عمرو: قال: "قلت: يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في عشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا".
وفي رواية: "قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كل ثلاث".
وعند أبي داود والترمذيّ مصححاً من طريق يزيد بن عبد الله بن الشّخير، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث"، وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: "اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث"، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة ﵂ "أن النبيّ ﷺ كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاث".
ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منبّه، عن عبد الله بن عمروأنه سأل رسول الله ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يوماً"، ثم قال: "في شهر"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال: "في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، ثم لم ينزل عن سبع.
قال الحافظ ﵀: وهذا إن كان محفوظاً احتَمَل في الجمع بينه، وبين رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيداً، ويؤيّده الاختلافُ الواقع في السياق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله منه: قد تبيّن من مجموع هذه الروايات أنه يجوز الزيادة إلى الثلاث، ولا يجوز أن يزيد عليها، فليُتنبّه.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ولا تزد على ذلك" هذا من نحو ما سبق من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإرشاد إلى تدبر القرآن، وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم بحسب أحوالهم، وأفهامهم، ووظائفهم،
стр. 12672
فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يوماً، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الأولى لا تُتجاوز الثلاث؛ لأن ما زاد عليها ليس من هدي النبيّ ﷺ ، ولا من تعليماته، ولا يكون النقل من فلان أو فلان حجة، سوى ما نُقل عنه ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال في "الفتح": المراد بالقرآن في حديث الباب جميعُهُ، ولا يَرِدُ على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبيّ ﷺ بمدة، وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله؛ لأنا نقول سلّمنا ذلك، لكن العبرة بما دلّ عليه الإطلاق، وهو الذي فهم الصحابيّ، فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة، ولا شك أنه بعد النبيّ ﷺ كان قد أضاف الذي نزل آخراً إلى ما نَزَل أوّلاً، فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك، وهو معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه، والله أعلم. انتهى (١).
(فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَيزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"، قَالَ) عبد الله (فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ) الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول؛ يعني أنه شَدَّد في مطالبة النبيّ ﷺ بالزيادة، وشَدَّد النبيّ ﷺ عليه في مطالبة التنقيص.
(قَالَ) عبد الله (وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ") فيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو ﵄ بعد ذلك من الْكِبَر والضعف، ففيه علَمٌ من أعلام النبوّة.
(قَالَ) عبد الله ﵁ (صِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ ) أي: طال عمري، ووصلت إلى أن شقّ عليّ المواظبة على الصوم والقراءة (فَلَمَّا كَبِرْتُ) بكسر الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِراً، مثل
стр. 12673
مَسْجِدٍ، وكِبَراً، وزانُ عِنَبٍ، فهو كبير، وجمعه كِبارٌ، والأنثى كبيرة، وكَبُر الشيء بالضمّ، كُبْراً، من باب قَرُب: عَظُمَ، فهو كبير، أفاده الفيّوميّ (١).
قال الجمامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن كَبِر بمعنى طَعَن في السنّ كما هنا بكسر الموحّدة، من باب فَرِحَ، وأن كبُر بمعنى عظُم قدره فهو بضمّها، من باب قَرُب، ولا يناسب هنا.
قال شارح "القاموس" بعد ذكر ضبطه ككرُم، وكفرِح ما نصّه: عُلِم منه ومن الذي قبله أن فعل الكبر بمعنى العظمة مضموم العين، وبمعنى الطعن في السنّ مكسورها، وهو كذلك اتّفاقاً، فاحفظه، فإنه قد يَغْلَطُ فيه الخاصّة فضلًا عن العامّة، فيستعملون أحدهما مكان الآخر، ولا قائل به. انتهى (٢)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، من باب تَعِبَ؛ أي تمنّيتُ.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: وَدِدْتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وَدًّا، بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم: الْمَوَدَّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، وَوَدَادةً بالفتح: تمنيته، وفي لغة وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائي إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ضعّفه من ضبط ودّ بالفتح أثبته في "القاموس" حيث قال: ووَدَدْته -أي بالفتح- ووَدِدته -أي بالكسر- أَوَدّه فيهما. انتهى.
وعبارة الشارح المرتضى ﵀: وحَكَى الزَّجَّاجيُّ عن الكسائيّ "وَدَدْتُه" بالفتح، وقال الجوهَرِيُّ: تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذلك، ووَدِدْتُ لوأَنَّك تَفْعَل ذلك، أَوَدُّ وُدًّا، ووَدًّا، ووَدَادَةً، ووِدَاداً: تَمنَّيْتُ، قال الشاعرُ [من الوافر]:
стр. 12674
وَدِدْتُ وِدَادَةً لَوْ أَنَّ حَظِّي … مِنَ الخُلَّانِ أَنْ لا يَصْرِمُونِي
قال: وَوَدِدْتُه أَي: بالكسر أَوَدُّه أَي: بالفتح في المضارع فيهما، أَمَّا في المَكْسُور فعلى القِيَاس، وأَما المفتوح فعَلَى خِلَافِهِ، حكاه الكسائيُّ؛ إذ لا يُفْتَح إِلا الحَلْقِيُّ العَينِ أَو اللامِ، وكِلاهما مُنْتَفٍ هُنا، فلا وَجْهَ للفتْحِ، وهكذا في "المصباح".
قال أَبو منصور: وأَنكَر البَصرِيُّون "وَدَدْتُ" -أي: بالفتح- قال: وهو لَحْنٌ عندهم، وقال الزَّجَّاج: قد عَلِمْنَا أَنّ الكسائيَّ لم يَحْكِ وَدَدْتُ إِلَّا وقد سَمِعَه، ولكنّه سَمِعَه ممن لا يَكُونُ حُجَّةً.
قال شيخُنَا (١): وأَوْرَدَ المعنيينِ في "الفصيحِ" على أَنهما أَصْلَانِ حَقِيقَةً، وأَقَرَّه على ذلك شُرَّاحُه، وقال اليَزيديُّ في "نَوادره": وليس في شَيءٍ من العَربيّة "وَدَدْتُ" مفتوحةً، وقال الزمخشريُّ: قال الكسائيُّ وَحْدَهُ: "وَدِدْتُ" الرجُلَ: إِذا أَحْبَبْتَه، و"وَدَدْتُه" ولم يَرْوِ الفتحَ غيرُه، قلْت (٢): ونقلَ الفَتْحَ أَيضاً أَبو جَعْفَر اللّبلّي في "شرح الفصيح"، والقَزّاز في "الجامع"، والصاغانيّ في "التّكْملة" كلهم عن الفَرَّاءِ. انتهى (٣).
قال الجامع: قد أفاد ما سبق أن "وَدَدْتُ" بالفتح جائز أيضاً، وإن مخالفاً للقياس، فهو سماعيّ أثبته الكسائيّ، والفرّاء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ )؛ أي: تسهيله، وحثّه عليه.
