مساكين، أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيفٌ، منابذٌ للسنة، مردودٌ. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْه، وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ"، قَالَ: فَفِئ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ مَا تيَسَّرَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] مات بعد (١٥٠) (خ م د س ق) تقدم في "الصلاة" ١٦/ ٩٠٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
وقوله: (وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: اطّلع على كعب ﵁.
وقوله: (يَتَهَافَتُ قَمْلًا) أي: يتساقط، و"قَمْلًا" تمييز محوّلٌ عن الفاعل، والأصل يتهافت قمل رأسه.
стр. 13162
قال الفيّوميّ ﵀: هَفَتَ الشيءُ يَهْفِتُ، من باب ضرب: خَفّ، وتطاير، وتهافت الْفَرَاشُ في النار من ذلك: إذا تطاير، وتهافت الناس على الماء: إذا ازدحموا، قال ابن فارس: التهافتُ: التساقطُ شيئًا بعد شيء، وقال الجوهريّ: التهافتُ: التساقط قطعةً قطعةً. انتهى (١).
وقوله: (بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون قد يسكنونه، وآخره قاف: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، ووقع في رواية ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عند أحمد وغيره: "الفرق ثلاثة آصع"، وفي الرواية الآتية بعد حديث من طريق أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين"، وإذا ثبتٌ أن الفَرَق ثلاثة آصع، اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، خلافًا لمن قال: إن الصاع ثمانية أرطال، أفاده في "الفتح" (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِه، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَة، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِه، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ - أَو صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو انْسُكْ نَسِيكَةً"، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: "أَو اذْبَحْ شَاةً").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) بن أبي يحيى العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 13163
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في "الجنائز" ٦/ ٢١٣٤.
٤ - (وَحُمَيْدُ) بن قيس الأعرج القارئ الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى عفراء، أبو صفوان المكيّ، ليس به بأس [٦].
رَوَى عن مجاهد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ومحمد بن المنكدر، وصفية بنت أبي عبيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه السفيانان، ومالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الصادق، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وكان قارئ أهل مكة، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: هو ثقةٌ، هو أخو سندل، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: ثَبْتٌ، روى عنه مالك، وأخوه سندل لبس بثقة، وقال الدُّوريّ وغيره، عن ابن معين: حميد بن قيس الأعرج ثقة، وحميد الذي رَوَى عنه خلف بن خليفة ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقةٌ، وقال أبو حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحبّ إلي منه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ صدوقٌ، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، وقال الترمذيّ في "العلل الكبير": قال البخاريّ: هو ثقةٌ، وكذا قال يعقوب بن سفيان، وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه.
قال ابن حبان: مات سنة (١٣٠)، وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي العباس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٠١) و (١٥٣٦): "نهى النبيّ ﷺ عن بيع السنين"، و (١٥٥٤): "أمر بوضع الجوائح".
стр. 13164
٥ - (عَبْدِ الْكَرِيمِ) بن مالك الْجَزَريّ الأمويّ مولاهم، أبو سعيد الْخِضْرميّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الصيام" ١٥/ ٢٦٠٩.
والباقون ذُكروا في الباب، و"أيوب" هو: السختيانيّ.
وقوله: (وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أي: مقسومة على ستة مساكين.
وقوله: (وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ) قال النوويّ ﵀: "الآصع": جمع صاع، وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغداديّ، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد.
قال: وهذا الذي قدّمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبتٌ استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح، من كلام رسول الله ﷺ ، وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة، والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة، وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته.
وأما ما ذكره ابن مكيّ في كتابه "تثقيف اللسان": أن قولهم في جمع الصاع: آصع لحنٌ من خطأ العوامّ، وأن صوابه أَصْوُعٌ فغلط منه، وذُهُول وعجبٌ قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة والعربية، وأجمعوا على صحتها، وهو من باب المقلوب، قالوا: فيجوز في جمع صاع آصُعٌ، وفي دار آدُرٌ، وهو باب معروف في كتب العربية؛ لأن فاء الكلمة في آصع صاد، وعينها واوٌ، فقُلِبت الواو همزة، ونقلت إلى موضع الفاء، ثم قُلِبت الهمزة ألفًا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع، فصار آصُعًا، ووزنه عندهم أَعْفُل، وكذلك القول في آدُر ونحوِه. انتهى (١).
وقوله: (أَو انْسُكْ نَسِيكَةً) وفي رواية: "ما تَيَسَّر"، وفي رواية: شاةً، والجميع بمعنى واحد، وهو شاةٌ، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نَسِيكة، ويقال: نِسَكَ يَنْسِك: بضم السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر.
وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَو اذْبَحْ شَاةً) أشار به إلى الاختلاف الواقع
стр. 13165
بين شيوخ ابن عيينة الأربعة، فقد اتّفق الثلاثة: أيوب السختيانيّ، وحُميد بن قيس، وعبد الكريم الجزريّ، على: "أو انسك نسيكة"، وخالفهم ابن أبي نجيح، فقال: "أو اذبخ شاةً"، والمعنى واحد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ لَهُ: "آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "احْلِقْ رَأسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ ثَلَاَثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، عَلَى سِتَّةِ مَسَاكينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ يرسل، تغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نَصْبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصبَهَانِيِّ، عَنْ
стр. 13166
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كعْبٍ ﵁، وَهُوَ فِي الْمَسْجِد، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، فَقَالَ كعْبٌ ﵁: نَزَلَتْ فِيَّ، كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى أَن الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ (١) مَا أَرَى، أتجِدُ شَاةً؟ " فَقُلْتُ: لَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾، قَالَ: "صَوْمُ ثَلَاَثةِ أيَّامٍ، أَو إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ"، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِفي خَاَصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْأَصبَهَانِيِّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهانيّ الجهنيّ، ويقال الجدليّ، كان يتّجر إلى أصبهان الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي حازم الأشجعيّ، وعكرمة، وزيد بن وهب، وأبي صالح السمّان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبيّ، وعبد الله بن مَعْقل بن مُقَرِّن، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه محمد بن سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وابن إسحاق، وشعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث، وقال العجليُّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ في "التاريخ الكبير": أصله من أصبهان حين افتتحها أبو موسى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في إمارة خالد القَسْريّ على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٠١) وأعاده بعده، وحديث (٢٦٣٤): "ما منكن من امرأة تُقدّم بين يديها من ولدها ثلاثةً … ".
