابن أخي مُطَرِّف، عن مُطَرِّف بلفظ: "هل صُمْتَ من سَرَر هذا الشهر شيئاً؟ " يعني شعبان، ولم يقع ذلك في رواية هْدبة، ولا عبد الله بن محمد بن أسماء، ولا فِطْر بن حماد، ولا عَفّان، ولا عبد الصمد، ولا غيرهم عند أحمد، ومسلم، والإسماعيليّ، وغيرهم، ولا في باقي الروايات عند مسلم.
وَيحْتَمِل أن يكون قوله: "رمضان" في قوله: "يعني رمضان" ظرفاً للقول الصادر منه ﷺ لا لصيام المخاطب بذلك، فيوافق رواية الجريريّ، عن مطرِّف، فإن فيها عند مسلم: "فقال له: فإذا أفطرت من رمضان، فصم يومين مكانه".
قال أبو عبد الله البخاريّ: وقال ثابث، عن مطرّف، عن عمران، عن النبيّ ﷺ : "من سَرَرِ شعبان"، وزاد في نسخة الصغانيّ هنا: قال أبو عبد الله: وشعبان أصحّ. انتهى.
(قَالَ) الرجل (لَا) أي لم أصم سرره (قَالَ) ﷺ ("فَإِذَا أَفْطَرْتَ) يعني من صوم رمضان، كما بُيّن في الرواية التالية، وهذا ظاهر في أن السؤال وقع في شهر رمضان (فَصُمْ يَوْمَيْنِ") أي مكان ما تركته من صوم السرر.
قال الخطابيّ: قال بعض أهل العلم: سؤاله ﷺ عن ذلك سؤال زجر وانكار؛ لأنه قد نَهَى أن يُستَقبَل الشهر بيوم أو يومين.
وتُعُقّب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضاء ذلك.
وأجاب الخطابيّ باحتمال أن يكون الرجل أوجبها على نفسه، فلذلك أمره بالوفاء، وأن يقضي ذلك في شوال. انتهى.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": قوله: "سؤال إنكار" فيه تكلُّف، ويدفع في صدره قول المسئول: لا يا رسول الله، فلو كان سؤال إنكار، لكان ﷺ قد أنكر عليه أنه صام، والفرض أن الرجل لم يصم، فكيف يُنكِر عليه فعل ما لم يفعله؟.
стр. 12712
وَيحْتَمِل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر، فلما سمع نهيه ﷺ أن يتقدّم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين، ولم يبلغه الاستثناء ترك صيام ما كان اعتاده من ذلك، فأمره بقضائها؛ لتستمر محافظته على ما وَظَّف على نفسه من العبادة؛ لأن أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه كما تقدم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الاحتمال هو أقرب الأجوبة، وحاصله أن ذلك الرجل كان معتاداً صيام آخر شعبان، فلما سمع نهي النبيّ ﷺ عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين ترك عادته؛ لكونه لم يسمع الاستثناء، فساله النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: لم أصم، فأمره بقضاء ما تركه؛ محافظة على ما اعتاده، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكون هذا كلاماً جرى من النبيّ ﷺ جواباً لكلام لم ينقل إلينا. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا المأخذ.
وقال آخرون: فيه دليل على أن النهي عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين إنما هو من يقصد به التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، ولو لم يكن اعتاده، وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثنِ منه إلا من كانت له عادة.
وأشار القرطبيّ إلى أن الحامل من حَمَل سرر الشهر على غير ظاهره، وهو آخر الشهر الفرار من المعارضة؛ لنهيه ﷺ عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وقال: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادة؛ حملاً للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 12713
(المسألة الثاثية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٧٤٥ - وفي الباب التالي -٢٧٥١ و ٢٧٥٢ و ٢٧٥٣ و ٢٧٥٤] (١١٦١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٣)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٨ و ٤٣٢ و ٤٣٩ و ٤٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٠ و ١٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٤٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ١١٤ و ١١٥ و ١٢٠ و ١٢٧)، و (البزّار) في "مسنده" (٩/ ١٥ و ٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢١٠) و"المعرفة" (٣/ ٣٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صوم آخر شعبان من كان معتاداً له، وأن النهي الوارد في ذلك لا يتناوله، كما صحّ الاستثناء في غير هذا الحديث.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية قضاء التطوّع، قال في "الفتح": وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى؛ خلافا من منع ذلك. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبي ﵀: في هذا الحديث إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان، وأن صوم يوم منه يعدل صوم يومين في غيره؛ أخذاً من قوله في الحديث: "فصم يومين مكانه" يعني مكان اليوم الذي فوّته من صيام شعبان. انتهى.
قال الحافظ: وهذا لا يتم إلا إن كانت عادة المخاطب بذلك أن يصوم من شعبان يوماً واحداً، وإلا فقوله: "هل صمت من سَرَر هذا الشهر شيئاً؟ " أعم من أن يكون عادته صيام يوم منه، أو أكثر، نعم وقع في "سنن أبي مسلم الكجيّ": "فصم مكان ذلك اليوم يومين". انتهى (١).
٤ - (ومنها): ما قال القرطبي ﵀ أيضاً: قوله: "فصم يومين مكانه"؛ هذا منه ﷺ حَمْلٌ على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحَضٌّ على أن لا يمضي على المكلَّف مثل شعبان فلم يصم منه شيئاً، فلما فاته صومه،
стр. 12714
أمره أن يصوم من شوال يومين ليحصل له أجر من الجنس الذي فوَّته على نفسه.
قال: ويظهر لي: أنه إنما أمره بصوم يومين؛ للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بُعْد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره، ويشهد لهذا: أنه ﷺ كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره؛ اغتناماً لمزية فضيلته. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٦] (١١٦٢) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، رَجُلٌ أتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢)، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِياً، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ، حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: "لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ"، أَوْ قَالَ: "لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِرْ"، قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ، وَيُفْطِرُ يَوْماً؟ قَالَ: "وَيُطِيق ذَلِكَ أَحَدٌ؟! قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً؟، قَالَ: "ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ"، قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَان إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ، أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ، أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتى قَبْلَهُ").
стр. 12715
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (غَيْلَانُ) بن جرير المذكور في السند الماضي.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ) - بكسر الزاي، وتشديد الميم، ثم نون - البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي قتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وأرسل عن عمر.
