٤ - (ومنها): أنه قد يؤخذ منه أن الإجماع لا يُنسَخُ به؛ لكونه حَصَرَ وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): أن فيه بيان وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة ﵃، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنصّ.
٦ - (ومنها): أن في قضة التسليم على عمران ﵁ الآتية إثبات كرامات الأولياء، وأن الكيّ ليس بمحرّم، كما قدّمناه في "كتاب الإيمان"، ولكن تركه أولى، قاله القرطبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الْجُرَيْرِيِّ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، يَعْنِي عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"سفيان" هو: الثوريّ، و"الْجُريريّ" هو سعيد بن إياس.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الجريريّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٤) فقال:
(٢٨٤٣) - ثنا فاروق الخطابيّ، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن سعيد الجريري (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو يحيى الرازيّ، ثنا سهل، أنبأ وكيع، ثنا سفيان، عن سعيد بن إياس الجريريّ (ح)
стр. 13652
وثنا أبو أحمد، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا وكيع، عن سفيان، عن الجريريّ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن أخيه مُطَرِّف، عن عمران بن حصين، قال: اعلم أن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر، ثم لم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ ، ولم يَنْزِل فيه قرآن بتحريمها، رأى رجل برأيه ما شاء، لفظ وكيع. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَتُرِكْتُ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالِ) بن هُبيرة الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ توقّف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ) بفتح اللام المشدّدة، مبنيًّا للمفعول؛ أي كانت الملائكة تسلِّم عليّ.
وقوله: (حَتَّى اكْتَويتُ) بالبناء للفاعل؛ أي تداويت بالكيّ، قال المجد ﵀: كواه يَكويه كيًّا -من باب رَمَى-: أحرق جلده بحديدة ونحوها، وهي الْمِكواة، والْكَيّةُ: موضع الكيّ، قال: واكتوى: استَعْمَلَ الكيّ في بدنه،
стр. 13653
واستكوى: طلب الكيّ. انتهى باختصار (١).
وقوله: (فَتُرِكْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي تركت الملائكة السلام عليّ؛ لكوني اكتَويتُ.
وقوله: (ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ) ببناء الفعل للفاعل (فَعَادَ) أي رجع إلي تسليم الملائكة.
وقال في "شرحه" لهذا الكتاب: قوله: "يُسَلَّم عليّ" هو بفتح اللام المشدّدة، وقوله: "فتُرِكتُ" هو بضم التاء: أي انقطع السلام عليّ، ثم تَرَكْتُ بفتح التاء: أي تركت الكيّ، فعاد السلام عليّ.
ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين ﵄ كانت به بواسير، فكان يصبر على المهمات، وكانت الملائكة تُسَلِّم عليه، فاكتَوَى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكيّ، فعاد سلامهم عليه. انتهى (٢).
وقال في "شرح المهذّب": معناه: أنه كان به مرضٌ، فاكتوى بسببه، وكانت الملائكة تُسَلم عليه قبل الكيّ؛ لفضله، وصلاحه، فلما اكتَوَى تركوا السلام عليه، فعَلِمَ ذلك، فترك الكيّ مرة أخرى، وكان محتاجًا إليه، فعادوا، وسَلَّمُوا عليه ﵁. انتهى.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": الكيّ بالنار إن لم تدعُ إليه حاجة حرام؛ لدخوله في عموم تغيير خلق الله، وفي تعذيب الحيوان، وسواء كَوَى نفسه، أو غيره، من آدميّ، أو غيره، وإن دعت إليه حاجة، وقال أهل الْخِبْرة: إنه موضع حاجة، جاز في نفسه، وفي سائر الحيوان، وتركُهُ في نفسه للتوكل أفضل؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "قيل: يدخل من أمتك الجنة سبعون ألفًا، لا حسابَ عليهم، ولا عذابَ، قال: وهم الذي لا يَرْقُون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، مُتَّفقٌ عليه.
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب"، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين
стр. 13654
لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون"، رواه مسلم. انتهى (١).
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الطبّ" من "صحيحه": "باب من اكتوى، أو كَوَى غيره، وفَضْلِ من لم يَكْتَوِ"، قال في "الفتح": كأنه أراد أن الكيّ جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه، أو بغيره لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب؛ يعني قوله ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار"، وفضل تركه من قوله: "وما أُحِبّ أن أكتوي"، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: رُمِي سعد بن معاذ على أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ ، ومن طريق أبي سفيان، عن جابر: أن النبيّ ﷺ بعث إلى أبيّ بن كعب طبيبًا، فقطع منه عِرْقًا، ثم كواه، وروى الطحاويّ، وصححه الحاكم، عن أنس، قال: كواني أبو طلحة في زمن النبيّ ﷺ ، وأصله في البخاريّ، وأنه كُوي من ذات الجنب، وعند الترمذيّ، عن أنس: أن النبيّ ﷺ كَوَى أسعد بن زُرَارة من الشَّوْكة، ولمسلم عن عمران بن حصين: "كان يسلم عليّ حتى أكتويتُ، فتُركت، ثم تركت الكيّ، فعاد"، وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، عن عمران: نَهَى رسول الله ﷺ عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا، وفي لفظ: فلم يُفْلِحنَ، ولم يَنجحن، وسنده قويّ.
والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خَطِرًا، فنهاه عن كَيِّه، فلما اشتَدّ عليه كواه، فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كَيُّ الصحيح؛ لئلا يَعْتَلَ فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع.
والثاني: كيُّ الجرح إذا نَغَلَ: أي فَسَدَ، والعضو إذا قُطِع فهو الذي يُشْرَع التداوي به، فإن كان الكي لأمر مُحْتَمِلٍ فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقَّق.
стр. 13655
وحاصل الجمع أن الفعل يدلّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلّ على المنع، بل يدلّ على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الأبيّ ﵀: كلام الملائكة ﵈ غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يصحّ، وكان الشيخ ابن عبد السلام يحكي عن بعض الغلاة من شيوخ زمنه أن من قال: اليوم كلّمتني الملائكة يُستتاب، والحديث يردّ عليه، والصواب أن ذلك يَخْتَلِف بحسب حال من زعمه، فإن كان متّصفًا بالصلاح تُجُوِّز عنه، وإلا زُجر عن قول ذلك بحسب ما يراه الحاكم، ومن هذا المعنى ما يتّفق لبعضهم أن يقول: قيل لي، وخوطبتُ، وكان الشيخ يشدّد القول فيه، وفي إنكاره على من زعمه. انتهى كلام الأبيّ ﵀ (٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب:
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٤/ ٤٢٧) فقال:
(١٩٨٤٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: أنا شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مُطَرِّفًا قال: قال لي عمران بن حصين: إني أحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله ﷺ
стр. 13656
قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم يَنْهَ عنه حتى مات، ولم يَنْزِل قرآن فيه يُحَرِّمه، وإنه كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويتُ أُمسك عني، فلما تَرَكته عاد إليّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بهَا بَعْدِي، فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي، وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ، إِنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَجُلٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ) قال النوويّ ﵀: ظاهره أنها ثلاثةٌ فصاعدًا، ولم يذكر منها إلا حديثًا واحدًا، وهو الجمع بين الحج والعمرة، وأما إخباره بالسلام فليس حديثًا، فيكون باقي الأحاديث محذوفًا من الرواية. انتهى (١).