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلِ) - بفتح أوله، وسكون المهملة، بعدها قاف - ابن
стр. 13167
مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٨) (ع) تقدم في "الزكاة" ٢٠/ ٢٣٤٧.
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ) قال في "الفتح": ولشعبة في هذا الحديث إسناد آخر، أخرجه الطبرانيّ، من طريق حفص بن عُمر، عنه، عن أبي بِشْر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب ﵁.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ) في رواية أحمد: سمعت عبد الله بن معقل، أخرجه عن عفان، وعن بهز، فَرّقَهما عن شعبة، حدّثنا عبد الرحمن، وهو بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، هو ابن مُقَرِّن بالقاف، وزن محمد، لكن بكسر الراء، لأبيه صحبة، وهو من ثقات التابعين بالكوفة، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وأخر عن عديّ بن حاتم، وله عند مسلم ثلاثة أحاديث، حديث كعب هذا، وحديث عديّ بن حاتم: "من استطاع منكم أن يستتر من النار، ولو بشقّ تمرة … "، وحديث الضحاك بن ثابت في المزارعة، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة.
[تنبيه]: عبد الله بن مَعْقِل هذا يلتبس بعبد الله بن مُغَفَّل بالغين المعجمة، وزن محمد، ويجتمعان في أن كلًّا منهما مُزَنيّ، لكن يفترقان بأن الراوي عن كعب تابعيّ، والآخر صحابيّ، وفي التابعين من اتفق مع الراوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة: أحدهم يروي عن عائشة ﵂، وهو محاربيّ، والآخر يروي عن أنس ﵁ في المسح على العمامة، وحديثه عند أبي داود، والثالث أصغر منهما، أخرج له ابن ماجه، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (قَعَدْتُ إِلَى كعْبٍ ﵁) ولفظ البخاريّ: "جلست إلى كعب بن عجرة".
وقوله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) ولأحمد عن بهز: "قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد"، وزاد في رواية سليمان بن قَرْم، عن ابن الأصبهانيّ: "يعني مسجد الكوفة".
стр. 13168
وفيه الجلوس في المسجد، ومذاكرة العلم، والاعتناء بسبب النزول؛ لما يترتب عليه من معرفة الحكم، وتفسير القرآن.
وقوله: (مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ (١) مَا أَرَى) "أُرَى" الأولى بضم الهمزة؛ أي: أظن، و"أَرَى" الثانية بفتح الهمزة من الرؤية، والجهد بالفتح: المشقة، قال النوويّ: والضم لغة في المشقة أيضًا، وكذا حكاه عياض عن ابن دُريد، وقال صاحب "العين": بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، فيتعين الفتح هنا بخلاف لفظ الجهد الماضي في حديث بدء الوحي، حيث قال: "حتى بلغ مني الجهد"، فإنه محتمل للمعنيين.
وفي رواية البخاريّ: "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك"، وهو شكّ من الراوي، هل قال: الوجع، أو الجهد، وفي رواية المستملي والحمويّ: "يبلغ بك".
وقوله: (نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ) وللبخاريّ: "لكل مسكين نصف صاع"، كررها مرتين، وللطبرانيّ: "لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولأحمد: "نصف صاع طعام"، وفي رواية:، نصف صاع حنطة"، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب، فإنه قال: "يطعم فرقًا من زبيب بين ستة مساكين". قال ابن حزم: لا بُدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد، وقد تقدّم وجه التوفيق، وبالله تعالى الوفيق.
وقوله: (قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيِّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً) أشار كعب بن عُجرة ﵁ بهذا إلى القاعدة المشهورة، وهي أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فإن الآية تنزل بسبب قضيّة شخص واحد، أو أشخاص معيَّنين، فيكون حكمها عامًّا لجميع الأمة.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13169
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٤] ( … ) - (وَحَذَثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدثنَا عَبْد الرَّحْمنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيّ، حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ، حَدَّثَني كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُحْرِمًا، فَقَمِلَ رَأسُهُ وَلِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبِيَّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْه، فَدَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأسَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟ " قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْه، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاَثةَ أَيَّام، أَو يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِ خَاصَّةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ الوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (خَرَجَ مَعَ النَّبِي ﷺ مُحْرِمًا) أي: بالعمرة زمن الحديبية.
وقوله: (فَقَمِلَ رَأسُهُ وَلحْيَتُهُ) تقدّم أنه من باب تَعِب؛ أي: كثُر قملهما.
وقوله: (هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟) أي: شاة تذبحها فدية للأذى.
وقوله: (لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ) بصيغة التثنية، وقد تقدّم أنه تصحّف في بعض النسخ إلى: لكلّ مسكين بالإفراد، وهو غلط.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13170
(١١) - (بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٥] (١٢٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قريبًا.
٣ - (طَاوُسُ) بن كيسان، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قريبًا.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدّم قبل بابين.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، والثالث مروزيّ، وطاوس يمانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّين.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم.
стр. 13171
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ) أي: فعل الحجامة، قال في "اللسان": الحَجْم: المصّ، يقال: حَجَمَ الصبيُّ ثديَ أمه: إذا مصّه، وما حَجَمَ الصبيّ ثدي أمه؛ أي: ما مصّه، وثديٌ محجوم؛ أي: ممصوص، والحجّام: المصّاص، قال الأزهريّ: يقال للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم الْمِحجمة، وقد حَجَم يحجِمُ، ويحجُم - أي: من بابي ضرب، ونصر - حَجْمًا، قال الأزهريّ: المِحجمة: قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال زُهَيرٌ:
وَلَمْ يُهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ
وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. انتهى باختصار. (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، زاد ابن جريج، عن عطاء: "صائم بِلَحْي جَمَلٍ"، وزاد زكريا بن إسحاق: "على رأسه"، وهذه الزيادات موافقة لحديث اَبن بُحينة التالي، بلفظ: "احتجم بطريق مكة وسط رأسه".
[تنبيه]: روى البخاريّ ﵀ هذا الحديث، ونصّه:
(١٨٣٥) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: قال لنا عمرو: أولُ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: احتجم رسول الله ﷺ ، وهو محرم، ثم سمعته يقول: حدّثني طاوس، عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال لنا عمرو: أولُ شيء" أي: أول مرة، في رواية الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عمرو، وهو ابن دينار، أخرجه أبو نعيم، وأبو عوانة، من طريقه.
