← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ (١)، تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ) - بتشديد الموحدة -: جمع دابّة، وهو ما دَبّ من الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وهذا الحديث يردّ عليه، فإنه ذكر في الدوابّ الخمس: الغراب والحدأة، ويدلّ على دخول الطير أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٠]، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم في صفة بدء الخلق: "وخلق الدوابّ يوم الخميس"، ولم يُفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحَلِف، قاله في "الفتح" (٢). وقوله: (كُلُّهَا فَوَاسِقُ) وفي نسخة: "كلّها فاسق"، قيل: "فاسقٌ" صفة

стр. 13127

لـ"كلُّ"، وفي "يُقْتَلْنَ" ضمير راجع إلى معنى "كُلّ" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٨] (١١٩٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي اَلْحُرُمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ في رِوَايَتِهِ: "فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ") رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وأبوه تقدّما قبل ثلاثة أبواب، و"الزهريّ" ذُكر في السند الماضي. وقوله: (خَمْسٌ لَا جُنَاحَ) بضمّ الجيم؛ أي: لا إثم. وقوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: "فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ") بيّن به اختلاف شيخيه: زهير، وابن أبي عمر في ضبط "الحرم"، فالأول قال: "في الْحُرُم" بضمّتين، وقد تقدّم أنه جمع "حَرَام" بفتحتين، والثاني قال: "في الْحَرَم" بفتحتين، وهذا هو الضبط الصحيح، كما أوضحه وليّ الدين ﵀ في "شرح التقريب"، ونصّه: وبَيَّنَ مسلم أن لفظ شيخيه الراويين عن سفيان بن عيينة اختَلَف عليه، فقال أحدهما، وهو ابن أبي عمر: "الْحَرَم" أي: بفتح الحاء

стр. 13128

والراء، كما في روايتنا، وقال الآخر، وهو زهير بن حرب: "الْحُرُم" بضم الحاء والراء؛ أي: في المواضع الْحُرُم، جمع حَرَام كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، كذا بَيَّنَ القاضي في "المشارق" الضبطين، فقال: وفي رواية: "في الْحَرَم والإحرام"؛ أي: في حَرَم مكة، وجاء في رواية زهير: "في الْحُرُم والإحرام"؛ أي: في المواضع الْحُرُم، جمع حَرَام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. انتهى. قال: ولم يَفْهَم النووي في "شرح مسلم" ذلك على وجهه، فقال: اختلفوا في ضبط "الحرم" في رواية زهير، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء والراء؛ أي: الْحَرَم المشهور، وهو حرم مكة، والثاني بضم الحاء والراء، ولم يذكر القاضي في "المشارق" غيره، قال: وهو جمع حَرَام، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، قال: والمراد به المواضع المحرمة، والفتح أظهر. انتهى. وليس في رواية زهير اختلاف، والذي ضبطها به القاضي مُتَعَيِّنٌ، ولو كانت بالفتح لاتَّحَدت مع رواية ابن أبي عمر، وقد بيّن مسلم ﵀ المغايرة بينهما، وكأن النوويّ ﵀ لم يتأمل لفظ مسلم، ولا أول كلام القاضي، وإن كان أحدٌ ضبط رواية زهير "الْحَرَم" بفتحهما، فيتعين أن تكون رواية ابن أبي عمر "الْحُرُم" بضمهما، فإن مسلمًا ﵀ قد صرح بالمغايرة بين لفظي شيخيه، وأن أحدهما قال: بفتحهما، والآخر بضمهما، فرواية ضمهما واقعة في "صحيح مسلم" بلا شك. قال: وأما قوله في حديث عائشة ﵂: "في الْحِلّ والْحَرَم" فهو بفتح الحاء والراء بلا شكّ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. وتمام شرح الحديث يُعلم مما مضى في شرح حديث عائشة ﵂، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 13129

(المسألة الثانية): في "تخريجه": أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٨٦٨ و ٢٨٧٢ و ٢٨٧٣ و ٢٨٧٤ و ٢٨٧٥ و ٢٨٧٦] (١١٩٩)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٨٢٦)، وفي "بدء الخلق" (٣٢٩٩ و ٣٣١١ و ٣٣١٣)، وفي "المغازي" (٤٠١٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٤٦)، و"الأدب" (٥٢٥٢)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٩٠)، و"الكبرى" (٢/ ٣٧٤)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٨٨)، و"الطبّ" (٣٥٣٥)، و (مالك) في "الموطإ" (٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٨ و ٦٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨١٦)، و (أبو عوا نة) في "مسنده" (٢/ ٤٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١٩٤ و ٢٠٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وفي رواية البخاريّ ضمّ عبد الله بن دينار إلى نافع. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه. انتهى. [فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد الله بن دينار تارةً، ولم يذكره أخرى. [قلت]: ليس هذا اختلافًا، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن نافع، وتارة عن عبد الله بن دينار، وتارة عنهما، وقد أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق مالك، وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن سعيد، وأخرجه مسلم، وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمر، وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير بن حازم، كلهم عن نافع. قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر، سمعت النبيّ ﷺ إلا ابن جريج وحده، وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ ﷺ . وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن

стр. 13130

يزيد، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، واتفق عليه الشيخان من رواية زيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ . وفي رواية لمسلم: "والحيّة"، قال: وفي "الصلاة" أيضًا. قال: ولا يضرّ هذا الاختلاف، فالحديث مقبول، سواء كان من رواية ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، أو بواسطة حفصة، أو غيرها، من أمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنّ -. وقد تقدّم من حديث ابن جريج في "صحيح مسلم" التصريح بسماع ابن عمر له من النبيّ ﷺ . انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٩] (١٢٠٠) - (حَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَاسِقٌ، لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في السند السابق، وقبله. وقوله: (قَالَتْ حَفْصَةُ … إلخ) وفي رواية الإسماعيليّ: "عن حفصة"، وفي رواية زيد بن جبير، عن ابن عمر التالية: "أخبرتني إحدى نسوة رسول الله ﷺ "، وفي روايته الثالثة: "حدّثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ "، وهذا كلّه قد يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا الحديث من النبيّ ﷺ ، ولكن سيأتي في بعض طرق نافع عنه: "قال: سمعت النبيّ ﷺ "، أخرجه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني نافع، وقال مسلم بعده: لم يَقُل أحد، عن نافع، عن ابن عمر: "سمعتُ" إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق، ثم ساقه من طريق ابن إسحاق، عن نافع كذلك. فالظاهر أن ابن عمر ﵄ سمعه من أخته حفصة، عن النبيّ ﷺ ، وسمعه

