← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أوأبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في الإيمان" ٩/ ١٢٤. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟ ") الشِّقُّ بكسر الشين المعجمة، وتشديد القاف: النصف، والْجَفْنة - بفتح الجيم، وسكون الفاء -: جَفْنة الطعام، وهي الْقَصعة، جمعها جِفانٌ بالكسر، وجَفَنات، مثلُ كَلْبَة وكِلاب، وسَجَدَات (١). قال القاضي عياض ﵀: فيه إشارة إلى أنَّها إنما تكون في أواخر الشهر؛ لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلَّا في أواخر الشهر، والله أعلم. وقال النوويّ ﵀: واعلم أن ليلة القدر موجودة، كما سبق بيانه في أول الباب، فإنها تُرَي، وَيتَحَقّقها من شاء الله تعالى من بني آدم كلَّ سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث السابقة في الباب، وإخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن

стр. 12812

المهلَّب بن أبي صُفْرة: لا يمكن رؤيتها حقيقةً، فغلط فاحشٌ، نَبَّهتُ عليه؛ لئلا يغتر به، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٧٩] (١١٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٦)، و (البيهقيّ) في (الكبرى" (٤/ ٣١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الواحد والعشرين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" صباح يوم السبت السادس من شهر ذي القعدة (٦/ ١١/ ١٤٢٨ هـ) الموافق (١٦ نوفمبر - تشرين الثاني ٢٠٠٧ م). أسال الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

стр. 12813

"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني والعشرون مفتتحًا بـ ١٤ - (كِتَابُ الاعْتِكَافِ) رقم الحديث [٢٧٨٠] (١١٧١). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 12814

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يوم الأحد السابع من شهر ذي القعدة ٧/ ١١/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء الثاني والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمَّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى. ١٤ - (كِتَابُ الاعْتِكَافِ) قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مناسبة "كتاب الاعتكاف" لكتاب الصوم؛ فإن الاعتكاف الذي نُقل عن النبيّ ﷺ كان في رمضان، كما تبيّن في الأحاديث السابقة، فتنبّه. قال الفيّوميّ ﵀: عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من بابي قَعَدَ، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه، وقُرئ بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وعَكَفْتُ الشيءَ أَعْكُفُهُ وأَعْكِفُهُ: حبَسْتُهُ، ومنه الاعتكاف، وهو افتعالٌ؛ لأنه حَبْسُ النفس عن التصرّفات العاديّة، وعَكَفتُهُ عن حاجته؛ منعتُهُ. انتهى (١). وقال في "المجموع": أصل الاعتكاف في اللغة اللَّبْثُ، والحبس، والملازمة، قال الشافعيّ في "سنن حرملة": الاعتكاف: لزوم المرء شيئًا، وحبس نفسه عليه بِرًّا كان أو إثمًا، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقال تعالى في البرّ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وسُمِّي الاعتكاف الشرعيّ اعتكافًا؛ لملازمة المسجد، يقال: عَكَفَ يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ بضم الكاف، وكسرها، لغتان مشهورتان، عَكْفًا،

стр. 12815

وعُكُوفًا: أي أقام على الشيء ولازمه، وعَكَفته أَعْكِفه بكسر الكاف عَكْفًا لا غير (١)، قالوا: فلفظ عَكَف يكون لازمًا ومتعديًا، كما ذكرنا، كرَجَعَ، ورجعته، ونَقَصَ، ونقصته، ويسمى الاعتكاف جوارًا، ومنه حديث عائشة الذي سبق قريبًا في أحاديث ليلة القدر عن صحيح البخاري، وهو قولها: وهو مجاور في المسجد. والاعتكاف في الشرع: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيّة مخصوصة (٢). وقال في "الفتح": الاعتكاف: لغةً لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، وشرعًا: الْمُقام في المسجد، من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلَّا على من نذره، وكذا مَن شَرَع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، واختُلِف في اشتراط الصوم له، وانفرد سُوَيد بن غَفَلَة باشتراط الطهارة له. انتهى (٣). وقال ابن قُدامة ﵀: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحَبْس النفس عليه بِرًّا كان أو غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. قال الخليل: عَكَفَ يَعْكُفُ، وَيعْكِفُ، وهو في الشرع: الإقامة في المسجد على صفة نذكرها، وهو قربة، وطاعة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقالت عائشة ﵂: كان النبيّ ﷺ يعتكف العشر الأواخر. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَى ابن ماجة في "سننه" عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال في المعتكف: "هو يَعْكِف الذنوب، ويُجْرَى له من الحسنات، كعامل الحسنات كلِّها"، وهذا الحديث ضعيف، وفي إسناده فَرْقَد السَّبَخِيّ (٤)، قال أبو داود:

стр. 12816

قلت لأحمد ﵀: تَعْرِف في فضل الاعتكاف شيئًا؟ قال: لا إلَّا شيئًا ضعيفًا، ولا نعلم بين العلماء خلافًا في أنه مسنون. انتهى (١). [تنبيه]: اختُلف هل الاعتكاف والمجاورة بمعنى واحد أم لا؟: قال وليّ الدين ﵀: وأما المجاورة فهي بمعنى الاعتكاف، صَرَّح غير واحد من أهل اللغة والغريب بأنها الاعتكاف في المسجد، منهم الجوهريّ في "الصحاح"، وابن الأثير في "النهاية". قال: وحَكَى والدي: ﵀ في "شرح الترمذيّ" خلافًا في أن المجاورة الاعتكافُ أو غيره، فقال عمرو بن دينار: الجوار والاعتكاف واحد، وسئل عطاء بن أبي رَبَاح: أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أم شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان، كانت بيوت النبيّ ﷺ في المسجد، فلما اعتَكَف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد، فاعتكف فيه، قيل له: فان قال إنسان: عليّ اعتكاف أيام، ففي جوفه لا بدّ؟ قال: نعم، وإن قال: عليّ جوار أيام، فبابه، أو في جوفه إن شاء. كذا رواه عبد الرزاق في "المصنّف" عنهما. قال والدي: وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث. انتهى. وذهب أبو القاسم السُّهيليّ إلى الثاني، فقال في "الروض": إن بينهما فرقًا، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلَّا داخل المسجد، والجوار قد يكون خارجه، كذلك قال ابن عبد البر وغيره. انتهى (٢). (١) - (بَابُ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٠] (١١٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ في الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ").