ورَوَى عنه قتادة، وغيلان بن جرير، وثابت البنانيّ، والحجاج بن عَتّاب العبديّ.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لم يدرك عمر، وقال البخاريّ: لا يعرف سماعه من أبي قتادة، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن خلفون: وَثَّقه الْبَرْقيّ، وذكره ابن عدي من أجل قول البخاريّ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٦٢) وكرّره ثلاث مرّات، وحديث في "كتاب التفسير" (٣٠٣٠) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية.
٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، هو الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، شَهِدَ أُحُداً وما بعدها، ولم يشهد بدراً، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله من رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن معبد ما أخرج له البخاريّ.
стр. 12716
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، وهو فارس رسول الله ﷺ .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحّدة، بينهما عين مهملة (الزِّمَّانِيِّ) بكسر الزاي، وتشديد الميم: نسبة إلى زمّان بن مالك بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل، بطن من ربيعة، قاله في "اللباب" (١).
[تنبيه]: هذا الإسناد متّصل عند المصنّف؛ لوجود شرطه، وهو المعاصرة مع احتمال اللقيّ، ليس متّصلاً على شرط البخاريّ؛ لأنه قال: لا يُعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة.
والحاصل أنه متّصل صحيح على شرح المصنّف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ ﵁ (رَجُلٌ) لم يعرف اسمه، وفي رواية البيهقيّ من طريق أبان بن يزيد العطّار، عن غيلان: "أن أعرابيًّا أتى النبيّ ﷺ ، فقال له: يا نبي الله كيف صومك؟ " (أتى النَّبِيَّ ﷺ ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ: "عن أبي قتادة: رجلٌ أتى"، وعلى هذا يُقرأ "رجلٌ" بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي الشأن والأمر رجلٌ أتى النبيّ ﷺ ، فقال، وقد أُصْلِح في بعض النسخ: "أن رجلاً أتى"، وكان مُوجِبُ هذا الإصلاح جهالةُ انتظام الأول، وهو منتظم كما ذكرته، فلا يجوز تغييره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ.
(فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي نسخة: "فغضب من قوله رسول الله ﷺ "؛ أي غضب ﷺ من أجل قول ذلك الرجل، قال العلماء: سبب غضبه ﷺ أنه كَرِهَ مسألته؛ لأنه يَحتاج إلى أن يجيبه، ويَخشَى من جوابه
стр. 12717
مفسدةً، وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقلّه، أو اقتصر عليه، وكان يقتضي حاله أكثر منه، وإنما اقتصر عليه النبيّ ﷺ ؛ لشغله بمصالح المسلمين، وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه، والوافدين إليه؛ لئلا يقتدي به كل أحد، فيؤدى إلى الضرر في حق بعضهم، وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم؟ أو كيف أصوم؟ فيَخُصّ السؤال بنفسه؛ ليجيبه بما تقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم؛ والله أعلم، قاله النوويّ ﵀ (١).
قال القاري ﵀: وأيضاً لم يكن صومه ﷺ على منوال واحد، بل كان يختلف باختلاف الأحوال، فتارة يُكثر الصوم، وتارة يُقِلّه، ومثل هذا الحال لا يمكن أن يَدخُل تحت المقال، فيتعذر جواب السؤال، ولذا وقع لجماعة من الصحابة ﵃ أنهم سألوا عن عبادته لله تعالى، فتقالُّوها، فبلغة ذلك، فاشتَدّ غضبه عليهم، وقال: "أنا أتقاكم لله، وأخوفكم منه" يعني ولا يلزم منه كثرة العبادة، بل حسنها، ومراعاة شرائطها، وحقائقها ودقائقها، وتقسيمها في أوقاتها اللائقة بها. انتهى (٢).
(فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ) بن الخطّاب (غَضَبَهُ) ﷺ على السائل، وخاف من دعائه ﷺ عليه خاصّةً، ومن السراية على غيره عامّةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (قَالَ) اعتذاراً إليه، واسترضاء منه (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ) ﷺ (نَبِيًّا) قال القاري: المنصوبات تمييزات، ويمكن أن تكون حالات مؤكدات (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَعضَبِ رَسُولِهِ) ﷺ وذكرُ غضب الله تزيين للكلام، وتعيين بأن غضبه تعالى يوافق غضبه ﷺ (فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدّدُ) أي يكرّر (هَذَا الْكَلَامَ) أي قوله: "رضينا بالله ربّا … إلخ " (حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ) ﷺ (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟) أي كيف حاله؛ أي هل هو محمود، أو مذموم؟ قال القاري ﵀: انظر حسن الأدب حيث بدأه بالتعظيم، ثم سأل السؤال على وجه التعميم، ولذا قيل: حُسْنُ السؤال نصف العلم. انتهى.
(قَالَ) ﷺ ("لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ") أي لا صام صوماً فيه كمال الفضيلة،
стр. 12718
ولا أفطر فطراً يمنع جوعه وعطشه (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: "لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِرْ") قال في "شرح السنة": معناه الدعاء عليه؛ زجراً له، ويجوز أن يكون إخباراً، قال المظهر: يعني أن هذا الشخص كأنه لم يفطر؛ لأنه لم يأكل شيئاً، ولم يصم لأنه لم يكن بأمر الشارع. انتهى.
وهذا كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد"، متّفقٌ عليه، وقد تقدّم.
(قَالَ) عمر ﵁ (كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ، وَيُفْطِرُ يَوْماً؟) بأن يجعل العبادة غالبة على العادة (قَالَ) ﷺ ("وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ ") بتقدير الاستفهام؛ أي أتقول ذلك، ويطيق ذلك أحد؟، قال القاري: وفيه إشارة إلى أن العلة في نهي صوم الدهر إنما هو الضعف، فيكون المعنى: إنه إن أطاقه أحد فلا بأس، أو فهو أفضل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح النهي عن صوم الدهر مطلقاً؛ لوضوح أدلّته، فتنبّه.