стр. 13131

أيضًا من النبيّ ﷺ يُحَدِّث به حين سئل عنه، فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "نادى رجل … "، ولأبي عوانة في "المستخرج" من هذا الوجه: "أن أعرابيًّا نادى رسول الله ﷺ : ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ " والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة ﵂، ويَحْتَمِل أن تكون عائشة ﵂، وقد رواه ابن عيينة، عن ابن شهاب، فأسقط حفصة من الإسناد، والصواب إثباتها في رواية سالم، والله أعلم، أفاده في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الحافظ ﵀ أن رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ التي قبل هذه الرواية خطأ؟ إذ حُذفت منه حفصة ﵂ من السند، وهو محلّ نظر، فإن سفيان إمام حافظ، وإن خالفه يونس، والحديث قد ثبت أنه مما سمعه ابن عمر ﵄ بنفسه عن النبيّ ﷺ ، كما سيأتي عند مسلم، فلماذا يقال: إن سالمًا حدّث بالوجهين: بذكر حفصة، وإسقاطها، حيث سمعه من أبيه كذلك، كما حدّث به نافع، وغيره، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ) أي: لا إثم، قال ابن الأثير ﵀: الْحَرَج في الأصل: الضِّيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج: أضيق الضيق. انتهى (٢). والحديث أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٢٨٦٩] (١٢٠٠)، والبخاري (١٨٢٨)، و (النسائي) (٥/ ٢١٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ، أَو أُمِرَ أَنْ يَقْتُلَ الْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْغُرَابَ).

стр. 13132

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه، تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيح، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (زيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن حَرْمَل - بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء - الطائيّ الكوفيّ، من بني جُشَم بن معاوية، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وخِشْف بن مالك، وأبي يزيد الضبيّ، وأبي الْبَخْتَريّ. وروى عنه شعبة، والثوريّ، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وحجاج بن أرطاة، وأبو عوانة. قال أحمد: صالح الحديث، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ: قلت لابن معين: أليس في حديثه شيءٌ؟ قال: لا والله، قلت: هو أخو حكيم بن جبير؟ قال: لا والله، ما بينهما قرابة، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، يروي ستة أحاديث، أو سبعة، وقال العجليّ: ثقةٌ، ليس بتابعيّ، في عداد الشيوخ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد: زيد وحكيم ليسا بأخوين، زيد جُشَمِيٌّ، وهو أحبّ إليّ من آدم بن عليّ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوقٌ، وفي نسخة: ثقةٌ صدوقٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. و"ابن عمر ﵄ " ذُكر قبله. وقوله: (حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) قال في "الفتح": ليس له في "صحيح البخاريّ" روايةٌ عن غير ابن عمر، ولا له فيه إلا هذا الحديث، وآخر تقدم في المواقيت، وقد خالف نافعًا، وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر وبين النبيّ ﷺ في هذا الحديث، ووافق سالِمًا إلا أن زيدًا أبهمها، وسالِمًا سماها. انتهى (١).

стр. 13133

وقوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ … إلخ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه. انتهى (١). وقوله: (أَخْبَرَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "حَدّثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ "، والمبهمة في الروايتين هي المفسّرة في رواية سالم التي قبل هذا، وهي حفصة ﵂. وقوله: (أَنَّهُ أَمَرَ، أَو أُمِرَ أَنْ يَقْتُلَ الْفَأْرَةَ … إلخ) "أمر" الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول، و"أو" للشكّ من الراوي، والضمير في "أنه" و"أَمَرَ" على الأول للنبيّ ﷺ ، وعلى الثاني للمحرم، وقوله: "أن يَقْتُلَ … إلخ" بالياء مبنيًّا للفاعل، و"الفارة … إلخ" منصوب على المفعوليّة، وفي نسخة: "تُقْتَلَ" بالتاء مبنيًّا للمفعول، و"الفأرة" على هذا نائب فاعله. وكُتب في هامش النسخة التركيّة ما نصّه: قوله: "أن يقتل" بالتذكير، والتأنيث، معلومًا، ومجهولًا، على أن يكون الأول للأول، والثاني للثاني، بعكس مقتضى صيغتي أَمَرَ، وأُمِرَ، فإنّ أَمَرَ بصيغة المعلوم يطلب الثاني منهما، أعني المؤنّث المجهول، وأُمِرَ بصيغة المجهول يطلب الأول منهما، أعني المذكّر المعلوم، وقوله: "الفأرة، والعقرب … إلخ" معربٌ على حسب عامله. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "يطلب … إلخ" فيه نظر، بل المبنيّ للمعلوم والمجهول يصلح للأول والثاني كليهما، كما لا يخفى على من تأمله، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٢٨٧٠] (١٢٠٠)، و (البخاري) (١٨٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٥ و ٣٨٠)، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧١] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ: مَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوَابّ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ:

стр. 13134

حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَب، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَاب، وَالْحَيَّة، قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا) قال القرطبيّ ﵀: يعني أنه يجوز لمن كان في الصلاة أن يقتل هذه الدوابّ في الصلاة، ولا يخرُج عن الصلاة بقتلها، اللهمّ إلا أن يحتاج في محاولة ذلك إلى عمل كثير يخرُج به عن سنّة الصلاة وهيئتها، فإن فعل ذلك استأنف صلاته. انتهى (١). وقال في "الفتح": ذكر الصلاة؛ ليُنَبّه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٢] (١١٩٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"). رجال هذا الإسنادة أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

стр. 13135

و"ابْنُ عُمَرَ ﵄" ذُكر قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٧٩) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثنا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَاذَا سَمِعْتَ ابْنَ عُمَرَ يُحِلُّ لِلْحَرَامِ قَتْلَهُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ لِي نَافِعٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي قَتْلِهِنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يُحِلُّ لِلْحَرَامِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإحلال، و"الحرام" بمعنى المحرم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والة تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13136

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ، جَمِيعًا عَنْ نَافِع (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبِي جَمِيعًا، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَني أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثنَا حَمَّاد، حَدَّثنَا أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ نَافعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا ابْنُ جُرَيْجٍ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ جُرَيْجٍ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر: ١ - (جَرِيرُ بْنَ حَازِمِ) بن زيد، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمَريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥. ٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله، و"حمّاد" هو: ابن زيد. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ) يعني أن كلًّا من الليث بن سعد، وجرير بن حازم روى عن نافع مولى ابن عمر. وقوله: (جَمِيعًا، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) يعني أن كلًّا من عليّ بن مُسهر، وعبد الله بن نُمير روى عن عبيد الله بن عُمر الْعُمَريّ.