стр. 12817

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ (١) الرَّازِيُّ) الْجَمّال - بالجيم - أبو جعفر الرازيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ، إمامٌ في المغازي [٥١] (ت ١٤١ أو بعد ذلك) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، المتوفى سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فرازيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ اشتهر بشدّة اتّباعه للأثر، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ) تقدّم أن الاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء، والإقامة فيه، ولَمّا كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله تعالى مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم، وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعةٍ مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، على ما يأتي

стр. 12818

تفصيله، وأجمعوا على أنه ليس بواجب، وهو قربة من القُرب، ونافلة من النوافل، عَمِل بها رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه من بعده (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ") زاد في الرواية التالية: "قال نافع: وقد أراني عبد الله ﵁ المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد"، وزاد ابن ماجة من وجه آخر عن نافع: "إن ابن عمر كان إذا اعتكف طُرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة"، وزاد في حديث عائشة ﵂ الآتي: "حتى توفّاه الله ، ثمّ اعتَكَف أزواجه من بعده". قال في "الفتح": فيؤخذ من الحديث الأول اشتراط المسجد له، ومن الثاني أنه لَمْ يُنْسَخ، وليس من الخصائص، وأما قول ابن نافع عن مالك: فَكَّرتُ في الاعتكاف، وترك الصحابة له مع شدة اتّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلَّا عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن. انتهى. وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أَخَذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائزٌ، وأنكر ذلك عليهم ابن العربيّ، وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبيّ ﷺ ما يدلّ على تأكده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٨٠ و ٢٧٨١] (١١٧١)، و (البخاريّ) في "الاعتكاف" (٢٠٢٥)، و (أبو داود) في "الاعتكاف" (٢٤٦٥)، و (ابن ماجة) في "الاعتكاف" (١٧٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٩)، والله تعالى أعلم.

стр. 12819

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاعتكاف في الجملة، وهو مجمع عليه، كما حكاه غير واحد، وحَكَى ابن العربيّ عن أصحابهم أنهم يقولون في كتبهم: الاعتكاف جائز، قال: وهو جهل. انتهى. وفي "سنن ابن ماجة" عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: "هو يعكف الذنوب، ويجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها"، وهو ضعيف؛ لأن في سنده فَرْقدًا السَّبَخيّ ضعيف. ورَوَى أبو الشيخ في "فضائل الأعمال" عن أبي بكر ﵁ قال: خبّرني رسول الله ﷺ : "أنه من اعتكف يومًا وليلة يريد بذلك وجه الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وهو أيضًا ضعيف. ٢ - (ومنها): بيان تأكده في العشر الأواخر من رمضان، وسببه طلب ليلة القدر، فإنها عند الجمهور منحصرة في العشر الأخير، وقد تقدّم أدلّة ذلك في أحاديث الباب الماضي. ٣ - (ومنها): أن قوله: "في العشر الأواخر" هي الليالي، وكان يعتكف الأيام معها أيضًا، فلم يكن يقتصر على اعتكاف الليالي، وإنما اقتصر على ذكرها على عادة العرب في التأريخ بها، وهذا يدلّ على دخوله محل الاعتكاف قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين، وإلا لَمْ يكن اعتكف عشرًا، أو شهرًا، وبه قال الأئمة الأربعة، وحكاه الترمذيّ عن الثوريّ. وقال آخرون: بل يبدأ العشر بكمالها، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمن أراد الاعتكاف من أول النهار، وهو قول الأوزاعيّ، وأبي ثور، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر ﵀، والليث بن سعد في أحد قوليه، وحكاه الترمذيّ عن أحمد بن حنبل، وحكاه النوويّ في "شرحه" عن الثوريّ، وصححه ابن العربيّ، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به إلَّا الأوزاعيّ، والليث، وقال به طائفة من التابعين. انتهى. واحتجّوا بحديث عائشة ﵂ الآتي في الباب التالي: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل مُعتَكفه"، متّفقٌ عليه. وتأوله الجمهور على أنه دخل المعتكَف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد

стр. 12820

صلاته الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. ٤ - (ومنها): بيان جواز أن يقال: رمضان من غير ذكر الشهر، وبه قال البخاريّ، ونقله النوويّ عن المحققين، قالوا: ولا كراهة في ذلك. وقالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده، وإنما يقال: شهر رمضان، وهو قول المالكية، وتعلقوا في ذلك بأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فلا يُطْلَق على غيره إلَّا أن يُقَيَّد، وقال أكثر أصحاب الشافعيّ، وابن الباقلانيّ: إن كانت قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، دالا فيكره، فيقال: صمنا رمضان، ونحوه، ويكره جاء رمضان ونحوه، فهذه ثلاثة مذاهب. قال النوويّ ﵀: والأول هو الصواب، والمذهبان الأخيران فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي شرعيّ، ولم يثبت فيه نهيّ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفيةٌ، لا تطلق إلَّا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لَمْ يلزم منه كراهة. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن في قول عائشة ﵂: "حتى قبضه الله" استمرار هذا الحكم، وعدم نسخه، وأكدت ذلك بقولها: "ثم اعتكف أزواجه من بعده"، فأشارت إلى استمرار حكمه حتى في حقّ النساء، فكُنّ أمهاتُ المؤمنين يعتكفن بعد النبيّ ﷺ من غير نكير، وإن كان هو في حياته قد أنكر عليهنّ الاعتكاف بعد إذنه لبعضهنّ، كما هو في الحديث الصحيح، فذاك لمعنى آخر، وهو كما قيل: خوف أن يكنّ غير مُخْلِصات في الاعتكاف، بل أردن القُرْب منه ﷺ لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهنّ، أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهنّ معه في المعتكَف، أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهن، والله أعلم. ٦ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الاستمرار على ما اعتاده من فعل الخير، وأنه لا يقطعه، وقد قال النبيّ ﷺ لعبد الله بن عمرو: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12821