(قَالَ) عمر (كيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً؟، قَالَ) ﷺ ("ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ") أي وهو في غاية من الاعتدال، ومراعاةٌ لجانبي العبادة والعادة بأحسن الأحوال (قَالَ) عمر (كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟) إبقاءً للبدن عن الضعف؛ ليتقوى على سائر العبادات (قَالَ) ﷺ ("وَدِدْتُ") بكسر الدال الأول، وأجاز بعضهم فتحها، وتقدّم تمام البحث في ذلك؛ أي أحببتُ (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفعول به (طُوِّقْتُ ذَلِكَ") ببناء الفعل للمفعول؛ أي جعلني الله مُطيقاً الصيام المذكور، وقال الطيبيّ: أي لم تشغلني الحقوق عن ذلك حتى أصومَ، لا أنه ﷺ لم يكن يُطيق؛ لأنه كان يُطيق أكثر من ذلك، فكان ﷺ يواصل ويقول: "إني لست كأحدكم … ". انتهى (٢).
وقال القاضي عياض حُسْنُ السؤال نصف العلم: قيل: معناه: ودِدْتُ أن أمتي تطوقه؛ لأنه ﷺ
стр. 12719
كان يطيقه وأكثر منه، وكان يواصل، ويقول: "إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربى يُطعمني ويسقيني".
قال النوويّ ﵀: ويؤيد هذا التأويل قوله ﷺ في الرواية الثانية: "ليت أن الله قَوّانا لذلك"، أو يقال: إنما قاله لحقوق نسائه، وغيرهنّ من المسلمين المتعلقين به، والقاصدين إليه ﷺ . انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "وددت أني طُوِّقْتُ ذلك"؛ أي: أُقدرت عليه، وذلك أنه ﷺ كانت عليه حقوق كثيرة لأهله مع كثرتهم، ولضيفانه، وأصحابه، وللناس خاصة وعامة، فكان يتوقع إن التزم ذلك أن يضعف عن تلك الوظائف أو بعضها؛ فيقع خلل في تلك الحقوق، فتمنى أن يقدر على ذلك مع الوفاء بتلك الحقوق، والله أعلم.
لا يقال: فقد كان قادراً على الوصال، وهو أشق، ولم يضعف عن القيام بشيء من تلك الحقوق؛ لأنا نقول: لم يكن وصاله دائماً، وإنما كان في وقت من الأوقات بخلاف ما تمنى، فإنه تمناه دائماً.
ويَحْتَمِل: أن هذا كان منه في أوقات مختلفة، ففي وقت كان يطيق فيواصل، وفي وقت يخاف الضعف فيتمنى حتى يحصل له الحظ الأوفر من قوله: "نية المؤمن خير من عمله" (٢)، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بعد ذلك الجواب على جهة التفضُّل والتبرع من غير السؤال ("ثَلَاثٌ) قال الطيبيّ ﵀: إنما طرح التاء من "ثلاث"؛ اعتباراً لليالي، قال في "الكشّاف" عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]: قيل: "عشراً" ذهاباً إلى الليالي، والأيامُ داخلة معها، ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام، تقول: "صمت عشراً"، ولو ذكَّرتَ لخرجت من كلامهم. انتهى (٣).
стр. 12720
قال القاري بعد نقل ما ذُكر: ونوقش بأن ما ذكره في الآية من تغليب الليالي ظاهر؛ لأنها معدودة من العِدّة، وفي "صمتُ عشراً" نظر ظاهر؛ لأن الليالي لا اعتبار لها في الصوم بوجه؛ لأنها لا تقبله، فلا وجه له فيها.
ويمكن دفعه بأنه الملابسة بينهما، لا سيما على القول بأنه لا بدّ من إدراك جزء من الليالي في طرفي يوم الصوم. انتهى (١).
(مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) أي صيام ثلاثة أيام، قيل: هو أيام البيض، وقيل: من صام أيّ ثلاث يجد هذا الثواب، وهو الصحيح؛ لما تقدّم من حديث عائشة ﵂: "لم يكن يبالي من أيّ أيام الشهر يصوم".
(وَرَمَضَانُ) أي صيام رمضان من كلّ سنة، منتهيّا (إِلَى رَمَضَانَ) قال القاري ﵀: القياس انصرافهما، لكن ضُبِط في النسخ المصححة غير منصرفين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد القاري ﵀ أن حقّ "رمضان" هنا الصرف؛ لتنكيره، حيث لم يرد به معيّن، وحقّ ما مُنع من الصرف للعلميّة مع علّة أخرى إذا نُكر صُرف، كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
.... وَاصْرِفَنْ مَا نُكِّرَا … مِنْ كُلِّ مَا التَّعْرِيفُ فِيهِ أُثَّرَا
(فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) قال الطيبيّ ﵀: أدخل الفاء في الخبر؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن "ثلاثٌ" مبتدأ، و"من كلّ شهر" صفته؛ أي ثلاثة أيام يصومها الرجل من كلّ شهر صيام الدهر كلّه. انتهى. (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ) قال ابن الأثير ﵀: الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البِدار إلى طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلباً للثواب المرجوّ فيها.
قال الطيبيّ ﵀: كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفّر، فوضع موضعه "أحتسب"، وعدّاه بـ "على" التي هي للوجوب على سبيل الوعد؛ مبالغة في حصول الثواب. انتهى (٢).
стр. 12721
(أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ) قال النوويّ ﵀: معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر يُرْجَى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات. انتهى (١).
وقال المظهر ﵀: قيل: في تكفير ذنوب السنة التي بعدها هو أنه تعالى يحفظه من أن يُذنب فيها، وقيل: يُعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفّارة للسنة الثانية إن اتَّفَقَ فيها ذنب. انتهى (٢).
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: وقد يُسْتَشْكَل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختَلَف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جعل الله تعالى صوم عرفة الماضي كفارة لها، كما جعله مكفِّراً لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه أن الله تعالى يَعْصِمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يحوجه إلى كفارة، وأطلق الماورديّ في "الحاوي" في السنتين معاً تأويلين: أحدهما أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يعصي فيهما، وقال صاحب "العدّة" في تكفير السنة الأخرى: يَحْتَمِل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنة ماضية وسنة مستقبلة، قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص برسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز، ذكر ذلك كله النوويّ في "شرح المهذب". انتهى (٣).
(وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ، أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتى قَبْلَهُ")، والله
стр. 12722
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٧٤٦ و ٢٧٤٧ و ٢٧٤٨ و ٢٧٤٩ و ٢٧٥٠] (١١٦٢)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٢٥)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ٢٠٩) وفي "الكبرى" (٢/ ١٢٧)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧١٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٦ و ٢٩٧ و ٣١٠ و ٣١١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٣٩ و ٣٦٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠١)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨٩ و ١٧٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وذلك كصيام الدهر ثواباً.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الغضب للإمام أو المفتي إذا أساء السائل وجه السؤال، وعلى هذا بوّب الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يَكْرَهُ".