وقوله: "ثم سمعته" هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا قوله: "فقلت: لعله سمعه"، وقد بَيَّنَ ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدّثنا بهذا الحديث عمرو مرتين، فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت إحدى الروايتين وَهَمًا، زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذُكر لي أنه سمعه منهما جميعًا، وأخرجه ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، نحو
стр. 13172
رواية عليّ بن عبد الله، وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو، عن عطاء، فذكره، قال: ثم حدّثنا عمرو، عن طاوس به، فقلت لعمرو: إنما كنت حدّثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم أَغْلَط، كلاهما حدّثني.
قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظًا، فلعل سفيان تردّد في كون عمرو سمعه منهما لَمّا خَشِي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب، على أنه قد حدّث به فجمعهما، قال أحمد في "مسنده": حدّثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلًا، فحفظناه، قال طاوس: عن ابن عباس فذكره، فقال أحمد: وقد حدّثنا به سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس.
قلت (١): وكذا جمعهما عن سفيان: مسدّد عند البخاريّ في "الطبّ"، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق ابن راهويه، عند مسلم، وقتيبة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق، أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، والحاكم، وله أصل عن عطاء أيضًا، أخرجه أحمد، والنسائيّ، من طريق الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج، كلاهما عنه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٨٨٥] (١٢٠٢)، و (البخاريّ) في "جزاء الصيد" (١٨٣٥) و" الصوم" (١٩٣٨) و"البيوع" (٢١٠٣) و"الإجارة" (٢٢٧٨ و ٢٢٧٩) و"الطبّ" (٥٦٩١ و ٥٦٩٥ و ٥٧٠١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٣٥ و ١٨٣٦) و"الصوم" (٢٣٧٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٧٥ و ٧٧٦ و ٧٧٧)، و"الحج" (٨٣٩)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٨٤٦ و ٢٨٤٧
стр. 13173
و ٢٨٤٨) وفي "الكبرى" (٣٨٢٨ و ٣٨٢٩ و ٣٨٣٠)، و (ابن ماجه) في "الصوم" (١٦٨٢) و"المناسك" (٣٠٨١)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٤٩)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣١٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٤١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٢٠ و ٣٢١ و ٥/ ٣٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢١ و ٢٩٢ و ٢٩٩ و ٣٧٢ و ٣٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٥١ و ٢٦٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٥١)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٢١١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٤٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٥١ و ٩/ ٢٩) و"الكبير" (١٠٨٥٣ و ١١٥٠٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٣٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٩٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤١٢ و ٤١٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٣٩)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٦٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٦٣ و ٥/ ٦٥)، و"المعرفة" (٤/ ٣٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٨٤)، و (الضياء) في "المختارة" (٦/ ٤٤ و ٧/ ١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم:
قال القرطبي ﵀: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دمًا، والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره، إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، وهذا الحديث محمول على أن النبيّ ﷺ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير
стр. 13174
حاجة، فإن تضمنت قلع شعر، فهي حرام؛ لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عندنا، وعند الجمهور، ولا فدية فيها، وعن ابن عمر، ومالك كراهتها، وعن الحسن البصريّ: فيها الفدية، دليلنا أن إخراج الدم ليس حرامًا في الإحرام.
وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة، وعليه الفدية، كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حرّ أو برد، أو قتل صيد للحاجة، وغير ذلك. انتهى (١).
وقال في "الفتح": إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر، فهي حرام؛ لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وعن الحسن: فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرًا، وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وخصّ أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداوديّ: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق.
واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز الفصد، وبطّ الجرح (٢) والدّمّل، وقطع العرق، وقلع الضرس، وغير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نُهي عنه المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٦] (١٢٠٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْأَعْرَجِ، عَن ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَن النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأسِهِ).
стр. 13175
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعلى الرازيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ سنّيّ، طُلب للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (ت ٢١١) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدني، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ) واسمه بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة، واسمها مَرْجانة - بفتح الميم - ثقةٌ عَلّامة [٥].
رَوَى عن أمه مَرْجانة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيِّب، والأعرج، وغيرهم.
وروى عنه عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك، وسليمان بن بلال، والدّراورديّ، وحمزة بن عبد الواحد، وعبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: مات في أول خلافة المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كتاب، يُعَلِّم النحو، والعربية والعروض، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في آخر خلافة أبي جعفر، وقد روى عن أنس أحرفًا، فلا أدري أدَلّسها أو سمعها منه؟ (١)، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةٌ مأمونًا، واسم أمه مَرْجانة.
أخرج له الجماعة، وليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنُ الْأَعْرَجُ) هو: ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبت فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد الله ابن بُحَينة - بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، بعدها ياء ساكنة، ثم نون، بعدها هاء - اسم أم عبد الله، ولذا كتبت
стр. 13176
الألف في "ابن بُحينة"، وهو عبد الله بن مالك بن القِشْب الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب، يعرف بابن بُحينة، الصحابيّ المعروف، مات ﵁ بعد (٥٠) ع) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٠.
وشيخه ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فكوفيّ، وشيخ شيخه فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) في رواية النسائيّ من طريق محمد بن خالد، عن سليمان بن بلال: "أخبرني علقمة بن أبي علقمة" (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْأَعْرَج، عَن ابْنِ بُحَيْنَةَ) وفي رواية البخاريّ في "الطبّ" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، أنه سَمِعَ عبد الله ابن بُحينة، وفي رواية النسائيّ: "قال: سمعتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ ﵁، يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأسِهِ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (وَسَطَ رَأسِهِ) بالنصب على أنه مفعول به و"احتجم"، لا منصوب على الظرفية.
قال الفيوميّ ﵀: يقال: ضربت وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكتنفه من جهاته غير، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلًا، ومفعولًا، ومبتدأ، فيقال: اتسع وسَطُهُ، وضربتُ وسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدار، ووسَطُهُ خيرٌ من طَرَفه، قالوا: والسكون فيه لغة.
وأما وَسْطٌ بالسكون، فهو بمعنى "بَيْنَ"، نحو جلست وسْطَ القوم؛ أي: بينهم. انتهى.