وقوله: (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي) أي بأن تعمل بها، وتعلّمها غيرك.
وقوله: (فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي إلخ) قال النوويّ ﵀: أراد به الإخبار بالسلام عليه؛ لأنه كَرِهَ أن يُشاع عنه ذلك في حياته؛ لما فيه من التعرُّض للفتنة، بخلاف ما بعد الموت. انتهى.
وقوله: (قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) أي قرن هو بنفسه، وأمر أصحابه بالتمتّع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13657
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا (١) عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخَيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵄ قَالَ: اعْلَمْ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابٌ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُمَا رَسُولُ اللْهِ ﷺ قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُمَا) كذا هنا، وفيما قبله: "ولم ينه عنها"، وهو الموافق لقوله: "لم ينزل فيها"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ) أي ثم بعد موته ﷺ قال رجل في المتعة ما شاء أن يقول، وهو النهي عنها.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: تَمَتَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ).
стр. 13658
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوذيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الحنفيّ، أبو عليّ البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥١.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْعَبديّ، أبو محمد البصريّ القاضي، ثقةٌ [٦] (م ت س) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٦٠٢.
[تنبيه]: قال الإمام النسائيّ ﵀ بعد إخراج هذا الحديث من رواية إسماعيل بن مسلم ما نصّه:
قال أبو عبد الرحمن: إسماعيل بن مسلم ثلاثة، هذا أحدهم، وهو لا بأس به، وإسماعيل بن مسلم شيخ يروي عن أبي الطُّفيل، لا بأس به، وإسماعيل بن مسلم، يروي عن الزهريّ، والحسن متروك الحديث. انتهى (١).
стр. 13659
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرت في شرحي على النسائيّ أن جملة من يُسمّى إسماعيل بن مسلم تسعة، فراجع تفصيله (١)، والله تعالى وليّ التوفيق.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعِ) بن جابر بن الأخنس بن عائذ بن خارجة بن زياد بن شمس الأزديّ، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ كثير المناقب [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الصامت، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وغيرهم.
ورَوَى عنه هشام بن حسان، ومحمد بن جُحادة، والحمادان، وإسماعيل بن مسلم العبديّ، وأزهر بن سنان القرشيّ، وحفص بن سليمان الضُّبَعيّ، وآخرون.
قال ابن المدينيّ: ما أعلمه سمع من أحد من الصحابة، وقال العجليّ: عابدٌ ثقةٌ، ولكن بُلِي برُواة سَوء، وقال سلام بن أبي مطيع: حدّث رجل أيوب يومًا بحديث، فقال أيوب: من حدّثك بهذا؟ قال: محمد بن واسع، قال: بَخٍ، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب: لم يكن لمحمد بن واسع عبادة ظاهرة بالنسبة إلى غيره، وإذا قيل: مَن أفضل أهل البصرة؟ قيل: محمد بن واسع، وقال مالك بن دينار: محمد بن واسع من قُرّاء الرحمن، وقال الأصمعيّ عن سليمان التيميّ: ما أحدٌ أحبّ إلي أن ألقى الله تعالى بمثل صحيفته إلا محمد بن واسع، وقال مخلد بن الحسين، عن هشام: دعا مالك بن المنذر، وكان على شرطة البصرة محمد بن واسع، فقال: اجلس على القضاء، فأبى، وقال موسى بن هارون: كان ناسكًا عابدًا ورِعًا، رفيعًا جليلًا ثقةً عالِمًا، جَمَع الخير، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العُبّاد المتقَشِّفة، والزُّهّاد المتجردين للعبادة، وكان قد خرج إلى خراسان غازيًا، وفضائله، ومناقبه كثيرةٌ جِدًّا.
قال ابن سعد: مات بعد الحسن بعشر سنين، وقال جعفر بن سليمان:
стр. 13660
مات هو وثابت، ومالك بن دينار، سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقال خليفة: مات سنة سبع.
له في (م) حديث واحد عن عمران بن حصين في متعة الحج متابعة.
قلت: أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وهو متابعة.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن واسع، عن مطرّف هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٦) مع بعض اختلاف، فقال:
(٢٨٤٨) - ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا مسلم بن إبراهيم، نا إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن واسع (ح) وثنا أبو أحمد، ثنا أبو أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجرجاني الوزان، ثنا نصر بن عليّ، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن مسلم، حدّثني محمد بن واسع، عن مُطّرِّف، قال: قال عمران بن حصين: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فقال فيها رجل برأيه ما شاء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨١] ( … ) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ، يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ بَعْدُ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
стр. 13661
[تنبيه]: قوله: "البكراوي" نسبة إلى جدّ جدّ أبيه أبي بكر الصحابيّ الشهير ﵁.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٤ - (عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمِ) الْمِنقريّ، أبو بكر القصير البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (خ م ت س) تقدَم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢٨/ ١٨١٠.
٥ - (أَبُو رَجَاءٍ) عمران بن مِلْحان، ويقال: ابن تيم الْعُطارديّ البصريّ، ثقةٌ مخضرم معَمَّر [٢] (ت ١٠٥) وله (١٢٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٢/ ٣٤٥.
والصحابيّ ﵁ ذُكر قبله.