стр. 13137

[تنبيه]: أما رواية الليث، عن نافع، فقد ساقها النسائيّ ﵀ في "المجتبى" (٥/ ١٨٩) فقال: (٢٨٣٠) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ أَذِنَ في قتل خمس من الدواب للحرام: الغراب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور، والعقرب". انتهى. وأما رواية جرير بن حازم، عن نافع، فقد ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (١٠/ ١٨٣) فقال: (٥٨١٠) - حدّثنا شيبان، حدثنا جريرٌ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رجل - ورسول الله ﷺ على المنبر -: يا رسول الله، ما يقتل المحرم من الدوابّ؟ قال: "الغراب، والحدأة، والكلب العقور"، قال جرير: وقال لي أيوب: قلت لنافع: فالحية؟ قال: تلك لا يَختَلِف فيها اثنان. انتهى. وأما رواية عليّ بن مُسهر، عن نافع، فقد ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٩) فقال: (١٤٨٢١) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا عليّ بن مُسْهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع (١)، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب لا جناح على من قتلهنّ، وهو حرام: الفأرة، والعقرب، والغراب، والحدأة، والكلب العقور". انتهى. وأما رواية عبيد الله بن عُمر، عن نافع، فقد ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه" (٩/ ٢٢١) فقال: (٣٠٧٩) - حدّثنا عليّ بن محمد، حدثنا عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدوابّ لا جناح على من قتلهنّ، أو قال: في قتلهنّ، وهو حرام: العقرب، والغراب، والْحُدَيّاة، والفارة، والكلب العقور". انتهى.

стр. 13138

وأما رواية أيوب، عن نافع، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٢٠٩) فقال: (٩٨١٦) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا عثمان بن عمر، ثنا مسدَّدٌ، ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ : ما يَقْتُل المحرم من الدوابّ؟ قال: "الفأرة، والعقرب، والغراب، والحدأة، والكلب العقور"، قلت لنافع: الحية؟ قال: الحية لا يختلف فيها. انتهى. وأما رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤٠٩) فقال: (٣٦٢٢) - حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطيّ، وعمار، قالا: حدّثنا يزيد بن هارون، نا يحيى بن سعيد، أن نافعًا أخبره، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "خمس لا جناح في قَتْل مَنْ قُتِل منهنّ: الفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب". انتهى. [تنبيه آخر]: الإسناد الأول، والثاني، والخامس من الرباعيّات، وهي (١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢) من رباعيّات الكتاب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولَمّا ذكر المصنّف ﵀ أن ابن جريج تفرّد من بين هؤلاء - وهم: مالك، والليث، وجرير بن حازم، وعبيد الله الْعُمريّ، وأيوب، ويحيى بن سعيد - عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بقوله: "سمعت النبيّ ﷺ "، وقد تابعه على ذلك محمد بن إسحاق، ساق رواية ابن إسحاق، فقال: بالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ فَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسٌ لَا جُنَاحَ في قَتْلِ مَا قُتِلَ مِنْهُنَّ فِي الْحَرَمِ"، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).

стр. 13139

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (فَضْلُ بْنُ سَهْلِ) بن إبراهيم الأعرج البغداديّ، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥٥) وقد جاوز السبعين (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، نزيل العراق، إمام المغازي، ثقةٌ، لكنه يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] (ت ١٥٠) أو بعدها (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن إسحاق، عن نافع، وعُبيد الله بن عمر هذه ساقها الإمام أحمد هـ ﵀ في "مسنده" (٢/ ٣٢) فقال: (٤٨٧٦) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا يزيد (٢)، أنا محمد (٣)، عن نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، حدثاه عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس لا جناح على أحد في قتلهنّ: الغراب، والفأرة، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ مَنْ قَتَلَهُنَّ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحُدَيَّا"، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى).

стр. 13140

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذًى، وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ لِحَلْقِه، وَبَيَانِ قَدْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٧] (١٢٠١) - (وَحَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: أتى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَة، وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ - قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ: قِدْرٍ لِي، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيع: بُرْمَةٍ لِي -، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ نَسِيكَةً"، قَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.

стр. 13141

٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العتكيّ الزَّهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٧ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ بعد (٥٠) وله نيّف و (٧٠) سنة (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع، فسيأتي قول مجاهد: حدّثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثني كعب بن عجرة ﵁. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) صرح سيف في روايته الآتية عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبأن كعبًا حدث به عبد الرحمن. [تنبيه]: قال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ في رواية حميد بن قيس: كذا رواه الأكثر عن مالك. وروه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عُفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة. قال الحافظ: ولمالك فيه إسنادان آخران في "الموطإ" أحدهما: عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن

стр. 13142

قيس، وقد اختلف فيه على مالك أيضًا على العكس مما اختلف على طريق حميد بن قيس. قال الدارقطنيّ: رواه أصحاب "الموطأ" عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن، لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعيّ: إن مالكًا وَهِم فيه. وأجاب ابن عبد البرّ: بأن ابن القاسم، وابن وهب في "الموطإ"، وتابعهما جماعة عن مالك، خارج "الموطإ"، منهم بشر بن عمر الزهرانيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهدًا بينهما. قال الحافظ: وهذا الجواب لا يردّ على الشافعيّ، وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النسائيّ، وطريق ابن وهب عند الطبريّ، وطريق عبد الرحمن بن مهديّ عند أحمد، وسائرها عن الدارقطنيّ في "الغرائب". والإسناد الثالث لمالك فيه عن عطاء الخراسانيّ، عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة. قال ابن عبد البرّ: يَحْتَمِل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد الله بن معقل، ونقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ، قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى، وابن معقل، قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة، عن أهل الكوفة، قال الزهريّ: سألت عنها علماءنا كلهم، حتى سعيد بن المسيب، فلم يبيّنوا كم عدد المساكين. قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الطبريّ، والطبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبريّ، وفَضَالة الأنصاريّ، عمن لا يتّهَم من قومه، عند الطبريّ أيضًا. ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين: أبو وائل، عند النسائيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ، عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة، عند أحمد، وعطاء، عند الطبريّ، وجاء عن أبي قلابة، والشعبيّ أيضًا، عن كعب، وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح.