(المسألة الرابعة): في بيان حكم الاعتكاف: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا إلَّا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرًا، فيجب عليه، ومما يدلُّ على أنه سنةٌ فعلُ النبيّ ﷺ ، ومداومته عليه تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لثوابه واعتكاف أزواجه معه وبعده. ويدلّ على أنه غير واجب أن أصحابه لَمْ يعتكفوا، ولا أمَرهم النبيّ ﷺ إلَّا من أراده، وقال ﷺ : "من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر"، ولو كان واجبًا لَمَا عَلّقه بالإرادة، وأما إذا نذره فيلزمه؛ لقول النبيّ ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، رواه البخاريّ، وعن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبيّ ﷺ : "أوف بنذرك"، متّفقٌ عليه (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عُلم بما سبق أن الاعتكاف سنةٌ، وليس بواجب إلَّا بالنذر، وهذا مجمع عليه، وأقوى دليل عليه قوله ﷺ : "من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر"، فجعله إلى إرادة الشخص، وهذا شان الاستحباب لا الوجوب، فتنبّه والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط المسجد للاعتكاف: قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلّها"، قال في "الفتح": أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لَمْ يختص تحريم المباشرة به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعُلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلَّا فيها، ونَقَل ابن المنذر ﵀ الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، ورَوَى الطبري وغيره من طريق قتادة، في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا،

стр. 12822

فخرج رجل لحاجته، فلقي امرأته جامعها إن شاء، فنزلت. واتَّفَق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلَّا محمد بن عمر بن لبابة المالكيّ، فأجازه في كلّ مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعَدّ للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه، وللمالكية: يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة، وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كلّ مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كلّ مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة، فاستَحَبّ له الشافعيّ في الجامع، وشرَطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك. وخصّه طائفة من السلف كالزهريّ بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعيّ في القديم. وخصّه حُذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيِّب بمسجد المدينة. انتهى (١). وقال الإمام ابن قُدامة ﵀: ولا يجوز الاعتكاف إلَّا في مسجد يُجَمَّع فيه؛ يعني تقام الجماعة فيه، وإنما اشتُرِط ذلك؛ لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يُفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا، مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم المعتكَف، والإقامةُ على طاعة الله فيه، ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد؛ إذا كان المعتكف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا. والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فخصّها بذلك، فلو صح الاعتكاف في غيرها لَمْ يختص تحريم المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا. انتهى (٢).

стр. 12823

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأقوال، وأظهرها أن الاعتكاف لا يجوز إلَّا في مسجد تقام فيه الجماعة، كما حقّقه ابن قُدامة ﵀ فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في مدّة الاعتكاف، وفي اشتراط الصوم فيه: قال في "الفتح": واتَّفَقوا على أنه لا حدّ لأكثره، واختلفوا في أقله فمن شَرَط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم، حكاه ابن قدامة، وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه: يوم أو يومان، ومن لَمْ يشترط الصوم قالوا: أقله ما يُطْلَق عليه اسم لَبْث، ولا يشترط القعود، وقيل: يكفي المرور مع النية، كوقوف عرفة. ورَوَى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي ﵁: إني لأمكث في المسجد الساعةَ، وما أمكث إلَّا لأعتكف. انتهى (١). وقال ابن قُدامة ﵀: المشهور في المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم، رُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشافعيّ، وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى: أن الصوم شرط في الاعتكاف، قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم؛ وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قال الزهريّ، ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوريّ، والحسن بن حيّ؛ لما رُوي عن عائشة ﵄ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا اعتكاف إلَّا بصوم"، رواه الدارقطنيّ. وعن ابن عمر: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية، فسال النبيّ ﷺ ، فقال: "اعتكف، وصم"، رواه أبو داود. واحتجّ الأولون بما رواه البخاريّ عن ابن عمر ﵄ عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبيّ ﷺ : "أوف بنذرك"، ولو كان الصوم شرطًا لما صَحَ اعتكافه بالليل.

стр. 12824

والجواب عما احتجّ به الآخرون: أنه لا يصحّ، أما حديثهم عن عمر فتفرد به عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، قال أبو بكر النيسابوريّ: هذا حديث منكر، والصحيح عنه ما أخرجه البخاريّ الذي ذكرناه آنفًا. وأما حديث عائشة ﵂ فموقوف عليها، ومن رفعه فقد وَهِمَ، ولو صحّ فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان الأقوال، وأدلتّها أن الأرجح أنه لا يُشترط الصوم للاعتكاف؛ لقوّة دليله، وأنه لا حدّ لأقل الاعتكاف، بل ما يُطلق عليه الاسم؛ لإطلاق الأدلّة، لكن كونه في العشر الأواخر من رمضان هو الأولى؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتكِف من محل اعتكافه: قال ابن قُدامة ﵀: ليس للمعتكف الخروج من معتكفه إلَّا لما لا بُدّ له منه، قالت عائشة ﵂: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلَّا لما لا بدّ له منه، رواه أبو داود، وقالت أيضًا: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه، فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلَّا لحاجة الإنسان"، مُتَّفَقٌ عليه. ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بُدّ له منه، قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، ولأن هذا مما لا بدّ منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه لَمْ يصح لأحد الاعتكاف، ولأن النبيّ ﷺ كان يعتكف، وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كُنِي بذلك عنهما؛ لأن كلّ إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب؛ إذا لَمْ يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بَغَتَهُ القيء، فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لا بدّ له منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وهو عليه ما لَمْ يَطُل، وكذلك