[تنبيه]: وقع في هذا السند اتّفاق اسم الراوي، وشيخه، وشيخ شيخه، فقد روى عمران بن مسلم القصير، عن عمران بن مِلْحَان العُطارديّ، عن عمران بن حصين الصحابيّ ﵁، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
أَوْ شَيْخُهُ وَشَيْخُهُ قَدْ بَانَا … عِمْرَانُ عَنْ عِمْرَانَ عَنْ عِمْرَانَا
وقوله: (نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَاب اللهِ) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآَية، والفاء في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ واقعة في جواب "إذا"، والفاء في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ واقعة في جواب "من"؛ أي: فإذا أمنتم الإحصار من عدوّ، أو مرض، بأن زال، أو لم يكن، فمن تمتّع بالعمرة إلى وقت الحجّ، فعليه ما استيسر من الهدي، ومعنى التمتّع بالعمرة: الاستمتاع والانتفاع بالتقرّب إلى الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج، ثم الانتفاع به في وقته إن كان قارنًا، ويُسمّى القران أيضًا تمتّعًا بهذا المعنى، أو معناه: الاستمتاع بسبب العمرة بالتحلّل منها إلى أن يُحرم بالحجّ إن كان متمتّعًا، وعلى كلا التقديرين يلزمه هدي شكرًا لنعمة الجمع بين النسكين يُذبح يوم النحر، وهو معنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13662
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَمَرَنَا بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و"يحيى بن سعيد" هو القطّان.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عمران القصير هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "التفسير"، فقال:
(٤٥١٨) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن عمران أبي بكر، حدّثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يُحَرِّمه، ولم يَنْهَ عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٢) - (بَابُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَأنهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التمتّع": مصدر تمتّع، قال القاري ﵀: التمتّع في اللغة بمعنى التلذّذ، والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمّي متمتّعًا لانتفاعه بالتقرّب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتّعه بمحظورات الإحرام بعد التحلّل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العودة إلى الميقات، ولا يبعُدُ أن يقال: لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجّ. انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: وتمتّعت به: انتفعت، ومنه تمتّع بالعمرة إلى الحجّ: إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، وبعد تمامها يُحرم بالحجّ، فإنه بالفراغ من أعمالها يَحلُّ له ما كان حرُم عليه، فمن ثمّ يسمّى متمتّعًا. انتهى.
والتمتّع شرعًا: أن يهلّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحجّ، فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامة.
стр. 13663
قال الحافظ ﵀: أما التمتّع، فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ، ثمّ التحلّل من تلك العمرة، والإهلالُ بالحجّ في تلك السنة، ويُطلق التمتّع في عُرف السلف على القران أيضًا. قال ابن عبد البرّ ﵀: لا خلاف بين العلماء أن التمتّع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أنه الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قال: ومن التمتّع أيضاً القران؛ لأنه تمتّع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتّع أيضًا فسخ الحجّ إلى العمرة. انتهى.
وقال ابن قُدامة ﵀ في "المغني": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهلّ بعمرة في أشهر الحجّ من أهل الآفاق من الميقات، وقدم مكة، ففرغ منها، وأقام بها، وحجّ من عامة أنه متمتّع، وقال أيضًا: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من اعتمر في غير أشهر الحجّ عمرة، وحلّ منها قبل أشهر الحجّ أنه لا يكون متمتّعًا، إلا قولين شاذّين: أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحجّ، فأنت متمتّع. والثاني: عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٣] (١٢٢٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَتعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِن النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ
стр. 13664
رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْو، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاَثَةَ؛ لامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ"، وَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ، عِنْدَ الْمَقَامِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْور سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأفَاضَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى، وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت المشهور، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
стр. 13665
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عُقيل، وما بعده بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) قال القاضي عياض ﵀: قوله: "تمتّع" هو محمول على التمتّع اللغويّ، وهو القران، ومعناه أنه ﷺ أحرم أوّلًا بالحجّ مفردًا، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا في آخر أمره، والقارن هو متمتّع من حيث اللغة، ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفّهَ باتحاد الميقات، والإحرام، والفعل، ويتعيّن هذا التأويل هنا؛ لما قدّمناه في الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك، وممن روى إفراد النبيّ ﷺ ابن عمر الراوي هنا، وقد ذكره مسلم بعد هذا. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: هذا الذي رُوي هنا عن ابن عمر من أنه ﷺ تمتّع مخالف لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد بالحجّ، واضطراب قوليه يدلّ على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر، كما فعل أنسٌ على ما تقدّم، حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
ثم اعلم أن كلّ الرواة الذين رووا إحرام النبيّ ﷺ ليس منهم من قال: إنه ﷺ حلّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحجّ، وإن كان قد أطلق عليه
стр. 13666
لفظ التمتع، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث: إنه ﷺ بدأ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، ولم يقل: إنه حلَّ من عمرته، بل قال في آخر الحديث بعد أن فرغ من طواف القدوم، أنه ﷺ لم يَحلُل من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجّه، وهذا نصّ في أنه لم يكن متمتّعًا، فتعيّن تأويل قوله: تمتّع رسول الله ﷺ ، فَيَحْتَمِل أن يكون معناه: قَرَنَ؛ لأن القارن يترفّه بإسقاط أحد العملين، وهذا الذي يدلّ عليه قوله بعد هذا، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ.
وَيحْتَمِل أن يكون معناه أنه ﷺ لَمّا أَذِن في التمتّع أضافه إليه، وفيه بُعدٌ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "تمتّع رسول الله ﷺ إلخ". قال المهلّب: معناه أَمر بذلك؛ لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن، ويقول: بل كان مفردًا، وأما قوله: "وبدأ فأهلّ بالعمرة"، فمعناه أمرهم بالتمتع، وهو أن يُهلّوا بالعمرة أوّلًا، ويقدّموها قبل الحجّ، قال: ولا بدّ من هذا التأويل؛ لدفع التناقض عن ابن عمر ﵄.
قال الحافظ: لم يتعيّن هذا التأويل المتعسّف، وقد قال ابن المنيّر في "الحاشية": إنّ حَمْلَ قوله: "تمتع" على معنى أَمَرَ من أبعد التأويلات، والاستشهاد عليه بقوله: "رجم"، وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات؛ لأن الرجم من وظيفة الإمام، والذي يتولّاه إنما يتولّاه نيابة عنه، وأما أعمال الحجّ، من إفراد، وقران، وتمتّع، فإنه وظيفة كلّ أحد عن نفسه، ثم أجاز تأويلًا آخر، وهو أن الراوي عَهِد أنّ الناس لا يفعلون إلا كفعله، لا سيما مع قوله: "خذوا عني مناسككم"، فلما تحقّق أن الناس تمتّعوا ظنّ أنه ﷺ تمتّع، فأطلق ذلك.
قال الحافظ: ولم يتعيّن هذا أيضًا، بل يَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "تمتع " محمولاً على مدلوله اللغويّ، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة، والخروج إلى ميقاتها، وغيرها، بل قال النوويّ: إن هذا هو المتعيّن، قال: وقوله: "بالعمرة إلى الحجّ"؛ أي بإدخال العمرة على الحجّ، وقد قدّمنا في "باب التمتّع والقران" تقرير هذا التأويل.
стр. 13667
وإنما المشكل هنا قوله: "بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ"؛ لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقرّ كما تقدّم على أنه بدأ أوّلًا بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس.
وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال؛ أي: لما أدخل العمرة على الحجّ لبّى بهما، فقال: "لبيك بعمرة، وحجة معًا".