стр. 13143

وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأوردها أيضًا في "المغازي"، و"الطبّ"، و"كفّارات الأيمان" من طرق أخرى، مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وسأذكر أنا أيضًا في هذا الشرح ما ذكره الحافظ من الفوائد في شرحه، فإن شرحي هذا نسخة من شرحه ﵀ مع ما يفتح الله تعالى عليّ فيه من غيره، ولذا كثيرًا ما أقول: لولا فتح الباري ثم "فتح الباري" (١) ما قضيت أوطاري. (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: أتى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) أي: زمن صلح الحديبية، وفي رواية: "أن رسول ألله ﷺ وقف عليه، ورأسه يتهافت قملًا"، وفي رواية: "أن النبيّ ﷺ مرّ به، وهو بالحديبية"، وفي رواية: "أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت"، وفي أخرى: "فحُملت إلى رسول الله ﷺ ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، وفي أخرى: لأ أنه خرج مع النبيّ ﷺ محرمًا، فقمل رأسه، ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأرسل إليه، فدعا الحلّاق، فحلق رأسه". والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مرّ به أولًا، وهو يوقد تحت قدر، فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بُعْد يسير، وقال: أتؤذيك هوامّك هذه؟ ولكنه لم يقدّر قَدْر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء، وشدّة الأذى، فأرسل إليه، واستدعاه، حتى أتاه محمولًا، فاستدناه، فدنا، كما في رواية ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى الآتية، وحك رأسه بإصبعه الكريمة، كما في رواية أبي وائل، عن كعب، عند النسائيّ، فخاطبه، وقال له:

стр. 13144

"ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، ودعا الحلّاق، فحَلَق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر. وقال في "الفتح" عند قوله: "عن رسول الله ﷺ أنه قال: لعلك"، ما نصّه: في رواية أشهب المقدَّم ذكرها: "أن رسول الله ﷺ قال له"، وفي رواية عبد الكريم: "أنه كان مع رسول الله ﷺ ، وهو محرم، فآذاه القمل"، وفي رواية سيف: "وقف عليّ رسول الله ﷺ بالحديبية، ورأسي يتهافت قَمْلًا، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك … " الحديث، وفيه: "قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٨٤] "، زاد في رواية أبي الزبير، عن مجاهد، عند الطبرانيّ: "أنه أهل في ذي القعدة"، وفي رواية مغيرة، عن مجاهد، عند الطبريّ: "أنه لقيه، وهو عند الشجرة، وهو محرم"، وفي رواية أيوب، عن مجاهد: "أتى عليّ النبي ﷺ ، وأنا أوقد تحت بُرْمَة، والقمل يتناثر على رأسي"، زاد في رواية ابن عون، عن مجاهد: "فقال: ادنُ، فدنوت، فقال: أيؤذيك؟ "، وفي رواية ابن بشر، عن مجاهد فيه: "قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حَصَرَنا المشركون، وكانت لي وَفْرَ، فجعلت الهوامّ تتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قلت: نعم، فأُنزلت هذه الآية"، وفي رواية أبي وائل، عن كعب: "أحرمتُ، فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأتاني، وأنا أطبخ قِدْرًا لأصحابي"، وفي رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "رآه، وإنّه ليسقط القمل على وجهه، فقال؟ أيؤذيك هوامّك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق، وهم بالحديبية، ولم يُبَيِّن لهم أنهم يَحِلُّون، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية"، وأخرجه الطبرانيّ من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد بهذه الزيادة، ولأحمد، وسعيد بن منصور، في رواية أبي قلابة: "قملتُ حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها"، زاد سعيد: "وكنت حسن الشعر"، وأول رواية عبد الله بن مَعْقِل عند البخاريّ: "جلست إلى كعب بن عجرة، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى"، زاد مسلم من هذا الوجه: "فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ الآية".

стр. 13145

ولأحمد من وجه آخر في هذه الطريق: "وقع القمل في رأسي، ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأرسل إليّ، فدعاني، فلما رآني قال: لقد أصابك بلاءٌ، ونحن لا نشعر، ادعُ إليّ الحجام، فحلقني". ولأبي داود من طريق الحكم بن عُتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن كعب: "أصابتني هوامّ حتى تخوفت على بصري"، وفي رواية أبي وائل، عن كعب عند الطبريّ: "فحك رأسي بإصبعه، فانتثر منه القمل"، زاد الطبريّ من طريق الحكم: "إن هذا لأذى، قلت: شديد يا رسول الله". قال الحافظ ﵀: والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب: "أن النبيّ ﷺ مَرّ به، فرآه"، وفي قول عبد الله بن معقل: "أن النبيّ ﷺ أرسل إليه فرآه"، أن يقال: مرّ به أولًا فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه، فخاطبه، وحَلَق رأسه بحضرته، فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضحه قوله في رواية ابن عون السابقة، حيث قال فيها: "فقال: ادنُ، فدنوت"، فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مرَّ به، وهو يوقد تحت القدر. انتهى. وقال الطبريّ ﵀: يحتمل أن يكون وقف عليه ﷺ ، وأمره بذلك، ثم حُمِل إليه لمّا كثر عليه، فأمره ثانيًا، فلا يكون بين قوله: "فحُملت إلى رسول الله ﷺ "، وبين قوله: "مرّ به" تضادّ. وقال العينيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك، ووجهه: أنه مرّ به، وهو محرم في أول الأمر، وسأله عن ذلك، ثم حُمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدّ منها في الكلّ. انتهى باختصار يسير. (وَأَنَا أُوقِدُ) جملة في محلّ نصب على الحال (تَحْتَ - قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ) شيخه الأول (قِدْرٍ لِي) "الْقِدر" بكسر القاف، وسكون الدال: إناء يُطبَخ فيها، وهي مؤنّثةٌ، ولهذا تدخل الهاء في التصغير، فيقال: قُديرةٌ، وجمعها قُدُورٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول (١). (وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ) شيخه الثاني (بُرْمَةٍ لِي) "الْبُرْمة" بضمّ