٣ - (ومنها): ما قال ابن حبان ﵀ في "صحيحه": لم يكن غضب النبيّ ﷺ من أجل مسألة هذا السائل عن كيفية الصوم، وإنما كان غضبه؛ لأن السائل سأله قال: يا نبيّ الله كيف تصوم؟ قال: فكره النبيّ ﷺ استخباره عن كيفية صومه مخافة أن لو أخبره يَعْجِز عن إتيان مثله، أو خَشِي ﷺ على السائل وأمته جميعاً أن يُفْرَض عليهم ذلك، فيعجزوا عنه. انتهى (١).
стр. 12723
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر من تعظيم النبيّ ﷺ ، وشدّة خوفه من أن يغضب، فيغضب الله لغضبه.
٥ - (ومنها): بيان النهي عن صوم الدهر.
٦ - (ومنها): بيان فضل صوم عرفة، وأنه يكفّر السنة الماضية، والآتية، وهذا لغير الحاجّ، وأما الحاجّ فيكره له صومه؛ لما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وغيرهم بسند صحيح، عن عقبة بن عامر مرفوعاً: "إن يومَ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أكل وشرب".
٧ - (ومنها): بيان فضل صوم عاشوراء، وأنه يكفّر السنة الماضية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزمَّانِيَّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِبَيْعَتِنَا بَيْعَةً، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ، فَقَالَ: "لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ"، أَوْ: "مَا صَامَ، وَمَا أَفْطَرَ"، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ، وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، قَالَ: "وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ " قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ، وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ، قَالَ: "لَيْتَ أَنَّ اللهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ"، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ، وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، قَالَ: "ذَاكَ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ"، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ"، قَالَ: فَقَال: "صَوْمُ ثَلَاثَةٍ (١) مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ"، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ"، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ".
стр. 12724
وَفي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ (١) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِ الْخَمِيسِ؛ لَمَّا نُرَاهُ وَهْماً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ) السائل عمر ﵁، كما بُيّن في الرواية السابقة.
وقوله: (فَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ) السائل أيضاً عمر ﵁، وكذا في الأسئلة التالية.
وقوله: (وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) قال صاحب "المعلم": لا أعرف السائل، وكذلك السائل عن صوم عرفة، وعاشوراء لا أعرفهما. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عُرف السائل - بحمد الله - فيما أخرجه البيهقيّ في "الكبرى" من طريق أبان العطّار، عن غيلان، فقد بيّن في كلّ المواضع أنه عمر بن الخطّاب ﵁، فتنبّه.
وقوله: (ذَاكَ يَوْمٌ وُلدْتُ فِيهِ … إلخ) قال الطيبيّ ﵀: أي فيه وجود نبيّكم ﷺ ، وفيه نزول كتابكم، وثبوت نبوّته، فأي يوم أفضل، وأولى للصيام فيه؟، فاقتصر على العلة؛ أي سلوا عن فضيلته؛ لأنه لا مقال في صيامه، فهو من الأسلوب الحكيم. انتهى (٣).
وقوله: (وَيَوْمٌ بُعِثْتُ) أي فيه.
وقوله: (أَوْ أُنْزِلَ عَلَئَ فِيهِ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "بعثتُ"، أو قال: "أنزل عليّ فيه".
стр. 12725
وقوله: (صَوْمُ ثَلَاثَةٍ (١) مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) وفي نسخة: "صوم ثلاثة أيام … إلخ" وقوله: (وَسُئِلَ عَن صَوْم يَوْمِ عَرَفَةَ) السائل هنا وفيما بعده هو عمر ﵁، كما بيّنته رواية يزيد العطّار الآتية في رواية البيهقيّ، فتنبّه.
وقوله: (وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ) وفي نسخة: "في رواية شعبة" بـ "في".
وقوله: (فَسَكَتْنَا عَن ذِكْرِ الْخَمِيسِ؛ لَمَّا نُرَاهُ وَهْماً) قال النوويّ ﵀: ضَبَطُوا "نُرَاهُ" بفتح النون، وضمّها وهما صحيحان، قال القاضي عياض ﵀: إنما تركه، وسكت عنه؛ لقوله: "فيه وُلدتُ، وفيه بُعِثت، أو أنزل عليّ"، وهذا إنما هو في يوم الاثنين، كما جاء في الروايات الباقيات يوم الاثنين دون ذكر الخميس، فلما كان في رواية شعبة ذكر الخميس تركه مسلم؛ لأنه رآه وَهَماً.
قال القاضي: وَيحْتَمِل صحة رواية شعبة، ويرجع الوصف بالولادة والإنزال إلى الاثنين دون الخميس، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي متعين، والله أعلم. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية شعبة التي فيها ذكر الخميس ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٢٩) فقال:
(٢٩٤٩) - حدّثنا الصاغانيّ، حدّثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا شعبة، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدِّث عن عبد الله بن مَعْبد الزِّمّانيّ، عن أبي قتادة - قلت: الأنصاريّ؟، قال: الأنصاريّ - أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه، فغضب، فقال عمر بن الخطاب ﵁: رضينا بالله ربّا، وبالإسلام ديناً، قال شعبة وأحسبه قال: وبمحمد رسولاً، قال: فسئل عمن صام الدهر، فقال: "لا صام ولا أفطر"، أو: "ما صام وما أفطر"، قال: وسئل عن صوم يومين، وإفطار يوم، قال: "ومن يُطِيق ذلك؟ "، قال: وسئل عن صوم يوم، وإفطار يوم، قال: "ذاك صوم أخي داود" قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس، قال: "ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بعثت فيه، وبوم أنزل عليّ فيه"، ثم قال:
стр. 12726
"صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر"، وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: "يكفّر السنة الماضية والباقية"، وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: "يكفّر السنة الماضية". انتهى.
[تنبيه آخر]: هذا مما وفى به المصنّف ﵀ ما وعد به في أول الكتاب من بيانه العلل، حيث قال: "وسنزيد - إن شاء الله تعالى - شرحاً وإيضاحاً في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعلّلة إذا أتينا عليها إلى آخر كلامه"، فقد بيّن هنا أنه ما وقع لشعبة في روايته لهذا الحديث من الغلط، وأنه أعرض عن ذكره في الكتاب؛ لكونه وَهَماَ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمع مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٦ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
و"شُعبة" ذُكر قبله.
