← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَإِنْ ضَعَفَ أَحَدُكُمْ، أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (عُقْبَةُ بْنُ حُرَيْثٍ) التَّغْلبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (م س) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٢/ ١٧٦٣. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (فَإِنْ ضَعَفَ أَحَدُكُمْ) بضمّ العين المهملة، وفتحها، من بابي كَكَرُمَ، ونَصَرَ، قال في "القاموس": الضَّعْفُ - بالفتح ويُضمّ، ويُحَرّك -: ضدّ القوّة، وضَعُفَ، كَكَرُمَ، ونَصَرَ ضَعْفًا، وضُعْفًا، وضَعافةً، قال: فهو ضَعِيفٌ، وضَعُوفٌ،، وضَعْفَانُ، قال: أو الضَّعْفُ بالفتح في الرأي، وبالضمّ في البدن. انتهى باختصار (١). وقال الفيّوميّ ﵀: الضَّعْفُ بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قُريش: خلاف القوّة والصّحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قَرْبًا، والفتوح: مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد. انتهى (٢). وقوله: (عَجَزَ) بفتح الجيم، يقال: عَجَزَ عن الشيء، من باب ضوب: إذا ضعُف عنه، وعَجِز بالكسر، من باب تَعِب لغة لبعض قيس عيلان، وهي لغة غير معروفة، كما قاله في "المصباح" (٣). وقوله: (فَلَا يُغْلَبَنَّ) بالبناء للمفعول. وقوله: (عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي) قال النوويّ ﵀: وفي بعض النسخ: "عن

стр. 12777

السبع" بدل "على"، وكلاهما صحيح. انتهى؛ أي: عن قيام الليالي السبع اللاتي بقين من رمضان. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الامإم مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَانَ مُلْتَمِسَهَا، فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة، وهم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (جَبَلَةَ) بن سُحَيم - بمهملتين، مصغّرًا - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الصيام" ٢/ ٢٥٠٩. وقوله: (مُلْتَمِسَهَا) أي طالب ليلة القدر. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وبيان مسائله تقدّما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ، وَمُحَارِبٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، أَوْ قَالَ: فِي التِّسْعِ (١) الْأَوَاخِرِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.

стр. 12778

٤ - (مُحَارِبُ) بن دِثَار السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أي: اطلبوا حِينها، وهو زمانها. وقوله: (أَوْ قَالَ فِي التِّسْعِ الْأَوَاخِرِ) وفي بعض النسخ: "أو في السبع الأواخر"، وهو الموافق للروايات الأخرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٨] (١١٦٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ"، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: "فَنَسِيتُهَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه، أو لا أعرفهم (٢). وقوله: (فَنُسِّيتُهَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: فَنَسِيتُهَا) الأول بضمّ النون، وتشديد السين المهملة، والثاني بفتح النون، وكسر النون الخفيفة، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق.

стр. 12779

[تنبيه]: ذكر في هذا الحديث أن سبب نسيانه ﷺ للية القدر هو إيقاظ بعض أهله، وذكر في "صحيح البخاريّ" من حديث عبادة بن الصامت أن سببه تلاحي رجلين، وسيأتي هذا عند المصنّف من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ بلفظ: "فجاء رجلان يختصمان، معهما الشيطان"، ونحوه في حديث الفَلَتان عند ابن إسحاق، وزاد: "أنه لقيهما عند سُدَّة المسجد، فحَجَزَ بينهما"، فاتَّفَق حديثا عبادة وأبي سعيد ﵄ على سبب النسيان، بخلاف حديث أبي هريرة هذا، فإنه مغايرٌ لهما. ووجه الجمع - كما قال في "الفتح" - إما أن يُحْمَل على التعدد، بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا، فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة، فيكون سبب النسيان ما ذُكِر من المخاصمة، أو يُحْمَل على اتّحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، وَيحْتَمِل أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي، فسمعت تَلاحِي الرجلين، فقُمت لأَحْجُز بينهما، فنسيتها؛ للاشتغال بهما. وقد رَوَى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيِّب أنه ﷺ قال: "ألا أخبركم بليلة القدر؟ " قالوا: بلي، فسكت ساعةً، ثم قال: "لقد قلت لكم، وأنا أعلمها، ثم أُنسيتها"، فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يُقَوِّي الحمل على التعدد. انتهى (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٦٨] (١١٦٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٣٩٢ و ٣٣٩٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12780

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٩] (١١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكلفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ (١) في مُعْتكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فنظَرْتُ إِلَيْهِ، وَقَد انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصرفي، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٢٣.

стр. 12781

٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بغلانيّ، وبكر مصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ) أي يعتكف (فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) أي شهر رمضان، وذلك قبل أن يَعلَمَ كون ليلة القدر في العشر الأواخر منه. وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الوُسْطى من رمضان"، ومن طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: "اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأواسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبَان له، فلما انقضين أَمَرَ بالبناء، فقُوّض، ثم أُبينت له أنَّها في العشر الأواخر، فأَمَرَ بالبناء، فأُعيد"، وزاد في رواية عُمارة بن غزيّة، عن محمد بن إبراهيم عند البخاريّ أنه"اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخر"، ومثله عنده في رواية همّام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، وزاد فيها: "أن جبريل أتاه في المرّتين، فقال له: إن الذي تطلب أَمَامك". وهو بفتح الهمزة والميم: أي قُدّامك. قال الطيبي: وَصَفَ الأوّلَ والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع، إشارةً

