وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ (١)، فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَطُفْ بالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ"، فَطُفْتُ بِالْبَيتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِى النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا،
стр. 13617
فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِن اللهَ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﵊ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله، و"قيسٌ" هو ابن مسلم.
وقوله: (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، من حلّ الثلاثيّ، وتقدم في الرواية الأولى بلفظ: "أَحِلّ" من الإحلال رباعيًّا، وكلاهما لغتان بمعنى واحد، أي: اخرُج من إحرامك، وتحلّل منه بعمل العمرة.
وقوله: (فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، وَيحْتَمِل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من باب قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، قاله الفيّوميّ، والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى ﵁، وأصلحته.
وقوله: (فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج، قال الليث: موسم الحجّ، سُمِّي موسمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه، وقال ابن السكّيت: كل مَجمَع من الناس كثيرٍ هو مَوْسِمٌ، ومنه مَوْسِم منى، أفاده في "اللسان".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الرواية الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي إِلى الْيَمَنِ، قَالَ:
стр. 13618
فَوَافَقْتُهُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا مُوسَى، كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلْ سُقْتَ هَدْيًا؟ " فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَانْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنِ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذلي المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ) فاعل "ساق" ضمير أبي الْعُميس.
[تنبيه]: رواية أبي العميس، عن قيس بن مسلم هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٨) فقال:
(٨٤٦٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون، أنبأ أبو عميس، قال: سمعت قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حَجّ فيه، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟ " قال: قلت: إهلالٌ كإهلال النبيّ ﷺ ، فقال: "هل سُقْتَ هديًا؟ " قلت: لا، قال: فانطلق، فطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم أَحِلَّ، فانطلقت، فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم عَمَدت إلى نسوة من آل قيس؛ يعني عماته، فمَشَطْن رأسي بالغسل، فلما كان بعد ذلك في إمارة
стр. 13619
عمر ﵁ قَدِمتُ حاجًّا، فبينا أنا أُحَدِّث الناس عند البيت بما أمرني رسول الله ﷺ إذ قدم رجل، فقال: دونك أيها الرجل بحديثك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فقلت: يا أيها الناس مَن سَمِعَ شيئًا، فلا يأخذ به، حتى يَقْدَم أمير المؤمنين، فبه ائتمُّوا، فلما قَدِمَ عمر ﵁، قلت له: يا أمير المؤمنين أَحَدَثَ في النسك شيء؟ فغَضِبَ عمر أمير المؤمنين من ذلك، ثم قال: أَجَلْ، لئن نأخذ بكتاب الله فقد أمر الله بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ بيننا، فإنه لم يَحِلّ حتى بلغ الهدي محله. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦١] (١٢٢٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَهُ بَعْدُ، فَسَأَلهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ، وُلد في حياة رسول الله ﷺ ، فسمّاه، وحَنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وعنه الشعبيّ، وعُمَارة بن عمير.
стр. 13620
قال ابن حبان في "الصحابة": لم يسمع من النبيّ ﷺ ، روى عنه الحكم بن عُتيبة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وذكره جماعة في الصحابة على عادتهم فيمن له إدراك.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ) أي بجواز التمتّع، والمراد فسخ الحجّ بعمل العمرة.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف الرجل، كما قال صاحب "التنبيه" (١).
وقوله: (رُويدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ) أي تمهّل عن بعض الأحكام التي تفتي الناس بها.
وقوله: (فِي النُّسُكِ) أي في شأن النسك.
وقوله: (بَعْدُ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد ما كنت تعرفه من جواز التمتّع.
(فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ) أي التمتّع، بمعنى القران، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه أمر بفعله، أو التمتّع الذي هو فسخ الحج بعمل العمرة، وقال السنديّ: أي فلا نهي عنه لذاته، بل لأن الناس لا يؤدّون حقّ الحجّ لأجله. انتهى.
وقوله: (كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا) -بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام- قال الفيّوميّ: وظلّ يَفْعَل كذا، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى.
وقوله: (مُعْرِسِينَ بِهِنَّ) اسم فاعل من الإعراس، لا من التعريس، قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس عَمِلَ عُرْسًا، وأما عرّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عرّس: إذا نزل المسافر ليستريح نزلةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد: وقالوا: عرّس القوم في
стр. 13621
المنزل تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، فالإعراس: دخول الرجل بامرأته، والتعريس: نزول المسافر ليستريح. انتهى (١).
وضمير "بهنّ" للنساء بقرينة المقام، وإن لم يذكرن.
وقال القرطبيّ ﵀: ولا يصحّ أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو النزول من آخر الليل، كما تقدّم، ويناقضه قوله: "يظلون"، و"يروحون"، فإنهما إنما يقالان على عمل النهار. انتهى.
وأراد عمر ﵁ وطأ النساء بعد التحلل من عمل العمرة.
وقوله: (فِي الْأَرَاكِ) متعلّق بقوله: "مُعْرِسِين"، وهو بفتح الهمزة: شجر معروف، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به موضعًا معيّنًا قُرب نَمِرَة، فقد ذكر ذلك في "القاموس"، فقال: الأَراكُ كسحاب: القِطعةُ من الأرض، وموضع بعرفة قربَ نَمِرَة، وجبلٌ لِهُذيل، والْحَمْضُ، كالإراك بالكسر، وشجر من الْحَمْضِ يُستاك به، جمعه أُرُكٌ بضمّتين، وأرائك. انتهى (٢).
وقوله: (ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ) أي يذهبوا ملبين بالحجّ إلى منى، وعرفات.
وقوله: (تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والمعنى أن عمر ﵁ كره التمتّع؛ لأنه يفضي إلى التحلّل الذي يفضي إلى مواقعة النساء المسبّب عنه الاغتسال الذي تقطر منه رؤوس المغتسلين.
والحاصل أنه أراد بذلك أن الأفضل للحاجّ أن يتفرّق شعره، ويتغيّر حاله، والتمتع في حقّ غالب الناس صار مؤديًا إلى خلافه، فنهاهم لذلك.
وقال النوويّ ﵀: معناه كَرِهْتُ التمتع؛ لأنه يقتضي التحلل ووطء النساء إلى حين الخروح إلى عرفات.