стр. 13177
فتبيّن بهذا أن "وسَط" هنا نُصب على أنه مفعول به، وليس منصوبًا على الظرفية.
وقال النوويّ ﵀: "وسط الرأس" - بفتح السين - قال أهل اللغة: كلُّ ما كان يَبِين بعضه من بعض، كوسط الصفّ، والقِلادة، والسُّبْحة، وحَلْقة الناس، ونحو ذلك، فهو وَسْط بالإسكان، وما كان مُصْمَتًا لا يَبِين بعضُه من بعض؛ كالدار، والساحة، والرأس، والراحة، فهو وَسَطٌ بفتح السين، قال الأزهريّ، والجوهريّ، وغيرهما: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في الساكن الفتح. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "وسط رأسه" بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها؛ أي: متوسطه، وهو ما فوق اليأفوخ، فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. وأما التي في أعلاه، فلا؛ لأنها ربما أعمت.
[تنبيه]: روى البخاريّ ﵀ هذا الحديث بلفظ: "احتجَم النبيّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ في وسط رأسه".
قالَ في "الفتح": وهو بفتح اللام، ويجوز كسرها، وسكون الحاء المهملة، وياء مثنّاة تحتيّة، وفي بعض الروايات: "بِلَحْيَيْ جَمَل" أي: بياءين بصيغة التثنية، و"جَمَل" - بفتح الجيم، والميم -: اسم موضع بطريق مكة، كما بيّنه هنا، قال الحافظ: ذكر البكريّ في "معجمه" في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في "التيمم"، وقال غيره - يعني ابن وضاح - هي عقبة الجحفة على سبعة من السُّقيا. انتهى.
وقال صاحب "القاموس": "لَحْيُ جمل": موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب، وزعم أن السقيا - بالضم -: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء، وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحي جمل أحد فَكَّي الجمل الذي هو ذكر الإبل، وأن فكّه كان هو آلة الحجامة؛ أي: احتجم بعظم جمل، فهو غلط، لا شكّ فيه.
стр. 13178
وجزم الحازميّ وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع.
وهذا الحديث صرّح بأن حجامته ﷺ كانت في وسط رأسه، وصرّح في حديث أنس عند النسائيّ: "احتَجَم، وهو محرم على ظهر القدم، من وَثْءٍ كان به"، وهذا صريحٌ في كونها على ظهر قدمه، وفي حديث جابر ﵁ عند أحمد أنها كانت بِوَرِكِه، أو ظهره، والجمع بين هذه الروايات أن تحمل على أنها تعدّدت الحجامة منه ﷺ .
قال الحافظ ﵀: اتفقت الروايات عن ابن عباس ﵁ أنه ﷺ احتجم، وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بُحينة ﵁ هذا، وخالف ذلك حديث أنس ﵁، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، في "الشمائل"، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة، عنه، قال: "احتجم النبي ﷺ وهو محرم، على ظهر القدم، من وجع كان به"، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود حَكَى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة، رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر.
قال الحافظ: وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين الحديثين واضح بالحمل على التعدد، أشار إلى ذلك الطبريّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله ابن بُحينة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٨٨٦] (١٢٠٣)، و (البخاريّ) في "جزاء الصيد" (١٨٣٦) و"الطبّ" (٥٦٩٩)، و (النسائيُّ) في "المناسك" (٢٨٥١)، وفي "الكبرى" (٣٨٣٣)، و (ابن ماجه) في "الطبّ" (٣٤٨١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٢٦)، وفي "مسنده" (٢/ ٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٢٠)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٤٨٦)، و (أبو
стр. 13179
عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٥٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٩٨ و ٨/ ١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٥)، و"المعرفة" (٤/ ٣٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٨٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٢) - (بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَيْنَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٧] (١٢٠٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نبيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، حَتَّى إِذَا كنَّا بِمَلَلٍ، اشْتَكلى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْه، فَلَمَّا كنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِر، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْه، وَهُوَ مُحْرِمٌ، ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
٣ - (نُبَيْهُ (١) بْنُ وَهْبِ) بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ الْعَبْدريّ المدنيّ، ثقةٌ، من صغار [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبان بن عثمان، ومحمد ابن الحنفية، وكعب مولى سعيد بن العاص.
стр. 13180
وروى عنه أولاده: عبد الأعلى، وعبد الجبار، وعبد العزيز، ونافع مولى ابن عمر، وأبو الزناد، وأيوب بن موسى القرشيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: روى عنه نافع، وليس به بأس، توفي في فتنة الوليد بن يزيد، وكان ثقةً قليل الحديث، أحاديثه حسان، وقال ابن أبي عاصم: كان من أشراف بني عبد الدار معروف الدار والنسب بمكة، وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال أبو زرعة حديثه عن عمرو بن عثمان مرسلٌ، وحَكَى ابن عبد البرّ عن ابن معين: ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٠٤) وأعاده بعده، وحديث (١٤٠٩) في نكاح المحرم، وكرّره خمس مرّات.
٤ - (أَبَانُ بْنُ عُثمَانَ) بن عفّان الأمويّ، أبو سعيد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (بخ م ٤).
روى عن أبيه، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد.
وعنه: ابنه عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، والزهري وغيرهم.
عدّه يحيى القطان في فقهاء المدينة، ووثّقه العجلي وابن سعد.
روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنف، والأربعة. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، كرّر أحدهما مرتين والآخر خمس مرات.
٥ - (عُثْمَانُ) بن عفّان بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهد ﵁ في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من نُبيْهٍ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران.
стр. 13181
٤ - (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان يُلَقَّبُ بذي النورين؛ لأنه تزوج بابنتي النبيّ ﷺ : رُقَيَّة، ثم أم كلثوم ﵃، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وهو أطول الخلفاء الراشدين عمرًا، فقد تُوفّي، وهو ابن ثمانين سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُبَيْهِ) بضمّ النون، مصغّرًا (ابْنِ وَهْبٍ) أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان، في "أبان" وجهان: الصرف، وعدمه، والصحيح الأشهر الصرف، فمن صرفه قال: وزنه فَعَال، ومن منعه قال: وزنه أفعَل، قاله النوويّ.
وقال بعضهم: من لم يصرف أبان، فهو أتان.