стр. 12727
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، وشبابة، والنضر ثلاثتهم عن شعبة لم أجد من ساقها، فلينظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُر الْخَمِيسَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) - بفتح الحاء المهملة - أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٣ - (أَبَانُ الْعَطَّارُ) هو: ابن يزيد، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
و"غيلان بن جرير" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبان العطّار، عن غيلان هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ٣٠٠) فقال:
(٨٢٥٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ عليّ بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان بن يزيد، ثنا غيلان بن جرير الْمِعْوَليّ، عن عبد الله بن مَعْبَد الزِّمَّانيّ، عن أبي قتادة، أن أعرابيًّا أتى النبيّ ﷺ ، فقال له: يا نبي الله كيف صومك؟ أو كيف تصوم؟ قال: فسكت عنه النبيّ ﷺ ، فلم يَرُدّ عليه شيئاً، فلما أن سكن عنه الغضب، سأله عمر بن الخطاب، فقال له: يا نبي الله كيف صومك؟ أو كيف تصوم؟ أرأيت من صام الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر"، أو قال: "ما صام وما أفطر"، قال: يا رسول الله أرأيت من صام يومين، وأفطر يوماً؟ قال النبيّ ﷺ : "ومن يطيق ذلك
стр. 12728
يا عمر؟ لوَدِدتُ أني فعلت ذلك"، قال: يا رسول الله أرأيت من صام يوماً، وأفطر يوماً؟ قال: "ذاك صوم داود"، فقال: يا نبي الله أرأيت من صام يوم عرفة؟ قال: "يكفر السنة، والسنة التي قبلها"، قال: أرأيت من صام ثلاثاً من الشهر؟ قال: "ذاك صوم الدهر"، قال: أرأيت من صام يوم عاشوراء؟ قال: "يكفر السنة"، قال: يا رسول الله أرأيت من صام يوم الاثنين؟ قال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزلت عليّ فيه النبوة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأنصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٩) - (بَابُ صَوْمِ سُرَرِ شَعْبَانَ)
قال النوويّ ﵀: ضَبَطُوا "سِرَر" بفتح السين وكسرها، وحكى القاضي ضمها، قال: وهو جمع سُرّة، ويقال أيضًا: سَرَارٌ، وسِرَار بفتح السين وكسرها، وكله من الاستسرار، قال الأوزاعيّ، وأبو عبيد، وجمهور العلماء من أهل اللغة، والحديثِ، والغريبِ: المراد بالسَّرَر آخر الشهر، سُمِّيت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، قال القاضي: قال أبو عبيد، وأهل اللغة: السَّرَر آخر الشهر، قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: المراد وسط الشهر، قال: وسِرَارُ كل
стр. 12729
شيء وسطه، قال هذا القائل: لم يأت في صيام آخر الشهر ندبٌ، فلا يُحْمَل الحديث عليه، بخلاف وسطه، فإنها أيام البيض.
وروى أبو داود، عن الأوزاعيّ: سَرَرُهُ أوله، ونقل الخطابيّ عن الأوزاعيّ: سرره آخره، قال البيهقيّ في "السنن الكبرى" بعد أن روى الروايتين عن الأوزاعيّ: الصحيح آخره، ولم يَعْرِف الأزهريّ أن سرره أوله، قال الهرويّ: والذي يعرفه الناس أن سرره آخره، وَيعْضُد من فسره بوسطه الرواية السابقة في الباب قبله: "سُرّة هذا الشهر"، وسرارة الوادي وسطه وخياره.
وقال ابن السّكّيت: سَرار الأرض أكرمها، ووسطها، وسَرار كل شيء وسطه، وأفضله، فقد يكون سَرار الشهر من هذا.
قال القاضي: والأشهر أن المراد آخر الشهر، كما قاله أبو عبيد والأكثرون، وعلى هذا يقال: هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن تقديم رمضان بصوم يوم ويومين.
ويجاب عنه بما أجاب المازريّ وغيره، وهو أن هذا الرجل كان معتاد الصيام آخر الشهر، أو نَذَره فتركه بخوفه من الدخول في النهي عن تقدّم رمضان، فَبَيَّن له النبيّ ﷺ أن الصوم المعتاد لا يدخل في النهي، وإنما نَنْهَى عن غير المعتاد، والله أعلم. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥١] (١١٦١) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ - وَلَمْ أفهَمْ مُطَزَفاً مِنْ هَدَّابٍ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ، أَوْ لِآخَرَ: "أَصُمْتَ مِنْ سِرَرِ شَعْبَانَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال له: هُدْبة القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات سنة بضع و (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
стр. 12730
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس في ثابت، تغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) (ع) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، و"مُطَرِّفٌ" هو: ابن عبد الله بن الشِّخِّير.
وقوله: (وَلَمْ أَفْهَمْ مُطَرِّفاً مِنْ هَذَاب) هذا كلام المصنّف ﵀؛ يعني أنه لم يفهم من لفظ شيخه هدّاب بن خالد لفظ مطرّف، وإنما فهمه من غيره، وفيه أنه إذا خفي على الطالب بعض السند أو بعض كلمات المتن، فاستثبت من غيره جاز، وهذا الذي فعله المصنف فعله غيره من الحفّاظ، ففي "مسند أحمد": حدّثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم بالكوفة، فلم أكتبه، فسمعت شعبة يُحدّث به، فعرفته به، عن عاصم، عن عبد الله بن سَرْجِس، أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر قال: "اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر … " الحديث، وفي غير "المسند": عن يزيد، أنا عاصم، وثَبّتني فيه شعبة.
وقال أبو داود في "سننه" عقب حديث الحكم بن حَزْن: ثَبَّتني في شيء منه بعض أصحابنا، ذكره في "التدريب" (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي، فراجعه تستفد.
[٢٧٥٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَن الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئاً؟ " قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 12731
٢ - (يَزِيدُ بْن هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، أخو مطرّف، ثقةٌ [٢] (ت ١١١) أو قبلها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفاً يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشئَهْرِ شَيْئاً؟ " يَعْنِي شَعْبَانَ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: "إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْماً، أَوْ يَوْمَيْنِ، شُعْبَةُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ، قَالَ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: "يَوْمَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابن أخي مطرِّف بن الشِّخِّير) هو: عبد الله بن هانئ بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ، أبو الحصين البصريّ، مقبول [٦].