وقال الحافظ ﵀: وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كَرِهَ التمتعَ، وكان من رأي عمر ﵁ عدم الترفّه للحجّ بكلّ طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بَعُدَ عهده به، ومن يُفطم ينفطم.
стр. 13622
وقد أخرج مسلم من حديث جابر ﵁ أن عمر ﵁ قال: "افْصِلُوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمّ لحجكم، وأتمّ لعمرتكم"، وفي رواية: "إن الله يُحلّ لرسوله ما شاء، فأتموا الحجّ والعمرة كما أمركم الله". انتهى كلام الحافظ ﵀. ومال القرطبيّ ﵀ إلى أن ما كرهه عمر ﵁ هو فسخ الحجّ بعمل العمرة، ونصّه عند قوله: "كرهت أن يظلّوا بهنّ معرسين": يعني أنه كره أن يَحِلّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحجّ الذي كانوا أحرموا به، ولا يُظَنّ بمثل عمر ﵁ الذي جعل الله الحقّ على لسانه وقلبه أنه منع ما جوّزه رسول الله ﷺ بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ من لم يعرف عمر، ولا فهم استدلالة المذكور في الحديث.
وإنما تمسك بقول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ففهم أن من تلبّس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له أن ما أمر به النبيّ ﷺ أصحابه قضيّة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدّم، فقضى بخصوصيّة ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية، وهو يريد بها التحريم، وتجنّب لفظ التحريم؛ لأنه مما أدّاه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة، كمالك، والشافعيِّ، وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا، وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرّزٌ، وحَذرٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١٦]. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ تحقيق حسنٌ، ويؤيّده ما ثبت من أن عمر كان يضرب الناس على هذا، فلولا أنه كان يرى تحريمه لما ضرب الناس عليه.
والحاصل أن تأويل ما ثبت عن عمر ﵁ بما ذكر حسنٌ، ولكنه اجتهاد، خالفه فيه جُلّ الصحابة، حيث خالف النصّ الصحيح الصريح، فلا يعوّل عليه، وإن اعتُذر عنه بما ذُكر ففسخ الحج بعمل العمرة مشروع مستمرّ، ينبغي العمل به، كما ذهب إليّه المحققون.
والحديث أخرجه (المصنف) هنا [٢٠/ ٢٩٦١] (١٢٢٢)، وهو من أفراده، و (النسائي) في "المجتبى" (٥/ ١٥٣)، و (ابن ماجه) في "سننه" (٢٩٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٩ و ٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13623
(٢١) - (بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٢] (١٢٢٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا كنَّا خَائِفِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
٣ - (عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أحد الخلفاء الراشدين، أبو الحسن، استُشهد ﵁ في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً على الأرجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه، ثم فصّل؛ لاختلافهما في ذلك.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الله بن شقيق، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى عليّ ﵁، فمدنيّ، ثم كوفيّ.
стр. 13624
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ النبيّ ﷺ ، وزوج ابنته، وأول من أسلم من الصبيان، أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، ومات يوم مات وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيّ أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ (كَانَ عُثْمَانُ) ابن عفّان بن أبي العاص بن أميّة الأمويّ أحد الخلفاء الراشدين ﵃، استُشهد سنة (٣٥) وعمره (٨٠) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٠/ ١٤٣. (يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا) وفي رواية سعيد بن المسيّب التالية: أن اختلافهما كان بعُسفان، ولفظه: "قال: اجتمع عليّ وعثمان ببعُسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟، فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليّ ذلك أهلّ بهما جميعًا".
قال النوويّ ﵀: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان ﵁ هي التمتع المعروف في الحجّ، وكان عمر وعثمان ﵄ ينهيان عنها نهي تنزيه، لا تحريم، وإنما نَهَيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنه أفضل، وينهيان عن التمتع نهيَ تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: اختَلَف المتأولون في هذه المتعة التي اختَلَف فيها عثمان وعليّ ﵄ هل هي فسخ الحج في العمرة، أو هي التي يُجْمَع فيها بين حجّ وعمرة في عام واحد، وسفر واحد؟ فمن قال بالأول صَرَفَ خلافهما إلى أن عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبيّ ﷺ في حجة الوداع، وكان عليّ لا يرى خصوصيتهم بذلك.
ويُسْتَدَلُّ على هذا بقول عثمان ﵁: "أجل؛ ولكنا كنا خائفين" أي من
стр. 13625
فسخ الحج في العمرة، فإنه على خلاف الإتمام الذي أمر الله تعالى به، وفيه بُعدٌ، والأظهر القول الثاني، وعليه فخلافهما إنما كان في الأفضل، فعثمان ﵁ كان يعتقد أن إفراد الحج أفضل، وعلي ﵁ كان يعتقد أن التمتع أفضل؛ إذ الأمة مجمعة على أن كل واحد منهما جائز، وعليه فقوله: "ولكنَّا كنَّا خائفين" أي من أن يكون أجر مَن أفرد أعظم من أجر من تمتع منهم، فالخوف من التمتع، ولما ظنَّ عليّ أن ذلك يُتَلَقَّى من عثمان، ويُقْتَدَى به، فيؤدي ذلك إلى ترك التمتع والقِران أَهَلَّ بالقران؛ ليبيّن أن كل واحد منهما مُسَوَّغٌ، أو لأنهما عنده أفضل من الإفراد، من حيث إن كل واحدة منهما في عملين، والمفرد في عمل واحد، والله تعالى أعلم. انتهى.
وهذا الذي ظهر لعثمان ﵁ هو الذي كان ظهر لعمر ﵁ من قبله، كما قال عمران بن حصين ﵄، فإنه ظهر من استدلال عمر -بأن رسول الله ﷺ جَمَع بين حج وعُمْرة- أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد، وهذا منه محمول على أنَّه كان يعتقد أن الإفراد أفضل من التمتع والقِرَان، وكان عمران يعتقد أن الإفراد أفضل، ولذلك قال: "قال رجل برأيه ما شاء" يعني به عمر، بعد أن روى أن النبيّ ﷺ قرن، وليست هذه المتعة التي منعها عمر هنا هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير، بل تلك فَسخ الحج في العمرة، كما تقدَّم.