وأما عثمان فممنوع من الصرف؛ للعلمية، وزيادة الألف والنون، وأما عفّان، ففيه وجهان أيضًا: الصرف، وعدمه، فالصرف على تقدير أن نونه أصلية، من العفن، وعدمه على تقدير زيادتها مع الألف، من العفّة، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا كنَّا بِمَلَلٍ) - بفتح الميم، بلامين - وهو موضع على ثمانية وعشرين مِيلًا من المدينة، وقيل: اثنان وعشرون، حكاهما القاضي عياض في "المشارق".
(اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن معمر القرشيّ التيميّ، روى عن أبان بن عثمان، وعنه نُبَيه بن وهب، يقال: مات سنة اثنتين وثمانين، ذكره المدايني فقال: وفد على عبد الملك بن مروان سنة اثنتين وثمانين، فمات بدمشق، وليست لعمر رواية في الكتب الستّة، ولذا لم يذكره صاحبا "التهذيبين"، أفاده في "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأربعة" (١).
(عَيْنَيْهِ) منصوب على المفعوليّة لـ "اشتكى"؛ لأنه متعدّ، قال في "القاموس": شكا أمره إلى الله شَكْوَى، وينَوَّنُ، وشَكاةً، وشَكاوةً، وشَكِيّةً، وشِكاية بالكسر، وتشكى، واشتكى، وتشاكَوْا: شكا بعضُهم إلى بعض، والشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكْوَاءُ، والشكَاةُ، والشَّكاءُ: المرض. انتهى (٢).
стр. 13182
(فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ) بالفح، على وزن حمراء: موضع بين مكة والمدينة، قاله في "المصباح" (١)، وقال في "القاموس": والرَّوْحاء: موضع بين الحرمين، على ثلاثين، أو أربعين ميلًا من المدينة. انتهى (٢).
(اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول (فَأَرْسَلَ) أي: أبان (إِلَيْهِ) أي: إلى عمر بن عبيد الله (أَنِ اضْمِدْهُمَا) "أن" هنا يَحْتمل أن تكون مصدريّة، ويقدّر قبلها حرف جرّ؛ أي: بأن اضمدهما، ويَحْتَمِل أن تكون مفسّرة، ك"أي" التفسيريّة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ الآية [الأعراف: ٤٣] (٣).
وقوله: "اضمدهما" قال النوويّ ﵀: هو بكسر الميم، وقوله بعده "ضَمّدهما" هو بتخفيف الميم، وتشديدها، يقال: ضَمَدَ، وضَمَّدَ بالتخفيف، والتشديد، وقوله: "اضْمِدهما" جاء على لغة التخفيف، ومعناه: اللطخ. انتهى (٤).
وقال ابن الأثير ﵀: أصل الضّمْد: الشدّ، يقال: ضمد رأسه، وجُرْحَهُ: إذا شدّه بالضِّمَاد، وهي خرقة يُشدّ بها العضو الْمَؤُوف (٥)، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح، وغيره، وإن لم يُشدّ. انتهى (٦).
وقوله: (بِالصَّبِرِ) بكسر الباء، ويجوز إسكانها: الدواء المرّ، وقال في "القاموس": "الصَّبِرُ"، كَكَتِفٍ، ولا يُسكّن إلا في ضرورة الشعر: عُصَارة شجرٍ مُرّ. انتهى (٧).
وقال الفيّوميّ: هو بكسر الباء في الأشهر، وسكونها للتخفيف لغةٌ قليلةٌ، ومنهم من قال: لم يُسمع تخفيفه في السَّعَة، وحكى ابن السِّيدِ في "كتاب مثلّث
стр. 13183
اللغة" جواز التخفيف، كما في نظائره بسكون الباء مع فتح الصاد، وكسرها، فيكون فيه ثلاث لغات. انتهى (١).
ثم ذكر أبان ﵀ حجته على ما قاله بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ) أي: أصابه مرضهما (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة حاليّة من الفاعل (ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ) أي: جعل عليهما صَبِرًا، وداواهما به، يقال: ضَمَدَ الجرحَ يَضمِده، وَيضمُدُه، من بابي ضرب، ونصر، وضَمَّده بالتشديد: إذا شدّه بالضِّمَادة، وهي بالكسر: العصابة؛ كالضِّمَاد، أفاده في "القاموس".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "إذا اشتكى" شرط، و"ضمدهما" جوابه، وهو الْمُحَدَّث به، يعني إذا اشتكى الرجل من عينيه ضَمَد، وقوله: "ضَمَدهما"، أصل الضمد: الشدّ، يقال: ضَمَد رأسه وجرحه: إذا شدّهما بالضمَاد، وهي خرقة يُشدّ بها العضو المؤوف (٢)، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره، وإن لم يُشدّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٨٨٧ و ٢٨٨٨] (١٢٠٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٣٨ و ١٨٣٩)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٩٥٢)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٧١١)، وفي "الكبرى" (٣٦٩١)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٩ و ٦٥ و ٦٨ و ٦٩)، و (الدارمي) في "سننه" (١٩٣٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه،
стр. 13184
(٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٢)، و"المعرفة" (٤/ ٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاكتحال للمحرم:
قال النوويّ ﵀: واتفق العلماء على جواز تضميد العين، وغيرها بالصبر، ونحوه، مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب، جاز له فعله، وعليه الفدية. واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه، إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه فيه.
وأما الاكتحال للزينة، فمكروه عند الشافعيّ، وآخرين، ومنعه جماعة، منهم: أحمد، وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: ونَهْيُ أبان بن عثمان للسائل أن يكحل عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب، وتضميد العين هو: لطخها، والصبر ليس بطيب، ولا خلاف في جواز مثل هذا مما ليس فيه طيب، ولا زينة، فلو اكتحل المحرم، أو المحرمة بما فيه طيب افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلت للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، فلو اكتحل الرجل للزينة، فأباحه قوم، وكرهه آخرون، وهم: أحمد، وإسحاق، والثوريّ. وعلى القول بالمنع، فهل تجب الفدية، أم لا؟ قولان، وبالثاني قال الشافعيّ، رجلًا كان، أو امرأة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، من منع الكحل للمحرم؛ لأنه ينافي صفة الحاجّ، فإنه ينبغي أن يكون أشعث أغبر، كما جاء في الحديث الصحيح: "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شُعْثًا غُبْرًا" (٢)، لكن إن أصابه مرض؛ كالرَّمَد، ونحوه، فيكتحل بما ليس فيه طيب، كأن يضمده بالصبر، ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13185
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَني نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ رَمِدَتْ عَيْنُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَكحُلَهَا، فنهَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِر، وَحَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفانَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) العنبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَمِدَتْ عَيْنُهُ) بفتح الراء، وكسر الميم، يقال: رَمِدَت العينُ رَمَدًا، من باب تَعِبَ، فالرجل أرمد، والمرأة رَمْداء، مثلُ أحمر وحمراء، ويقال: أيضًا: رَمِدٌ، ورَمِدَةٌ، وأرمدت العين بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: (فَأَرَادَ أَنْ يَكْحُلَهَا) من باب نصر؛ أي: يجعل الكحل فيها.