стр. 12782

إلى تصوير ليلة القدر في كلّ ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين. انتهى (١). (فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي) اسم "كان" ضمير يعود إلى النبيِّ ﷺ ، و"من" بمعنى "في"، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية: [الجمعة: ٩]، والجار والمجرور خبرها، و"حين" مضاف إلى جملة "يَمْضِي"، ويجوز إعرابه، وبناؤه على الأصح، فيُجرّ بالكسرة، وُيبنى على الفتح، لإضافته إلى فعل معرب، كما قال ابن مالك: وَابْنِ أَوَ أعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا أي: فإذا كان النبيّ ﷺ وقت مضيّ عشرين ليلة من رمضان. وَيحْتَمِل أن تكون "كان" تامّة، و"من" زائدة على رأي بعض النحاة في زيادتها في الإثبات، و"حين" فاعل "كان"، وقوله: (عِشْرُونَ) بالرفع على الفاعليّة لـ "يمضي"، و (لَيْلَةً) منصوب على التمييز؛ أي إذا جاء وقت مضيّ الليلة العشرين من رمضان. وفي رواية البخاريّ: "فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي". وقوله: (وَيَسْتَقْبِلُ) عطف على جملة "تمضي" إلَّا أن الفاعل ضمير النبيّ ﷺ ؛ أي: واستقبال إحدى وعشرين منه، وقوله: (اِحْدَى وَعِشْرِينَ) منصوب على المفعوليّة لـ"يستقبل"، يقال: استَقْبلتُ الشيءَ: إذا واجههته، فهو مُسْتَقْبَلٌ، وقوله: (يَرْجعُ) جواب "إذا"، ولفظ البخاريّ: "رَجع"، وهو المناسب للسياق (إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الميم، والكاف: أي يرجع النبيّ ﷺ إلى بيته (وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) "من" فاعل "رجع"؛ أي: رجع من كان يعتكف مع النبيّ ﷺ ، من أزواجه، وأصحابه ﵃. والمعنى: أن النبيّ ﷺ مكان من هديه في رمضان أنه يعتكف العشر الأوسط منه طلبًا لليلة القدر، فإذا مضى عشرون ليلة من رمضان رجع إلى بيته؛

стр. 12783

لظنه أن ليلة القدر انقضى وقت طلبها، ورجع أيضًا من اعتكف معه تلك الليالي إلى بيوتهم، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّهُ) ﷺ (أقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ) أي: اعتكف (فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) أي: يرجع إلى مسكنه في صبيحتها، وهي الليلة العشرون من رمضان. وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة التالية: "فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا"، وهي أصرح في المراد. (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ) أي من الأمور الدينيّة، والتوجيهات النبويّة (ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ) أي التي في وسط الشهر (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لِي) يعني أنه تبيّن له بالوحي أن الاعتكاف المطلوب في العشر الأواخر، لا في الأواسط، وفي رواية البخاريّ: "اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبيّ ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان … " الحديث. (أَنْ أجَاوِرَ هَذ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ: "فَلْيَبِتْ" من المبيت، وفي بعضها: "فَلْيَثْبُتْ"، من الثبوت، وفي بعضها: "فَلْيَلْبَثْ"، من اللَّبْث، وكله صحيح، وقوله في الرواية الثانية: "غير أنه قال: فليثبت"، هو في أكثر النسخ بالثاء المثلثة من الثبوت، وفي بعضها: "فليبت"، من المبيت. انتهى. (فِي مُعْتَكَفِهِ) متعلّق بـ "يبت"، وهو بفتح الكاف، وهو موضع الاعتكاف (وَقَدْ رَأَيْتُ هَذ اللَّيْلَةَ) أي علمتها، بالوحي، وفي رواية للبخاريّ: "إني أريت ليلة القدر"؛ يعني أنه أراه الله تعالى في منامه تعيين تلك الليلة (فَأُنْسِيتُهَا) وفي البخاريّ: "فأُنسيتها، أو نُسِّيتها" بالشك. قال في "الفتح": شكٌّ من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نسيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط "نُسّيتها" بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى "أنسيتها"، والمراد أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة. انتهى. وسبب نسيانها هو ما يأتي من حديث عُبَادة بن الصامت ﵁، قال:

стр. 12784

خرج النبيّ ﷺ ؛ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة"، وقوله: "تلاحى": أي تخاصم. وقال القرطبيّ ﵀: أي أُنسيت تعيينها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به، ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال ﷺ : "وعسى أن يكون خيرًا لكم"، رواه البخاريّ. ووجه ذلك: أنَّها إذا لَمْ تعيّن، أو كانت متنقلة في العشر، حَرَص الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله، وهذا نحو مما جرى في تعيين الصلاة الوسطي، وساعة الجمعة، وساعة الليل، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (فَالْتَمِسُوهَا) أي: اطلبوها، واجتهدوا في إحيائها بالعمل المصالح. قال القرطبيّ ﵀: قوله: "فالتمسوها" أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه، ولذلك عظّمها سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾، إلى آخر السورة، وبقوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ١ - ٦]. ومعنى "يفرق": يُفْصَل ويبين، و"حكيم" مُحْكَم؛ أي: متقن. و"أمرًا": منصوب على القطع، ويصح بنزع الخافض؛ أي: يفرق بأمر، فلما أسقط الخافض تعدى الفعل فنصب. قال: واختَلَف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر: هل كانت مخصوصة بزمن النبيّ ﷺ ، أو لا؟ فالجمهور: على أنَّها ليست مخصوصة.

стр. 12785

ثم اختلفوا: هل هي منتقلة في الأعوام، أو ليست منتقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست منتقلة اختلفوا في تعيينها، فمن معيّن ليلة النصف من شعبان، ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان، ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة، ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة، ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلَّا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر، وقيل: هي آخر ليلة منه. وقيل: هي معيّنة عند الله تعالى غير معيّنة عندنا. وهذه الأقوال كلها للسَّلف وللعلماء. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى. قال: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله ﷺ في طلبها: أنَّها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها منتقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك، والشافعي، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض. فاعْتَمِدْ عليه، وتَمَسَّكْ به. انتهى (١). (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وقوله (في كُلِّ وِتْرٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله؛ أي في كلّ وتر من لياليه، وهي الليلة الحادية والعشرون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء للمتكلم، وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول، وهو المتكلّم، وهو من خصائص أفعال القلوب؛ أي رأيت نفسي (أَسْجُدُ) بالرفع في محلّ نصب على الحال (فِي مَاءٍ وَطِينٍ) أي عليهما، وذلك علامةٌ على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر في تلك السنة. وقوله أيضًا: (فِي مَاءٍ وَطِينٍ") المراد بذلك الأرض الرطبة، ولعلّ أصله في ماء وتراب، وسُمّي طينًا؛ لمخَالطته به مآلًا، وللإيماء إلى غلبة الماء عليه. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ﵁ (مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغة، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يُقال: مَطَرَت السماء