وفي الحديث جواز تحدّث المرء بما عَزَم عليه من فعل الخير، وتفقد الإمام لأمور رعيته، كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصْلِحهم. وفيه تعليل الحكم من فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تَكَلَّف الزيادة على ما طُبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه
стр. 12675
حَضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق مَن ذُكِر أن تُضَيِّع حق العبادة، وتترك المندوب جملةً، ولكن اجمع بينهما، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، وأذكر هنا ما يتعلّق بجزء القراءة فقط، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في مقدار مدّة ختم القرآن:
قال القرطبي ﵀: ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثير من العلماء، واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة، وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حَمَلَ قوله: "لا تزد" على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أَمِن ذلك جاز بناءً على أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله.
قال: والأولى ترك الزيادة؛ أخذاً بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله ﷺ ، فلم يُرْوَ عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة، ولا في أقل من سبع (٢)، وهو أعلم بالمصالح والأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبيّنت مصلحة القلة، والمداومة، وآفة الكثرة الانقطاع. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ.
وقال في "الفتح": قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك، قال النوويّ: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة يستحبّ له أن يقتصر منه
стр. 12676
على القدر الذي لا يُخلّ بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فالأولى له الاستكثار ما أمكنه إلخ" فيه نظر، بل الأولى له التقيّد بما صحّ عنه ﷺ من عدم تجاوز الثلاث، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في موضع آخر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل.
وأغرب بعض الظاهريّة، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال النوويّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوّة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر من أوجه:
(أحدها): أن قوله: وكأن النهي ليس للتحريم، وتشبيهه بالأمر غير صحيح؛ لأنه ليس هنا قرينة تدلّ على أنه ليس للتحريم، بل القرائن كلها إنما تدلّ على عدم كون الأمر للوجوب، كما لا يخفى من تأمل.
و (الثاني): قوله: "وأغرب بعض الظاهرية إلخ" هذا عجيب منه، فهل يوصف من كان ظاهر النصوص معه بأنه يُغرب؟ بل الذي يُغرب هو الذي خالف ظواهر النصوص المتقدّمة، وتأولها بما يخرجها عن موضوعها.
(والحالث): قول النوويّ: إنما هو بحسب النشاط، والقوّة عجيب أيضاً، فهل هناك نشاط أكثر من نشاط عبد الله بن عمرو الذي شدّد، فشدّد النبيّ ﷺ عليه، فنهاه أن يقرأ في أقلّ من ثلاث؟، وهل بعد صحة قوله ﷺ كما في حديث ابن مسعود -: "لا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث" مجال لتعليق الأمر على النشاط؟ فهيهات هيهات.
(والرابع): قوله أيضًا: "أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك" غريبٌ، فهل كثرة القائلين مع مخالفة النصّ الصريح لهم تكون حجة؟ كلّا، وإنما الحجة في قوله ﷺ : "لا تقرؤوا القرآن في أقلّ من ثلاث"، فقط، وأما
стр. 12677
الأكثرون، فيُعتذر لهم بعدم ثبوت الخبر لديهم، أو نحو ذلك.
والحاصل أنه لا ينبغي قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث؛ للأحاديث المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ": "فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ"، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِي اللهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْئاً، وَلَمْ يَقُلْ: "وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقاً"، وَلَكِنْ قَالَ: "وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (حُسَيْن الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكون الْعَوْذيّ المكتب البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
و"يحيى بن أبي كثير" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، ولكنه قال: "وإن لزورك عليك حقًّا"، ولم يقل: "وإن لولدك عليك حقًّا "، قال ﵀:
(٦١٣٤) - حدّثنا إسحاق بن منصور، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: "ألم أُخَبر أنك تقوم الليل، وتصوم النهار؟ " قلت: بلى، قال: "فلا تفعل، قم، ونَمْ، وصُمْ، وأَفْطِرْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزَوْرك عليك حقًّا، وإن
стр. 12678
لزوجك عليك حقًّا، وإنك عسى أن يطول بك عمر، وإن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن بكل حسنة عشرَ أمثالها، فذلك الدهر كله"، قال: فشَدَّدت، فشُدِّد عليّ، فقلت: فإني أطيق غير ذلك، قال: "فصُمْ من كل جمعة ثلاثة أيام"، قال: فشَدَّدت فشُدِّد عليّ، قلت: أطيق غير ذلك، قال: "فصم صوم نبي الله داود" قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: "نصف الدهر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، قَالَ: وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّ أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا نَزِدْ عَلَى ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ" القرشيّ، أبو محمد الطحّان الكوفيّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار الْعَبسيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامريّ، عامر قريش المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة، ٣٣/ ١٤٠٤.
[تنبيه]: كون محمد بن عبد الرحمن هو ابدق ثوبان هو الذي صَرّح به في "الفتح"، ودونك نصّه:
قوله: "عن يحيى" هو ابن أبي كثير، ومحمد بن عبد الرحمن مولى
стр. 12679
زهرة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فقد ذكر ابن حبان في "الثقات" أنه مولى الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ، وكان الأخنس يُنْسَب زُهْريًّا؛ لأنه كان من حلفائهم، وجزم جماعة بأن ابن ثوبان عامريّ، فلعله كان يُنْسَب عامريًّا با لأصالة، وزُهْريًّا بالحلف، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى (١).
وقال في "التقريب": محمد بن عبد الرحمن مولى بني زُهرة مجهول من السادسة، وقيل: هو ابن ثوبان. انتهى، ونحوه في "التهذيب"، ورمز له فيهما لمسلم فقط، وفيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له البخاريّ أيضاً هذا الحديث، فقال: حدّثني إسحاق، أخبرنا عبيد الله بن موسى، ثم ساقه بسند المصنّف، فهو ممن اتّفقا عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقون ذُكروا قبله، و"يحيى" هو: ابن أبي كثير.
وقوله: (وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ) قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير، قال في "الفتح": قال الإسماعيليّ: خالف أبان بن يزيد العطارُ شيبانَ بن عبد الرحمن في هذا الإسناد، عن يحيى بن أبي كثير، ثم ساقه من وجهين، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، وزاد في سياقه بعد قوله: "اقرأه في شهر" قال: إني أجد قوّة، قال: "في عشرين"، قال: إني أجد قوّةً، قال: "في عشر"، قال: إني أجد قوّة، قال: "في سبع، ولا تزد على ذلك".
قال الإسماعيليّ: ورواه عكرمة بن عمّار، عن يحيى، قال: حدّثنا أبو سلمة بغير واسطة، وساقه من طريقه.