وقوله: (وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ) تقدّم أن يضمد من بابي ضرب، ونصر، وضَمَّد بالتشديد أيضًا؛ أي: شدّ بالضماد، وهي العصابة.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13186
(١٣) - (بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ)
" الغسل" - بفتح الغين المعجمة -: مصدر غَسَلَ الشيءَ، من باب ضرب، والغُسل بالضم اسم منه، والجمع أَغسال، مثل قُفْل وأقفال، وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنًى، وعزاه إلى سيبويه، وقيل: الغُسل بالضمّ هو الماء الذي يُتطهّر به، أفاده في "المصباح" (١).
قال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب الاغتسال للمحرم": أي: ترَفُّهًا، وتنظّفًا، وتطهّرًا من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة. واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن المصنّف أشار إلى ما رُوي عن مالك أنه كره للمحرم أن يُغطّي رأسه في الماء. وروى في "الموطّإ" عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلا من احتلام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٩] (١٢٠٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْه، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاء، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ أَسْأَلهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْن، وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلكَ كَيْفَ كَانَ
стр. 13187
رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ يَدَهُ عَلَى الثَّوْب، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا في رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبُ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِه، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْه، فَأَقبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ).
رجال هذا الاإسناد: تسعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨١.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن حُنين الهاشميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك في أول المائة الثانية (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨١.
٦ - (أَبُو أَيُّوبَ الْأنصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ومات غازيًا بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحول، وفي الأول له أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم أخذًا وأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني والثالث بغداديّان، والرابع بغلاني.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: زيد عن إبراهيم عن أبيه.
стр. 13188
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، نزل النبيّ ﷺ عليه حينما هاجر إلى المدينة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ المدني مولى عمر بن الخطاب التابعيّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) قال في "الفتح": قوله: "عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم" كذا في جميع "الموطّآت"، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسيّ، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البرّ: وذلك معدود من خطئه. انتهى.
وقال أيضًا: قوله: "عَنْ إِبْرَاهِيمَ" في رواية ابن عيينة، عن زيد: أخبرني إبراهيم، أخرجه أحمد، وإسحاق، والحميديّ في "مسانيدهم"، عنه، وفي رواية ابن جريج التالية: "أخبرني زيد بن أسلم"، وعند أحمد: عن زيد بن أسلم: أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عبّاس أخبره. كذا قال: "مولى ابن عباس". وقد اختلف في ذلك، والمشهور أن حنينًا كان مولى للعبّاس، وهبه له النبيّ ﷺ ، فأولاده موالٍ له، قاله في "الفتح".
(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حنين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم قبل باب (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهريّ، أبي عبد الرحمن، له، ولأبيه صحبة ﵄، مات سنة (٦٤ هـ) تقدّمت ترجمته في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
والمراد أنه أخبر عن قصّتهما، فالكلام على حذف مضاف، فليس المراد أن عبد الله بن حنين أخبر بهذا الخبر راويًا عنهما.
وقوله: (أنَّهُمَا اخْتَلَفَا) في تأويل المصدر بدل عن المجرور قبله؛ أي: عن اختلافهما.
وفي رواية البخاريّ من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك: "أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مَخْرَمة اختلفا … إلخ"، وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة: كنت مع ابن عباس، والمسور.
(بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة وزان أَفْعال: موضع بين مكة والمدينة، ويقال له: وَدّان، قاله في "المصباح"؛ أي: وهما نازلان بها، وفي
стр. 13189
رواية ابن عيينة: "بالعَرْج"، وهو بفتح أوّله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ) ﵁ (لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ) الظاهر أنه قال ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه ربما يتسبّب في انتتاف شعره، فخشيةً لذلك قال: لا يغسل (فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ) ﵁، زاد ابن جريج، فقال: "قل له: يقرأ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبدُ الله بن عباس، ويسألك".
(أَسْألهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن حكم غسل المحرم رأسه (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: "بَيْنَ قَرْنَيِ الْبِئْرِ"، وهو بفتح القاف: تثنية قَرْن، وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، وشبههما من البناء، وتُمدّ بينهما خشبة يُجرّ عليها الحبل المستقَى به، وتُعلّق عليها البكرة، قاله النوويّ.
(وَهُوَ يَسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه أنه يُشرع السلام على من يغتسل، ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما في قصّة أم هانئ ﵂ أنها قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ ، عام الفتح، فوجدته يغتسل - وفاطمة ابنته تستره - قالت: فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ .. " الحديث.
(فَقَالَ) أبو أيوب ﵁ (مَنْ هَذَا؟) أي: المسلّم عليه (فَقُلْتُ: أنا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأسَهُ (قال الحافظ أبو عمر ﵀: الظاَهر أن ابن عبّاس ﵄ كان عنده نصّ عن النبيّ ﷺ أخذه عن أبي أيوب، أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حُنين لأبي أيوب: أسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل: هل كان يغسل رأسه، أوْ لا؟ على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور، وابن عباس.
قال الحافظ ﵀: ويَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن حُنين تصرّف في السؤال لفطنته، كأنه لَمّا قال له: سله، هل يغتسل المحرم، أوْ لَا؟ فجاء، فوجده يغتسل، فَهِم من ذلك أنه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفيّة الغسل، وكأنه خصّ الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محلّ الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالبًا. انتهى.