стр. 12786

وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) بنصب "ليلة" على الظرفيّة لـ"مُطِرنا" (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) قال الفيّوميّ ﵀: وَكَفَ البيت بالمطر، والعينُ بالدمع وَكْفًا، من باب وَعَدَ، ووُكُوفًا، ووَكِيفًا: سأل قليلًا قليلًا، ويجوز إسناد الفعل إلى الدفع، وأوكف بالألف لغة. انتهى (٢). والمعنى هنا: أي قطَرَ، وسال ماء المطر من سقف المسجد، فهو من باب ذكر المحلّ، وإرادة الحالّ (فِي مُصَلَّى) بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة: أي مكان سجود (رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) ﷺ ، وقوله: (وَقَد انْصَرَفَ) جملة حاليّة من الضمير المجرور (مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وقوله: (وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ) جملة حاليّة من فاعل "انصرف"، و"الْمُبتلّ" بضمّ الميم، وتشديد اللام: اسم مفعول من ابْتَلّ، وفي الرواية: "ممتلئًا طينًا وماءً"، وقوله: (طينًا وَمَاءً) منصوب على التمييز. وحاصل المعنى: أن أبا سعيد رأى النبيَّ ﷺ حينما انصرف من صلاة الصبح قد ابتلّ وجهه بالطين والماء، تصديقًا لما ذكره النبي ﷺ من علامة ليلة القدر في تلك السنة بقوله: "وقد رأيتني أسجُدُ في ماء وطين". وقال النوويّ: قال البخاريّ: وكان الحميديّ يحتجّ بهذا الحديث على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال العلماء: يستحب أن لا يمسحها في الصلاة، وهذا محمول على أنه كان شيئًا يسيرًا لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض، فإنه لو كان كثيرًا بحيث يمنع ذلك لَمْ يصح سجوده عند الشافعيّ وموافقيه في منع السجود على حائل متصل به. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السجود مع الحائل المتّصل جائز؛ لهذا الحديث، وللأدلّة التي تقدّمت في موضعها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12787

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٦٩ و ٢٧٧٠ و ٢٧٧١ و ٢٧٧٢ و ٢٧٧٣ و ٢٧٧٤] (١١٦٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٦٩ و ٨١٣ و ٨٣٦) و"فضل ليلة القدر" (٢٠١٦ و ٢٠١٨) و"الاعتكاف" (٢٠٢٧ و ٢٠٣٦ و ٢٠٤٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (١٣٨٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (٣/ ٧٩) وفي "الكبرى" (١/ ٤٠٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٤٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٧٣ و ٣٦٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠٣ و ٤/ ٣٠٩ و ٣١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ليلة القدر، وأنها تكون في رمضان في ليالي العشر الأواخر منه. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدة تحريه لليلة القدر، وحثّ أمته على الحرص في طلبها. ٣ - (ومنها): ترك مسح جبهة المصلي. ٤ - (ومنها): جواز السجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يَعْكُر عليه قوله في بعض طرقه: "ووجهه ممتلئ طينًا وماءً"، وجواب النوويّ بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة مما لا يخفى ضعفه، والحقّ أن السجود على الحائل يجوز، وقد تقدم تحقيق ذلك في أبواب الصلاة، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): جواز السجود في الطين. ٦ - (ومنها): الأمر بطلب الأَولي، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل. ٧ - (ومنها): أن النسيان جائز على النبيّ ﷺ ، ولا نقص عليه في ذلك، لا سيما فيما لَمْ يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة، كما في هذه

стр. 12788

القصة؛ لأن ليلة القدر لو عُيِّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في غيرها، وهذا - والله أعلم - هو المراد بقوله ﷺ : "وعسى أن يكون خيرًا لكم"، كما في حديث عبادة بن الصامت في "صحيح البخاريّ". ٨ - (ومنها): جواز استعمال رمضان بدون شهر. ٩ - (ومنها): استحباب الاعتكاف في رمضان، وترجيح اعتكاف العشر الأواخر منه. ١٠ - (ومنها): أن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقًا للواقع. ١١ - (ومنها): ترتب الإحكام على رؤيا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ١٢ - (ومنها): أن في أول قصة أبي سلمة مع أبي سعيد الخدريّ الآتي في الرواية الثالثة المشيّ في طلب العلم، وإيثار المواضع الخالية للسؤال، وإجابة السائل لذلك، واجتناب المشقة في الاستفادة، وابتداء الطالب بالسؤال. ١٣ - (ومنها): استحباب تقديم الخطبة على التعليم، وتقريب البعيد في الطاعة، وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطّف، والتدريج إليها. [تنبيه]: تقدّم في حديث عبادة بن الصامت عند البخاريّ أنه ﷺ قال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت". قوله: "لأخبركم بليلة القدر" أي بتعيين ليلة القدر. وقوله: "فرُفعت" أي رُفع من قلبي، فنسيت تعيينها؛ للاشتغال بالمتخاصمين، وقيل: المعنى: فرُفعت بركتها في تلك السنة، وقيل: "التاء" في رُفِعتْ للملائكة، لا لليلة. وقال الطيبيّ ﵀: قال بعضهم: رُفِعت؛ أي معرفتها، والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها، فإذا وقعت لَمْ يكن لرفعها معني، قال: ويمكن أن يقال: المراد برفعها أنَّها شَرَعت أن تقع، فلما تخاصما رُفعت بعدُ، فنَزَّل الشروع منزلة الوقوع. وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة، فهل أُعلم النبيّ ﷺ بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمالٌ، وقد نُقل عن ابن عيينة أنه أُعْلِم. ورَوَى محمد بن نصر، من طريق وأهب المغافريّ، أنه سأل زينب بنت

стр. 12789

أم سلمة ﵄: هل كان رسول الله ﷺ يَعْلَم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو عَلِمها لَمَا قام الناس غيرها. انتهى. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالًا، وليس بلازم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضًا، فيحصل الاجتهاد في جميع العشر، كما تقدم. قال: واستَنبَط السبكيّ الكبير ﵀ في "الحلبيات" من هذه القصة استحبابَ كتمان ليلة القدر لمن رآها، قال: ووجه الدلالة أن الله قَدَّر لنبيه ﷺ أنه لَمْ يخبر بها، والخير كله فيما قُدِّر له، فيستحب اتّباعه في ذلك. وذكر في "شرح المنهاج " ذلك عن "الحاوي" قال: والحكمة فيه أنَّها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها، بلا خلاف بين أهل الطريق، من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب، فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها، وذِكرِها للناس، ومن جهة أنه لا يَأُمَن الحسد، فيوقع غيره في المحذور، ويُستأنَس له بقول يعقوب: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] الآية. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ التَّيِ فِي وَسَطِ الشَهْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أنهُ قَالَ: "فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ"، وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا (٢) طينًا وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْن أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.