وعلى الجملة: فأحاديث هذا الباب كثيرة الاختلاف والاضطراب، وما ذكرناه أشبهُ بالصواب. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وفي رواية النسائيّ: "أن عثمان نهى عن المتعة، وأن يجمع الرجل بين الحجّ والعمرة"، قال في "الفتح": قوله: "وأن يجمع بينهما" يَحْتَمِل أن تكون الواو عاطفة، فيكون نهى عن التمتّع والقران معًا، ويَحْتَمِل أن يكون عطفًا تفسيريًّا، وهو على ما تقدّم أن السلف كانوا يطلقون على القران تمتّعًا، ووجهه أن القارن يتمتّع بترك النَّصَبِ بالسفر مرّتين، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا، أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرةَ على الحجّ.
стр. 13626
وقد رواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب بلفظ: "نهى عثمان عن التمتّع"، وزاد فيه: "فلبّى عليّ، وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال له عليّ: ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتّع؟، قال: بلى"، وله من وجه آخر: "سمعت رسول الله ﷺ يلبّي بهما جميعًا"، زاد مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن عثمان، قال: "أجل، ولكنا كنّا خائفين".
(فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ) ﵄ (كَلِمَةً) وفي رواية أحمد: "فقال عثمان لعليّ: إنك كذا وكذا"، وفي رواية النسائيّ، والإسماعيليّ: "فقال عثمان: تراني أنهى الناس، وأنت تفعله؟، فقل: ما كنت أدع".
وقال القرطبيّ ﵀ قوله: "قال كلمةً": يعني كلمة أغلظ له فيها، ولعلّها التي قال في الرواية الأخرى: "دعنا منك"، فإن فيها غِلَظًا وجفاءً بالنسبة إلى أمثالها، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ) ﵁ (لَقَدْ عَلِمْتَ) بتاء الخطاب، وهو لعثمان ﵁ (أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) عثمان ﵁ (أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى (وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ) زاد أحمد من طريق روح، عن شعبة: قال شعبة: فقلت لقتادة: ما كان خوفهم؟ قال: لا أدري. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: لعله أشار إلى عمرة القضيّة سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتّع، إنما كان عمرة وحدها.
قال الحافظ ﵀: هي رواية شاذّة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم، وسعيد بن المسيّب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتّع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود -كما ثبت عنه في "الصحيحين"-: "كنّا آمن ما يكون الناس".
وقال القرطبيّ: قوله: "كنا خائفين" أي من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتّع. كذا قال، وهو جمع حسن، ولكن لا يخفى بُعده.
стр. 13627
ويَحْتَمِل أن يكون عثمان أشار إلى أن الأصل في اختياره ﷺ فسخ الحجّ إلى العمرة في حجة الوداع دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحجّ، وكان ابتداء ذلك بالحديبية؛ لأن إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحجّ، وهناك يصحّ إطلاق كونهم خائفين؛ أي من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدّوهم عن الوصول إلى البيت، فتحلّلوا من عمرتهم، وكانت أول عمرة وقعت في أشهر الحجّ، ثم جاءت عمرة القضيّة في ذي القعدة أيضًا، ثم أراد ﷺ تأكيد ذلك بالمبالغة فيه، حتى أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن التمتّع الذي كان ينهى عنه عثمان ﵁ هو التمتّع المعروف، وهو أن يأتي بالعمرة من الميقات في أشهر الحجّ، ثم يحج، فقد صرّح بذلك في رواية أحمد في "مسنده"، ولفظه: حدثنا يحيى (٢)، عن ابن حرملة (٣)، قال: سمعت سعيدًا؛ يعني ابن المسيِّب، قال: خرج عثمان ﵁ حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق، قيل لعليّ ﵁: إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عليّ ﵁ لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهلّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلمه عثمان ﵁ في ذلك، فقال له عليّ ﵁: ألم أُخْبَر أنك نَهَيت عن التمتع بالعمرة، قال: فقال: بلى، قال: فلم تسمع من رسول الله ﷺ تمتع؟ قال: بلى (٤).
وفي رواية له عن سعيد بن المسيِّب قال: حج عثمان حتى إذا كان في بعض الطريق أُخْبِر عليّ أن عثمان نهى أصحابه عن التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال عليّ لأصحابه: إذا راح فروحوا، فأهلّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلمهم عثمان، فقال عليّ ﵁: ألم أُخْبَر أنك نهيت عن التمتع؟ ألم يتمتع رسول الله ﷺ ؟ قال: فما أدري ما أجابه عثمان ﵁ (٥).
стр. 13628
فبيّن بهذا أن التمتّع الذي كان ينهى عنه عثمان ﵁، هو التمتّع المشهور، ويكون نهيه من باب الأفضليّة، حيث يرى أن الإفراد أفضل من التمتّع، ويكون معنى قوله: "ولكنا كنا خائفين"، إن صحّت الزيادة ما تقدّم عن القرطبيّ، وهو خوفهم أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتّع.
وبالجملة فما رآه عمر وعثمان ﵄ هو اجتهاد منهما، وإنما الفضل والثواب الكثير فيما سنّه النبيّ ﷺ ، واختاره، كما أشار إليه عليّ ﵁، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢/ ٢٩٦٢ و ٢٩٦٣ و ٢٩٦٤] (١٢٢٣)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٦٣ و ١٥٦٩)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٧٢٢ و ٢٧٢٣ و ٢٧٣٣) وفي "الكبرى" (٣٧٠٢ و ٣٧٠٣ و ٣٧١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦١ و ٥٧ و ٩٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٩٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية التمتّع.
٢ - (ومنها): إشاعة العالم ما عنده من العلم، وإظهاره للناس، ومناظرة ولاة الأمور، وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك؛ لقصد مناصحة المسلمين.
٣ - (ومنها): البيان بالفعل مع القول؛ ليكون أبلغ، فقد أهلّ عليّ ﵁ متمتّعًا.
٤ - (ومنها): جواز الاستنباط من النصّ؛ لأن عثمان ﵁ لم يخف عليه أن التمتّع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما؛ ليُعمل بالأفضل في ظنّه، وهو الإفراد، كما وقع لعمر ﵁، لكن خشي عليّ ﵁ أن يَحْمِل غيرُهُ النهيَ على التحريم، فأشاع جواز ذلك، وكلّ منهما مجتهد مأجور.