رَوَى عن عمة مُطَرِّف هذا الحديث، وروى عنه شعبة بن الحجاج، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط في المتابعات، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح؛ أي أفطرت من رمضان، كما في الرواية التي قبلها، وحُذِفت لفظة "من" في هذه الرواية، وهي مرادة، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى
стр. 12732
قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، وَيَحْيَى اللُّؤْلُؤِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَانِئِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ) بن إسماعيل السّلَميّ، أبو عبد الله البخاريّ، نزيل مرو مقبول [١١].
رَوَى عن النضر بن شُميل، وكان مستمليه، ويزيد بن هارون، وعمرو بن عُبيد الطنافسيّ، وأبي حذيفة، إسحاق بن بشير، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود في غير "السنن"، وعبد الله بن صالح البخاريّ، وعيسى بن محمد الكاتب، والقاسم بن محمد المروزيّ، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
وأخرج الخطيب في "المتفق" من طريق أبي العباس البخاريّ، عن محمد بن قُدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، ثنا أبو حُذيفة البخاريّ، ثنا المأمون بحديث، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس رفعه: "مولى القوم منهم"، فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدّث عنه، فبعث إليه عشرة آلاف.
تفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١١٦١) و (١٤٢٧) و (٢٣٥٩) و (٢٩١٥).
٢ - (يَحْيَى اللُّؤْلُؤِيُّ) هو: يحيى بن محمد بن معاوية، أبو زكريا اللؤلؤيّ المروزيّ، نزيل بخارَى، مقبول [١١].
стр. 12733
رَوَى عن النضر بن شُميل، وعبدان بن عثمان.
وروى عنه مسلم، وعبيد الله بن واصل، وإسحاق بن خلف، ومحمد بن عبد الرحمن بن زرنك، وإسحاق بن أحمد النسفيّ البخاريون، وعمر بن محمد بن يحيى البجيريّ.
قال إسحاق بن أحمد: رأيت يحيى بن محمد اللؤلؤيّ دخل على محمد بن بكير، فقال: أين سمعت من النضر بن شُميل؛ قال: بمرو، وقال أبو حسان مهيب بن سليم: رأيت محمد بن إسماعيل كلما جاء في كتابه: حدّثنا يحيى، ثنا النضر بن شُميل، يقول: اضرب عليه، وكان يحيى يروي عن النضر أربعة آلاف حديث.
وقال محمد بن يوسف بن عاصم البخاريّ: توفي يوم الأربعاء في النصف من رجب سنة سبع وخمسين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٦١) و (٢٣٥٩).
٣ - (النَّضْرُ) بن شُمَيل، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله، والحديث تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية النضر، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٠) - (بَابُ فَضْلِ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٥] (١١٦٣) - (حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ").
стр. 12734
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة، جعفر بن إياس، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ فقيه [٣] (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٩١.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ) قال النوويّ ﵀: اعلم أن أبا هريرة ﵁ يروي عنه اثنان، كلّ منهما حميد بن عبد الرحمن: (أحدهما): هذا الحميريّ.
(والثاني): حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قال الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين": كلّ ما في "الصحيحين" حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فهو الزهريّ، إلا في هذا الحديث خاصّة، وهذا الحديث لم يذكره البخاريّ في "صحيحه"، ولا ذِكرَ للحميريّ في البخاريّ أصلاً، ولا في مسلم إلا في هذا الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولا ذكر للحميريّ في البخاري أصلاً، ولا في مسلم … ... إلخ " إن أراد بقيد روايته عن أبي هريرة، فمسلّم، وإن أراد مطلقاً ففيه نظر؛ فقد أخرج له البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه حديثه عن أبي بكرة: "أي يوم هذا؟ وأيّ شهر هذا؟ وأيّ بلد هذا؟ … " فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 12735
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ) أي بعد فضل صيام شهر رمضان (شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ) قال القرطبيّ ﵀: إنما كان أفضل - والله تعالى أعلم - من أجل أن المحرّم أول السنة المستأنفة التي لم يجئ بعدُ رمضانُها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه ﷺ بأنه ضياء، فإذا استفتح سَنَتَهُ بالضياء مشى فيه بقيتها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ بتغيير يسير (١).
وقال النوويّ ﵀: فيه تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم، وقد سبق الجواب عن إكثار النبيّ ﷺ من صوم شعبان دون المحرَّم، وذكرنا فيه جوابين:
[أحدهما]: لعله إنما عَلِم ﷺ فضله في آخر حياته.
[والثاني]: لعله ﷺ كان يَعْرِض له فيه أعذار، من سفر، أو مرض، أو غيرهما. انتهى (٢).
وفيه تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم بعد رمضان.
أفمان قيل]: هذا يعارض ما صحّ من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "لم أره - تعني النبيّ ﷺ صائماً من شهر قطّ أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، يصوم شعبان إلا قليلاً".
[أجيب] عنه بجوابين:
(أحدهما): لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه.
(الثاني): لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر، ومرض، وغيرهما. أفاده النوويّ ﵀ (٣).
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الفضل العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ": الحكمة في تسمية المحزم شهر الله، والشهور كلها لله يَحْتَمِل أن يقال: إنه لما كان من الأشهر الحرم التي حرّم الله تعالى فيها القتال، وكان أول شهور السنة، أُضيف إليه إضافة تخصيص، ولم يصحّ إضافة شهر من الشهور إلى الله تعالى
стр. 12736
عن النبيّ ﷺ إلا شهر الله المحرّم. انتهى (١).
(وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ") قال النوويّ ﵀: فيه دليل لِمَا اتَّفَق العلماء عليه، أن تطوّع الليل أفضل من تطوّع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزيّ من أصحابنا، ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى، وأوفق للحديث، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قوّاه النوويّ ﵀ من أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب، هو الصواب، فإن ما استند إليه الأكثرون تعليل في مقابلة النصّ، وهو غير مقبول، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمَاً … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵀ من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: اختُلف في هذا الحديث، وقد بيّن ذلك الدارقطنيّ ﵀ (٩/ ٨٩) ودونك نصّه:
(١٦٥٦) - وسئل عن حديث حُميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَريّ البصريّ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان المحرَّم".