قال الحافظ: كأن يحيى بن أبي كثير كان يتوقف في تحديث أبي سلمة له، ثم تذكر أنه حدّثه به، أو بالعكس، كان يصرِّح بتحديثه، ثم توقف، وتحقّق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن، ولا يقدح في ذلك مخالفة أبان؛ لأن شيبان أحفظ من أبان، أو كان عند يحيى عنهما، ويؤيِّده اختلاف سياقهما.
قال: وقد تقدم في "الصيام" -أي عند البخاريّ- من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة مُصَرَّحاً بالسماع بغير توقف، لكن لبعض الحديث في
стр. 12680
قصة الصيام حسبُ، قال الإسماعيليّ: قصة الصيام لم تَخْتَلِف على يحيى في روايته إياها عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بغير واسطة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن يحيى سمع هذا الحديث عن أبي سلمة بلا واسطة، ولكنه كان يتشكّك في بعضه، وقد تبيّن الواسطة، وهو محمد بن عبد الرحمن المذكور، فصحّ بلا شكّ، ولله الحمد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزدِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَن الْأَوْزَاعِيِّ قِرَاءَةً، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَن ابْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلانٍ (١)، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأزدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) التَّنِّيسيّ - بمثنّاة، ونون ثقيلة، بعدها تحتانيّة، ثم مهملة - أبو حفص الدمشقيّ، مولى بني هاشم، صدوقٌ له أوهامٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن الأوزاعيّ، وصدقة بن عبد الله السمين، وحفص بن ميسرة الصنعانيّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، ومالك، والليث، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سعيد، والشافعيّ، وعبد الله بن محمد المسنديّ، ودُحَيم، وأحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن يوسف الصيدلانيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم.
стр. 12681
قال أحمد بن صالح المصريّ: كان حسن المذهب، وكان عندي شيء سمعه من الأوزاعيّ عرضه، وشيء أجازه له، فكان يقول فيما سمع: حدّثنا الأوزاعيّ، ويقول في الباقي: عن الأوزاعيّ، وقال حميد بن زنجويه: لما رجعنا من مصر قال لنا أحمد: مررتم بأبي حفص؟ قلنا: وأيّ شيء عنده؟ إنما عنده خمسون حديثاً، والباقي مناولة، قال: المناولة كنتم تأخذون منها، وتنظرون فيها، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، وقال العقيليّ: في حديثه وَهَمٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجيّ: ضعيف، وقال أحمد: رَوَى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغَلِط فقلبها عن زهير، وساق الساجيّ منها حديثه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يسلم تسليمة، وقال عقبه: وقفه الوليد بن مسلم، عن زهير، عن عائشة.
قال ابن يونس: كان من أهل دمشق قَدِم مصر، وسكن تِنِّيس، حَدَّث عن الأوزاعيَ، وعن مالك بـ "الموطأ"، وكان ثقةٌ تُوُفّي بتنيس سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال مرةً: سنة (١٤)، وقال البخاريّ عن الحسن بن عبد العزيز الجزريّ: مات قريباً من سنة (١٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، وغيره: مات سنة (١٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (الْأَوْزَاعِي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (ابْنُ الْحَكَم يْنُ ثَوْبَانَ) هو: عُمَر بن الحكم بن ثوبان الحجازيّ، أبو حفص المدنيّ، صدوق [٣].
رَوَى عن أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكعب بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه سعيد المقبريّ، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد بن إبراهيم
стр. 12682
التيميّ، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم.
قال ابن معين: هو عم عبد الحميد بن جعفر، وهو ابن الحكم بن سنان، وقال غيره: هما اثنان، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وله ثمانون سنة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان من جِلّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَن) عمر (بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ) أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هكذا في رواية المصنّف بإدخال الواسطة بين يحيى بن أبي كثير وأبي سلمة، قال الدارقطنيّ ﵀ في "التتبّع": أخرجاه من حديث ابن المبارك، ومبشّر عنه، قال: وقد تابعهما أبو إسحاق الفزاريّ، وخالفهم ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وعَمْرو بن أبي سَلَمة، فرووه عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن عُمَر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سلمة، زادوا رجلاً، وأخرج مسلم الحديث من طريق عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ. انتهى.
ونصّ البخاريّ ﵀: حدّثنا عباس بن الحسين، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي (ح) وحدّثني محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل".
وقال هشام: حدّثنا ابن أبي العشرين، حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني
стр. 12683
يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، قال: حدّثني أبو سلمة مثله، وتابعه عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ.
قال في "الفتح": قوله: "وقال هشام" هو ابن عمار، وابن أبي العشرين بلفظ العدد، وهو عبد الحميد بن حبيب، كاتب الأوزاعِيّ، وأراد البخاريّ بإيراد هذا التعليق التنبيه على أن زيادة عُمر بن الحكم؛ أي: ابن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يُصَرِّح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وصلها الإسماعيليّ وغيره.
وقوله: "وتابعه عَمرو بن أبي سَلَمة" أي تابع ابنَ أبي العشرين على زيادة عُمر بن الحكم، ورواية عمر المذكورة وصلها مسلم، عن أحمد بن يوسف الأزديّ عنه، قال: وظاهر صنيع البخاريّ ترجيح رواية يحيى، عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه؛ لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاريّ، وقد تابع كلًّا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعيّ، فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدِّث به على الوجهين، فَيُحْمَل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثم لقيه، فحدثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن رواية يحيى بن أبي كثير هذه صحيحة بالطريقين: طريق روايته عن أبي سلمة مباشرةً، كما هو عند البخاريّ، وطريق روايته عن عُمر بن الحكم، عن أبي سلمة، كما هو عند مسلم هنا، فلا تعارض بين الروايتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكأن إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، كالذي تقدّم قريباً في الذي نام حتى أصبح، وَيحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ لم يقصد شخصاً معيّناً، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. انتهى.
وتعقّبه العينيّ، فقال: كل ذلك غير موجَّه، أما قوله: الستر عليه، فغير سديد؛ لأن قيام الليل لم يكن فرضاً على فلان المذكور، فلا يكون بتركه عاصياً حتى يستر عليه، وأما قوله: "ويَحْتَمِل … " إلى آخره فأبعد من الأول
стр. 12684
على ما لا يخفى؛ لأن الشخص إذا لم يكن معيَّناً كيف ينفر غيره من صنيعه، وأما قوله: أراد تنفير عبد الله فكان الأحسن فيه أن يقال: أراد ترغيب عبد الله في قيام الليل حتى لا يكون مثل من كان قائماً منه ثم تركه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على البصير كون هذه التعقبات مجرّد تشويش، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ) بزيادة الياء، وفي نسخة: "لا تكن مثل فلان" بإسقاط الباء؛ أي لا تكن مثله في هذه الخصلة التي أذكرها لك، وهي أنه (كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ) أي بعضه للتهجد فيه، وفي رواية البخاريّ: "من الليل"، قال في "العمدة": وليس في رواية الأكثرين لفظ "من" موجوداً، بل اللفظ: "كان يقوم الليل"؛ أي في الليل، والمراد في جزء من أجزائه، فتكون "من" بمعنى "في"، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي في يوم الجمعة. انتهى (١).
(فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ") الظاهر أن تركه ذلك كان من غير عذر؛ لأنه لو كان لعذر لما ذُمّ بتركه، بل ثبت أنه يكتب له أجره، لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَر، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً، صَحِيحاً".
وكأنه ﷺ يُرغّب عبد الله بن عمرو ﵄ في الاقتصاد في العبادة، وعدم التشديد على نفسه بتكليفها ما لا تستطيع القيام به؛ لأن ذلك يؤدي إلى تركها، فيكون مثل هذا الرجل المذموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٢٧٣٣] (١١٥٩)، و (البخاريّ) في "التهجّد"
стр. 12685
(١١٥٢)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (٣/ ٢٥٣) و"الكبرى" (١/ ٤١١ - ٤١٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢/ ١٧٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦/ ٣٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٧)، و (البزّار) في "مسنده" (٦/ ٣٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٣٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ذمّ ترك قيام الليل إذا كان بغير عذر.
٢ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ ﵀: فيه دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛ إذ لو كان واجباً لم يَكْتَف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم.
٣ - (ومنها): ما قال ابن حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب؛ إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.
٤ - (ومنها): استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير، من غير تفريط.
٥ - (ومنها): الإشارة إلى كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَزْعُمُ أَن أبَا الْعَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ يَقُولُ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ (١) أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ (٢) حَظًّا، وَبنَفْسِكَ حَظًّا، وَلِأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ، وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْماً، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ"، قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي
стр. 12686
أقوَى مِنْ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: "فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ"، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِي اللهِ؟ قَالَ: "كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى"، قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَنجدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ" (١) ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُو الْعَبَّاسِ) السائب بن فَرّوخ الثاعر الأعمى المكيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رَبَاح.
قال شعبة، عن حبيب: سمعت أبا العباس الأعمى، وكان صَدوقاً، وقال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال مسلم: كان ثقةً عدلاً، وقال ابن سعد: كان بمكة زمن ابن الزبير، وهواه مع بني أمية، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٩) وكرره ثلاث مرات، و (١٧٧٨) و (٢٥٤٩).
و (عبد الله بن عمرو ﵁" ذُكر قبله.
وقوله: (بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ) تقدّم أن الذي بلّغه هو أبوه عمرو بن العاص ﵁.
وقوله: (أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ) بضم الراء، من باب نصر؛ أي أُولي بينه، يقال: سَرَدت الحديث سَرْداً، من باب نصر: أتيت به على الولاء، وقيل لأعرابيّ: أتعرف الأشهر الحرُم؟ فقال: ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرْدٌ، فالسرد: ذو
стр. 12687
القَعدة، وذو الحجة، والمحرّم، والفرد: رجب، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال في "القاموس" و"شرحه": السرد: متابعة الصوم وموالاته، وسَرد فلان، كفَرِح، يسرد صومه، ويواليه، ويتابعه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كفرح" الظاهر أنه غلطٌ؛ إذ معاجم اللغة ضبطته كنصر، فقد نصّ في "المصباح" أنه من باب قتل، ونصّ في "مختار الصحاح" أنه من باب نصر، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَإمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ) تقدّم أن هذا شك من بعض الرواة، وليس من عبد الئَه بن عمرو ﵁؛ لأنه ﷺ قصده إلى بيته، فدلّ على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه.
وقوله: (أَلَمْ أُخْبَرْ … إلخ) بالبناء للمفعول.
وقوله: (فَلَا تَفْعَلْ) نهيٌ عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدّي إليه من المفسدة التي نَبَّهَ عليها بقوله: "فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك"، قاله القرطبيّ ﵀ (٣).
وقوله: (وَلنَفْسِكَ حَظًّا) هو بمعنى قوله الماضي: "حقًّا "، والمعنى: إن عليك لنفسك حقًّا، وهو أن تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريّة مما أباحه الله تعالى للإنسان، من الأكل والشرب، والراحة التي تقوم بها بدنه؛ ليكون أعون على عبادة ربه، ومن حقوق النفس قطعها عما سوى الله تعالى، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية.
وقوله: (وَلِأَهْلِكَ حَظًّا) أي حقًّا؛ أي: تنظر لهم فيما لا بُدّ لهم منه، من أمور الدنيا والآخرة، والمراد بالأهل الزوجة، أو أعمّ من ذلك، ممن تلزمه نفقته.
وقوله: (فَصُمْ، وَأَفْطِرْ) أي: فإذا عرفت ذلك، فصم تارةً، وأفطر تارةً؛ لتجمع بين المصلحتين.
стр. 12688
وقوله: (وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْماً … إلخ) هذا في معنى الرواية السابقة: "صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها" وذلك قوله في الرواية الأخرى: "صم يوماً، ولك أجر ما بقي" على ما يأتي، وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى (١).
وقوله: (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) تنبيه على أن صوم يوم، وفطر يوم لا يُضعف مُلتزمه، بل يحفظ قوّته، ويجد من الصوم مشقّته، كما قدّمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم، فإنه يُنهِك البدن والقوّة، وُيزيل رُوح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا يبالي، ولا يجد له معنى (٢).
وقوله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) معناه: هذه الخصلة الأخيرة، وهي عدم الفرار صعبة عليّ، كيف لي بتحصيلها (٣).
وقال القرطبي ﵀: فيه إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمنٍّ أن لو كانت له القوّة، ومعنى قوله: من لي بهذا الشيء؟ أي من يتكفّل لي؟ أو من يُحصله لي؟.
وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ) أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصّة، إلا أنه حَفِظ أن فيها أنه ﷺ قال: "لا صام من صام الأبد" (٤).
وقال القرطبي ﵀: هو شكٌّ عرض للراوي، ثم قال بعد أن عرض له ذلك الشك: "لا صام من صام الأبد"، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد، بل حقق نقله، وحرر لفظه.
وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة، فإنه شكَّ في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسول الله" كيف من يصوم الدهر؟! قال: "لا صام، ولا أفطر"، أو: "لم يصم، ولم يفطر". وقد تقدم القول في صوم الدهر. انتهى (٥).