стр. 13629
٥ - (ومنها): ما ذكره ابن الحاجب، من كون حديث عثمان ﵁ هذا دليلًا لمسألة اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي "الصحيح" أن عثمان كان نهى عن المتعة، قال البغويّ: ثم صار إجماعًا.
قال الحافظ: وتُعُقّب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، فلم يستقرّ الإجماع عليه؛ لأن الحنفيّة يخالفون فيه، وإن كان المراد به فسخ الحجّ إلى العمرة، فكذلك الحنابلة يخالفون فيه، ثم وراء ذلك أن رواية النسائيّ السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي، فلا يصحّ التمسّك به.
ولفظ البغويّ بعد أن ساق حديث عثمان في "شرح السنّة": هذا خلاف عليّ، وأكثر الصحابة على الجواز، واتفقت عليه الأئمة بعدُ، فحمله على أن عثمان نهى عن التمتّع المعهود، والظاهر أن عثمان ما كان يبطله، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك، فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإن الخلاف في أيّ الأمور الثلاثة أفضل باق، والله أعلم.
٦ - (ومنها): أن المجتهد لا يُلزِمُ مجتهدًا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على عليّ ﵄ ذلك، مع كون عثمان الإمامَ؛ إذ ذاك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
стр. 13630
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ بِعُسْفَانَ، فَكَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ، أَوْ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَستَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ٩٤) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ بِعُسْفَانَ) -بضمّ العين، وسكون السين المهملتين-: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر ويؤنّث، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (عَن الْمُتْعَةِ، أَوْ الْعُمْرَةِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، وجعل بعضهم التردّد من ابن المسيِّب، قال: تردّد في التعبير عن منهيّ عثمان، فإن المراد بالمتعة كما في شروح البخاريّ: العمرة في أشهر الحجّ، سواء كانت في ضمن الحجّ، أو متقدّمة عنه منفردة، وسبب تسميتها متعةً ما فيه من التخفيف الذي هو تمتّع.
стр. 13631
وقوله: (مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ إلخ) أي ما مرادك بالميل إلى نهي أمر فعله رسول الله ﷺ ؟، ولفظ البخاريّ: "ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله النبيّ ﷺ "، وفي رواية الكشميهنيّ: "إلا أن تنهى" بحرف الاستثناء.
وقوله: (فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "أمرٍ".
وقوله: (تَنْهَى عَنْهُ؟) جملة في محلّ نصب على الحال.
وقوله: (دَعْنَا مِنْكَ) أي خَلِّنا وشأننا.
وقوله: (إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ) أي لا أقدر أن أُخلّيك وشأنك كي لا يشيع بين المسلمين نهيٌ من أميرهم عن أمر فعله نبيّهم ﷺ .
وقوله: (فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ) أي النهي الواقع من عثمان ﵁ عن المتعة.
وقوله: (أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أي أحرم بالحجّ والعمرة، وزاد في رواية البخاريّ: "لبيك بعمرة وحجة"، وهذا كلّه من قوله: "اجتمع عليّ وعثمان ﵄ بعسفان" إلى هنا كلام ابن المسيّب ﵀.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٥] (١٢٢٤) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فقيهٌ، يرسل ويدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
стр. 13632
٣ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) ابن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، يرسل [٥] (ت ٩٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
٤ - (أَبُوهُ) يزيد بن شريك بن طارق التيميّ الكوفيّ، يقال: أدرك الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٢٢٤.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب فممن اتّفق الجماعة الرواية عنه بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه سعيد، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وأبي ذرّ ﵁، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁ أنه (قَالَ: كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً) وفي الرواية التالية: "كانت لنا رخصة -يعني المتعة في الحج-﵁، وفي الرواية الأخرى: "قال أبو ذرّ: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصةً؛ يعني متعة النساء، ومتعة الحج"، وفي الرواية الأخرى: "إنما كانت لنا خاصة دونكم".
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذرّ ﵁ إبطال التمتع مطلقًا، بل مراده فسخ الحج كما ذكرنا، وحكمته إبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج،
стр. 13633
وقد سبق بيان هذا كله في الباب السابق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قالوا، ولكن الظاهر أن أبا ذرّ لا يقول بمشروعية المتعة مطلقًا، سواء كان التمتع المعروف الذي هو القدوم بالعمرة من الميقات، ثم التحلل، ثم الحج في عامة، أم التمتع الذي هو فسخ الحج إلى العمرة، وقد سبق أن عمر، وعثمان، ومعاوية ﵃ كانوا ينهون عن التمتع مطلقًا، فالظاهر أن مذهب أبي ذرّ ﵁ من نوع مذهب هؤلاء، وليس هناك دليل على أنه يريد الفسخ فقط، والحديث، وإن كان صحيحًا، لكنه موقوف، فلا يعارض المرفوع الثابت عن رسول الله ﷺ من عِدّة طرق، فقد تقدم أن فسخ الحج مرويّ عن بضعة عشر صحابيًّا، وقد ثبت أن عمر، وعثمان ﵄ كانا ينهيان عن التمتّع، ولكن ذلك لم يعارض به ما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فكذلك ما قاله أبو ذرّ ﵁ هنا من دعوى الخصوصية بالصحابة لا يعارض المرفوع، بل هذا رأي رآه هو، كما رأى غيره، فيقدّم ما ثبت عن النبيّ ﷺ من أن فسخ الحجّ عامّ لجميع الأمة إلى يوم القيامة، كما تقدّم تحقيق ذلك قريبًا.