فقال: واختُلِف فيه على حُميد بن عبد الرحمن، فرواه عبد الملك بن عُمير، واختُلف عنه، فرواه زائدة بن قُدامة، وأبو حفص الأبّار، والثوريّ، وشيبان، وأبو حمزة، وأبو عوانة، وعبد الحكيم بن منصور، وعكرمة بن
стр. 12737
إبراهيم، وجرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁.
وخالفهم عبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، رواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، عن النبيّ ﷺ ، ووهم فيه والذي قبله أصحّ عن عبد الملك، ورواه أبو بشر جعفر بن إياس، عن حميد الحميريّ، واختُلِف عنه، فأسنده أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد الحميريّ، عن أبي هريرة ﵁.
وخالفه شعبة، فرواه عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، ورفعه صحيح. انتهى كلام الدراقطنيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث صحيح مرفوعاً متّصلاً، ومراد الدارقطنيّ ﵀ بيان ما وقع فيه من الاختلاف، لا تضعيف الحديث، كما يرشد إليه قوله: "ورفعه صحيح"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٢٧٥٥ و ٢٧٥٦ و ٢٧٥٧] (١١٦٣)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٢٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٣٨ و ٧٤٠)، و (النسائيّ) في "كتاب قيام الليل" (٣/ ٢٠٦) وفي "الكبرى" (١، ٤١٤ و ٢/ ١٧١ - ١٧٢)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣ و ٣٢٩ و ٣٤٢ و ٥٣٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٨٤ و ١٧٦٤ و ١٧٦٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٤٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٣٦)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" ٢/ ١٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٢)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صوم شهر الله المحرّم، وأنه أفضل الصيام مطلقاً بعد صوم رمضان.
٢ - (ومنها): بيان فضل صلاة الليل.
стр. 12738
٣ - (ومنها): أن صلاة الليل أفضل من النوافل مطلقاً، حتى على السنن الرواتب، وفيه كما أسلفناه آنفاً، إلا أن هذا هو الأرجح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ، قَالَ: سُئِلَ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْن الْمُنْتَشِرِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في "الجمعة" ١٩/ ٢٠٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يَرْفَعُهُ) أي: يرفع أبو هريرة ﵁ الحديث إلى النبيّ ﷺ .
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْن عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي ذِكْرِ الصِّيَامِ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
стр. 12739
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) الْجُعْفيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مقرئ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
و"عبد الملك بن عُمير" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية زائدة، عن عبد الملك هذه ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٢/ ٣٥٠) فقال:
(٩٢٢٦) - حدّثنا حُسَيْنُ بن عَلِيٍّ، عن زَائِدَةَ، عن عبد الْمَلِكِ بن عمير، عن مُحَمَّدِ بن الْمُنْتَشِرِ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن الْحِمْيَرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: جاء رَجُلٌ إلَى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ فقال: "شَهْرُ اللهِ الذي يَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّام مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعاً لِرَمَضَانَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥٨] (١١٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْس، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأنصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أتبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغدادي، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
стр. 12740
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ) بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى بن سعيد، صدوقٌ سيئ الحفظ [٤] (١٤١) (خت م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٥.
٦ - (عُمَرُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيُّ) هو: عُمَر بن ثابت بن الحارث، ويقال: ابن الحجاج الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي أيوب الأنصاريّ حديث صوم ستة شوال، وعن محمد بن المنكدر، عن أبي أيوب، وعن بعض الصحابة في الدجال، وعن عائشة.
وروى عنه سعد وعبد ربه ويحيى أولاد سعيد الأنصاريّ، والزهريّ، وصفوان بن سُليم، وصالح بن كيسان، ومالك، ومحمد بن عمرو، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال ابن مندهْ: يقال: إنه ولد في عهد النبيّ ﷺ ، وقال السمعانيّ: هو من ثقات التابعين.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٦٤) و (٢٩٣١)(١).
٧ - (أَبُوأَيُّوبَ الْأنصَارِيُّ) هو: خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة ﵃، شَهِدَ بدراً، ونزل النبيّ ﷺ حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازياً بالروم سنة (٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
стр. 12741
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فضل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، كما مرّ آنفاً في ترجمته.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأنصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ) بقطع الهمزة: أي جعل عقبه في الصيام (سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ) وفي رواية الترمذيّ: "بستّ من شوّال"، قال النوويّ ﵀: هذا صحيح، ولو كان ستة بالهاء جاز أيضًا، قال أهل اللغة: يقال: صُمنا خمساً وستًّا، وخمسة وستةً، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكّر إذا ذَكَروه بلفظه صريحاً، فيقولون: صمنا ستة أيام، ولا يجوز ست أيام، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان.
ومما جاء حذف الهاء فيه من المذكَّر إذا لم يُذكَر بلفظه قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: عشرة أيام. انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: وإنما أنّث "ستًّا"، وكان حقها أن تذكّر من حيث إن الصوم إنما يُوقَع في الأيام، واليوم مذكر؛ لأنه غلَّب على الأيام الليالي، كما تفعله العرب؛ لأن أول الشهر لَيْلُهُ، وكذلك الصوم: إنما يعزم عليه غالباً بالليل، وفيه حجة للمالكية في اشتراط تبييت النيّة في صوم النفل، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ") أي لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين.
قال النوويّ ﵀: فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعيّ، وأحمد، وداود،
стр. 12742
وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك، وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في "الموطأ": ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، قالوا: فيكره؛ لئلا يُظَنّ وجوبه، ودليل الشافعيّ، وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة، لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم، أو كلهم لها، وقولُهُم: قد يُظَنّ وجوبها يَنتَقِض بصوم عرفة وعاشوراء، وغيرهما من الصوم المندوب.
قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرّقها، أوأخّرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة؛ لأنه يَصْدُق أنه أتبعه ستًّا من شوال، قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضانُ بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في "كتاب النسائي". انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀ بعد ذكر اختلاف الروايات - ما نصّه:
[فإن قيل]: فيلزم على هذا مساواة الفرضِ النفلَ في تضعيف الثواب، وهو خلاف المعلوم من الشرع؛ إذ قد تقرر فيه: أن أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ما افترض عليهم.