стр. 13190
(وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) أي: الذي جعله ساترًا بينه وبين الناس (فَطَأَطَأَهُ) أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: "جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه" (حَتى بَدَا لِي رَأسُهُ) أي: ظهر لي رأسه، فرأيته، وفي رواية ابن جريج: "حتى رأيت رأسه، ووجهه".
(ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يَصُبُّ) وفي رواية النسائيّ: "يصُبّ عَلَى رَاسِهِ"، والجملة في محلّ جرّ صفة ل"إنسان". ومقول القول قوله: (اصْبُبْ، فَصَبَّ) ذلك الإنسان الماء (عَلَى رَأسِهِ) أي: على رأس أبي أيوب ﵁ (ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ بِيَدَيْه، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) أي: ذهب بيديه إلى جهة قُدَّامه، ثم ردّهما إلى ورائه، مبالغة في وصول الماء إلى البشرة.
وفي رواية ابن جريج: "فأَمَرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا، على جميع رأسه، فأقبل بهما، وأدبر".
(ثُمَّ قَالَ) أي: أبو أيوب ﵁ (هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ) وفي رواية النسائيّ: "هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللُّهِ ﷺ يَفْعَلُ"، زاد في رواية ابنه جريج التالية: "فقال المسور لابن عبّاس: لا أماريك أبدًا"، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: "فرجعت إليهما، فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أُماريك أبدًا"؛ أي: لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلان فلانًا: إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة؛ لأن كلًّا من المتجادلين يَستخرج ما عند الآخر من الحجة، قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٢٨٨٩ و ٢٨٩٠] (١٢٠٥)، و (البخاريّ) في "جزاء الصيد" (١٨٤٠)، و (أبو داود) في دؤالمناسك" (١٨٤٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٦٦٥)، وفي "الكبرى" (٣٦٤٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك"
стр. 13191
(٢٩٣٤)، و (مالك) في "الموطّإ" (٧١٢)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤١٦ و ٤١٨ و ٤٢١)، و (الدارمي) في "سننه" (١٧٩٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ١٥٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٤١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٣)، و"المعرفة" (٤/ ٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاغتسال للمحرم.
٢ - (ومنها): غسل المحرم رأسه، وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا أمن تناثره، واستدلّ به القرطبيّ على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المحرم أحقّ بأن يجوز له تركه، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه.
٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء بأن على استحبابه، خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولّي من الشافعيّة، خشية انتتاف الشعر؛ لأن في الحديث: "ثم حرّك رأسه بيده"، ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب. والتحقيق أنه خلاف الأولى في حقّ بعض دون بعض. قاله السبكيّ الكبير. قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الإطلاق هو التحقيق؛ لأن الشارع الحكيم ما استثنى الحاجّ حين شرع تخليل اللحية، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند الاختلاف، وترك الاجتهاد، والقياس عند وجود النصّ.
قال الحافظ أبو عمر ﵀: في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة ﵃ إذا اختلفوا لم تكن في قول واحد منهم حجة على غيره، إلا بدليل يجب التسليم له، من الكتاب، أو السنّة، ألا ترى أن ابن عباس والمسور ﵃ لَمّا
стр. 13192
اختلفا لم يكن لواحد منهما حجة على صاحبه حتى أدلى ابن عبّاس بالحجة بالسنة، ففلج - أي: فاز، وغلب خصمه بحجته -.
وهذا يبيّن لك أن قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم" هو على ما فسّره المزنيّ وغيره، وأن ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول من نقل كلّ واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم، واجتهادهم إذا أختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم، وأنا نجمٌ، فلا عليك، وبأيّنا اقتدى المقتدي فقد اهتدى، ولَمَا احتاج لطلب البيّنة، والبرهان من السنّة على صحّة قوله.
وكذا سائر الصحابة ﵃ إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عبّاس والمسور، وهم أوّل من تلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. قال العلماء: إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيّه ﷺ ما كان حيًّا، فإن قُبض فإلى سنّته.
ألا ترى أن ابن مسعود قيل له: إن أبا موسى الأشعريّ قال في أخت، وابنة ابن: إن للابنة النصفَ، وللأخت السدسَ، ولا شيء لبنت الابن، وأنه قال للسائل: ائت ابن مسعود، فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ [الأنعام: ٥٦] أقضي فيها بقضاء رسول الله ﷺ : "للبنت النصفُ، ولابنة الابن السدسُ تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت".
وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفًا على ابن مسعود.
وفي "الموطإ" أن أبا موسى الأشعريّ أفتى بجواز رضاع الكبير، وردّ ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
وروى مالك عن ابن مسعود: أنه رجع عن قوله في الربيبة إلى قول أصحابه في المدينة (١).
стр. 13193
وهذا الباب طويل إذا كان الصحابة خير أُمّة أُخرجت للناس، وهم أهل العلم والفضل، لا يكون أحدهم حجة على صاحبه، إلا الحجة من كتاب الله، أو سنّة نبيّه ﷺ ، فمن دونهم أولى أن يَعضِدَ قولَه بما يجب التسليم له.
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [سبأ: ٦] قال: أصحاب محمد ﷺ .
قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب الله، وحكم أحكمته السنّةُ، قال: ومجتهدُ رأيه، فلعلّه يُوفّق، ومتكلّف، فطُعن عليه.
قال: وذكر ابن وضّاح، عن ابن وهب، قال: قال لي مالك: الحكمة، والعلم نورٌ يهدي به الله من يشاء، ويؤتي الحكمة من أحبّ من عباده، وليس بكثرة المسائل.
قال أبو عمر: وقد استوفينا هذا المعنى في "كتاب العلم" (١). انتهى كلام أبي عمر ﵀ (٢)، وهو بحث نفيس جدًّا إلا ما يأتي من الكلام على الحديث الذي احتج به.
стр. 13194
٥ - (ومنها): استتار الشخص بالثوب عند الاغتسال، وأن الذي كان يستره بالثوب، لا يطّلع منه على ما يتستّر به من مثله، فالسترة واجبة عن القريب والبعيد.
٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة ﵃.
٧ - (ومنها): السلام على المتطهّر في وضوء، أو غسل، بخلاف المجالس على الحدث.
٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة، قاله النوويّ ﵀.