ثم وجدت الإمام ابن القيّم ﵀ قد أجاد في ردّ دعوى الخصوصيّة، حيث قال بعد أن أورد أدلة من ادّعى الخصوصيّة للصحابة:
قال المجوّزون للفسخ، والموجبون له: لا حجة لكم في شيء من ذلك، فإن هذه الآثار بين باطل، لا يصح عمن نُسِب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم، لا تعارض به نصوص المعصوم، قال: وقد روى أبو ذرّ ﵁ عن النبيّ ﷺ الأمر بفسخ الحج والعمرة، وغاية ما نُقِل عنه إن صحّ أن ذلك مختص بالصحابة فهو رأيه، وقد قال ابن عباس، وأبو موسى الأشعريّ: إن ذلك عام للأمة، فرأيُ أبي ذرّ معارض برأيهما، وسَلِمت النصوص الصحيحة الصريحة، ثم من المعلوم أن دعوى الاختصاص باطلة بنص النبيّ ﷺ أن تلك العمرة التي وقع السؤال عنها، وكانت عمرة فسخ لأبد الأبد، لا تختص بقرن دون قرن، وهذا أصح من المرويّ عن أبي ذرّ ﵁، وأولى أن يؤخذ به منه لو صحّ عنه.
стр. 13634
وأيضًا فإذا رأينا أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا في أمر قد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه فعله، وأمر به، فقال بعضهم: إنه منسوخ، أو خاصّ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعَى نسخه، أو اختصاصه مخالف للأصل، فلا يقبل إلا ببرهان، وإن أقل ما في الباب معارضته بقول من ادَّعَى بقاءه وعمومه، والحجة تَفْصِل بين المتنازعين، والواجب الردّ عند التنازع إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإذا قال أبو ذرّ وعثمان: إن الفسخ منسوخ، أو خاصّ، وقال أبو موسى، وعبد الله بن عباس: إنه باق، وحكمه عامّ فعلى من ادَّعَى النسخ والاختصاص الدليل.
ثم قال ابن القيّم ﵀ ما ملخّصه: إن المرويّ عن أبي ذرّ وعثمان يَحْتَمِل ثلاثة أمور:
أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهو الذي فهمه من حَرَّم الفسخ.
الثاني: اختصاص وجوبه بالصحابة، وهو الذي كان يراه شيخنا -يعني ابن تيميّة ﵀ يقول: إنهم كانوا قد فُرِضَ عليهم الفسخ؛ لأمر رسول الله ﷺ لهم به، وحتمه عليهم، وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله، وأما الجواز والاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة، لكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وجعل الوجوب للأمة إلى يوم القيامة، وأن فرضًا على كل مفرد وقارن لم يسق الهدي أن يُحلّ ولا بد، بل قد حَلّ وإن لم يشأ، قال ابن القيّم: وأنا إلى قوله -يعني ابن عباس ﵄ أميل مني إلى قول شيخنا.
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا كنت أميل إلى ما مال إليه ابن القيّم ﵀، ثم ملتُ إلى مال إليه شيخه؛ لأني رأيته أعدل الأقوال في المسألة، كما قدّمت تحقيقه، وهو مذهب الإمام أحمد، وطائفة من المحقّقين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: الاحتمال الثالث أنه ليس لأحد من بعد الصحابة أن يبتدئ حجًّا قارنًا أو مفردًا بلا هدي، بل هذا يحتاج معه إلى الفسخ، لكن فرض عليه أن يفعل ما أمر به النبيّ ﷺ أصحابه في آخر الأمر من التمتع لمن لم يسق الهدي، والقران لمن ساق، كما صحّ عنه ذلك، وأما أن يحرم بحج مفرد ثم يفسخه
стр. 13635
عند الطواف إلى عمرة مفردة، ويجعله متعةً، فليس له ذلك، بل هذا إنما كان للصحابة، فإنهم ابتدؤوا الإحرام بالحج المفرد قبل أمر النبيّ ﷺ بالتمتع والفسخ إليه، فلما استقرّ أمره بالتمتع والفسخ إليه، لم يكن لأحد أن يخالفه، ويفرد، ثم يفسخه.
قال: وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين رأيتهما إما راجحين على الاحتمال الأوّل، أو مساويين له، وتسقط معارضة الأحاديث الثابتة الصريحة به جملةً، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ باختصار (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أثر أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٩٦٥ و ٢٩٦٦ و ٢٩٦٧ و ٢٩٦٩] (١٢٢٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٧٩ و ١٨٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَيَّاشٍ الْعَامِرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لنَا رُخْصَةً، يَعْنِي الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 13636
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (عَيَّاشٌ الْعَامِرِيُّ) هو: عيّاش بن عمرو العامريّ التميميّ (١) الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وإبراهيم التيميّ، ومسلم بن يزيد، وسعيد بن جبير، وزاذان، وأبي الشعثاء المحاربيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الله، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، والعوّام بن حَوْشَب، وشريك النخعيّ.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال محمد بن حميد، عن جرير: رأيت عيّاشًا عليه عمامة بيضاء.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً، يَعْني الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ) قال الأثرم في "سننه": وذكر لنا أحمد بن حنبل أن عبد الرحمن بن مهديّ حدّثه، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبي ذرّ في متعة الحج: كانت لنا خاصّة، فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ذرّ في كتاب الله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
والأثر من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لنَا خَاصَّةً، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةَ الْحَجِّ).
стр. 13637
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (فُضَيْلُ) بن غَزْوان بن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٤ - (زُبَيْدُ) بن الحارث بن عبد الكريم الياميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً إلخ) قال النوويّ ﵀: معناه إنما صلحتا لنا خاصّة في الوقت الذي فَعَلْناهما فيه، ثم صارتا حرامًا بعد ذلك إلى يوم القيامة. انتهى (١).
وقوله: (يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةَ الْحَجِّ) أما متعة النساء فمعناها النكاح المؤقّت، وقيل: هو أن يُشارك الرجل المرأة شرطًا على شيء إلى أجل معلوم، ويُعطيها ذلك، فيستحلّ بذلك فرجها، ثم يُخلي سبيلها من غير تزويج، ولا طلاق، وهو كان حلالًا، ثم نُسخ إلى يوم القيامة عند جمهور العلماء، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من كتاب النكاح -إن شاء الله تعالى-.
وأما ما قاله في متعة الحجّ، فقد تقدّم أن هذا رأي أبي ذرّ ﵁، كما هو رأي عمر وعثمان ﵄، وقد خالفهما غيرهما من الصحابة ﵃، فجوّزوا ذلك، وهو الحقّ؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٢٩٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَهُمُّ أَنْ
стр. 13638
أَجْمَعَ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ الْعَامَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَكِنْ أبُوكَ لَمْ يَكُنْ لِيَهُمَّ بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بَيَانُ) بن بِشر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٧/ ١٨٩١.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سُليم بن الأسود، أخو الأشعث المحاربيّ الكوفيّ، مقبول [٦].