وهذا مطابق لحديث أنس ﵁ المتقدّم، لكن قد أنكر ابن عمر بذلك على أنس، فَيَحْتَمِل أن يُحْمَل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه ﷺ جمع بينهما؛ أي في ابتداء الأمر، ويُعيّن هذا التأويل قوله في نفس الحديث: "وتمتّع الناس إلخ"، فإن الذين تمتّعوا إنما بدؤوا بالحجّ، لكن فسخوا حجهم إلى العمرة حتى حلّوا بعد ذلك بمكة، ثم حجّوا من عامهم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
وقال السنديّ ﵀: اعلم: أن التمتّع عند الصحابة كان شاملًا للقران أيضًا، وإطلاقه على ما يقابل القران اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبيّ ﷺ كان قارنًا، فالوجه أن يراد بالتمتع هاهنا في شأنه ﷺ القران؛ توفيقًا بين الأحاديث، والمعنى: انتفع بالعمرة إلى أن حجّ، مع الجمع بينهما في الإحرام، ومعنى قوله: "بدأ بالعمرة" أنه قدّم العمرة ذكرًا في التلبية، فقال: "لبيك عمرةً وحجًّا". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ تحقيق نفيس جدًّا، وهو خلاصة ما تقدّم في كلام العلماء الذين ذكرنا قولهم آنفًا، والله تعالى أعلم.
(فِي حَجَّةِ الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي بإدخال العمرة على الحجّ، حيث بدأ بالحجّ، ثم أَدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، ف "إلى" بمعنى "على" (وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ) من عطف البيان على المبيّن (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) وفيه الندب إلى سوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة. قال الحافظ ﵀: وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس. انتهى.
стр. 13668
(وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) قد تقدّم قريبًا أن معناه أنه ﷺ في أثناء تلبيته بدأ بالعمرة، ثم أتبعها الحجّ، فقال: "لبيك عمرة، وحجًا"، لا أنه أول ما أحرم أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، فإن هذا خلاف الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما تقدّم، فيتعيّن تأويله هكذا.
قال النوويّ ﵀: هو محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة، ثم أحرم بحجّ؛ لأنه يفضي إلى مخالفة الأحاديث السابقة، وقد سبق بيان الجمع بين الروايات، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيّد هذا التأويل قوله: "وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجّ"، ومعلوم أن كثيرًا منهم، أو أكثرهم أحرموا بالحجّ أوّلًا مفردًا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرًا، فصاروا متمتعين، فقوله: "وتمتع الناس " يعني في آخر الأمر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
(وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) معنى تمتّع الناس كما سبق قريبًا: أنهم بدءوا بالحجّ، ثم فسخوه بعمل العمرة، فتحلّلوا (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ) من عطف التفسير على المفسَّر (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ) أي قارب دخولها؛ لأنه قد جاء أنه قال لهم ذلك بِسَرِف (قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى) أي ساق الهدي، سواء كان قارنًا، أو معتمرًا، وبهذا أخذ الحنفيّة، والحنبلية، فإن عندهم أن من اعتمر، وأهدى لا يتحلل حتى ينحر هديه يوم النحر، وهو المذهب الصحيح المختار؛ لظواهر الأحاديث.
قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أنّ من اعتمر، فساق هديًا، لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد تقدم حديث حفصة، نحوه، ويأتي حديث عائشة من طريق عُقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عنها بلفظ: "من أحرم بعمرة، فأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر".
وتأوّل ذلك المالكيّة، والشافعيّة على أن معناه: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليُهلّ بالحجّ، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه، فإنه
стр. 13669
خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو تحقيق نفيسٌ.
(فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ) تقدم ضبطه بضم أوله، من الإحلال، وفتحه، من الحِلِّ (مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنِع منه لأجل الأحرام (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) أي حتى ينتهي من عمل الحجّ بذبح الهدي يوم النحر (وَمَنْ لَمْ يَكنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ) للعمرة (بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْو) أي لِيَسْعَ بينهما (وَلْيُقَصِّرْ) شعر رأسه، قال النوويّ ﵀: معناه أنه يفعل الطواف، والسعي، والتقصير، ويصير حلالًا، وهذا دليل على أن الحلق، أو التقصير نسك من مناسك الحجّ، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء. وقيل: استباحة محظور، وليس بنسك، وهذا ضعيف. انتهى.
(وَلْيَحْلِلْ) أمر بمعنى الخبر؛ أي يصير بالتقصير حلالًا من العمرة، فله فعل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، من الطيب، واللباس، وإتيان الحلائل، والصيد، وغير ذلك.
وإنما أمر النبيّ ﷺ بالتقصير دون الحلق، مع أنه أفضل، ليبقى للمتمتع شعر يحلقه في الحجّ، فإن الحلق في تحلل الحجّ أفضل منه في تحلّل العمرة، وقيل: إن قوله: "وليحلل" أمر باق على حاله، وهو أمر إباحة.
(ثُمَّ لِيُهِل بِالْحَجِّ) أي يحرم بالحجّ في وقت الخروج إلى عرفات، لا أنه يُهلّ به عقب تحلله من العمرة، ولهذا قال: "ثم ليُهلّ"، فأتى بـ "ثمّ" التي هي للتراخي والمهلة، قاله النوويّ ﵀.
(ثمَّ لِيُهْدِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإهداء رباعيًّا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. قال القرطبيّ ﵀: ذهب جماعة من السلف إلى أنه شاة، وهو قول مالك، وقال جماعة أخرى: هو بقرة دون بقرة، وبدنة دون بدنة، وقيل: المراد بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو شِرك في دم. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: المراد به هدي التمتع، فهو واجب بشروط، اتفق أصحابنا على أربعة منها، واختلفوا في ثلاثة، أحد الأربعة: أن يُحْرِم بالعمرة
стр. 13670
في أشهر الحجّ، الثاني: أن يحجّ من عامة، الثالث: أن يكون أفقيًّا، لا من حاضري المسجد الحرام، وحاضروه: أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة، لا تقصر فيها الصلاة، الرابع: أن لا يعود إلى الميقات لإحرام الحجّ.
وأما الثلاثة، فأحدها: نيّة التمتع، والثاني: كون الحجّ والعمرة في سنة في شهر واحد، والأصحّ أن هذه الثلاثة (١)، لا تشترط. والله أعلم. انتهى (٢).
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) المراد لم يجده هناك، إما لعدم الهدي، وإما لعدم ثمنه، هاما لكونه يباع بأكثر من ثَمن المِثل، وإما لكونه موجودًا، لكنه لا يبيعه صاحبه، ففي كلّ هذه الصور يكون عادمًا للهدي، فينتقل إلى الصوم، سواء كان واجدًا لثمنه في بلده، أم لا.
(فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَامٍ فِي الْحَجِّ) أي بعد إحرامه بالحجّ، قال النوويّ: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال بالحجّ أجزأه على الصحيح، وأما قبل التحلّل من العمرة فلا، على الصحيح، قاله مالك، وجوّزه الثوريّ، وأصحاب الرأي، وعلى الأول، فمن استحبّ صيام عرفة بعرفة قال: يُحْرِم يوم السابع ليصوم السابع، والثامن، والتاسع، وإلا فيُحرم يوم السادس؛ ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط، ويستقرّ الهدي في ذمته، وهو قول الحنفية، وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهرهما: لا يجوز، قال النوويّ: وأصحهما من حيث الدليل: الجواز. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: والقول بالجواز هو الحقّ؛ لما أخرجه البخاريّ من حديث عائشة، وابن عمر ﵄، قالا: "لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي".
وأخرج عن ابن عمر ﵄ أيضًا، قال: "الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى
стр. 13671
الحجّ إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا، ولم يصم صام أيام منًى"، وعن عائشة ﵂ مثله، والراجح أن مثل هذا له حكم الرفع، كما هو مقرّر في محله، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: قوله: "فليصم ثلاثة أيام في الحجّ"؛ ذهب مالك، والشافعيّ إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحجّ، وهو مقتضى الآية والحديث، وقال أبو حنيفة، والثوريّ: يصحّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الإحرام بالحجّ، ولا يصومها بعد أيام الحجّ، وهو مخالف لنصّ الكتاب والسنّة، والاختيار عندنا تقديم صومها في أول أيام الإحرام، وآخر وقتها آخر أيام التشريق عندنا، وعند الشافعيّ، فمن فاته صومها في هذه الأيام صامها عندنا بعدُ، وقال أبو حنيفة: آخر وقتها يوم عرفة، فمن لم يصمها إلى يوم عرفة، فلا صيام عليه، ووجب عليه الهدي، وقال مثله الثوريّ؛ إذا ترك صيامها أيام الحجّ، وللشافعيّ قولٌ كقول أبي حنيفة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ رحمهما الله تعالى أرجح عندي لموافقته لظاهر النصّ الصريح. والله تعالى أعلم.
(وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ") هذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
قال النوويّ ﵀: وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح في مذهب الشافعيّ أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، والثاني: إذا فرغ من الحجّ، ورجع إلى مكة من منى، وهذان القولان للشافعيّ، ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة.
قال السنديّ ﵀: "إذا رجع إلى أهله" تفسير لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وفيه أنه ليس المراد: إذا فرغتم من النسك، كما قاله علماؤنا، ولا يخفى أن هذا مرفوع، لا من قول ابن عمر ﵄. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا إنصاف من السنديّ ﵀، حيث ترك
стр. 13672
ما عليه أهل مذهبه؛ لمخالفته النصّ الصريح، وجزاه الله تعالى عن السنة خيرًا، ويا ليت كل أهل مذهب كانوا مثله، فإن السنة هي القاضية على كل رأي، ومذهب، وليس لأحد من الناس أن يحكم عليها بما يراه هو، ولا غيره من ذي الرأي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، جعلنا الله تعالى ممن ينصر السنة، ويذبّ عنها، بمنّه وكرمه، إنه أرحم الراحمين، وأكرم المسؤولين.
قال النوويّ ﵀: ولو لم يصم الثلاثة، ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام، وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة؛ إذا أراد صومها خلاف، قيل: لا يجب، والصحيح أنه يجب التفريق الواقع في الأداء، وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه، والله أعلم. انتهى (١).
(وَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أي طواف القدوم (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي ركن الحجر الأسود (أَوَّلَ شَيْءٍ) منصوب على الظرفية، متعلّق بما قبله؛ أي في ابتداء طوافه (ثُمَّ خَبَّ) أي أسرع، يقال: خبّ في الأمر خَبَبًا، من باب طلب: أسرع الأخذ فيه، ومنه الخببُ لضرب من الْعَدْو، وهو خطؤ فسيح، دون العَنَق (٢)، قاله الفيّوميّ: ﵀. (ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ) أي ثلاثة أشواط (مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى) على هِيْنته بسكينة ووقار (أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ) أي فرغ منه (فَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو حجر كان يقوم عليه إبراهيم ﵇ وقت بناء الكعبة، ففي حديث ابن عبّاس ﵄ في قصّة إبراهيم وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام-: "قال -يعني إبراهيم-: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أَكَمَة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني … " الحديث. أخرجه البخاريّ (٣).
стр. 13673
(رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وهما واجبتان عند الحنفية، وهو قول لمالك والشافعيّ؛ للأمر بهما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]، ولمواظبته ﷺ عليهما، وقال أحمد: صلاة الطواف سنة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة، حملوا الأمر في الآية على الاستحباب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالاستحباب هو المختار؛ لحديث: "خمس صلوات كتبهنّ الله على عباده … " الحديث.
ويستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؛ لما سبق في حديث جابر الطويل: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي (١) يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبيّ ﷺ : كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وأخرج النسائيّ بسند صحيح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم، قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ثم عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا".
(فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا) ظاهره أنه ﷺ توجّه إلى الصفا عقب ركعتي الطواف قبل أن يستلم الحجر، وأنه لم يستلمه حال الطواف، لكن ثبت في حديث جابر ﵁ الماضي في صفة حجة النبيّ ﷺ : "ثم رجع إلى البيت، فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا"، وللنسائيّ من حديث ابن عمر ﵄: "أن النبيّ ﷺ كان يستلم الركن اليماني، والحجر في كلّ طواف"، ولأبي داود: "كان رسول الله ﷺ لا يَدَعُ أن يستلم الركن اليماني، والحجر الأسود في كلّ طوفة" (فَطَافَ) أي سعى (بِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ أي بينهما (سَبْعَةَ أَطْوَافٍ) أي سبعة أشواط، رمل فيها بين الميلين الأخضرين (ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ، مِنْ
стр. 13674
شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي بقي على إحرامه لم يحلّ له شيء من محظورات الإحرام (حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) أي أدّى أكثر أعمال حجه من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، وحلقه رأسه (وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأفَاضَ) أي دفع، قال الفيّوميّ: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ دفعة إفاضة، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة؛ أي طواف الرجوع من منى إلى مكة. انتهى.