стр. 12790

٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. والباقون ذُكروا قبله، و"يزيد": هو ابن الهاد. وقوله: (فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتكَفِهِ) أي: بالثاء المثلّثة. وقوله: (وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً) قال النوويّ ﵀: كذا هو في معظم النسخ "ممتلئًا" بالنصب، وفي بعضها: "ممتلئ"، ويُقدّر للمنصوب فعل محذوف؛ أي: وجبينه رأيته ممتلئًا. قال: ولا يخالف ما تأوّلناه؛ لأن الجبين غير الجبهة، فالجبين في جانب الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أنه لا حاجة للتأويل المذكور؛ لأن الحقّ جواز السجود على الحائل؛ للأدلّة الصحيحة على ذلك، فلا تغفل. [تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن يزيد بن الهاد هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه" مقرونًا بابن أبي حازم، فقال: (٢٠١٨) - حدّثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدّثني ابن أبي حازم، والدَّراورديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ منه: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حينَ يُمسي من عشرين ليلةً تمضي، ويَستَقْبِل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: "كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتَكَفَ معي، فليثبت في مُعْتَكَفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلّ وتر، وقد رأيتني أَسْجُد في ماء وطينًا، فاستَهَلَّت السماء في تلك الليلة، فأمْطَرت، فوَكَف المسجد في مُصَلَّى

стр. 12791

النبيّ ليلة إحدى وعشرين، فبَصُرَتْ عيني رسول الله ﷺ ، ونظرت إليه انصَرَف من الصبح، ووجهه ممتلئٌ طينًا وماءً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، فِي قُبَّةٍ تُرْكِيةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ، فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: "إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبُّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلْيَعْتَكِفْ"، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: "وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ"، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ، فَمَطَرَت السَّمَاءُ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا (١) الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.

стр. 12792

٣ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ … الخ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، كما قال في أكثر الأحاديث: "العشر الأواخر"، وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبيّ ﷺ . انتهى (١). وقال الطيبيّ ﵀: فإن قلت: لَمْ خولف بين الأوصاف، فوصَفَ العشر الأول، والعشر الأوسط بالمفرد، وا لآخَرَ بالجمع؟. [قلت]: تصوّر في كلّ ليلة من الليالى العشر الأخير ليلة القدر، فَجَمَعَهُ، ولا كذلك في العشرين. انتهى (٢). وقوله: (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) أي: قبّة صغيرة من لبود، قاله النوويّ ﵀ (٣). وقوله: (عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ) قال المجد ﵀: "السُّدّة" بالضمّ: باب الدار، جمعه سُدَدٌ. انتهى (٤). وقال ابن الأثير ﵀: "السُّدّة": كالظلّة على الباب؛ لتقي الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هى الساحة بين يديه. انتهى (٥). وقال الفيّوميّ ﵀: "السُّدّة" بالضم في كلام العرب: الْفِناء لبيت الشعر، وما أشبهه، وقيل: السدة: كالصُّفّة، أو كالسَّقِيفة فوق باب الدار، ومنهم من أنكر هذا، وقال: الذين تكلموا بالسُّدّة لَمْ يكونوا أصحاب أَبْنِية، ولا مَدَر، والذين جعلوا السدة كالصفة، أو كالسقيفة، فإنما فَسَّروها على مذهب أهل

стр. 12793

الحضر، والسُّدّة: الباب، ويُنسَب إليها على اللفظ، فيقال: السُّدّيّ، ومنه الإمام المشهور، وهو إسماعيل السُّدّيّ؛ لأنه كان يبيع المقانع، ونحوها في سُدّة مسجد الكوفة، والجمع: سُدَدٌ، مثلُ غُرْفَةٍ وغرَفٍ. انتهى (١). وقوله: (فَنَحَّاهَا) أي: أزال الحصير، وإنما أنّثها؛ لأنَّها بمعنى الباريّة، قال الفيّوميّ: الْحَصِير: الْبَاريّةُ، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُدٍ، وتأنيثها بالهاء عاميّ، قال: والباريّة: الْحَصير الْخَشِنُ. انتهى (٢). وقوله: (فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ) أي أزالها إلى جانب القبّة. وقوله: (ثُمَّ أَطْلَعَ رَأسَهُ) بقطع الهمزة: أي أخرجه. وقوله: (ثُمَّ أُتِيتُ … إلخ) بالبناء للمفعول: أي أتاني ملكٌ، وقد تقدّم أنه جبريل ﵇. وقوله: (وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ) قال النوويّ: هي بالثاء المثلّثة، وهي طرفه، ويقال لها أيضًا: أَرْنَبة الأنف، كما جاء في الرواية الأخرى. انتهى (٣). وقوله: (فِيهِمَا) أي في جبينه، وروثة أنفه، وفي نسخة "فيها" بالإفراد، راجع إلى الروثة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَأَتَيْتُ؛ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، وَكانَ لِي صَدِيقًا، فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ، فَخَرَجَ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ فَقَالَ: نَعَمْ، اعْتَكَفْنَا

стр. 12794

مَعَ رَسُولي اللهِ ﷺ الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نَسِيتُهَا، أَوْ أُنسِيتُهَا (١)، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْرٍ، وَإِنِّي أُرِيتُ (٢)؛ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلْيَرْجِعْ"، قَالَ: فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، قَالَ: وَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمُطِرْنَا، حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، قَالَ: حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٢ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر - بوزن جَعَفر - الدّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى: "سمعت أبا سلمة". وقوله: (أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ) أي: إلى البستان الذي فيه النخل. وقوله: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) هي ثوبُ خَزّ، أو صوف مُعْلَم، وقيل: لا تُسمّى خميصةً إلَّا أن تكون سوداء مُعْلَمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها خَمَائص (٣). وقوله: (اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَشْرَ الْوُسْطَى) - بضمِّ الواو - تأنيث الأوسط، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر

стр. 12795

الأوسط"، قال في "الفتح": هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد بالعشر الليالي، وكان من حقّها أن توصف بلفظ التأنيث، لكن وُصِفت بالمذكر على إرادة الوقت، أو الزمان، أو التقدير الثلث، كانه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، ووقع في "الموطأ": "العشر الوُسُط" بضم الواو والسين: جمع وُسْطَي، ويروى بفتح السين مثل كُبَر وكبْري، ورواه الباجيّ في "الموطأ" بإسكانها على أنه جمع واسط، كبازل وبُزْل، وهذا يوافق رواية "الأوسط". انتهى (١). وقوله: (فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية مالك: "حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه". قال في "الفتح": وظاهره يخالف رواية الباب، ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغاير لقوله في آخر الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ ، وعلى جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين"، فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لبقية الطرق، وعلى هذا فكان قوله في رواية مالك المذكورة: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها" أي: من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوّز. وقد أطال ابن دحية في تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها وَرَدَّ على من منع ذلك، ولكن لَمْ يُوَافَق على ذلك، فقال ابن حزم: رواية ابن أبي حازم، والدراورديّ يعني عند البخاريّ مستقيمة، ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى تأويلها بنحو مما ذكرته. ويؤيده ما سبق في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بلفظ: "فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلةً، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه"، وهذا في غاية الإيضاح. وأفاد ابن عبد البرّ في "الاستذكار" أن الرواة عن مالك اختَلَفُوا عليه في لفظ الحديث، فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى، ويحيى بن

стр. 12796

بكرٍ، والشافعيّ، عن مالك: "يَخرُج في صبيحتها من اعتكافه"، ورواه ابن القاسم، وابن وهب، والقعنبيّ، وجماعة، عن مالك، فقالوا: "وهي الليلة التي يَخرُج فيها من اعتكافه". قال: وقد روى ابن وهب، وابن عبد الحكم، عن مالك، فقال: "من اعتَكَف أول الشهر، أو وسطه، فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، ومن اعتكف في آخر الشهر، فلا ينصرف إلى بيته حتى يَشْهَد العيد"، قال ابن عبد البر: ولا خلاف في الأول، وإنما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأخير، هل يخرج إذا غابت الشمس، أو لا يخرج حتى يصبح؛ قال: وأظن الوَهْمَ دخل من وقت خروج المعتكف. قال الحافظ: وهو بعيدٌ؛ لِمَا قَرَّره هو من بيان محل الاختلاف، وقد وجّه شيخنا الإمام البلقينيّ رواية الباب بأن معنى قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين" أي: حتى إذا كان المستَقْبَلُ من الليالي ليلة إحدى وعشرين، وقوله: "وهي الليلة التي يَخْرُج "الضمير يعود على الليلة الماضية، ويؤيد هذا قوله: "من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر"؛ لأنه لا يتمّ ذلك إلَّا بإدخال الليلة الأولى. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) - بضم أوله - على البناء للمفعول، وهي من الرؤيا؛ أي: أُعْلِمتُ بها، أو من الرؤية؛ أي: أبصرتها، وإنما أُري علامتها، وهو السجود في الماء والطين، كما وقع في رواية همام بن يحيى، عن أبي سلمة، عند البخاريّ بلفظ: "حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله ﷺ وأرنبته تصديق رؤياه". وقوله: (وَإِنِّي نَسِيتُهَا، أَوْ أُنْسِيتُهَا) قال في "الفتح": شكّ من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نَسِيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط "نُسِّيتُها" بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى أنسيتها، والمراد أنه أُنسِيَ علم تعيينها في تلك السنة، وقد تقدّم بيان سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت

стр. 12797

الذي ذكرته من عند البخاريّ، وسيأتي أيضًا عند المصنّف بعد حديثين ما يشير إليه في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. وقوله: (فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) فيه التفات، وفي رواية البخاريّ: "فمن كان اعتكف معي، فليرجعٍ". وقوله: (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والزاي: أي قطعة من سحاب رقيقة. وقوله: (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "فجاءت سحابة، فمَطَرَت"، وله من وجه آخر: "فاستَهَلَّت السماءُ، فأمطرت". وقوله: (حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) وفي رواية مالك: "فوكف المسجد - أي قطر الماء من سقفه - وكان على عَرِيش"؛ أي مثل العَرِيش، وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مُظَلّلًا بالجريد، والْخُوص، ولم يكن مُحْكَم البناء، بحيث يُكِنّ من المطر الكثير. وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) وفي رواية مالك: "على جبهته أثر الماء والطين"، وفي رواية ابن أبي حازم عند البخاريّ: "انصرف من الصبح، ووجهه ممتلئ طينًا وماءً"، وهذا يُشعِر بأن قوله: "أثر الماء والطين" لَمْ يُرِد به محض الأثر، وهو ما يبقى بعد إزالة العين، قاله في "الفتح" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَز (ع) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: رَأَيْتُ (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ، وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ).

стр. 12798

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدَّم قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ متقنٌ فاضلٌ إمامٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٥ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاج الْخَولانيّ الْحِمصيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٤. ٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، تقدَّم قريبًا. و"يحيى" ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لمعمر، والأوزاعيّ. وقوله: (وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ) "الأرنبة" بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون، ثم الموحّدة: طرف الأنف (١). [تنبيه]: أما رواية معمر، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٦٠ - ٢٥٩) فقال: (٣٠٦٩) - أخبرنا الحسن بن عبد الأعلى بن إبراهيم الصنعاني أبو محمد البوسيّ والدبريّ جميعًا، قال (٢): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، فخرجنا ضاحية عشرين، فخطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "إني رأيت ليلة القدر، فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، في وتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتَكَف معي فليرجع إلى مُعْتَكَفه"، قال: فخرجنا، وما في السماء قَزَعَةٌ، فجاءت سحابة، فمُطِرنا حتى سأل سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت

стр. 12799

الصلاة، فرأيت على أرنبة رسول الله ﷺ حين انصرف أثرُ الطين في جبهته وأرنبته؛ يعني ليلة إحدى وعشرين. انتهى. وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها أيضًا أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٢٥٩) فقال: (٣٠٦٧) - أخبرني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ، وحدّثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو المغيرة، وحدّثنا الكيساني، حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، قال: أتيت أبا سعيد الخدريّ، فقلت له: يا أبا سعيد اخرُجْ بنا إلى النخل، قال: نعم، فدعا بِخَمِيصة، فأخذها عليه، قال: فخرجا، فقلت: يا أبا سعيد، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؛ قال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، فلما كان صبيحة عشرين، قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: "إني رأيت ليلة القدر، وإني أُنسيتها، وإني رأيت أني أسجد في طين وماء، فالتمسوها في العشر الأواخر، في وتر"، قال: وما نَرَى في السماء قَزَعَةً، قال: ونودي بالصلاة، وثار سحاب، فمُطِرنا، حتى سأل سقف المسجد، وهو من جريد النخل، قال: فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الطين والماء، حتى نظرت إلى أثر الطين في أرنبته وجبهته. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ "الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ (١)، أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا

стр. 12800

كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ، مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا (١)، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا، قَالَ: أَجَلْ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ (٢)، وَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وَقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ مَكَانَ "يَحْتَقَّانِ": "يَخْتَصِمَانِ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر ﵀ بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) تقدّم أن المشهور تأنيث العشر، ويجوز أيضًا تذكيره باعتبار الأيام، فلذا جاز تذكير الأوسط بهذا الاعتبار، فتنبّه. وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ) بالبناء للمفعول، أن تُظهر له بأنها في العشر الأواخر، قال الفيّوميّ ﵀: بأن الأمر، يَبِينُ، فهو بيّنٌ، وجاء بائنٌ على الأصل، وأبان إبانةَ، وبَيَّنَ، وتبيَّنَ، واستبان، كلّها بمعنى الوضوح

стр. 12801

والانكشاف، والاسم البيان، وجمعها يُستَعْمَل لازمًا ومتعهدّيًا، إلَّا الثلاثيّ، فلا يكون إلَّا لازمًا. انتهى (١). وقوله: (فَلَمَّا انْقَضَيْنَ) وفي نسخة: "قال: فلما انقضين" بزيادة لفظة "قال"، أي انتهت أيام العشر الأوسط. وقوله: (أَمَرَ بِالْبِنَاءِ) أي: بخبائه التي نُصبت له لأن يعتكف فيها. وقوله: (فَقُوِّضَ) بقاف مضمومة، وواو مكسورة مشدّدة، مبنيًّا للمفعول، ومعناه: أُزيل، يقال: قاض البناءُ، وانقاض: أي: انهدم، وقوّضته أنا، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقوله: (فَجَاءَ رَجُلَانِ) قال العلامة سراح الدين ابن الملقّن ﵀: هما كعب بن مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد ﵄، وعزاه لابن دِحية في "العلم المشهور"، قاله صاحب "التنبيه" (٣). وقوله: (يَحْتَقَّانِ) بتشديد القاف: أي يطلب كلّ واحد منهما حقّه، وَيدَّعي أنه الْمُحقّ. قال الجامح عفا الله عنه: قصّة كعب بن مالك، وصاحبه ذكرها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٤٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، حدّثني أنس بن مالك، قال: أخبرني عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفِعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس". قال في "الفتح": قوله: "فتلاحى" بفتح الحاء المهملة مشتقّ من التلاحي بكسرها، وهو التنازع، والمخاصمة، والرجلان أفاد ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد - بحاء مفتوحة، ودال ساكنة مهملتين، ثم راء مفتوحة، ودال مهملة أيضًا - وكعب بن مالك.

стр. 12802

وقوله: "فرُفعت" أي فرُفع تعيينها عن ذكري، هذا هو المعتمد هنا. والسبب فيه ما أوضحه مسلم، من حديث أبي سعيد ﵁ في هذه القصّة، قال: "فجاء رجلان يَحْتَقّان - بتشديد القاف؛ أي يَدّعِي كلٌّ منهما أنه الْمُحِق - معهما الشيطان، فنسيتها". قال القاضي عياض ﵀: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومةٌ، وأنها سبب في العقوبة المعنوية؛ أي: الحرمان، وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان تُرفَع منه البركة والخير. [فإن قيل]: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومةً؟. [قلت]: إنما كانت كذلك؛ لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر، لا اللغو، ثم في الوقت المخصوص أيضًا بالذكر، لا اللغو، وهو شهر رمضان، فالذمّ لِمَا عَرَضَ فيها، لا لذاتها، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرة رسول الله ﷺ منهي عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. انتهى (١). وقوله: (فَنُسِّيتُهَا) بضمّ النون، وتشديد السين، مبنيّا للفاعل، وفي بعض النسخ: "فَنَسِيها" بفتح النون، وكسر السين المخفّفة. وقوله: (قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ … إلخ) أي هل هي تاسعة ما مضي، أو تاسعة ما بقي؟ فهذا وجه السؤال، وهو ظاهر في التاسعة، والسابعة، وأما الخامسة فهي متعينةٌ، ومُحَصَّلُ ما أجاب به أبو سعيد ﵁ أن المراد بالعدد تاسعة ما بقي من الليالي، وسابعته، وخامسته، وعند البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄: "في تاسعة تبقي، في سابعة تبقي، في خامسة تبقى". وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ عنده أيضًا: "فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة". قال في "الفتح": قوله: "فالتمسوها في التاسعة … إلخ" يَحْتَمِل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، وَيحْتَمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى، أو اثنين بحسب تمام

стр. 12803

الشهر ونقصانه، ويُرَجِّح الأول ما سبق في "كتاب الإيمان" بلفظ: "التمسوها في التسع، والسبع، والخمس"؛ أي في تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين، وفي رواية لأحمد: "في تاسعة تبقى"، والله أعلم. انتهى (١). وقوله: (فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْثَيْنِ وَعِشْرِينَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ: "ثنتين وعشرين" بالياء، وفي بعضها: "ثنتان وعشرون" بالألف والواو، والأول أصوب، وهو منصوب بفعل محذوف، تقديره أعني ثنتين وعشرين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "والأول أصوب" فيه نظرٌ، بل الأصوب ما في بعض النسخ من رفع "ثنتان وعشرون"، كما هو ظاهر. والحاصل أن لكلّ من الرفع والنصب وجه صحيح، إلَّا أن الرفع أوضح، فالرفع على أنه خبر "التي"، والنصب على ما ذكر هو، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٥] (١١٦٨) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: عَن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا (٢) أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْصَرَفَ، وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) (٣).