стр. 12825

له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعيّ: لا يعتكف في غير الجامع؛ إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله تعالى - كما بيّنه ابن قُدامة ﵀ هو الأرجح، فيجوز الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة؛ لإطلاق النصّ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ويجوز أن يخرج لأداء الجمعة إلى مسجد الجمعة؛ لأنه أمر ضروريّ شرعًا، فيجوز الخروج له، كما جاز الخروج لحاجة الإنسان؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَن نَافِعًا حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ"، قَالَ نَافِعٌ: "وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللهِ ﵁ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ") رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.

стр. 12826

والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٢] (١١٧٢) - (وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (م) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ) أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّرُ، صدوقٌ صاحب حديث [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣/ ١٥٩٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عُمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل [٦] (ت ١٢٦) أو قبلها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢. ٥ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥. ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ﵄، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 12827

أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٨٢ و ٢٧٨٣ و ٢٧٨٤، (١١٧٢)، و (البخاريّ) في "الاعتكاف" (٢٠١٩ و ٢٠٢٠ و ٢٠٢٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦٢)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٩٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٣٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥٠ و ٥٦ و ٩٢ و ٢٠٤ و ٢٣٢ و ٢٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٥٩)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٥ و ٣٢٠)، و"الصغرى" (٣/ ٤٥٩)، و"المعرفة" (٣/ ٣٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ع) وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أثبت الناس في الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٥ - (أَبُو كُرَيْب) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 12828

٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٧ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر ﵀ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠. ٨ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. والباقيان ذكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢/ ص ٤١٢. ٣ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المثبت المشهور، من كبار [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) أشارت بالأول

стр. 12829

إلى أن الاعتكاف لَمْ يُنسخ؛ لأنه ﷺ ما تركه حتى توفّاه الله ، وأشارت بالثاني أنه ليس من خصائص النبيّ ﷺ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ مَتَى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٥] (١١٧٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ، فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا، فَضُرِبَ، وَأَمَرَ فَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ بِخبَائِهِ، فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ، فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ، فَقَالَ: "آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ " فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ في الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبت [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٢ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧. والباقون تقدّموا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة.

стр. 12830

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ) في رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ، عن يحيى بن سعيد: "حدّثتني عمرة بنت عبد الرَّحمن" (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) بضم الميم، بصيغة اسم المفعول: أي محلّ اعتكافه، وفي رواية البخاريّ: "فيصلي الصبح، ثم يدخله"، وفي رواية له: "كان يعتكف في كلّ رمضان، فماذا صلّى الغداة دخل". واستُدلّ به على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وسيأتي نقل الخلاف فيه. (وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ) بكسر المعجمة، ثم موحّدة: ما يُعمل من وَبَر، أو صوف، وقد يكون من شعر، والجمع أخبيةٌ بغير همز، مثلُ كساء وأَكسية، ويكون على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت، قاله الفيّوميّ (١). (فَضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وقد بيّنت في رواية البخاريّ أنَّها الضاربة له، ولفظه: "كان النبيّ ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِباءه". وقوله: (أَرَادَ الِاعْتِكَافَ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "أَمَرَ" (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا) وفي رواية البخاريّ من طريق حماد بن زيد، عن يحيى: "فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباءً، فاذنت لها، فضَرَبت خباءً، فلما رأته زينب بنت جحش ضَرَبت خباءً آخر"، وفي رواية له من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى: "فاستأذنته عائشة، فأَذِن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت"، وفي رواية ابن فضيل، عن

стр. 12831

يحيى: "فاستأذنت عائشة أن تعتكف، فأَذِن لها، فضَرَبت قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبةً"، زاد في رواية عمرو بن الحارث: "لتعتكف معه"، وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائيّ: "ثم استاذنته حفصة، فأذن لها"، وقد ظهر من رواية حماد، والأوزاعيّ أن ذلك كان على لسان عائشة ﵂. وقوله: "فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر"، وفي رواية ابن فضيل: "وسمعت بها زينب، فضَرَبت قبة أخرى"، وفي رواية عمرو بن الحارث: "فلما رأته زينب ضربت معهنّ، وكانت امرأة غَيُورًا"، قال الحافظ ﵀: ولم أقف في شيء من الطرق أن زينب استأذنت، وكان هذا هو أحد ما بَعَث على الإنكار الآتي. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثبت في رواية النسائي في "الكبرى" من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد: أنَّها استأذنت، فتنبه. (فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ) هكذا النسخ بتذكير الضمير، ولعله نظرًا للفظ "غيرها"، وقد أَورد الحديث في "الفتح" من رواية مسلم بلفظ: "بخبائها"، وهو الظاهر. وقوله: (وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ … إلخ) هذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك، وليس كذلك، وقد فُسِّرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة، وحفصة، وزينب فقط، وبَيَّن ذلك قوله في رواية البخاريّ من طريق ابن فُضيل، عن يحيى: "فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب"؛ يعني قبة له وثلاثًا للثلاثة، وفي رواية ابن عيينة عند النسائيّ: "فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال: لمن هذه؟ قالوا: لعائشة، وحفصة، وزينب". (فَلَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ، فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ) "إذا" هي الفُجائيّة، و"الأخبية" مبتدأ حُذف خبره؛ أي: مضروبة؛ أي فلما نظر فاجأه وجود الأخبية. وفي رواية البخاريّ من طريق مالك عن يحيى: "فلما انصرف إلى المكان