стр. 12689
وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ") هكذا هو مكرّر ثلاث مرّات في بعض النسخ، وبعضها مرّتين، وهذا فيه دليل على تحريم صوم الأبد، وقد تقدّم أن هذا هو القول المختار، وأجاب الجمهور القائلون بجواز صوم الدهر بأجوبة:
(أحدها): أنه محمول على حقيقته، بأن يصوم معه العيدين، وأيام التشريق.
وفيه نظر؛ لأنه ﵁ قد قال جواباً من ساله عن صوم الدهر: "لا صام، ولا أفطر"، وهو يؤذن بأنه ما أُجر، ولا أثم، ومن صام الأيام المحرّمة لا يقال فيه ذلك؛ لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرّمة يكون قد فعل مستحبًّا وحراماً.
وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعاً، فهي بمنزلة الليل، وأيامِ الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: "لا صام، ولا أفطر" من لم يعلم تحريمها، كذا ذكره الحافظ في "الفتح"، وهو ملخّص كلام ابن القيّم في "الهدي"، وقد تقدّم نصّ كلامه.
وقد تَعَقَّب ابن دقيق العيد تأويل الجمهور هذا بوجه آخر، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى "شرح العمدة" (١).
(الثافي): أنه محمول على من تضرّر به، أو فوّت به حقًّا، قالوا: ويؤيده أن النهي كان خطاباً لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم أنه عجز في آخر عمره، ونَدِم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو لعلمه بأنه سيعجز عنه، ويضعف، وأقرّ حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر.
وفيه أن هذا التأويل أيضاً مردود لما سبق من قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "ومن رغب عن سنتي، فليس مني"، ويردّه أيضاً قوله: "لا أفضل من ذلك".
وبردّه أيضاً ورود قوله: "لا صام، ولا أفطر" وقوله: "لا صام من صام
стр. 12690
الأبد" عن غير واحد من الصحابة، سوى عبد الله بن عمرو، كما تقدّم.
ويردّه أيضًا حديث أبي موسى المتقدّم، وكلّ ذلك يدلّ على أن هذا الحكم ليس خاصًّا بابن عمرو، بل هو عامّ لجميع المسلمين، وأما إقراره لحمزة على سرد الصوم، فلا حجة فيه، كما سبق.
(الثالث): أن معنى "لا صام" أنه لا يجد من مشقّته ما يجدها غيره، فيكون خبراً لا دعاء.
وتعقّبه الطيبيّ بأنه مخالف لسياق الحديث، ألا تراه كيف نهاه عن صيام الدهر كله، ثم حثّه على صوم داود، والأَولى أن يكون خبراً عن أنه لم يمتثل أمر الشارع، أو دعاء كما تقدّم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره - وهو: "من صام الدهر، ضُيِّقت عليه جهنّم" - وهو حديث صحيح، بأن معناه ضُيّقت عليه، فلا يدخلها، فعلى هذا تكون "على" بمعنى "عن"؛ أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدّد، وحكى ردّه عن أحمد، كما سبق.
وقال ابن خزيمة: سألت المزنيّ عن هذا الحديث؟ فقال: يشبه أن يكون معناه ضُيّقت عنه، فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن من ازداد عملاً وطاعةً ازداد عند الله رفعة، وعنه كرامة.
ورجّح هذا التأويلَ جماعةٌ، منهم الغزاليّ، فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها بالعبادة.
وتُعقّب بأنه ليس كلّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقرّباً، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعداً، كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضاً لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها.
قال ابن حزم بعد ذكر التأويل ما لفظه: هذه لُكْنة وكَذِبٌ، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا لقال: ضيّقت عنه، ولم يقل: عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهي عن صومه. انتهى (١).
стр. 12691
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا الصواب إجراء الحديث على ظاهره، والقول بمنع صيام الدهر مطلقاً؛ لوضوح حجّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: إِنَّ؛ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ، قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ ابْنُ فَرُّوخَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثِقَة عَدْلٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ … إلخ) هذا صريح في أن التوثيق من المصنّف نفسه، وذكره البخاريّ عن الراوي عنه، فقال في "صحيحه": حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العبّاس المكيّ، وكان شاعراً، وكان لا يُتّهم في حديث - قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ … .
قال في "الفتح": قوله: "وكان شاعراً … إلخ" فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتَّهَم في حديثه؛ لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعراً كان غير متهم في حديثه.
وقوله: "في حديثه" يَحْتَمِل مرويه من الحديث النبويّ، وَيحْتَمِل فيما هو أعم من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوباً عنه، والواقع أنه حجة عند كل من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. انتهى (١).
стр. 12692
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج هذه، ساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٩٥) فقال:
(٢١٠٩) - حدّثنا الحسن بن تسنيم، أخبرنا محمد -يعني ابن بكر - وحدَّثنا محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يزعم أن أبا العباس الشاعر أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: بلغ النبيّ ﷺ أني أسرُد، وأصلي الليل، قال: وإما أرسل إليه، وإما لقيه، فقال: "ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل، فلا تفعل، فإن لعينيك حظًّا، ولنفسك حظًّا، ولأهلك حظًّا، فصم وأفطر، وصلِّ ونم، وصم كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة"، قال: فإني أجدني أقوى لذلك يا رسول الله، قال: "فصم صيام داود"، قال: وكيف كان داود يصوم يا رسول الله؟ قال: كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يَفِرّ إذا لاقى"، قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبيّ ﷺ : "لا صام من صام الأبد".
هذا حديث الْبُرْسانيّ، وفي حديث عبد الرزاق: قال: إني أصوم أسرُد، وقال: فإما أرسل إليّ، وقال: إني أجدني أقوى من ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيب، سَمِعَ أَبا الْعَبَّاسِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَهَكَتْ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 12693
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ) بفتح الهاء والجيم، من باب قَعَد: أي غارت.
وقوله: (وَنَهَكَتْ) - بفتح النون، وبفتح الهاء وكسرها، والتاء ساكنة -: ومعناه: ضَعُفت، وضبطه بعضهم "نُهِكْتَ" بضمّ النون، وكسر الهاء، وفتح التاء: أي نُهِكت أنت؛ أي ضَنِيتَ، وهذا ظاهر كلام القاضي (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: نَهِكَته الْحُمّى نَهَكاً، من باب نَفَعَ، وتَعِبَ: هَزَلته، ونَهَكتُ الشيءَ نَهْكاً: بالغتُ فيه، ونَهَكه السلطان عقوبة أيضًا: بالغ في ذلك، وأنهكه بالألف لغةٌ، وانتهك الرجلُ الحرمةَ: تناولها بما لا يحِلّ. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٧] ( … ) - (وَحَدَّثناه أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "وَنَفِهَت النَّفْسُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
стр. 12694
٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
و"حبيب بن أبي ثابت" ذُكر قبله.