стр. 12804

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ) أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. ٢ - (عَلِئُ بْنُ خَشْرَم) بوزن جعفر، المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، قد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٣ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض بن ضَمْرة، أبو عبد الرَّحمن، أو أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. ٥ - (أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) واسمه سالم بن أبي أُميّة التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١. ٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الْحَضْرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنيْسٍ) الْجُهَنيّ، أبو يحيى المدنيّ، حليف الأنصار. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وأبي أمامة بن ثعلبة، على خلاف فيه. وروى عنه أبناؤه: ضمرة، وعبد الله، وعطية، وعمرو، وعبد الرَّحمن وعبد الله ابنا كعب بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وبُسْر بن سعيد، وعبد الله ومعاذ ابنا عبد الله بن حبيب، وغيرهم. قال ابن إسحاق: هو من قُضَاعة، حليف لبني سَلِمة، وشَهِد العقبة، وأُحُدًا، وما بعدهما، وهو الذي بعثه النبيّ ﷺ إلى خالد بن نُبَيح الْعَنَزيّ، فقتله، مات في خلافة معاوية ﵁ سنة (٥٤)، ووَهِمَ من قال: سنة ثمانين. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (١).

стр. 12805

وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق. وقوله: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ) يعني أن عبد الله بن أنيس ﵁ كان يقول: ليلة القدر هي ليلة ثلاث وعشرين. قال النوويّ ﵀: قوله: (ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) هكذا هو في معظم النسخ؛ أي بجرّ "ثلاثٍ وعشرين"، وفي بعضها: "ثلاثٌ وعشرون"؛ أي بالرفع، قال: وهذا ظاهر، والأول جارٍ على لغة شاذّة أنه يجوز حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورًا؛ أي ليلةَ ثلاث وعشرين. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ ﵀ بهذا إلى ما ذكره ابن مالك ﵀ في "خلاصته" حيث قال: وَمَا يَلِي الْمُضَافُ يَأتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلَا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ [تنبيه]: أخرجه البيهقيُّ ﵀ بعد حديث الباب لعبد الله بن أنيس، فقال: (٨٣٢٠) - أخبرنا الفقيه أبو الحسن محمد بن يعقوب الطبرانيّ، بها أنبا أبو النضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارميّ، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا يزيد بن الهاد، أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره، عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن أنيس، قال: كنا بالبادية، فقلنا: إن قَدِمْنا بأهلينا شَقّ علينا، وإن خلَّفناهم أصابتهم ضيقة، قال: فبعثوني، وكنت أصغرهم إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له قولهم، فأمرنا بليلة ثلاث وعشرين، قال ابن الهاد: فكان محمد بن إبراهيم يَجتهد تلك الليلة. (٨٣٢١) - وأخبرنا أبو علي الروذباريّ، أنبأ أبو محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن إبراهيم، عن ابن عبد الله بن أنيس الْجُهَنيّ، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها إلى هذا

стр. 12806

المسجد، فقال: "انزل ليلة ثلاث وعشرين"، فقلت لابنه: فكيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة، حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح وَجَدَ دابته على باب المسجد، فجلس عليها، فلحق بباديته. انتهى (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أنس ﵁ هذا من أفراد المصنف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٧٥] (١١٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٩) و"المعرفة" (٣/ ٤٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٦] (١١٦٩) - (حَدثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: "الْتَمِسُوا - وَقَالَ وَكِيعٌ: تَحَرَّوْا - لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠.

стр. 12807

٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقية مشهور [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا. و"شيخه" ذُكر في الباب، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٧٧] (١١٦٩)، و (البخاريّ) في "فضل ليلة القدر" (٢٠١٧ و ٢٠١٩ و ٢٠٢٠)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٩٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣١٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٠ و ٥٦ و ٧٣ و ٢٠٤)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ١٧٠ و ٣٣١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٧] (٧٦٢) (١) - (وَحَدَّثَنَا محَمَّد بْن حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُم الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ﵀ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَّا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا).

стр. 12808

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدَةُ) بن أبي لبابة الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧. ٣ - (عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ) - بنون مفتوحة، وجيم - هو: عاصم بن بَهْدَلة الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرئ، (ت ٧ أو ١٢٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٤ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) بن حُباشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليل [٢] (ت ١ أو ٢ أو ٨٣) وهو ابن (١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٧. ٥ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو المنذر ﵀، وأبو الطّفيل، سيّد القرّاء، من فضلاء الصحابة ﵃، مات سنة (١٩) أو (٣٢)، وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٦٦. والباقيان ذُكرا في الباب. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم في " كتاب صلاة المسافرين وقصرها" برقم [٢٧/ ١٧٨٥] (٧٦٢)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا. وقوله: "فَقَالَ: ﵀ … إلخ" أي: قال أبيّ بن كعب ﵁: "﵀" داعيًا لابن مسعود ﵁، فالجملة دعائيّة قدّمها على قوله: "أراد … إلخ" من باب الاعتذار. وقوله: (ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي) أي: لا يُخرج شيئًا من بقيّة المشهور أنَّها تكون فيه، بل جازم ومقتصر على رمضان فقط، ويَحْتَمِل أن يكون