стр. 12832

الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية"، وفي رواية الأوزاعيّ: "وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه الذي بُنِي له ليعتكف فيه". (فَقَالَ: "آلْبِرَّ) أي الطاعة، وهو بهمزة استفهام ممدودة، وبغير مدّ ونصب "البِرَّ" على أنه مفعول مقدّم لقوله: (تُرِدْنَ؟ ") بضم أوله، من الإرادة، وفي رواية مالك: "آلبر تقولون بهنّ؟ ": أي تظنون، و"تقول" يكون بمعنى "تظنّ"، ويُجرى مجراها، فينصب المبتدأ والخبر مفعولين، قال الأعشى: أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ … فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا أي: تَظُنّ، ومنه قوله: مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا … يَحْمِلْنَ أُمَّ قَاسِمٍ وَقَاسِمَا أي: تَظُنُّ، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وَكَـ "تَظُنُّ" اجْعَلْ "تَقُولُ" إِنْ وَلي … مُسْتَفْهَمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ … وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا … عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ "قُلْ ذَا مُشْفِقَا" (١) ووقع في رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ: "آلبر أردن بهذا؟ "، وفي رواية ابن عيينة: "آلبر تقولون يُرِدْنَ بهذا؟ "، والخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم، وفي رواية ابن فُضيل: "ما حملهنّ على هذا؟ آلبرُّ؟ انزعوها، فلا أراها، فنُزِعت"، و"ما" استفهامية، و"آلبرُّ" في هذه الرواية مرفوع، وقوله: "فلا أراها" زعم ابن التين أن الصواب حذف الألف من "أراها" قال: لأنه مجزوم بالنهي، وليس كما قال، قاله في "الفتح" (٢). وقال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: وأما قوله في حديث مالك: "آلبر تقولون بهنّ؟ " فمعناه تظنون بهنّ البرّ، وأنا أخشى عليهنّ أن يُرِدن الكون معي على ما يريد النساء من الانفراد بالأزواج في كلّ حين، وإن لَمْ يكن حين جماع، فكأنهنّ مع إرادتهن لذلك لَمْ يكن اعتكافهن خالصًا لله تعالي، فكَرِه لهنّ ذلك، وهو معنى قوله في غير حديث مالك: "آلبر تُرِدْنَ - أو يُردن"، كأنه توبيخ؛ أي:

стр. 12833

ما أظنهنّ يُرِدن البرّ، وقد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ كَرِه لأزواجه الاعتكاف؛ لشدة مؤنته؛ لأن ليله ونهاره سواء. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "آلبرّ تُردن؟ " هذا الكلام إنكار لفعلهنّ، وقد كان ﷺ أَذِن لبعضهنّ في ذلك، كما رواه البخاريّ، قال: وسبب إنكاره أنه خاف أن يكنّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهنّ، فكره ملازمتهنّ المسجد، مع أنه يجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنّ محتاجات إلى الخروج والدخول؛ لما يَعْرِض لهنّ، فيُبتذَلْنَ بذلك، أو لأنه ﷺ رآهنّ عنده، وهو في المسجد، فصار كأنه في منزلة بحضوره مع أزواجه، وذهب المهمّ من مقصود الاعتكاف، وهو التخلي عن الأزواج، ومتعلقات الدنيا، وشبه ذلك، أو لأنهنّ ضيّقن المسجد بأبنيتهنّ. انتهى (٢). (فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ ﷺ (بِخِبَائِهِ) أي: بتقويض خبائه (فَقُوِّضَ) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: نُقِضَ (وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) وكأنه ﷺ خَشِي أن يكون الحامل لهنّ على ذلك المباهاة، والتنافس، الناشئ عن المغيرة حرصًا على القرب منه ﷺ خاصّةً، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لَمّا أَذِن لعائشة وحفصة أَوّلًا كان ذلك خفيفًا بالنسبة إلى ما يُفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف (٣). (حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ) وفي رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ: "فرجع، فلما أفطر اعتكف"، وفي رواية ابن فضيل: "فلم يعتكف في رمضان، حتى اعتكف في آخر العشر من شوال". قال في "الفتح": ويُجمع بين الروايتين بأن المراد بقوله: "آخر العشر من

стр. 12834

شوال" انتهاء اعتكافه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٧٨٥ و ٢٧٨٦] (١١٧٣)، و (البخاريّ) في "الاعتكاف" (٢٠٣٣ و ٢٠٣٤ و ٢٠٤١ و ٢٠٤٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦٤)، (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٩١)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٤)، و (ابن ماجة) في "الصيام" (١٧٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٤ و ٢٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢١٧ و ٢٢٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٣١٢)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٥٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. ٢ - (ومنها): مشروعيّة قضاء الاعتكاف في شوّال لمن فاته في شهر رمضان. قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: معنى الحديث عندي - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ كان قد عزم على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فلما رأى ما كَرهه من تنافس زينب وحفصة وعائشة في ذلك، وخَشِي أن يدخل نيتهن داخلةَ انصَرَف، ثم وَفَّى الله ، بما نواه من فعل البرّ، فاعتكف عشرًا من شوال، وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان، وهوأمر لا خلاف فيه. انتهى (١). ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوّال هو يوم الفطر، وصومه حرام، قاله الإسماعيلي.