وقوله: (وَنَفِهَت النَّفْسُ) بفتح النون، وكسر الفاء، من باب سَمِعَ: أي أعيت، وكَلَّتْ، وضعُفت عن القيام بذلك، وحكى الإسماعيليّ أن أبا يعلى رواه له "تَفِهَت" بالتاء بدل النون، واستضعفه (١).
[تنبيه]: رواية مِسْعر، عن حبيب بن أبي ثابت هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: حدّثنا خَلَّادُ بن يحيى، حدثنا مِسْعَرٌ، حدثنا حَبِيبُ بن أبي ثَابِتٍ، عن أبي الْعَبَّاس، عن عبد اللهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ، قال: قال لي رسول اللهِ ﷺ : "أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ " فقلت: نعم، فقال: "فَإِنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلك هَجَمَتِ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ من كل شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صوْمُ الدَّهْرِ، أو كَصَوْمِ الدَّهْرِ"، قلت: إني أَجِدُ بِي، قال مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً، قال: "فَصُمْ صوْمَ دَاوُدَ، وكان يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً، ولا يَفِرُّ إذا لَاقَى". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ألَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي أفعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: "فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، لِعَيْنِكَ حَقٌّ، وَبنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلِأَهْلِكَ حَقٌّ، قُمْ، وَنَمْ، وَصُمْ، وَأَفْطِرْ").
стр. 12695
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الْجُمحيّ مولاهم الأثرم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلَثهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ، تابعيّ كبير، ثقةٌ [٢] وهِمَ من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٦/ ١٦٩٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ) قال المهلّب ﵀: كان داود؛ يَجِمّ نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: "هل من سائل فأعطيَهُ سؤله"، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر، وإنما صارت هذه الطريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يُخْشَى منها السآمة، وقد قال ﷺ : "إن الله لا يملّ حتى تملوا"، والله يحب أن يديم فضله، ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويذهب ضرر السهر، وذبول الجسم،
стр. 12696
بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضاً استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القُوَى فهو أقرب إلى أن يَخْفَى عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وحُكِيَ عن قوم أن معنى قوله: "أحب الصلاة" هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو من يَشُقّ عليه قيام أكثر الليل، قال: وعُمدة هذا القائل افتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يعارضه هنا اقتضاء العادة والجبلّة التقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا، فالأولى أن يُجْرَى الحديثُ على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحثّ أو المنع غير محقَّق لنا، فالطريق أننا نُفَوِّض الأمر إلى صاحب الشرع، ونَجْرِي على ما دل عليه اللفظ، مع ما ذكرناه من قوة الظاهر هنا، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: قال ابن التين ﵀: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره، فهو في حقّ الأمة، وأما النبيّ ﷺ ، فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل:
١ - ]. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نُسِخ، وقد تقدم في حديث ابن عباس ﵄: "فلما كان نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل"، وهو نحو المذكور. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ،
стр. 12697
كَانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ، يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ"، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَعَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، كَانَ يَقُولُ: "يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ، وكلهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار … إلخ) قال في "الفتح": ظاهره أن تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي، فيكون في الرواية الأولى إدراج، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: "عمرو بن أوس ذكره" أي بسنده، فلا يكون مدرجاً.
وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بـ "ثُمّ"، ففيه ردّ على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنّة بنوم السدس الأول مثلاً، وقيام الثلث، ونوم النصف الأخير، والسبب في ذلك أن الواو لا ترتب. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمِ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لِي: "أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّام؟ " قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "خَمْساً"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "سَبْعاً"، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "تِسْعاً"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَحَدَ عَشَرَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ، صِيَامُ يَوْمٍ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ").
стр. 12698
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمنْ بن يزيد الطحّان الواسطيّ الْمُزَنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ٤٠٧٨.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ، يُرسل، وتغيّر لَمَّا قَدِم من الشام (٥) (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، وفيه نَصْبٌ يسيرٌ [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بن أُسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية الْهُذليّ، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) أو (١٠٨) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٣.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ) ووقع عند البخاريّ في "الاستئذان": "مع أبيك زيد"، وهو والد أبي قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر الْجَرْميّ، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي) بالبناء للمفعول، وتقذم أن الذي ذكر له هو أبوه عمرو بن العاص.
وقوله: (فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً) بكسر الواو: الْمِخَدّة، والجمع وِسادات، ووسائد، والوِسَاد بغير هاء كلُّ ما يُتوسّد به من قُمَاشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوِساد لغة في الوِسادة (٢).
وقوله: (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: الْجِلْد، وقال في "القاموس": الأَدِيم: الجلد، أو أحمره، أَو مدبوغه، جمعه أسدمةٌ، وأُدُمٌ، وآدامٌ، والأَدَمُ: اسم للجمع. انتهى (٣).
стр. 12699
وقوله: (حَشْوُهَا لِيفٌ) "الْحَشْو" بفتح، فسكون: أي ما يُجعل فيها، وليف النخل بالكسر: معروف.
وقوله: (فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) فيه بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع، وترك الاستئثار على جليسه، وفي كون الوسادة من أدم حشوها ليف بيان ما كان عليه الصحابة في غالب أحوالهم في عهده ﷺ من الضيق؛ إذ لو كان عنده أشرف منها لأكرم بها نبيّه ﷺ (١).
وقوله: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ" أي قلت له: يا رسول الله زدني.
وقوله: "خَمْساً" أي صم خمساً، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "خمسة" وكذا في البواقي، فمن قال: "خمسة" أراد الأيام، ومن قال: "خمساً" أراد الليالي، وفيه تجوّز؛ لأن الصوم في الأيام، لا في الليالي.
وقوله: "شَطْرُ الدَّهْرِ" بالرفع على القطع، ويجوز النصب على إضمار فعل، والجرّ على البدل من "صوم داود".
وقوله: "صيام يوم، وفطر يوم" يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، على الوجه الذي ذكرته في سابقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٢] ( … ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "صُمْ يَوْماً، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ"، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ يَوْمَيْنِ، وَلَكَ أجْرُ مَا بَقِيَ"، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ"، قَالَ: إِنِّي أُطيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ"، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللهِ، صَوْمَ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً").
стр. 12700
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (زَيادُ بْنُ فَيَّاضٍ) الْخُزَاعيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن أبي عياض عمرو بن الأسود، وخيثمة بن عبد الرحمن، وتميم بن سلمة، وجماعة.
وروى عنه الأعمش، وشريك، وشعبة، ومِسْعَر، والثوريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحب إلي من زياد بن عِلاقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نُمير، وعليّ ابن المدينيّ، وغيرهما، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو عِيَاضٍ) عمرو بن الأسود الْعَنْسيّ، ويقال: الْهَمْدانيّ، أبو عياض، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقيّ، ويقال: الحمصيّ، سَكَن دَارِيا، وهو عمير بن الأسود، مخضرمٌ ثقةٌ عابدٌ، من كبار التابعين [٢].