стр. 12809

المراد بالاستثناء تعليقه بالمشيئة؛ أي: لا يُعلّق حلفه على المشيئة، فيقول: "والله إنها في رمضان إلَّا إن شاء الله"، بل يجزم بكونها فيه، واللُّه تعالى أعلم. وقوله: (تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "أنَّها تطلع" من غير ذكر الشمس، وحُذِفت للعلم بها، فعاد الضمير إلى معلوم، كقوله تعالى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ونظائرِه، و"الشُّعَاع" بضم الشين، قال أهل اللغة: هو ما يُرَى من ضوئها عند بروزها، مثل الحبال، والْقُضْبان، مقبلةً إليك إذا نظرت إليها، قال صاحب "المحكم" - بعد أن ذكر هذا المشهور -: وقيل: هو الذي تراه مُمْتَدًّا بعد الطلوع، قال: وقيل: هو انتشار ضوئها، وجمعه أشِعّة، وشُعُعٌ بضم الشين والعين، وأَشَعَّت الشمس: نَشَرت شُعاعها. قال القاضي عياض ﵀: قيل: معنى لا شعاع لها: أنَّها علامةٌ جعلها الله تعالى لها، قال: وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها، ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سَتَرت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها، والله أعلم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي (٢) ﷺ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ

стр. 12810

وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ أُبِيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي في شأنها، وتعيين وقتها. وقوله: (وَأَكْثَرُ عِلْمِي) وفي بعض النسخ: "وأكثر علمي" بالثاء المثلّثة. وقوله: (وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ) أراد بالحرف الجملة، وهي قوله: "هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي … إلخ". وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ) هو من شعبة؛ يعني أنه لَمّا شك في سماعه من عبدة بن أبي لُبابة قوله: "هي الليلة التي … إلخ" سأل صاحبًا له سمعها من عبدة، فحدّثه بها. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم توجيه إخراج المصنّف ﵀ لرواية شعبة، وفيها شكّه، وجهالة صاحبه، في "التراويح" فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٩] (١١٧٠) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ كيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. ٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو ابن معاوية، أبو عبد الله الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.

стр. 12811

٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أوأبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في الإيمان" ٩/ ١٢٤. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟ ") الشِّقُّ بكسر الشين المعجمة، وتشديد القاف: النصف، والْجَفْنة - بفتح الجيم، وسكون الفاء -: جَفْنة الطعام، وهي الْقَصعة، جمعها جِفانٌ بالكسر، وجَفَنات، مثلُ كَلْبَة وكِلاب، وسَجَدَات (١). قال القاضي عياض ﵀: فيه إشارة إلى أنَّها إنما تكون في أواخر الشهر؛ لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلَّا في أواخر الشهر، والله أعلم. وقال النوويّ ﵀: واعلم أن ليلة القدر موجودة، كما سبق بيانه في أول الباب، فإنها تُرَي، وَيتَحَقّقها من شاء الله تعالى من بني آدم كلَّ سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث السابقة في الباب، وإخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن

стр. 12812

المهلَّب بن أبي صُفْرة: لا يمكن رؤيتها حقيقةً، فغلط فاحشٌ، نَبَّهتُ عليه؛ لئلا يغتر به، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٧٩] (١١٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٦)، و (البيهقيّ) في (الكبرى" (٤/ ٣١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الواحد والعشرين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" صباح يوم السبت السادس من شهر ذي القعدة (٦/ ١١/ ١٤٢٨ هـ) الموافق (١٦ نوفمبر - تشرين الثاني ٢٠٠٧ م). أسال الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

стр. 12813

"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني والعشرون مفتتحًا بـ ١٤ - (كِتَابُ الاعْتِكَافِ) رقم الحديث [٢٧٨٠] (١١٧١). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 12814

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يوم الأحد السابع من شهر ذي القعدة ٧/ ١١/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء الثاني والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمَّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى. ١٤ - (كِتَابُ الاعْتِكَافِ) قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مناسبة "كتاب الاعتكاف" لكتاب الصوم؛ فإن الاعتكاف الذي نُقل عن النبيّ ﷺ كان في رمضان، كما تبيّن في الأحاديث السابقة، فتنبّه. قال الفيّوميّ ﵀: عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من بابي قَعَدَ، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه، وقُرئ بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وعَكَفْتُ الشيءَ أَعْكُفُهُ وأَعْكِفُهُ: حبَسْتُهُ، ومنه الاعتكاف، وهو افتعالٌ؛ لأنه حَبْسُ النفس عن التصرّفات العاديّة، وعَكَفتُهُ عن حاجته؛ منعتُهُ. انتهى (١). وقال في "المجموع": أصل الاعتكاف في اللغة اللَّبْثُ، والحبس، والملازمة، قال الشافعيّ في "سنن حرملة": الاعتكاف: لزوم المرء شيئًا، وحبس نفسه عليه بِرًّا كان أو إثمًا، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقال تعالى في البرّ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وسُمِّي الاعتكاف الشرعيّ اعتكافًا؛ لملازمة المسجد، يقال: عَكَفَ يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ بضم الكاف، وكسرها، لغتان مشهورتان، عَكْفًا،

стр. 12815

وعُكُوفًا: أي أقام على الشيء ولازمه، وعَكَفته أَعْكِفه بكسر الكاف عَكْفًا لا غير (١)، قالوا: فلفظ عَكَف يكون لازمًا ومتعديًا، كما ذكرنا، كرَجَعَ، ورجعته، ونَقَصَ، ونقصته، ويسمى الاعتكاف جوارًا، ومنه حديث عائشة الذي سبق قريبًا في أحاديث ليلة القدر عن صحيح البخاري، وهو قولها: وهو مجاور في المسجد. والاعتكاف في الشرع: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيّة مخصوصة (٢). وقال في "الفتح": الاعتكاف: لغةً لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، وشرعًا: الْمُقام في المسجد، من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلَّا على من نذره، وكذا مَن شَرَع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، واختُلِف في اشتراط الصوم له، وانفرد سُوَيد بن غَفَلَة باشتراط الطهارة له. انتهى (٣). وقال ابن قُدامة ﵀: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحَبْس النفس عليه بِرًّا كان أو غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. قال الخليل: عَكَفَ يَعْكُفُ، وَيعْكِفُ، وهو في الشرع: الإقامة في المسجد على صفة نذكرها، وهو قربة، وطاعة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقالت عائشة ﵂: كان النبيّ ﷺ يعتكف العشر الأواخر. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَى ابن ماجة في "سننه" عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال في المعتكف: "هو يَعْكِف الذنوب، ويُجْرَى له من الحسنات، كعامل الحسنات كلِّها"، وهذا الحديث ضعيف، وفي إسناده فَرْقَد السَّبَخِيّ (٤)، قال أبو داود:
следующие страницы →