стр. 13146

الموحّدة، وسكون الراء: القِدْرُ من الحجارة، والجمع: بُرَمٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وبِرَامٌ، قا له في "المصباح" (١)، وفي "القاموس": جمعه بُرْمٌ - أي: بضمّ، فسكون - وكَصُرَد - أي: بضمّ، ففتح - وجِبَال. انتهى (٢). (وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) أي: يتساقط القمل من كثرته على وجهي، و"القَمْلُ" بفتح القاف، وسكون الميم: معروفٌ، الواحدة قَمْلةٌ، وقَمِلَ قَمَلًا، فهو قَمِلٌ، من باب تَعِبَ: كَثُرَ عليه القمل (٣). وفي رواية: "فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأسِهِ"، وفي رواية لأحمد، وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة: "قَمِلت حتى ظننت أن كلّ شعرة من رأسي فيها القمل، من أصلها إلى فرعها"، زاد سعيد: "وكنت حسن الشعر"، وفي رواية لأحمد من وجه آخر: "وقع القمل في رأسي، ولحيتي، حتى حاجبي، وشاربي، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأرسل إليّ، فدعاني، فلما رآني، قال: لقد أصابك بلاء، ونحن لا نشعر … ". (فَقَالَ) ﷺ : ("أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ) قال القرطبيّ ﵀: هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم، فلما أخبره بالمشقة التي نالته خَفّف عنه. و"الْهَوَامّ" بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يَدُبّ من الأخشاش، والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبًا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عُيِّن في كثير من الروايات أنها القمل، واستُدِلّ به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل. وتُعُقِّب بذكر الحلق، فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية، يظهر أثر الخلاف فيما لو حَلَق، ولم يقتل قملًا. (قَالَ) ﷺ " (فَاحْلِقْ) وفي رواية لأحمد: "ادع إليّ الحجام، فحلقني". قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى، أو مِقَصّ، أو نُورة، أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم، فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف، قاله في "الفتح".

стр. 13147

(وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) وفي رواية سيف الآتية: "أو تصدّق بفَرَق بين ستة مساكين"، وفي رواية ابن أبي نَجيح ومن معه: "وأطعم فرقًا بين ستّة مساكين"، والفرق: ثلاثة آصع، وسيأتي ما يدلّ على أن التفسير من ابن عيينة. وفي رواية أبي قلابة: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين"، وفي رواية عبد الله بن معقل: "أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكلّ مسكين"، وللطبرانيّ: "لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولأحمد عن بهز، عن شعبة: "نصف صاع طعام"، وفي رواية: "نصف صاع حنطة"، وفي رواية: "يطعم فرقًا من زبيب، بين ستة مساكين". قال ابن حزم ﵀: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصّة واحدة، في مقام واحد، في حقّ رجل واحد. قال الحافظ ﵀: المحفوظ رواية شعبة أنه قال في الحديث: "نصف صاع من طعام"، والاختلاف عليه في كونه تمرًا، أو حنطة لعله من تصرّف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الشعبيّ، عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث، وداود عن الشعبيّ، عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبرانيّ. وعُرِف بذلك قُوّة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكلّ مسكين نصف صاع. ولمسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث: "وأطعم فرقًا بين ستة مساكين"، والفرق: ثلاثة آصع، وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، فقال فيه: "قال سفيان: والفرق: ثلاثة آصع"، فأشعر بان تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قَرْم، عن ابن الأصبهانيّ عند

стр. 13148

أحمد: "لكل مسكين نصف صاع"، وفي رواية يحيى بن جَعْدة عند أحمد أيضًا: "أو أطعم ستة مساكين مُدّين مُدّين". وأما ما وقع في بعض النسخ عند مسلم، من رواية زكريا، عن ابن الأصبهانيّ: "أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع"، فهو تحريف ممن دون مسلم، والصواب ما في النسخ الصحيحة: "لكل مسكينين" بالتثنية، وكذا أخرجه مسدَّدٌ في "مسنده" عن أبي عوانة، عن ابن الأصبهاني على الصواب، قاله في "الفتح" (١). (أَو انْسُكْ نَسِيكَةً") - بفتح النون، وكسر الكاف -: الذبيحة وزنًا ومعنى، يقال: نِسَكَ لله يَنْسُك، من باب نَصَر: تطوّع بقربة، و"النُّسُك" بضمتين: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية [الأنعام: ١٦٢]، و "الْمَنْسِك" بفتح السين وكسرها: يكون زمانًا ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تذبح فيه النَّسِيكة، وفي التنزيل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] بالفتح والكسر في السبعة، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعليه نُسُكٌ؛ أي: دم يُريقه، ونَسَكَ: تزهد، وتعبد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك مثل عابد وعُبّاد (٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: النُّسُك: جمع نَسِيكة، وهي الذبيحة يَنسِكها العبد لله تعالى، ويُجمع أيضًا على نسائك، والنسك: العبادة في الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: متعبداتنا، وقيل: إن أصل النسك في اللغة الغَسْلُ، ومنه نَسَكَ ثوبه: إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة، وقيل: النسك سبائك الفضة، كلُّ سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خَلَّص نفسه من دنس الآثام وسَبَكها. أنتهى (٣). وفي رواية ابن أبي نجيح: "أو اذبح شاةً"، وللبخاريّ: "أَوِ انْسُكْ شَاةً"، وفي رواية: "بشاة" بزيادة الموحدة، فعلى الأول "شاة" مفعول به لما قبله؛