стр. 12835

٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابًا. ٥ - (ومنها): أنه استدلّ به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شَرَع فيه، ثم أبطله، ولا دلالة فيه؛ لما سيأتي. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن المنذر ﵀ وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يُخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج، ثم منعها، أَثِمَ بذلك، وامتَنَعَت، وعن مالك: ليس له ذلك، وهذا الحديث حجة عليهم. ٧ - (ومنها): جواز ضرب الأخبية في المسجد. ٨ - (ومنها): جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعًا من المسجد ينفرد فيه مدّةَ اعتكافه، ما لَمْ يُضَيِّق على الناس، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه؛ لئلا يُضَيِّق على غيره، وليكون أخلى له، وأكمل في انفراده، قاله النوويّ ﵀ (١). ٩ - (ومنها): أن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد. ١٠ - (ومنها): بيان جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويُستنبط منه سائر التطوعات، خلافًا لمن قال باللزوم. ١١ - (ومنها): بيان أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، والراجح أنه من أول الليل، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١٢ - (ومنها): بيان أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شُرع لهنّ الاحتجاب في البيوت، فلو لَمْ يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع، ولاكتُفِي لهنّ بالاعتكاف في مساجد بيوتهنّ. وقال إبراهيم ابن علية: في قوله: "آلبر تُرِدن" دلالة على أنه ليس لهنّ

стр. 12836

الاعتكاف في المسجد؛ إذ مفهومه أنه ليس ببر لهنّ، قال الحافظ: وما قاله ليس بواضح. ١٣ - (ومنها): أن فيه بيان شؤم الْغَيْرة؛ لأنَّها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله. ١٤ - (ومنها): أن فيه تركَ الأفضل إذا كان فيه مصلحةٌ، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه. ١٥ - (ومنها): أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه ﷺ له، فعلى طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا عَمِلَ عملًا أثبته، ولهذا لَمْ يُنْقَل أن نساءه اعتكفن معه في شوال. ١٦ - (ومنها): أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استُحِبّ لها أن تجعل لها ما يسترها، ويُشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين. ١٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ مرتبة عائشة ﵂ حيث كانت حفصة ﵁ لَمْ تستأذن إلَّا بواسطتها، وَيحْتَمِل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة ﵂، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يدخل فيه المعتكف مُعتَكَفه: ذهب الأوزاعيّ، والليث، والثوريّ في أحد قوليه إلى أنه يدخل بعد صلاة الصبح؛ لهذا الحديث. وذهب الأئمة الأربعة، وطائفة إلى أنه إذا أراد اعتكاف شهر، أو اعتكاف عشر يدخل قبيل غروب الشمس، وأوّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعدّه لنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. قال الحافظ ﵀: وهذا الجواب يُشكل على مَن منع الخروج من العبادة

стр. 12837

بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لَمْ يدخل المعتكف، ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هَمّ به، ثم عَرَضَ له المانع المذكور، فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدلّ على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شَرَع، فيدلّ على أن أول وقته بعد صلاة الصبح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر أنه ﷺ شرع في الاعتكاف أول الليل؛ لما يأتي تحقيقه، فتنبّه. وقال السنديّ ﵀ في "حاشية النسائيّ": ظاهره أن المعتكف يَشرَع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يَشرَع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم، إلَّا أنهم حملوه على أنه يَشْرَع من صبح الحادي والعشرين، فرَدّ عليهم الجمهور بأن المعلوم أنه كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر، ويحثّ أصحابه عليه، وعدد العشر عدد الليالي، فتدخل فيها الليلة الأولى، وإلما لا يتم هذا العدد أصلًا، وأيضًا من أعظم ما يُطْلَب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي تكون ليلة الحادي والعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ فينبغي له أن يكون معتكفًا فيها، لا أن يعتكف بعدها. وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث أنه دخل المعتَكَف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا، لابثًا في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. انتهى. ولا يخفى أن قولها: "كان إذا أراد أن يعتكف" يفيد أنه كان يدخل المعتَكَف حين يريد الاعتكاف، لا أنه يدخل فيه بعد الشروع في الاعتكاف، وعلى هذا التأويل لَمْ يكن بيانَا لكيفية الشروع، ثم لازم هذا التأويل أن يقال: السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد، ولا يدخل في المعتكف، وإنما يدخل فيه من الصبح، وإلا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل، والجمهور لا يقولون بهذه السنة، فيلزمهم ترك العمل بالحديث. وأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل

стр. 12838

ذلك في يوم العشرين، ليستظهر ببعض يوم زيادة قبل يوم العشر. قال السندي: وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب، فهو أولى، وبالاعتماد أحرى بقي أنه يلزم منه أن يكون السنة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهارًا باليوم الأول، ولا بُعْد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه، فإنهم ما تعرضوا له إثباتًا، ولا نفيًا، وإنما تعرضوا للدخول ليلة الحادي والعشرين، وهو حاصل، غاية الأمر أن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنة عندهم، فَلْنَقُلْ به، وعدم التعرض ليس دليلًا على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النوويّ، مع ظهور مخالفته للحديث. انتهى كلام السنديّ ﵀ (١). وذكر في "المنهل" ما حاصله: استَدَلّ بهذا الحديث من قال: إن أول وقت الاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة، وذهب آخرون إلى أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس؛ لما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر". قالوا: فإن العشر بدون هاء عدد الليالي، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]، وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين. وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﷺ دخل المسجد أول الليل، ولكنه لَمْ يَخْلُ بنفسه في المكان الذي أَعَدّه للاعتكاف إلَّا بعد صلاة الصبح، وإنما لم يدخله ليلًا؛ لأن الدخول فيه للخلوة، والليل وقت خلوة بنفسه، فلم يحتج فيه إلى الخلوة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي أن الاعتكاف يكون من أول الليل، ولا ينافيه حديث الباب؛ لإمكان الجمع بحمله على أن المراد خلوته في المكان المعدّ بعد الصبح، فلا ينافي أنه دخل المسجد أول الليل.