روى عن إبراهيم التيميّ، وإبراهيم النخعيّ، وعنه بيان بن بِشْر، تفرّد به المصنّف، والنسائيّ بهذا الحديث فقط، وهو متابعة، فتنبّه.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ) ابن يزيد بن قيس، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِنِّي أَهُمُّ أَنْ أَجْمَعَ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ الْعَامَ) الظاهر أنه أراد التمتع الذي هو فسخ الحج بعمل العمرة، ثم الحج بعده، لا أنه أراد القران، وَيحْتَمَل أنه أراد التمتع المعروف، فيكون ردّ إبراهيم عليه بناء على مذهب بعض الصحابة الذين تقدم أنهم ينهون عن التمتّع، كما سبق قريبًا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَكِنْ أَبُوكَ إلخ) يعني سليم بن الأسود الكوفيّ التابعيّ.
وقوله: (لَمْ يَكُنْ لِيَهُمَّ بِذَلِكَ) بفتح حرف المضارعة، مِن همّ بالشيء، مِن باب قتل: إذا أراده، ولم يفعله، قاله الفيّوميّ ﵀.
يعني أن أبا الشعثاء سُليم الأسود لا يريد ما أراده ولده عبد الرحمن من التمتع، ولعلّ إبراهيم النخعيّ عَرَف مذهب أبي الشعثاء في ذلك، وأنه كان لا يرى التمتع، كما هو مذهب أبي ذرّ ﵁، وهذا الذي قاله إبراهيم رأيه، كما هو رأي أبي ذرّ ﵁، وإلا فما هَمَّ به عبد الرحمن هو السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، كما تقدم بيان ذلك مستوفًى، فلا يردّ عليه بمثل هذا الرد.
стр. 13639
والأثر من أفراد المصنّف ﵀، وأخرجه أيضًا النسائيّ (٢٨١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٩] ( … ) - (قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي ذَرٍّ ﵁ بِالرَّبَذَةِ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً دُونَكُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون قبله.
وقوله: (بِالرَّبَذَةِ) بفتحات: اسم موضع، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّبَذَةُ: وزانُ قَصَبَة: خِرْقةُ الصائغ يجلو بها الْحُليّ، وبها سُمّيت الرَّبَذَةُ، وهي قرية كانت عامرةً في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذرّ الغفاريّ، وجماعة من الصحابة ﵃، وهي في وقتنا دارسةٌ، لا يُعرَف بها رَسْمٌ، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاجّ العراق نحو ثلاثة أيّام، هكذا أخبرني به جماعة من أهل المدينة في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ) يعني أن يزيد بن شريك والد إبراهيم التيميّ ذكر لأبي ذرّ ﵁ أنه يريد أن يجمع بين العمرة والحجّ، فردّ عليه بقوله: "إنما كانت لنا خاصّةً، دونكم"، وقد تقدّم أن هذا رأيه، وأن الصحيح جواز ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٠] (١٢٢٥) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ الْفَزَارِيِّ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَن الْمُتْعَةِ، فَقَالَ: فَعَلْنَاهَا، وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ، يَعْني بُيُوتَ مَكَّةَ).
стр. 13640
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوَيَةَ) بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (غُنَيْمُ بْنُ قَيْسٍ) المازنيّ الكعبيّ، أبو العنبر البصريّ، مخضرم ثقةٌ [٢]. أدرك النبيّ ﷺ يره، ووَفَد على عُمر، وغزا مع عقبة بن غزوان، روى عن أبيه، وله صحبة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وأبي العوّام، مؤذن بيت المقدس.
ورَوَى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وخالد الحذّاء، وثابت بن عُمارة الحنفيّ، وأبو السَّلِيل ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد الرقاشيّ.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال شعبة عن عاصم الأحول، عن غنيم بن قيس: إني أذكر أبياتًا قالها أبي على رسول الله ﷺ .
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو: سعد بن مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
و"سعيد بن منصور" ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
стр. 13641
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى ابن أبي عمر، وغنيم بن قيس، كما سبق آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، وآخر من مات منهم ﵃.
شرح الحديث:
(عَنْ غُنَيْمِ) بصيغة التصغير (ابْنِ قَيْسٍ) المازنيّ الكعبيّ التابعيّ المخضرم، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ (عَنْ الْمُتْعَةِ) أي عن التمتّع، هل هو جائز، أم لا؟، وفي الرواية الآتية: "عن المتعة في الحج"، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" عن سليمان التيميّ، قال: أخبرني غنيم بن قيس، قال: كنت إلى جنب سعد، ومعاوية يخطب، فقال سعد: "تمتعت مع رسول الله ﷺ ، ومعاوية يومئذ كافر بالعُرُش"، وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": عن غنيم بن قيس، عن سعد بن مالك قال: نَهَى معاوية عن المتعة، قال: فقال له سعد: "لقد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، ومعاوية كافر بالعُرُش". (فَقَالَ) سعد بن أبي وقّاص ﵁ (فَعَلْنَاهَا) أي المتعة، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: وهذا إنما أراد به سعد عمرة القضيّة، فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك، وأما في حجة الوداع فكان قد أسلم، فكذلك في عمرة الجعرانة، فسَمَّى سعد الاعتمار في أشهر الحج متعةً؛ لأن بعض الشاميين كانوا يَنْهَوْن عن الاعتمار في أشهر الحج، فصار الصحابة ﵃ يَرْوُون السنة في ذلك؛ رَدًّا على مَن نَهَى عن ذلك، فالقارن عندهم متمتِّعٌ، ولهذا وجب عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] (١).