стр. 13149

أي: اذبح شاة، وعلى الثاني التقدير: تقرب بشاة، إذ النسك يطلق على العبادة، وعلى الذبح المخصوص. وقال النوويّ ﵀: قوله: "انسك نسيكةً"، وفي رواية: "ما تيسر"، وفي رواية: "شاةً": الجميع بمعنى واحد، وهو شاة، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نسيكةٌ، ويقال: نَسَكَ يَنسُك، وَينسِك، بضم السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر. انتهى (١). وقال في "الفتح": وفيه أن المراد بالنسك المذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿أَو نُسُكٍ﴾ شاةٌ، وروى الطبري من طريق مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث: "فأنزل الله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والنسك شاة"، ومن طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب: "أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة". قال القاضي عياض، ومن تبعه، تبعًا لأبي عمر بن عبد البرّ: كلّ من ذكر النسك في هذا الحديث مفسّرًا، فإنما ذكروا شاةً، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يَعْكُر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة ﵁ "أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبيّ ﷺ أن يُهدي بقرة"، وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بُخْت، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يفتدي، فافتدى ببقرة"، ولعبد بن حُميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة، قلّدها، وأشعرها"، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: "قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة". فهذه الطرف كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه

стр. 13150

وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منها، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه في النسك إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي هريرة: "أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه"، وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ ﷺ فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب. قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). (قَالَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ (فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ) يعني أنه لم يستحضر ما بدأ به شيخه مجاهد في ذكر الأشياء الثلاثة: الصوم، أو الإطعام، أو النسك، ولكنه لا يضرّ؛ لأن الأمر فيه على التخيير. وفي "الموطّإ"، وأبي داود، والنسائيّ من طريق عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد: "أيَّ ذلك فعلتَ أجزأ عنك". قال في "الفتح": رواية عبد الكريم هذه صريحة في التخيير بين الثلاثة، وكذلك رواية أبي داود التي فيها: "إن شئت، وإن شئت"، ووافقتها رواية عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في "مسنده"، ومن طريقه الطبرانيّ، لكن رواية عبد الله بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعامِ والصيامِ لمن لم يجد النسك، ولفظه: "أتجد شاة؟ "، قال: لا، قال: "فصم، أو أطعم"، ولأبي داود في رواية أخرى: "أمعك دم؟ "، قال: لا، قال: "فإن شئت، فصم"، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزبير، عن مجاهد، عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هديًا: قال:

стр. 13151

"فأطعم"، قال: ما أجد، قال: "صم"، ولهذا قال أبو عوانة في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم. قال: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ، وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يومًا، أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه: (منها): ما قال ابن عبد البرّ ﵀: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخيّر بينهما. ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه؛ لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. (ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ ﷺ لَمّا أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه. ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور، حيث قال: "أتجد شاة؟ "، قلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم"، وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين"، قال: "وكان قد عَلِم أنه ليس عندي ما أنسك به"، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان

стр. 13152

أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام. وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه: "صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت"، وروى الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا الحديث: "فقلت: يا رسول الله، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين". انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن عجرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٨٧٧ و ٢٨٧٨ و ٢٨٧٩ و ٢٨٨٠ و ٢٨٨١ و ٢٨٨٢ و ٢٨٨٣ و ٢٨٨٤] (١٢٠١)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٨١٤ و ١٨١٥ و ١٨١٦ و ١٨١٧ و ١٨١٨)، و"المغازي" (٤١٥٩ و ٤١٩٠ و ٤١٩١)، و"التفسير" (٤٥١٧)، و"المرضى" (٥٦٦٥)، و"الطبّ" (٥٧٠٣)، و"كفارات الأيمان" (٦٧٠٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٥٦ و ١٨٥٧ و ١٨٥٩ و ١٨٦٠)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٩٥٣)، و"التفسير" (٢٩٧٣ و ٢٩٧٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٨٥٢ و ٢٨٥٣)، وفي "الكبرى" (٣٨٣٤ و ٣٨٣٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٧٩ و ٣٠٨٠)، و (مالك) في "الموطإ" في (٩٥٤ و ٩٥٥ و ٩٥٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٦٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٣١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤١ و ٢٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٧٦ و ٢٦٧٧ و ٢٦٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٧٨ و ٣٩٨٠ و ٣٩٨١ و ٣٩٨٢ و ٣٩٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٩١ و ٢٩٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٩١)،

стр. 13153

و"الكبير" (١٩/ ١٠٧ و ١١٠ و ١١١ و ١١٢ و ١١٤ و ١١٥)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٢/ ٢٣١ و ٢٣٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٥/ ٦٩ و ١٨٧ و ٢١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل، وهو أنه يجوز له أن يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدّان، أو ذبح شاة. ٢ - (ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع. ٣ - (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه. ٤ - (ومنها): أن السنّة مبيّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. ٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمّد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كعب: "أو اذبح نسكًا"، قال: فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء. قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نُسُكًا، أو نَسِيكة أن لا تسمى هديًا، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية عند البخاريّ، حيث قال: "أو تُهدي شاة"، وفي رواية مسلم: "وأَهْدِ هديًا"، وفي رواية للطبريّ: "هل لك هدي؟ قلت: لا أجد"، فظهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: "أو اذبح شاة". ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة:

стр. 13154

الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كان ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست، قال في "الفتح": وفيه بحث (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال عندي واضح، وقد ذكر البيهقيّ ﵀ ذلك في "السنن"، فأخرج بإسناده عن الشافعيّ ﵀ قال: نزلت فريضة الحجّ على النبيّ ﷺ بعد الهجرة، وافتتح رسول الله ﷺ مكة في شهر رمضان، وانصرف عنها في شوال، واستَخْلَف عليها عَتّاب بن أَسِيد ﵁، فأقام الحج للمسلمين بأمر رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بالمدينة قادرٌ على أن يحج، وأزواجه، وعامة أصحابه، ثم انصرف رسول الله ﷺ عن تبوك، فبعث أبا بكر ﵁، فأقام الحج للناس سنة تسع، ورسول الله ﵇ بالمدينة قادر على أن يحجّ، لم يحج هو، ولا أزواجه، ولا أحد من أصحابه، حتى حج سنة عشر، فاستدللنا على أن الحج فرضه مرةً في العمر، أوله البلوغ، وآخره أن يأتي به قبل موته. قال البيهقيّ ﵀: وهذا الذي ذكره الشافعيّ ﵀ موجود في الأخبار والتواريخ، أما ما ذكره من نزول فريضة الحج بعد الهجرة، فكما قال، واستَدَلّ أصحابنا بحديث كعب بن عجرة ﵁ المذكور هنا على أنها نزلت زمن الحديبية، ثم أخرج حديث كعب ﵁. انتهى كلام البيهقيّ ﵀ (٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: "فأمره أن يَحْلِق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يُحِلّون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة".