стр. 12839

وحاصل المسألة: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان يدخل المسجد من أول ليلة الحادي والعشرين، كما يدلُّ عليه حديث: "كان يعتكف العشر الأواخر"؛ إذ المراد بها عدد الليالي، كما تقدم، ثم إذا صلى الصبح دخل المكان الذي أعدّه؛ ليخلو فيه، كما دل عليه: "ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه". فحصل الجمع بين الحديثين، وأما ما ادّعاه السنديّ من أن هذا التأويل يخالف الحديث فغير صحيح، بل هو أقرب من تأويله بزيادة يوم قبل العشر؛ إذ هو يستلزم اعتكاف إحدى عشرة، ومخالفة هذا للحديث أظهر مما ادعاه، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ع) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (ع) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ع) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ (ع) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَن ابْنِ إِسْحَاقَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ ﵂، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرٍو بْنِ الْحَارِثِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ ﵅ أَنَّهُنَّ ضَرَبْنَ الْأَخْبِيَةَ لِلِاعْتِكَافِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى العدنيّ المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) - بتشديد الواو - العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.

стр. 12840

٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (أَبُو أَحْمَدَ) الزَبيريّ، محمد بن عبد الله بن الزُّبير بن عُمر بن دِرْهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤. ٨ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة المثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٩ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠. ١٠ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاج الحمصيّ، تقدّم قبل باب. ١١ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، تقدّم قبل باب أيضًا. ١٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قبل باب أيضًا. ١٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ١٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ١٥ - (ابْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبيّ، أبو بكر المدنيّ، نزيل العراق، ثقةٌ، إمام في المغازي، لكنه يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] (ت ١٥٠)، أو بعدها (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: الخمسة المذكورون؛ يعني أن كلًّا من سفيان بن عُيينة، وعمرو بن الحارث، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن إسحاق رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (٢/ ٢٦٠) فقال: (٣٣٤٧) - أنبأ محمد بن منصور، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن

стр. 12841

عمرة، عن عائشة، قالت: أراد رسول الله ﷺ أن يعتكف في العشر الأواخر، من شهر رمضان، فاستأذنته عائشة، فأَذِن لها، ثم استأذنته حفصة، فأذن لها، وكانت زينب لَمْ تكن استأذنته، فسمعت بذلك، فاستأذنت، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح أتى معتكفه، فلما صلى الصبح؛ إذا هو بأربعة أبنية، قال: "لمن هذه؟ " قالوا: لعائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "البر تقولون يُرِدْنَ بهذا؟ " فلم يعتكف في ذلك العشر، واعتَكَف في العشر من شوال. انتهى. وأما رواية عمرو بن الحارث عنه، فقد ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٦٢) فقال: (٣٠٧٦) - حدّثنا الربيع بن سليمان، حدّثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: حدّثتنا عائشة: أن النبيّ ﷺ أراد الاعتكاف، فاستأذنته عائشة لتعتكف معه، فأَذِن لها، فضُرِب خباؤها، فسألتها حفصة لتستأذنه لها لتعتكف معه، فلما رأته زينب ضربت معهنّ، وكانت امرأة غَيُورًا، فرأى رسول الله ﷺ أخبيتهنّ، فقال: "ما هذا؟ آلبر يُرِدن بهذا!، فترك الاعتكاف، حتى أفطر من رمضان، ثم إنه اعتكف في عشر من شوال. انتهى. وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيي، فقد ساقها البخاريّ: ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٩٠٤) - حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة بنت عبد الرَّحمن، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ذَكَر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسالت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أَمَرت ببناء، فَبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبَصُرَ بالأبنية، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "آلبرّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف"، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوّال. انتهى. وأما روايتا سفيان الثوريّ، وابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد

стр. 12842

من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٧] (١١٧٤) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو يَعْفُورٍ (١) عبد الرَّحمن بن عُبيد بن نِسطاس (٢) الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٦٠. ٣ - (مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ) - بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.

стр. 12843

٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجة، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني عدنيّ، ثم مكيّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين رَوَى بعضهم عن بعض: أبو يعفور، عن مسلم، عن مسروق، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أي: ليالي العشر الأخير من رمضان، وصرّح بكونه الأخير في حديث عليّ ﵁، عند ابن أبي شيبة، والبيهقيُّ من طريق عاصم بن ضمرة، عنه. قاله في "الفتح". (أَحْيَا اللَّيْلَ) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسَهُ بسهره فيه، وإنما عبّرت بـ "أحيا"؛ لأن النوم أخو الموت، والظاهر أن المراد أنه أحيا الليل كلّه، ويَحْتَمل أن يكون معظمه (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي: أيقظهم للصلاة في الليل، والجِدِّ في العبادة زيادةً على العادة. وروى الترمذيّ، ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة ﵄: "لَمْ يكن النبيّ ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يَدَعُ أحدًا من أهله، يُطيق القيام إلَّا أقامه". (وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ) أي: اعتزل النساء، وبذلك جزم عبد الرزّاق، عن الثوريّ، واستشهد بقول الشاعر [من البسيط]: قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ وذكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عيّاش نحوه. وقال الخطابي: يَحْتَمِل أن يريد به الجِدّ في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مِئْزَري؛ أي: تشمّرت له، وَيحْتَمِل أن يراد التشمير، والاعتزال معًا، ويَحْتَمِل أن يراد الحقيقة والمجاز، كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقةً، فيكون المراد شدّ مئزره حقيقة، فلم يَحُلّه، واعتزل النساء، وشمّر للعبادة.