رَوَى عن عُمَر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجنادة بن أبي أمية، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حرام بنت ملحان، وجماعة.
وروى عنه ابنه حكيم بن عمير، ومجاهد، وخالد بن معدان، وشُريح بن عبيد، وكثير بن أبي كثير، ونصر بن علقمة، وزياد بن فياض على خلاف في ذ لك، وغيرهم.
قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب، فقال: مَن سَرّه أن ينظر إلى هدي محمد ﷺ فلينظر إلى هدي هذا، وقال محمد بن عوف: عمرو بن الأسود يكنى أبا عياض، وهو والد حكيم بن عمير.
وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض، والعراقيّون رجل آخر، كذا حَكَى ابن أبي حاتم، عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن نُذَير، وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائيّ في "الكنى"، والحاكم، أبو
стр. 12701
أحمد، وقال ابن حبان في "الثقات": عمير بن الأسود كان من عُبّاد أهل الشام وزهادهم وكان يقسم على الله فيبرّه، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وروى الحاكم في "الكنى" من طريق مجاهد، قال: حدّثنا أبو عياض في خلافة معاوية.
وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في خلافة معاوية، وذكره أبو موسى المدينيّ في "ذيل الصحابة"، وحكاه عن ابن أبي عاصم أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابيّ، إنما يروي عن الصحابة، وحكى ابن أبي خيثمة عن مجاهد، أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض، وروى الحسن بن عليّ الحلوانيّ في "كتاب المعرفة" هذا الكلام عن مجاهد أيضاً بإسناد صحيح، وروى الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق أرطاة بن المنذر، ثنا زُريق أبو عبد الله الألهانيّ أن عمرو بن الأسود قَدِمَ المدينة فرآه عبد الله بن عمر يصلي، فقال: من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله ﷺ ، فلينظر إلى هذا.
قال الحافظ: ومما يؤيد أن عمير بن الأسود هو عمرو بن الأسود ما أخرجه البخاريّ عن يحيى بن إسحاق بن يزيد، والطبراني عن أحمد بن المعلَّى، عن هشام بن عمار، كلاهما عن يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، عن أم حرام … الحديث، هذه رواية البخاريّ، وفي رواية الطبرانيّ: عمرو بن الأسود. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٥٩)، و (٢٠٠٠): "نَهَى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الأوعية … ".
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (صُمْ يَوْماً، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ) أي صم من كلّ عشرة أيام يوماً واحداً، ولك أجر عشرة أيام.
قال الحافظ: هذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ثم
стр. 12702
بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن أوصله إلى خمسة عشر يوماً، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو عند أبي داود: "فلم يزل يناقصني، وأناقصه". انتهى (١).
وقد استُشكل قولُهُ: "صم من كلّ عشرة أيام يوماً، ولك أجر ما بقي" مع قوله: "صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي إلخ"؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر.
وأجيب بأن المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف، قال عياض: قال بعضهم: معنى "صم يوماً، ولك أجر ما بقي" أي من العشرة، وقوله: "صم يومين، ولك أجر ما بقي" أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحَمَله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلّة الأجر.
وتعقّبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كلّ ذلك؛ لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه ﷺ من ذلك إبقاءً عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً، أو كثيراً، كما تأوله في حديث: "نية المرء خير من عمله"؛ أي إن أجره في نيّته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيّته بما لا يقدر على عمله. انتهى.
قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيف، وهو في "مسند الشهاب"، والتأويل المذكور لا بأس به.
وَيحْتَمِل أيضاً إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوّتها مشقّة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك.
على أن قوله في نفس الخبر: "صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي" يردّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين.
стр. 12703
وكذلك قوله في رواية النسائيّ من طريق الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "صم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تلك التسعة"، ثم قال: "صم من كلّ تسعة أيام يوماً، ولك أجر تلك الثمانية"، ثم قال: "من كلّ ثمانية أيام يوماً، ولك أجر السبعة"، قال: فلم يزل، حتى قال: "صم يوماً، وأفطر يوماً"، وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: "صم يوماً، ولك أجر عشرة"، قلت: زدني، قال: "صم يومين، ولك أجر تسعة"، قلت: زدني، قال: "صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية". فهذا يدفع في صدر التأويل الأول، والله أعلم، أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأقرب حمل الحديث على ظاهره، وهو الاحتمال الأخير الذي مرّ آنفاً في عبارة "الفتح"، وإنما نقص الأجر مع زيادة العمل؛ لِمَا ذُكِر من ترتّب تفويت بعض العبادات بسبب مشقّة الصوم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جَمِيعاً عَن ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَبعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، صُمْ، وَأَفْطِرْ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِن بِي قُوَّةً، قَالَ: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً"، فَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَخَذْتُ بِالرُّخْصَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد
стр. 12704
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام ناقد بصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٢ - (سَلِيمُ -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- ابْنُ حَيَّانَ) الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) تقدَم في "الجنائز" ٢١/ ٢٢٥٧.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) -بالمدّ والقصر، والقصر أشهر- مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُباب، أبو الوليد الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في "الجنائز" ٢١/ ٢٢٠٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَخَذْتُ بِالرُّخْصَةِ) هذا كان يقوله بعدما كَبِر سنّه، وضَعُفَ.
وفي رواية البخاريّ من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو: فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وذاك أني كَبِرْتُ وضَعُفتُ، فكان يقرأ على بعض أهله السُّبُعَ من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يَعْرِضه من النهار؛ ليكون أخفّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً، وأحصى وصام مثلهنّ؛ كراهيةَ أن يترك شيئاً فارق النبيّ ﷺ عليه. انتهى.
[تنبيه]: في قصّة عبد الله بن عمرو ﵄ المذكورة في أحاديث الباب من الفوائد بيان أن أفضل الصيام صيام يوم، وفطر يوم، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في جواز صوم الدهر، وكراهته، أوأنه جائز، وأفضل من صوم داود، مع بيان القول الراجح، وهو تحريم صوم الدهر؛ للأدلة الواضحة في ذلك، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
وفيه بيان رفق رسول الله ﷺ بأمته، وشفقته عليهم، هارشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمُّق في العبادة؛ لما يُخْشَى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى الترك، أو ترك البعض، وقد ذمّ الله تعالى قوماً لازموا العبادة، ثم فَرّطوا فيها.
وفيه الندب إلى الدوام على ما وَظَّفه الإنسان على نفسه من العبادة.
وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء.