стр. 13155

قال في "الفتح": هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحلّ، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليُتمّ نسكه. وقال المهلَّب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: "ولم يتبيّن لهم أنهم يحلّون" أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حُمّاه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلًا في أول النهار، ثم انكشف الأمر بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلّون بالحديبية لم يُسْقِط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك، قاله في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: وقد تبيّن بمجموع روايات هذا الحديث: أنهْ كان محرمًا، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية، وأنها ثلاثة أنواع مخيَّر بينها، وأن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام لستة مساكين: مُدَّين، مُدَّين لكل مسكين، وأن النسك شاة، فصار هذا الحديث مفسرًا لما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا … ﴾ الآية، من مجمل، وصار هذا الحديث مع الآية أصلًا: في أن المحرم إذا استباح شيئًا من ممنوعات الإحرام التي لا تفسده، فانتفع بذلك، لزمته الفدية. قال أحمد بن صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع. قال القاضي عياض: ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام، فروي عن أبي حنيفة، والثورى: أن الصاع إنما هو في التمر والشعير، وأما البر: فنصف صاع، وعن أحمد رواية: مُدّ من البر، ونصف صاع من غيره،

стр. 13156

وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السَّلف: أن الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيام، ولم يتابعوا عليه. واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم: على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام. قال القرطبيّ: وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم، وهو حجة على كل من خالفه. قال: ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد، والناسي، والمخطئ، وخالف في الناسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق؛ فقالا: لا دم عليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصوم والإطعام في فدية الأذى: قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: كل من ذَكَر النسك في هذا الحديث مُفَسَّرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة ﵁ هذا. وجاء عن الحسن، وعكرمة، ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار، ولا أئمة الحديث، وقد جاء من رواية أبي الزبير، عن مجاهد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجرة، أنه حدّثه أنه كان أهلّ في ذي القعدة، وأنه قَمِلَ رأسه، فأتى عليه النبيّ ﷺ ، وهو يوقد تحت قِدْر له، فقال له: "كأنك يؤذيك هوام رأسك؟ " فقال: أجل، قال: "احلق، وأهد هديًا"، فقال: ما أجد هديًا، قال: "فأطعم ستة مساكين"، فقال: ما أجد، قال: "صم ثلاثة أيام". قال ابن عبد البرّ: كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب، وليس كذلك، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أوّلًا فأولًا، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة ﵁ وردت بلفظ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عمل العلماء

стр. 13157

في كل الأمصار، وفتواهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الإطعام في فدية الأذى: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم: الإطعام في ذلك مُدّان بمدّ النبيّ ﷺ (١)، وهو قول أبي ثور، وداود. ورُوي عن الثوريّ أنه قال: في الفدية من البرّ نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع، ورُوي عن أبي حنيفة أيضًا مثله، جَعَل نصف صاع برّ عدل صاع تمر. قال ابن المنذر: وهذا غلطٌ؛ لأن في رواية مسلم من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ ﷺ قال له: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين". وقال أحمد بن حنبل مرةً كما قال مالك، والشافعيّ، ومرةً قال: إن أطعم بُرًّا فمُدّ لكل مسكين، وإن أطعم تمرًا فنصف صاع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح هو ما قاله الأولون من أن الواجب مُدّان لكل مسكين؛ لوضوح النصّ فيه، وأما المخالفون له، فلم يأتوا بحجة مقنعة، فتبصّر. [تنبيه]: لا يجزئ أن يُغَدِّي المساكين، ويُعَشِّيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مُدّين بمد النبيّ ﷺ ، وبذلك قال مالك، والثوريّ، والشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغدِّيهم ويُعَشِّيهم (٢)، وهو مخالف لظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13158

(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في موضع الفدية المذكورة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام، أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي، وعن الحسن: أن الدم بمكة، وقال طاوس، والشافعيّ: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، رفقًا لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة، بخلاف الصيام، والله أعلم. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد، والذبح هنا عند مالك نُسُك، وليس بهدي؛ لنص القرآن والسنة، والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الأولون من أن الدم يتعيّن كونه بمكة هو الأرجح، لأن النبيّ ﷺ صحّ عنه أنه سمّاه هديًا، فقد وقع في رواية البخاريّ: "أو تُهد شاةً"، وفي رواية لمسلم: "وأهد هديًا"، وفي رواية للطبرانيّ: "هل لك هدي؟ "، قاله في "الفتح"، وقد قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فالحقّ ما قالوه من تعيّنه بمكة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُلَيَّةَ، عَن أَيُّوبَ، في هَذَا الْإِسْنَاد، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ) الدورقيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ عُلَيّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي والباب الذي قبله.

стр. 13159

[تنبيه]: رواية ابن عُليّة، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (٢/ ٤٤٧) فقال: (٤١١٠) - أخبرني عليّ بن حُجْر، قال: أنبأ إسماعيل، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وأنا أُوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على جبهتي، أو حاجبي، فقال: "أتؤذيك هوامّك؟ " فقلت: نعم، قال: "فاحلق رأسك، وانسِك نَسِيكةً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين"، قال: لا أدري ما بهن بدأ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ ﷺ : "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَني بِفِدْيَةٍ، مِنْ صِيَامٍ، أَو صَدَقَةٍ، أَو نُسُكٍ مَا تيَسَّرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: ("ادْنُهْ) فعل أمر من دنا يدنو دُنُوًّا، والهاء للسكت، كما قال في "الخلاصة": وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"