٩ - (ومنها): أن فيه الاعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حيث ذكر الحافظ أبو عمر في كلامه السابق حديث:
"أصحابي كالنجوم" موهمًا أنه حديث ثابت، مع أنه لا يثبت، وقد تَكَلّم فيه هو في غير هذا الكتاب، فلا بدّ من بيان ما قاله العلماء فيه، حتى يتبيّن الحقّ، وكذلك ما اشتهر على الألسنة: "اختلاف أمتي رحمة".
أما الأول، فقد رُوي من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله ﵃:
(أما حديث جابر ﵁) فهو: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
رواه ابن عبد البرّ في "جامع العلم" ٢/ ٩١، وابن حزم في "الإحكام" ٦/ ٨٢ من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غُضَين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا به.
وقال ابن عبد البرّ: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غضين مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غُضَين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.
قال الشيخ الألبانيّ ﵀: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم -
стр. 13195
ويقال: ابن سليمان، وهو الطويل - أولى، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش: كذّاب، وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. وأما أبو سفيان فليس ضعيفًا، كما قال ابن حزم، بل هو صدوق، كما قال الحافظ في "التقريب"، وأخرج له مسلم في "صحيحه". انتهى.
(وأما حديث ابن عباس ﵄): فهو: "مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة".
أخرجه الخطيب في "الكفاية" ص ٤٨، وابن عساكر، وغيرهما من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعًا به.
وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث، وجويبر هو ابن سعيد الأزديّ متروك، والضحّاك لم يلق ابن عباس.
(وأما حديث عمر ﵁): فهو: "سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إليّ: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى".
رواه ابن بطّة في "الإبانة" ٤/ ١١، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم من طريق نعيم بن حماد، ثنا عبد الرحيم بن زيد العمّيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا به. قال ابن الجوزيّ في "العلل": هذا لا يصحّ، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذّاب، وفي "الميزان": هذا الحديث باطل.
(وأما حديث ابن عمر ﵄): فهو: "إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم".
ذكره ابن عبد البر معلقًا، من طريق أبي شهاب الحناط، عن حمزة الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به، ووصله عبد بن حميد في "المنتخب من المسند"، قال: أخبرني أحمد ابن يونس، حدثنا أبو شهاب به،
стр. 13196
ورواه ابن بطة في "الإبانة"، وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ: متروك، وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه.
وقد ساق له الذهبي في "الميزان" أحاديث من موضوعاته، هذا منها.
وقال أبو محمد بن حزم ٦/ ٨٣: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا شكّ أنها مكذوبة؛ لأن الله تعالى يقول في صفة نبيّه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فإذا كان كلامه ﷺ في الشريعة حقًّا، وواجبًا، فهو من الله تعالى بلا شكّ، وما كان من الله تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى الله تعالى عن التفرّق والاختلاف بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول الله ﷺ باتباع كلّ قائل من الصحابة ﷺ ، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالًا، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالًا، اقتداءً بأبي طلحة، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا، اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحرامًا اقتداء بعائشة، وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها السنّة، وذلك في حياته ﷺ ، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يُخطئون، ويصيبون؟
وقال قبل ذلك ٥/ ٦٤ تحت باب "ذمّ الاختلاف":
وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صحّ عن رسول الله ﷺ الذي أمره الله تعالى ببيان الدين … فصحّ أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قومٌ، فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجّوا بما رُوي عن النبيّ ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضروريّة:
(أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل.
стр. 13197
(والثاني): أنه ﷺ لم يَجُز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ﷺ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة، وخطّأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة، فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﷺ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ﷺ من هذه الصفة، وهو ﷺ قد أخبر أنهم يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطئ، إلا أن يكون ﷺ أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل.
(والثالث): أن النبيّ ﷺ لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث، وسقوطه وضوحًا ضروريًّا. انتهى.
ونقل خلاصته ابن الملقّن في "الخلاصة" ٢/ ١٧٥ وأقرّه، وبه ختم على الحديث، وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصحّ قط.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو:
"أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذّاب، وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق لا يحلّ الاحتجاج به، فإنه كذاب، وأقرّه الحافظ في "اللسان".
(وأما حديث: "اختلاف أمتي رحمة"): فلا أصل له، قال السبكي ﵀: ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع.
وأما قول السيوطيّ في "الجامع الصغير": ولعله خُرّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم تصل إلينا، فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ الجامع بين النقل والعقل، فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سندًا صحيحًا لم يصل إلينا؟ إن هذا لهو العجب العجاب!.
стр. 13198
وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في "الإحكام في أصول الأحكام" ٥/ ٦٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق، أو اختلاف، وليس إلا رحمة، أو سخط.
[فإن قيل]: إن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذمّ المذكور؟
[قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم ﵀، فقال في كتابه المذكور ٥/ ٦٧ - ٦٨: كَلّا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرئ منهم تحرّى سبيل الله، ووجهة الحقّ، فالمخطئ منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيّته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل الله تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ ﷺ بعد بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ ﷺ ، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن الله، وعن رسوله ﷺ . انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيسٌ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَاد،
стр. 13199
وَقَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا، عَلَى جَمِيعِ رَأسِه، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبدًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل حديث.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا.
و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله.
وقوله: (فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ … إلخ) بتشديد الراء، من الإمرار.
وقوله: (عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ) تأكيد لما قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن زيد بن أسلم هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٦٥) فقال:
(٣٠٧٨) - حدّثنا عبد الصمد بن الفضل، نا مكيّ (ح) وحدّثنا الصاغانيّ، ثنا رَوْح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، أنه أخبره، عن أبيه عبد الله بن حُنين، قال: كنت مع ابن عباس والمسور بن مخرمة بالأبواء، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب، فقال: قل له: يَقْرَأُ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبد الله بن عباس، ويسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم؟ قال: فوضع يده على الثوب، وطأطأه، حتى رأيت رأسه، وقال لرجل: صُبّ، فصَبَّ عليه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم، إلا أن مكيّ: قال: فأقبل بهما وأدبر، وقال مسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13200
(١٤) - (بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩١] (١٢٠٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيره، فَوُقِصَ، فَمَاتَ، فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأَسَهُ، فَإِنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّبًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ عَبّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد بن جبير.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄، حبر الأمة، وبحرها، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ) أي: سقط من ظهر بعيره، و"البعِير" بفتح الموحّدة، وقد تُكسر: الجمل البازل (١)، أو