(وَهَذَا) إشارة إلى معاوية، كما تبيّن في الرواية التالية حيث قال: "يعني معاوية"، وكما في روايتي أبي عوانة، وأبي نعيم المذكورتين آنفًا (يَوْمَئِذٍ) أي
стр. 13642
يومئذ فعلناها (كَافِرٌ بِالْعُرُشِ) بضمّتين، ثم فسّره بقوله: (يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ) وهذا التفسير من مروان بن معاوية، ففي آخر الحديث عند أبي نعيم ما لفظه: "وقال مروان: يعني بيوت مكة". انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: أما "العُرُش" فبضم العين والراء، وهي بيوت مكة، كما فسره في الرواية، قال أبو عبيد: سُمِّيت بيوت مكة عُرُشًا؛ لأنها عِيدانٌ تُنْصَب، وتُظَلَّل بها، قال: ويقال لها أيضًا: عُرُوش بزيادة الواو، وواحدها عَرْشٌ، كفَلْس وفُلُوس، ومن قال: عُرُش، فواحدها عَرِيشٌ، كقَلِيب وقُلُب.
وفي حديث آخر أن ابن عمر ﵁ كان إذا نظر إلى عُرُوش مكة قطع التلبية.
والعُرُش في غير هذا عِرْقٌ في أصل العُنُق، ومنه قول أبي جهل لابن مسعود يوم بدر: خذ سيفي، فاحتزّ به رأسي من عُرُشي (٢).
وأما قوله: "وهذا يومئذ كافر بالعُرُش": فالإشارة بـ"هذا" إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄، وفي المراد بالكفر هنا وجهان:
أحدهما: ما قاله المازريّ وغيره: المراد: وهو مقيم في بيوت مكة، والمعنى أني سبقته إلى الإسلام، قال ثعلب: يقال اكتَفَر الرجل: إذا لَزِم الكُفُور، وهي القُرَى، وفي حديث ثوبان ﵁ مرفوعًا: "لا تسكن الكُفُور، فإن ساكن الكُفُور كساكن القبور" (٣)؛ يعني القرى البعيدة عن الأمصار، وعن العلماء.
والوجه الثاني: المراد: الكفر بالله تعالى، والمراد: أنا تمتعنا، ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضي عياض وغيره، وهو الصحيح المختار، والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ كافرًا، وإنما أسلم بعد ذلك عام الفتح
стр. 13643
سنة ثمان، وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع، والصحيح الأوّل، وأما غير هذه العمرة من عُمَرِ النبيّ ﷺ ، فلم يكن معاوية فيها كافرًا، ولا مقيمًا بمكة، بل كان معه ﷺ .
قال القاضي عياض: وقاله بعضهم: كافر بالعَرْش -بفتح العين، وإسكان الراء- والمراد: عرش الرحمن، قال القاضي: هذا تصحيف.
وفي هذا الحديث جواز المتعة في الحج. انتهى (١).
وقال الأبيّ ﵀ بعد ذكر الاختلافات في المراد بالكفر هنا ما نصّه: قلت: وما ذُكر من أن الأظهر أنه يعني الكفر المعروف يقدح فيه أنه لا يجوز إطلاق كافر لكفر سبق، لا سيّما في صحابيّ.
فإن قلت: تسمية الشيء بما كان عليه أحد أنواع المجاز، فيكون إطلاق كافر هنا منه.
قلت: إطلاق كافر لكفر سبق مما استثنوه من هذا النوع، ولا يضرّ عدم اطّراد المجاز، بل هو خاصّته عكس الحقيقة، فإنها مطّردة. انتهى كلام الأبي (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: إنكار الأبيّ إطلاق لفظ بمافر لكفر سبق، فيه نظر، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٩٧٠ و ٢٩٧١ و ٢٩٧٢] (١٢٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٤)، و (أبو نعيم) في
стр. 13644
"مستخرجه" (٣/ ٣٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٧) و"المعرفة" (٣/ ٥٢٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ في رِوَايَتِهِ: يَعْنِي مُعَاوَيةَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد الثبت المتقن، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: يَعْنِي مُعَاوِيَةَ) يعني أن يحيى بن سعيد القطّان قال في روايته: "يعني معاوية" بدل قول مروان الفزاريّ في روايته: "يعني بيوت مكة"، ولا اختلاف بين روايتهما، فإن مروان فسّر قوله: "بالعُرُش"، ويحيى القطّان فسّر اسم الإشارة، أعني قوله: "وهذا"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن سليمان التيميّ هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١/ ١٨١) فقال:
(١٥٦٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، أنبأنا سليمان، يعنى التيميّ، حدّثني غُنَيم، قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة، قال: فعلناها، وهذا كافر بالعُرُش؛ يعني معاوية. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، وَفي حَدِيثِ سُفْيَانَ: الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ).
стр. 13645
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل أَذَنَة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
٥ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن سليمان التيميّ هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر.
وأما رواية رَوْح بن عبادة، عن سليمان، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ١٧) فقال:
(٨٦٣٧) - أخبرناه أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكِّي، أنبا عبد الله بن إسحاق بن الخرسانيّ، ثنا محمد بن الجهم، ثنا رَوْح بن عُبادة، ثنا شعبة، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت غُنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن مالك عن المتعة، فقال: قد فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٣] (١٢٢٦) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالْحَدِيثِ الْيَوْمَ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْم، وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ، وَلَمْ
стр. 13646
يَنْهَ عَنْهُ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِيَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢١] (ت ١١١) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
٥ - (مُطَرِّفُ) بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخوأبي العلاء الراوي عنه، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢١] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد، الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الجريريّ، عن أبي العلاء، عن مطرّف.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، أبو العلاء، عن مطرّف.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، أسلم عام خيبر، وقضى بالكوفة، وهو ابن صحابيّ ﵄.