стр. 13160

وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ "عِ" أَو … كَـ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَاعَوْا وقوله: ("أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ") بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يدِبّ من الأحشاش، وهو القمل هنا. وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ) الضمير في "أظنّه"، وفي "قال: نعم" لكعب بن عُجرة ﵁، وأشار ابن عون بذلك إلى أنه شكّ في هذا دون ما قبله. وقوله: (أَو نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ) بجرّ نسك عطفًا على "صيام"، وهو منوّن، وليس مضافًا إلى "ما تيسّر"، والمراد بما تيسّر هنا هي الشاة، كما في فُسّر في الروايات الأخرى. قال النوويّ ﵀ بعد إيراد روايات الباب: هذه روايات الباب، وكلها متفقة في المعنى، ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر، من قمل، أو مرض، أو نحوهما فله حلقه في الإحرام، وعليه الفدية، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، وبَيَّن النبيّ ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وهي شاة تجزئ في الأضحية، ثم إن الآية الكريمة، والأحاديث متفقة على أنه مُخَيَّر بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء، أنه مخير بين الثلاثة، وأما قوله في رواية: "هل عندك نسك؟ " قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، فليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمول على أنه سال عن النسك، فإن وجده أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عَدِمه فهو مخير بين الصيام والإطعام. قال: واتفق جماهير العلماء على القول بظاهر هذا الحديث، إلا ما حُكي عن أبي حنيفة، والثوريّ أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة، فأما التمر والشعير وغيرهما، فيجب صاع لكل مسكين، وهذا خلاف نصّه ﷺ في هذا الحديث ثلاثة آصع من تمر. وعن أحمد بن حنبل روايةٌ أنه لكل مسكين مُدّ من حنطة، أو نصف صاع من غيره، وعن الحسن البصريّ، وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة

стр. 13161

مساكين، أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيفٌ، منابذٌ للسنة، مردودٌ. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْه، وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ"، قَالَ: فَفِئ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ مَا تيَسَّرَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] مات بعد (١٥٠) (خ م د س ق) تقدم في "الصلاة" ١٦/ ٩٠٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره. وقوله: (وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: اطّلع على كعب ﵁. وقوله: (يَتَهَافَتُ قَمْلًا) أي: يتساقط، و"قَمْلًا" تمييز محوّلٌ عن الفاعل، والأصل يتهافت قمل رأسه.

стр. 13162

قال الفيّوميّ ﵀: هَفَتَ الشيءُ يَهْفِتُ، من باب ضرب: خَفّ، وتطاير، وتهافت الْفَرَاشُ في النار من ذلك: إذا تطاير، وتهافت الناس على الماء: إذا ازدحموا، قال ابن فارس: التهافتُ: التساقطُ شيئًا بعد شيء، وقال الجوهريّ: التهافتُ: التساقط قطعةً قطعةً. انتهى (١). وقوله: (بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون قد يسكنونه، وآخره قاف: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، ووقع في رواية ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عند أحمد وغيره: "الفرق ثلاثة آصع"، وفي الرواية الآتية بعد حديث من طريق أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين"، وإذا ثبتٌ أن الفَرَق ثلاثة آصع، اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، خلافًا لمن قال: إن الصاع ثمانية أرطال، أفاده في "الفتح" (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِه، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَة، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِه، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ - أَو صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو انْسُكْ نَسِيكَةً"، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: "أَو اذْبَحْ شَاةً"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) بن أبي يحيى العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.

стр. 13163

٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في "الجنائز" ٦/ ٢١٣٤. ٤ - (وَحُمَيْدُ) بن قيس الأعرج القارئ الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى عفراء، أبو صفوان المكيّ، ليس به بأس [٦]. رَوَى عن مجاهد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ومحمد بن المنكدر، وصفية بنت أبي عبيد، وغيرهم. ورَوَى عنه السفيانان، ومالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الصادق، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وكان قارئ أهل مكة، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: هو ثقةٌ، هو أخو سندل، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: ثَبْتٌ، روى عنه مالك، وأخوه سندل لبس بثقة، وقال الدُّوريّ وغيره، عن ابن معين: حميد بن قيس الأعرج ثقة، وحميد الذي رَوَى عنه خلف بن خليفة ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقةٌ، وقال أبو حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحبّ إلي منه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ صدوقٌ، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، وقال الترمذيّ في "العلل الكبير": قال البخاريّ: هو ثقةٌ، وكذا قال يعقوب بن سفيان، وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. قال ابن حبان: مات سنة (١٣٠)، وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي العباس. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٠١) و (١٥٣٦): "نهى النبيّ ﷺ عن بيع السنين"، و (١٥٥٤): "أمر بوضع الجوائح".

стр. 13164

٥ - (عَبْدِ الْكَرِيمِ) بن مالك الْجَزَريّ الأمويّ مولاهم، أبو سعيد الْخِضْرميّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الصيام" ١٥/ ٢٦٠٩. والباقون ذُكروا في الباب، و"أيوب" هو: السختيانيّ. وقوله: (وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أي: مقسومة على ستة مساكين. وقوله: (وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ) قال النوويّ ﵀: "الآصع": جمع صاع، وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغداديّ، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد. قال: وهذا الذي قدّمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبتٌ استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح، من كلام رسول الله ﷺ ، وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة، والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة، وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته. وأما ما ذكره ابن مكيّ في كتابه "تثقيف اللسان": أن قولهم في جمع الصاع: آصع لحنٌ من خطأ العوامّ، وأن صوابه أَصْوُعٌ فغلط منه، وذُهُول وعجبٌ قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة والعربية، وأجمعوا على صحتها، وهو من باب المقلوب، قالوا: فيجوز في جمع صاع آصُعٌ، وفي دار آدُرٌ، وهو باب معروف في كتب العربية؛ لأن فاء الكلمة في آصع صاد، وعينها واوٌ، فقُلِبت الواو همزة، ونقلت إلى موضع الفاء، ثم قُلِبت الهمزة ألفًا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع، فصار آصُعًا، ووزنه عندهم أَعْفُل، وكذلك القول في آدُر ونحوِه. انتهى (١). وقوله: (أَو انْسُكْ نَسِيكَةً) وفي رواية: "ما تَيَسَّر"، وفي رواية: شاةً، والجميع بمعنى واحد، وهو شاةٌ، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نَسِيكة، ويقال: نِسَكَ يَنْسِك: بضم السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر. وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَو اذْبَحْ شَاةً) أشار به إلى الاختلاف الواقع

стр. 13165

بين شيوخ ابن عيينة الأربعة، فقد اتّفق الثلاثة: أيوب السختيانيّ، وحُميد بن قيس، وعبد الكريم الجزريّ، على: "أو انسك نسيكة"، وخالفهم ابن أبي نجيح، فقال: "أو اذبخ شاةً"، والمعنى واحد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ لَهُ: "آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "احْلِقْ رَأسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ ثَلَاَثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، عَلَى سِتَّةِ مَسَاكينَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧. ٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ يرسل، تغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. ٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نَصْبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصبَهَانِيِّ، عَنْ
следующие страницы →