стр. 12705
وفيه جواز القسم على التزام العبادة، وفائدتُهُ الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يُخِلّ بصحة النية والإخلاص فيها، وأن اليمين على ذلك لا يُلْحِقها بالنذر الذي يجب الوفاء به.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال.
وفيه جواز التفدية بالأب والأم؛ لقوله: "بأبي أنت وأمي".
وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات.
وفيه أن طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة، ولهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبد الة، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ترك طاعته لأبيه.
وفيه زيارة الفاضل للمفضول في بيته، وإكرام الضيف بإلقاء الفُرُش ونحوها تحته، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يُفْرَش له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ إذا كان على سبيل التواضع، والإكرام للمزور، وقد تقدّم معظم هذه الفوائد، وإنما أعدتها لإجل الزيادات فيها، وبياناً لأهمّيتها، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٤] (١١٦٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوَّيةُ، أنَهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ).
стр. 12706
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبرَي مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (يَزِيدُ الرِّشْكِ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، وَهِمَ من لَيّنه [٦] (ت ١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٤/ ٧٦٧.
٤ - (مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ) بنت عبد الله، أو الصهباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧)، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ - بضمّتين، وتشديد اللام - نسبة إلى قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث والعنعنة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ) بالجرّ بدل من يزيد، أو عطف بيان له، قال المجد ﵀: الرِّشْك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّماة في السَّبَقِ، وأصله القاف، ولقبُ يزيد بن أبي يزيد الضبَعيّ أحْسَبِ أهل زمانه. انتهى (١).
(قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أنَهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النِّبِيِّ ﷺ ) بنصب "زوجَ" على البدليّة (أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ)
стр. 12707
عائشة ﵂ (نَعَمْ) أي كان يصومها؛ أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ) احترازٌ من أيام الأسبوع (كَانَ يَصُومُ؟) أي هذه الثلاثة، من أولها، أو أوسطها، وآخرها، متصلةً، أو منفصلة؟ (قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي) أي لم يكن يَهْتَمّ للتعيين (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف، فتارةً من أولها، وتارةً من وسطها، وتارةً من آخرها.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث وحديث ابن مسعود ﵁: "كان يصوم من غُرّة كل شهر ثلاثة أيام"؟، رواه أبو داود.
[أجيب]: بأن ابن مسعود ﵁ حدّث بما اطلع عليه من أحوال النبيّ ﷺ ، وظنّ أنه الغالب منها، وعائشة ﵂ اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هو، فحدّثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين.
وقال العراقيّ ﵀: يَحْتَمِل أنه يريد بغرته أوله، وأن يريد الأيام الغُرّ؛ أي الْبِيض، وقال القاضي عياض: غُرَر الشهر أوائله. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٧٤٤] (١١٦٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٥٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٦٣)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من إكثار الصوم والاجتهاد فيه.
стр. 12708
٣ - (ومنها): فضل عائشة ﵂ حيث كانت تراعي أحوال النبيّ ﷺ ، فحفظت على الأمة كثيراً من أحواله ﷺ .
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف رجالاً ونساءً، من تتبع أحوال النبيّ ﷺ ، والسؤال عنها حتى يقتدوا به؛ لأن في اتباعة الهداية، والفلاح، قال الله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٥] (١١٦١) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ، وَهُوَ يَسْمَعُ: "يَا فُلَانُ أَصُمْتَ مِنْ سُرَةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٠٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٦٩٨.
٤ - (مُطَرِّفٌ) بن عبد الله بن الشِّخِّير (١) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
стр. 12709
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، أسلم عام خيبر، وصحِبَ، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، مات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أشرت إليه آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ) أي لعمران بن حصين ﵄ (أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ) لم يَعرف اسمه، و"أو" هنا للشكّ، وهو من مُطَرِّف فإن ثابتاً البنانيّ رواه عنه بنحوه على الشك أيضاً، كما سيأتي في الباب التالي، وأخرجه المصنّف هنا من وجهين آخرين عن مطرِّف بدون شك على الإبهام: "أن النبيّ ﷺ قال لرجل: هل صُمت … "، وزاد أبو عوانة في "مستخرجه": "من أصحابه"، ورواه أحمد من طريق سليمان التيميّ به، قال لعمران بغير شك (١).
وقوله: (وَهُوَ يَسْمَعُ) جملة حاليّة من عمران ("يَا فُلَانُ) كذا في "صحيح البخاريّ"، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذر: "يا أبا فلان " بأداة الكنية (أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ ") - بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، بعدها هاء - قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "من سُرّة هذا الشهر" بالهاء بعد الراء، وذكر مسلم بعده حديث أبي قتادة، ثم حديث عمران أيضاً: "في سَرَر شعبان"، وهذا تصريح من مسلم بأن رواية عمران الأولى بالهاء، والثانية بالراء، ولهذا فرّق بينهما، وأدخل الأولى مع
стр. 12710
حديث عائشة ﵂، كالتفسير له، فكأنه يقول: "يستحب أن تكون الأيام الثلاثة من سُرّة الشهر، وهي وسطه، وهذا مُتّفَقٌ على استحبابه، وهو استحباب كون الثلاثة هي أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وقد جاء فيها حديث في كتاب الترمذيّ وغيره، وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، قال العلماء: ولعل النبيّ ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة؛ لئلا يُظَنّ تَعَيُّنها، ونبّه بسرة الشهر، وبحديث الترمذيّ في أيام البيض على فضيلتها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": "السَّرَر" بفتح السين المهملة، ويجوز كسرها، وضمها: جمع سَزَة، ويقال أيضًا: سِرَار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد: والجمهور على أن المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سُمِّيت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين، ونَقَل أبو داود، عن الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، ونَقَل الخطابيّ عن الأوزاعيّ كالجمهور، وقيل: السَّرَر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجَّهَه بأن السرر جمع سُرّةٍ، وسُرّة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط الشهر، وأنه لم يَرِد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاصّ، وهو آخر شعبان من صامه لأجل رمضان، ورجحه النوويّ بأن مسلماً أفرد الرواية التي فيها سُرّة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الْحَضّ على صيام البيض، وهي وسط الشهر، كما تقدّم، قال الحافظ: لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره، وهو سُرّةُ، بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: "سِرَار"، وأخرجه من طُرُق عن سليمان التيميّ، في بعضها سَرَر، وفي بعضها سِرار، وهذا يدلّ على أن المراد آخر الشهر.
[تنبيه]: زاد البخاريّ بعد قوله: "أما صُمتَ سَرَر هذا الشهر؟ " ما نضه: قال: أظنّه يعني رمضان، قال في "الفتح": هذا الظن من أبي النعمان؛ لتصريح البخاريّ في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية أبي الصَّلْت، وكان ذلك وقع من