стр. 12844

قال الحافظ ﵀: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة: "شدّ مئزره، واعتزل النساء"، فعطفه بالواو، فيتقوّى الاحتمال الأول. انتهى (١). قال القرطبيّ ﵀: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر؛ لقوله فيه: "وأيقظ أهله"، فإنه يُشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد، ولم يكن معه أحد. وفيه نظر، فقد ثبت حديث: "اعتكفت مع النبيّ ﷺ امرأة من أزواجه"، وعلى تقدير أنه لَمْ يعتكف أحد منهنّ، فيَحْتَمِل أن يوقظهنّ من موضعه، وأن يوقظهنّ عندما يدخل البيت لحاجته، قاله في "الفتح". اختلف العلماء في معنى شَدّ الْمِئْزَر، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته ﷺ في غيره، ومعناه: التشمير في العبادات، يقال: شدَدْتُ لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت له، وتفرغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء؛ للاشتغال بالعبادات. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٧٨٧] (١١٧٤)، و (البخاريّ) في "الاعتكاف" (٢٠٢٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (١٣٧٦)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (٣/ ٢١٧) و"الكبرى" (١/ ٤٢١ و ٢/ ٢٧٠)، و (ابن ماجة) (١٧٦٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠ و ٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 12845

١ - (منها): بيان استحباب الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الاجتهاد في العبادة، مع أن الله غَفَرَ له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ٣ - (ومنها): فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان على غيرها من الليالي. ٤ - (ومنها): استحباب إيقاظ الأهل فيها لِيُحيُوها بالعبادة. ٥ - (ومنها): أنه يستحب أن يُزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات. قال النووي: وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله، فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين، وغير ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إحياء ليلتي العيدين يحتاج إلى دليل، وحديث الباب إنما يدلّ على إحياء العشر، وليلة العيدين ليستا منها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٨] (١١٧٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَن الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ في الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.

стр. 12846

٤ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عُروة النخعيّ، أبو عُروة الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٩) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٦٣. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ كثير الإرسال [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٦ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤. و"عائشة ﵂ " ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي كامل، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع سوى موضع. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هو خالة. شرح الحديث: عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ) أي: يبالغ في طلب الغاية من العبادة، وهو افتعال من الْجَهْد بفتح فسكون، وهو النهاية والغاية، قال الفيّوميّ ﵀: "الْجُهْدُ بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الْوُسْعُ، والطّاقَةُ، وقيل: المضموم: الطاقةُ، والمفتوح: المشقّةُ، والْجَهْدُ بالفتح لا غير: النهاية والغاية، وهو مصدرٌ من جَهَدَ في الأمر جَهْدًا، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب. انتهى (١). (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) وفي رواية أبي داود: "وغيرها" بضمير المؤنّث، وهو الظاهر؛ لأنه عائد على العشر، وهي عدد المؤنّث، ووجه التذكير هنا على تأويله بالمذكور.

стр. 12847

والمعنى: أنه ﷺ يجتهد في العشر الأواخر اجتهادًا لا يجتهده في غيرها، من أيام رمضان، أو من غيرها. وقال في "المرقاة": إنه يبالغ في طلب ليلة القدر في هذه العشر ما لا يجتهد في غير العشر رجاءَ أن يكون ليلة القدر فيها، قال: كذا قيل، والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة؛ للاغتنام في أوقاته، والاهتمام في طاعته، وحسن الاختتام في بركاته. انتهى (١). وفيه الترغيب والحثّ على مزيد الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٧٨٨] (١١٧٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٩)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٠)، و (ابن ماجة) في "الصيام" (١٧٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٢ و ٢٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٣) و"الصغرى" (٣/ ٤٠٢)، و (البغويّ) في "تفسيره" (٤/ ٥١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤) - (بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٩] (١١٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ،

стр. 12848

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثمّ فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، وأما شيخه أبو كريب فمن التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وعائشة فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ) تعني عشر ذي الحجة، وفي الرواية التالية: "لَمْ يصم العشر"، قال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا الحديث مما يُوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يُتَأَوَّل، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في "صحيح

стр. 12849

البخاريّ" أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أيّامٍ العملُ المصالح فيها أفضل منه في هذه"؛ يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها: "لَمْ يصم العشر" أنه لَمْ يصمه لعارض مرضٍ، أو سفبر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كلّ شهر، أول اثنين من الشهر، والخميس"، ورواه أبو داود، وهذا لفظه، وأحمد، والنسائيّ، وفي روايتهما: "وخميسين" (١). انتهى (٢). وقال في "المرعاة": هذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدّم في "باب الأضحية" من فضيلة مطلق العمل المتضمّن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص الصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة، وما في حديث حفصة من عدم تركه ﷺ صيام العشر، وفي حديث هُنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة … "الحديث، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. والجواب عن هذا أن المراد من قولها: "لَمْ يصم العشر" أنه لَمْ يصمها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول. قال البيهقيّ ﵀ بعد رواية حديث هُنيدة، وحديث عائشة ﵁ ما لفظه: والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عبّاس في فضيلة العمل المصالح في عشر ذي الحجة. وقيل: المراد نفي جمع العشر، وفيها يوم العيد، وهذا لا ينافي حوم بعضها.

стр. 12850

وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لكونه يترك العمل في بعض الأحيان، وهو يُحبّ أن يعمله؛ خشيةَ أن يُظنّ وجوبه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأظهرها حمل نفيها على علمها، فلا يلزم من نفي علمها نفي صومه ﷺ ، كما مرّ التوجيه بذلك لقولها: "ما سبّح رسول الله ﷺ سبحة الضحى"، متّفقٌ عليه. والحاصل أن قول عائشة ﵂ هذا لا ينافي استحباب صوم تسع ذي الحجة، ولا سيّما اليوم التاسع لغير الحاجّ؛ للأدلة الكثيرة على ذلك: (فمنها): ما تقدّم في فضل صوم يوم عرفة، وأنه يكفّر ذنوب سنتين. (ومنها): حديث هُنيدة بن خالد المذكور، وهو حديث صحيح، راجع الكلام فيه في "شرحي على النسائيّ" (٢). (ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄ مرفوعًا: "ما الْعَمَلُ في أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ من العمل في هذه"، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: "ولا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ"، وأخرجه أبو داود، ولفظه: "ما من أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ، من هذه الْأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٧٨٩ و ٢٧٩٠] (١١٧٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٩)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٦٥)، و (ابن ماجة) في "الصيام" (١٧٢٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"
следующие страницы →