(فَطَافَ بِالْبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنع منه، ومنه إتيان الحلائل (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى) "مَنْ" اسم موصول في محلّ رفع فاعل "فَعَلَ" مؤخّر، و"مثلَ" مفعول مقدّم؛ أي فعل الذين ساقوا الهدي من الصحابة ﵃ مثل فعله ﷺ (وَسَاقَ الْهَدْيَ) عطف تفسير لـ "أهدى" (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن أهدى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٩٨٣ و ٢٩٨٤] (١٢٢٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٦) و"الصلاة" (٣٩٦ و ٤٩٢) و"الحج" (١٦٩١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٠٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٥١) و"الكبرى" (٢/ ٣٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩٩ و ٣٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٥/ ١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية التمتع، وقد تقدّم أن التمتع يطلق على القران، وحديث الباب يكون دليلًا على التمتعين، فبالنسبة للنبيّ ﷺ ، والصحابة الذين ساقوا الهدي معه فهو قران، وبالنسبة للذين لم يسوقوا الهدي، فتمتّع بالمعنى المعروف عند الفقهاء.
стр. 13675
٢ - (ومنها): بيان استحباب سوق الهدي من الميقات لمن تيسّر له.
٣ - (ومنها): أن من تمتع، ولم يسق الهدي، تحلّل بعد الطواف والسعي.
٤ - (ومنها): أن قوله: "وليقصّر" يدلّ على أن التقصير، أو الحلق نسك من مناسك الحجّ، وبه قال الجمهور، وقيل: إنه يستباح به المحظور، وليس بنسك، وهو ضعيف، كما قاله النوويّ ﵀.
٥ - (ومنها): استحباب طواف القدوم، واستحباب الرمل في الأشواط الثلاثة منه، والمشي على الهِينة في البواقي.
٦ - (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود في أول طوافه، وكذا كلما مرّ عليه.
٧ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم ﵇.
٨ - (ومنها): مشروعية السعي بين الصفا والمروة.
٩ - (ومنها): مشروعية طواف الإفاضة يوم النحر، وأنه يَحِلّ به للمحرم كل شيء حرم عليه، من محظورات الإحرام، مطلقًا.
١٠ - (ومنها): وجوب الهدي لمن تمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
١١ - (ومنها): أن قوله: "ثم لم يحلّ من شيء حرُم منه حتى قضى حجه " يردّ قول من قال: إنه ﷺ كان متمتّعًا بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، والإحلال منها، وإردافها بأعمال الحجّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَتَمَتُّعِ النَّاسِ مَعَهُ، بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ ).
стр. 13676
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله إلخ) قال في "الفتح": قد تعقّب المهلّب قول الزهريّ: "بمثل الذي أخبرني سالم"، فقال: يعني مثله في الوهم؛ لأن أحاديث عائشة ﵂ كلّها شاهدة بانه حجّ مفردًا.
فتعقّبه الحافظ، فقال: قلت: وليس وَهَمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الروايتين بمثل ما جمعنا به بين المختلف عن ابن عمر ﵄، بأن يكون المراد بالإفراد في حديثها البداءة بالحجّ، وبالتمتّع بالعمرة إدخالها على الحجّ، وهو أولى من توهيم جبل من جبال الحفظ. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تعقّب وجيهٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا في وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٥] (١٢٢٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله مَا شَأَنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ").
стр. 13677
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام الحجة الفقيه المجتهد الشهير [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطّاب أم المؤمنين ﵂، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خُنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٥/ ١٦٧٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أخته.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ (أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن هذا الحديث من مسند ابن عمر، لا من مسند حفصة ﵂؛ لأنه قال: "أنّ حفصة إلخ"، ولم يقل: "عن حفصة"، لكن تبيّن في الرواية الآتية بأن ابن عمر رواه عنها، وأصرح رواية هي رواية ابن جريج الأخيرة، ففيها: "عن ابن عمر قال: حدّثتني حفصة ﵂").
هذا على قول من يرى الفرق بين "أنّ" و"عَنْ"، فيَحْمِل "أنّ" على الانقطاع، و"عن" على الاتصال، وأما على قول من يجعلهما للاتّصال، فالأمر وأضح.
стр. 13678
وحاصل الخلاف في المسألة هو ما قاله النوويّ ﵀ في "التقريب": إذا قال الراوي: حدّثنا الزهريّ أن ابن المسيِّب حدّثه بكذا، فقال أحمد بن حنبل وجماعة: لا تلتحق "أنّ" بـ "عَنْ" في الاتّصال، بل يكون منقطعًا حتى يتبيّن السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وقال الجمهور: "أنّ " كـ "عَنْ"، ومطلقة محمول على السماع بشرط البراءة عن التدليس، وبشرط اللقاء والسماع عند من يشترطه. انتهى باختصار (١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَمَنْ رَوَى بـ "عَنْ " وَ"أَنَّ" فَاحْكُمِ … بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّساً وَقِيلَ لَا … وَقِيلَ "أَنَّ" اقْطَعْ وَأَمَّا "عَنْ" صِلَا
(مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في رواية النسائيّ: "بعمرة"؛ أي بجعل نسكهم عمرة بأمره ﷺ لهم بذلك، كما سبق بيانه.
وحكى الحافظ أبو عمر ﵀ عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنبيّ، ويحيى بن بُكير، وأبو مصعب، وعبد الله ابن يوسف، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله: "ولم تحلّ أنت من عمرتك"، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: "ولم تحلّ أنت من عمرتك" إلا مالك وحده.
قال: وقد رواها غير مالك: عبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم.
ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: "من عمرتك"، وزيادة مالك مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، أَبُو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا.
قال: وما أعلم أحدًا في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا بأن مالكأ انفرد بقوله: "من عمرتك" إلا هذا الرجل. انتهى كلام ابن عبد البرّ بمعناه.
قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البرّ
стр. 13679
هو الأصيليّ، ورواية عبيد الله بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها: "من عمرتك"، ورواها البخاريّ بدون قولها: "من عمرتك"، ولفظ الشيخين فيها: "فلا أحلّ حتى أحلّ من الحجّ"، وفي لفظ لمسلم: "حتى أنحر"، كرواية مالك، وكذا في رواية ابن ماجه.
وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق موسى بن عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة، والله أعلم.
وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم عن الأصيليّ، وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة قالت … فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في "صحيح مسلم" من طريق عبيد الله بن عمر، وفي حديث الباقين عن ابن عمر، عن حفصة، وفي رواية موسى بن عقبة، وابن جريج حدثتني حفصة. انتهى كلام وليّ الدين (١).
وقال في "الفتح": ولم يقع في رواية مسلم قوله: "بعمرة"، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم.
واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: "ولم تحلّ من عمرتك"؟.
والجواب أن المراد بقولها: "بعمرة" أي إن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: "بعمرة"، وكيف يلتئم هذا مع قوله بعده: "من عمرتك"، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟.
[قلت]: الصحابة ﵃ حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا بأعمالها، وتحلّلوا منها، ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال الحجّ، فكان إحرامهم بعمرة سببأ لسرعة حلّهم، وأما هو ﷺ ، فإنه أدخل العمرة على الحجّ، فلم يُفده الإحرام بالعمرة سرعةَ الإحلال؛ لبقائه على الحجّ، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له.