وبيان ذلك: أنه قد تقدم: أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر؛ أي: السَّنة، وهذه الثلاثة تطوّع بالاتفاق، فقد لزم مساواة الفرض للنفل في الثواب.
والجواب: على تسليم ما ذُكِر -من أن ثواب الفرض أكثر- أن نقول: إن صيام ثلاثة أيام من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف؛ لأن المباشَرَ من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها، ثم لما جُعِل كل يوم بمنزلة عشر كملت السنة بالتضعيف، وأما صوم رمضان مع الستة: فيصح أن يقال فيه: إنه بمنزلة سنة بوشرت بالصوم أيامها، ثم ضوعفت كل يوم من أيام السَّنة بعشر، فتضاعف العدد، فصارت هذه السنة بمنزلة ثنتي عشرة سنة بالتضعيف، وذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يوماً، فإذا ضَرَبتَ ثلاثمائة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمائة.
стр. 12743
وإنما صرنا إلى هذا التأويل؛ للحديث الصحيح المتقدم في تفضيل الفرض على غيره، ولما عُلِم من الشرع: أن أجر الثواب على العمل على القُرَب محدود بعشر، وأما أكثره فليس بمحدود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، بعد ذكر مراتب التضعيف المذكورة في الآية؛ التي هي: عشر، وسبعون، وسبعمائة، والمضاعفة المطلقة، وكذا قال ﷺ فيما رواه ابن عباس ﵄: "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة" (١)، والله تعالى أعلم.
انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ هذا من أفرافى المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٢٧٥٨ و ٢٧٥٩ و ٢٧٦٠] (١١٦٤)، و (أبو داود) في (الصوم" (٢٤٣٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم) (٧٥٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٦٣)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧١٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٩١٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٩٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٩٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٨١ و ٣٨٢)، و (أحمد) في (مسنده" (٥/ ٤١٧ و ٤١٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٩٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٣٤)، و (أبو عوانة) (٢/ ١٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" ٤/ ١٣٥)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣/ ١١٨ - ١١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٢) و (الصغرى" (٣/ ٤١١) و"المعرفة" (٣/ ٤٤٩ و ٤٥٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨٠)، والله تعالى أعلم.
стр. 12744
(المسألة الثالثة): في كلام بعضهم في حديث الباب:
(اعلم): أنهم تكلّموا في هذا الحديث بسبب سعد بن سعيد، فقالوا: ضعّفه أحمد، وكذا ابن معين في رواية، وفي رواية أخرى قال: صالح، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال الترمذيّ: تكلّموا فيه من قبل حفظه.
وقال القرطبي في "المفهم": وحديث أبي أيوب، وإن كان قد خرَّجه مسلم ليس بصحيح، وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه؛ وذلك لأن في إسناده: سعد بن سعيد بن قيس؛ قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وغيره يضعفه، كما ذكره الترمذفي، وقد انفرد به عن عُمر بن ثابت، قال أبو عمر بن عبد البر: أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه. انتهى (١).
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
(الأول): أن سعد بن سعيد وإن تكلّم فيه هؤلاء، فقد قوّاه غيرهم، قال ابن سعد: كان ثقةٌ قليل الحديث، وقال العجليّ، وابن عمّار: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة تقرُب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأساً بمقدار ما يروده، ذكره في "التهذيب" (٢).
وقال العلامة ابن الملقّن ﵀: أما الطعن فيه من جهة سعد بن سعيد راويه فليس بجيد، فإنه وإن تُكُلِّم فيه، فقد أخرج له مسلم في "صحيحه" محتجًّا به، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، ووَهِمَ ابن الجوزيّ في "تحقيقه" حيث نَقَل عن ابن حبان توهينه، وأنه لا يَحِلّ الاحتجاج به، فقد ذكر في "ثقاته"، وقال: كان يخطئ لم يَفْحُش خطؤه، فلذلك سلكناه مسلك العدول، واحتَجَّ به في "صحيحه"، نعم ذكر ابن حبان ذلك في سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، وقد وقع له هذا الوهم في "الضعفاء" أيضًا، لكنه ذكر كلامه فيه وفي المقبريّ. انتهى (٣).
(الوجه الثاني): أنه لم يتفرّد به سعد بن سعيد، بل تابعه صفوان بن
стр. 12745
سُليم، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد، وعبد ربّه بن سعيد، وهما أخواه، فقد أخرجه الطحاويّ في "مشكل الآثار" من طريق صفوان بن سُليم، وزيد بن أسلم، ويحعص بن سعيد الأنصاريّ، وعبد ربّه بن سعيد الأنصاريّ أربعتهم، عن عُمَر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصاريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن دعوى تفرّد سعد بن سعيد به باطلة، فقد تابعه من الثقات صفوان بن سُليم، وزيد بن أسلم، وأخواه يحيى، وعبد ربه ابنا سعيد، كلهم عن عُمَر بن ثابت به.
(الوجه الثالث): أن للحديث شواهد:
(فمنها): حديث ثوبان ﵁، فقد أخرجه ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٧٠٥) - حدّثنا هشام بن عمار، حدثنا بقية، حدّثنا صدقة بن خالد، حدّثنا يحيى بن الحارث الذِّمَاريّ، قال: سمعت أبا أسماء الرَّحَبِيّ، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهذا إسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، (ومنها):
حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البزّار، قال الحافظ الهيثميّ في "المجمع": رواه البزّار، وله طُرُقٌ، ورجال بعضها رجال الصحيح (١)، ورواه أبو نعيم، والطبرانيّ.
(ومنها): حديث جابر ﵁، أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبزّار، وفي إسناده عمر بن جابر، وهو ضعيف.
قال الجامع عفا افه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن حديث الباب صحيح، لا كلام فيه؛ لأن سعد بن سعيد راويه عن عمر بن ثابت، وإن تكلّم فيه بعضهم، فقد قوّاه آخرون، كما أسفلناه آنفاً، وأيضاً إنه لم ينفرد به، بل تابعه جمع من الثقات، كما أسلفناه أيضًا، وأيضاً إن له شواهد، وهي الأحاديث المذكورة، ولا سيّما حديث ثوبان، فإنه صحيح.
والحاصل أن الحديث صحيح بلا شكّ، ولذا أخرجه الإمام مسلم ﵀