стр. 13680
وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحجّ هو المعتمد، وعكس الخطّابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا، ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي، هذا كلامه.
ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أوّلًا بأن هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه ﷺ لا وجه له، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
(وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) هكذا هو عند البخاريّ أيضًا بفك إدغام اللام، ووقع عند النسائيّ بلفظ: "ولم تحلّ " بالإدغام، وهما لغتان، كما أشار إليهما ابن مالك ﵀ في "خلاصته" بقوله:
وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِيهِ سَكَنْ … لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ
نَحْوُ "حَلَلْتُ مَا حَلَلْتَهُ "وَفِي … جَزْمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيرٌ قُفِي
والفكّ لغة أهل الحجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، والإدغام لغة تميم، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤].
[تنبيه]: يجوز في قوله: "ولم تحلل"، وفي قوله الآتي: "فلا أحلّ" فتح أوّله، وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: "حَلُّوا"، قاله وليّ الدين (٢).
وفي "المصباح": وحلّ المحرمُ حِلًّا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثلُهُ، فهو مُحلّ، وحِلّ أيضًا تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. انتهى.
(قَالَ) ﷺ ("إِنّي لَبَّدْتُ رَأسِي) - بتشديد الباء الموحّدة، وبالدال المهملة- أي شعر رأسي، وتلبيد الشعر أن يُجعَل فيه شيء من صمغ، أو نحوه عند
стр. 13681
الإحرام لينضمّ الشعر، ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن تعطّفه، وتقمّله، وإنما يَفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام.
وقال الفيّوميّ ﵀: "التلبيد": مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيدًا: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كاللِّبْد (١)، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتى لا يتشعّث. انتهى.
وفي هذا الحديث استحباب التلبيد، والمعنى فيه الإبقاء على الشعر، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وأصحابه (٢).
(وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان. وتقليده أن يُعلّق عليه شيئًا يُعرف به كونه هديًا، فإن كان من الإبل والبقر استُحبّ تقليده بنعلين، من النعال التي تُلبس في الرجلين، في الإحرام، ويستحبّ التصدّق بهما عند ذبح الهدي، وإن كان من الغنم استُحبّ تقليده بخُرَب القِرَب -بضمّ الخاء المعجمة، وفتح الراء- وهي عُراها، واَذانها، وبالخيوط المفتولة، ونحوها.
وقد اتفق العلماء على استحباب سوق الهدي، وعلى استحباب تقليد الإبل، والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، والجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحبّ (٣)، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
(فَلَا أُحِلُّ) تقدّم ضبطه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، أو من الإحلال، ثلاثيًّا، ورباعيًّا (حَتَّى أَنْحَرَ") وفي رواية عبيد الله الآتية: "حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ": أي فلا أتحلل من الإحرام حتى أفرغ من عمل الحجّ بنحر الهدي يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13682
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حفصة ﵂ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٣/ ٢٩٨٥ و ٢٩٨٦ و ٢٩٨٧ و ٢٩٨٨ و ٢٩٨٩، (١٢٢٩)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٦٦ و ١٦٩٧ و ١٧٢٥) وفي "المغازي" (٤٣٩٨) وفي "اللباس" (٥٩١٦)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٠٦)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٦٨٢ و ٢٧٨١) وفي "الكبرى" (٣٦٦٢ و ٣٧٦٢)؛ و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٥٤٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (٨٩٧)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١١١/ ١ و ١٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٣ و ٢٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٣٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٤٧٧ و ٤٨١)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ١٩٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣١١/ ٢٣ و ٣١٢ و ٣١٣ و ٣١٤ و ٣١٥ و ٣١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢) و"المعرفة" (٣/ ٤٨٨ و ٥١٣ و ٥١٤ و ٥١٧)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٨٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن القارن لا يتحلّل إلا في وقت تحلل المفرِد، وهو يوم النحر.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التلبيد، وسيأتي في بابه.
٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وسيأتي في بابه أيضًا.
٤ - (ومنها): مشروعية سؤال الرعية رئيسهم عن فعله؛ إذا خَفِي عليهم وجهه.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته حتى يحلّ بالحجّ، ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وأخبر أنه لا يحلّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث عائشة ﵁: "فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ"، والأحاديث بذلك متضافرة.
وأجاب بعض المالكيّة، والشافعيّة عن ذلك بأن السبب في عدم تحلله من
стр. 13683
العمرة كونه أدخلها على الحجّ، وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان مفردًا.
وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علّل عدم التحلّل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلّل لا يمتنع على من كان قارنًا عنده، قاله في "الفتح" (١).
٦ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ﷺ كان في حجة الوداع متمتّعًا لكونه أقرّ على أنه محرم بعمرة، والتمتّع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، وطَعْنُ من طعن في قوله: "من عمرتك" غيرُ ملتفت إليه كما تقدّم، لكن هذا التمسّك ضعيف، فإنه أَبُو لم يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتّع، والقران، فتعيّن بقوله ﷺ في رواية عبيد الله بن عمر: "حتى أحلّ من الحجّ" أنه كان قارنًا، وهو في "الصحيحين" كما تقدّم، قاله وليّ الدين ﵀ (٢).
٧ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ﷺ كان قارنًا، وهو متمسّكٌ قويّ، قال الحافظ وليّ الدين: وما أدري ما يقول من ذهب إلى التمتّع، هل يقول: استمرّ على العمرة خاصّةً، ولم يُحرم بالحجّ أصلًا، فيكون لم يحجّ في تلك السنة، وهذا لا يقوله أحد، أو أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا، وصحّ ما قاله هؤلاء، فإن للقران حالتين: إحداهما: أن يحرم بالنسكين ابتداء، والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، وقوله في رواية عبيد الله بن عمر: "حتى أحلّ من الحجّ" صريح في أنه كان قارنًا، وقولها: "من عمرتك" أي العمرة المضمومة إلى الحجّ، قال النوويّ في "شرح مسلم": هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أنه ﷺ كان قارنًا في حجة الوداع. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: الذاهبون إلى الإفراد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
(أحدها): أنها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام، رَوَى البيهقيّ بإسناده عن
стр. 13684
الشافعيّ أنه قال: فإن قيل: فما قول حفصة للنبيّ ﷺ : "ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلل من عمرتك؟ ".
قيل: أكثر الناس مع النبيّ ﷺ لم يكن معه هديٌ، وكانت حفصة معهم، فأُمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلّوا، فقالت: لِمَ تحلل الناس، ولم تَحْلِل من عمرتك؛ يعني إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيّة واحدة -والله أعلم- فقال: "لبّدت رأسي، وقلّت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر بدني"؛ يعني -والله أعلم- حتى يحلّ الحاجّ؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي يكاد يعرف بالجواب فيه. انتهى كلامه.
(ثانيها): أنها أرادت بالعمرة الحجّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا.
(ثالثها): أنها ظنّت أنه معتمر.
(رابعها): أن معنى قولها: "من عمرتك" أي لعمرتك بأن تفسخ حجّك إلى عمرة كما فعل غيرك، قال النوويّ في "شرح مسلم" بعد ذكره هذه الأجوبة: وكلّ هذا ضعيف، والصحيح ما سبق -يعني أنه ﷺ كان قارنًا- ذكره وليّ الدين ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج: ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ لَمْ تَحِلَّ؟ (٢) بِنَحْوهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الهيثم الكوفيّ،
стр. 13685
صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية مالك عن نافع هذه ساقها أبو يعلى في "مسنده" (١٢/ ٤٨١) فقال:
(٧٠٥٦) - حدّثنا زهير، حدّثنا عبد الرحمن (١)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة "أنها قالت للنبيّ ﷺ : ما لك لم تحلّ من عمرتك؟ قال: إني لَبّدتُّ رأسي، وقَلَّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي (٢) قَلَّدْتُ هَدْيِ، وَلبّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13686
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ: "فَلَاَ أَحِلُّ حَتَّى أنحَرَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(٣٠٣٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن حفصة زوج النبيّ ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله ما شأن الناس حَلّوا، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ قال: إني لبّدتّ رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَتْني حَفْصَةُ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَحِلَّ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسيِ، وَقَلَّدْتُ هَدْي، فَلَا أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن عمر العَدَنيّ، تقدّم قبل باب.
стр. 13687
٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) هو: هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص المخزوميّ المكيّ، مقبول [٨].
رَوَى عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عكرمة بن الحارث بن هشام، وإسماعيل بن رافع، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، وأحمد بن محمد بن الوليد، وقال العقيليّ: هشام بن سليمان في حديثه عن غير ابن جريج وَهَمٌ.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٢٢٩)، و (١٣٤١)، و (١٥١٩)، و (١٥٥٩)، و (٢٠٠٣).
٣ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ) بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الأزديّ، مولى المهلَّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوقٌ يُخطئ، وكان مرجئًا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩].
رَوَى عن أبيه، وأيمن بن نابل، وابن جريج، ومعمر، وسالم الجزريّ، وغيرهم. وروى عنه الشافعيّ، وأحمد، والحميديّ، وابن أبي عمر، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، وكان فيه غلوّ في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُّكّاك، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن ابن معين: ثقةٌ ليس به بأس، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، وكان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يطعن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله وهيبته، وكان صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظمونه، وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، كان الحميديّ يتكلم فيه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، حدّثنا عنه أحمد، ويحيى بن معين، قال يحيى: كان عالماً بابن جريج، وقال أبو داود: وكان مرجئاً داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يحدثون عنه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال في موضع آخر: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه، وقال الدارقطنيّ: لا يُحتج به، يُعتبر به،
стр. 13688
وأبوه أيضًا ليّن، والابن أثبت، والأب يُتْرَك، وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء، وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز، وذكر وفاته سنة ست ومائتين، فقال عبد الرزاق: الحمد لله الذي أراح أمة محمد ﷺ من عبد المجيد، وقال الدارقطنيّ في "العلل": كان أثبت الناس في ابن جريج، وقال المرُّوذيّ عن أحمد: كان مرجئًا، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان منافرًا لابن عيينة، قال المرُّوذيّ؛ وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية ولا مخاصماً، وقال العقيليّ: ضعّفه محمد بن يحيى، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا، وقال الساجيّ: روى عن مالك حديثًا منكرًا، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: "الأعمال بالنيات"، وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها، وقال ابن عبد البرّ: روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث الأعمال، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه، وقال الخليليّ: ثقةٌ، لكنه أخطأ في أحاديث، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستَحَقَّ الترك، وقال الدارقطنيّ في "الأفراد": ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعية تلطخ بالذنوب، والعصمة من الله، واعلموا أن كلًّا بقدر الله. قال الدارقطنيّ: تفرد به عبد المجيد، قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج)، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقةٌ فقيه إلا أنه يدلّس، [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13689
(٢٤) - (بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، وَجَوَازِ اقْتِصَارِ الْقَارِنِ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ، وَسَعْيِ وَاحِدٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٩٠] (١٢٣٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا، وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتَ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ، فَأَهَلَّ بعُمْرةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا في أول الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٦) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ خَرَجَ) ظاهر هذا السياق يُشعر بان الحديث عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة، وكذا الرواية التالية بلفظ: "أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله … " الحديث، فظاهرها أيضًا أن نافعًا أخذه عن ابن عمر ﵄ بغير واسطة.
لكن رواية جويرية عند البخاريّ تقتضي أن نافعًا حَمَل ذلك عن عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية، عن نافع، أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلّما عبد الله بن عمر … فذكر القصّة، والحديث.
قال الحافظ ﵀: هكذا قال البخاريّ عن عبد الله بن محمد بن أسماء،
стр. 13690
ووافقه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله، أخرجه الإسماعيليّ عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنّى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، أخرجه البيهقيّ، لكن في رواية موسى بن إسماعيل، عن جُويرية، عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر، قال له … فذكر الحديث، وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة، وقد عقّب البخاريّ رواية عبد الله برواية موسى لينبّه على الاختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في "المغازي" بتمامه.
وقد رواه يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، كذلك، ولفظه: "أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله"، فذكر الحديث، أخرجه مسلم، وقد أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن مسدّد، عن يحيى، مختصرًا، قال فيه: عن نافع، عن ابن عمر، أنه أهلّ، فذكر بعض الحديث، وفي قوله: عن نافع، عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع، وابن عمر فيه، كما هو ظاهر سياق مسلم.
وأخرجه البخاريّ من طريق عمر بن محمد، عن نافع، مثل سياق يحيى، عن عبيد الله سواء. وأخرجه من طريق فُليح من طريق أيوب، والليث، كلهم عن نافع.
قال: وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية، ووافق على طريق تخريج الليث، وأيوب، عن عبيد الله بن عمر، وكذا أخرجه النسائيّ من طريق أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميّة كلهم عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة.
قال الحافظ ﵀: والذي يترجّح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلّما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخّير ذلك العام، وأما بقيّة القصّة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر، فقد عُرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبد الله بن عمر، سالم، وعبد الله، وهما ثقتان، لا مطعن فيهما، ولم أر من نبّه على ذلك من شُرّاح البخاريّ.
ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة عبد الله بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد، عن نافع، قال البيهقيّ: عبد الله -يعني مكبرًا- أصحّ.