стр. 13647
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّفٍ) -بصيغة اسم الفاعل المضعّف- ابن عبد الله، أنه (قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) ﵄ (إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بالْحَدِيثِ الْيَوْمَ) "أل" للعهد الحضوريّ، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ) وفي رواية شعبة، عن قتادة، عن مطرِّف التالية: "بَعَثَ إليّ عمران بن حُصَين في مرضه الذي تُوُفّي فيه، فقال: إني كنت محدِّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك … " (وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ) قال القاضي عياض ﵀: معنى هذا مُبيَّنٌ في الرواية الأخرى: "أنه ﷺ جمع بين حجة وعمرة، ثم لم يَنْهَ عنه"، وفي الرواية الأخرى: "تمتّعنا مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن ينسخه"، فهو محتمِلٌ لإجازة العمرة في أشهر الحجّ، أو لإجازة القران، والقائل برأيه يعني عمر ﵁ في نهيه عن ذلك، وأمره بالإفراد، وقوله: "جمع بين حجة وعمرة" يتأول إضافته إليه ﷺ من حيث إنه أمر به؛ إذ لم يفعله ﷺ ، أو على ما تأولناه من إضافتها إلى الحجّ للقران. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: معنى قوله: "أعمر طائفة من أهله": أي أباح لهم أن يُحرموا بالعمرة حين أحرموا من ذي الحليفة، فيعني بالعشر عشر ذي القعدة الأخيرة، فإنهم أحرموا لستّ بقين منه، ويَحْتَمِل أن يريد به عشر ذي الحجة؛ فإنهم حَلُّوا بفراغهم من عمل العمرة في الخامس منه، على ما تقدّم في حديث عائشة ﵂، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
وقال الأبيّ بعد ذكر كلام عياض والقرطبيّ: قلت: الأظهر أنه إنما يعني الفسخ؛ لأنه قاله في مقابلة نهي عمر، والذي اشتهر عن عمر إنما هو النهي عن الفسخ، وقد احتجّ على منعه بالآية، ويصدُقُ أنه جمع فيه بين حج وعمرة، ويصدُق أنهم تمتّعوا؛ لأن أمرهم فيه آل إلى المتعة.
وقال القاضي في مخالفة عثمان لعليّ ﵄: نهي عثمان كنهي عمر، فإن كان في الفسخ، فهو نهي لزوم، وإن كان في التمتّع والقران فهو نهي ندب،
стр. 13648
محمله الأمران. انتهى كلام الأبيّ ﵀ (١).
وقد تعقّب الحافظ ﵀ ما قاله عياض والأبيّ، فقال: في حديث عمران هذا ما يَعْكُر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نَهَى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة، لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها "متعة الحج"، وفي رواية له أيضًا: "أن رسول الله ﷺ أعمر بعض أهله في العشر"، وفي رواية له: "جمع بين حج وعمرة"، ومراده: التمتع المذكور، وهو الجمع بينهما في عام واحد. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأقرب أن مراد عمران ﵁ ما يشمل الفسخ، والتمتّع المعروف، فإن كلًّا منهما داخل في نهي عمر وعثمان ﵄، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ) أي مشروعيّة المتعة، وفي رواية حميد بن
هلال، عن مطرّف التالية: "إن رسول الله ﷺ جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه
عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يُحرّمه"، وفي رواية قتادة، عن مطرّف:
"واعلم أن نبيّ الله ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم يَنْهَ عنها نبيّ الله ﷺ "، وفي رواية أبي رجاء، قال: قال عمران بن حُصين: "نزلت آية المتعة في كتاب الله -يعني متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آيةَ متعة الحجّ، ولم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ حتى مات".
قال النوويّ ﵀ بعد ذكر هذه الروايات: وهذه الروايات كلُّها متفقةٌ على أن مراد عمران ﵁ أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائزٌ، وكذلك القران، وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطاب ﵁ منع التمتع، وقد سبق تأويل فعل عمر ﵁ بأنه لم يُرِدْ إبطال التمتع، بل ترجيح الإفراد عليه. انتهى (٣).
(وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ ﷺ (حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) أي إلى أن مات النبيّ ﷺ ، وفي رواية أبي رجاء الآتية: "ولم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ حتى مات" (ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ) افتعال من الرأي؛ أي: قال كلّ
стр. 13649
شخص برأيه (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي بعد موت النبيّ ﷺ (مَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِيَ) "ما" اسم موصول مفعول به لـ"ارتأى"، أي: قال برأيه الذي شاءه أن يقوله، وفي الرواية التالية: "ارتأى رجلٌ برأيه ما شاء؛ يعني عمر".
وقال في "الفتح": قوله: "قال رجل برأيه ما شاء"، وفي رواية أبي العلاء: "ارتأى كلُّ امرئ بعدُ ما شاء أن يرتئي"، قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنه مُطَرِّف الراوي عنه؛ لثبوت ذلك في رواية أبي رجاء، عن عمران، كما ذكرته قبلُ.
وحَكَي الحميديّ أنه وقع في البخاريّ في رواية أبي رجاء، عن عمران: قال البخاريّ: يقال: إنه عمر؛ أي الرجل الذي عناه عمران بن حصين، قال الحافظ: ولم أر هذا في شيء من الطرق التي اتصلت لنا من البخاريّ، لكن نقله الإسماعيليّ عن البخاريّ كذلك، فهو عمدة الحميديّ في ذلك.
وبهذا جزم القرطبيّ، والنوويّ، وغيرهما، وكأن البخاريّ أشار بذلك إلى رواية الْجُرَيريّ، عن مطرِّف، فقال في آخره: "ارتأى رجل برأيه ما شاء؛ يعني عمر"، كذا في الأصل، أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، عن وكيع، عن الثوريّ، عنه.
وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يريد عمرَ، أو عثمانَ.
وأغرب الكرمانيّ، فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أن المراد به عثمان، وكأنه لقرب عهده بقصة عثمان مع علي جزم بذلك، وذلك غير لازم، فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في "صحيح مسلم" قصة في ذلك، والأولى أن يُفَسَّر بعمر، فإنه أول مَن نَهَى عنها، وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك.
ففي "صحيح مسلم" أيضًا أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أن أول مَن نَهَى عنها عمر. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيس، خلاصته أن المعنيّ بقوله في حديث عمران ﵁: قال رجل برأيه، هو عمر بن الخطّاب ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13650
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٩٧٣ و ٢٩٧٤ و ٢٩٧٥ و ٢٩٧٦ و ٢٩٧٧ و ٢٩٧٨ و ٢٩٧٩ و ٢٩٨٠ و ٢٩٨١ و ٢٩٨٢] (١٢٢٦)، و (البخاريّ) في "الحجّ " (١٥٧١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٤٩ و ١٥٥) و"الكبرى" (٦/ ٣٠٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٧ و ٤٢٨ و ٤٢٩ و ٤٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٢٤٥) و"الكبير" (١٨/ ١٢٣ و ١٣٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٤٣)، و (الرويانيّ) في "مسنده" (١/ ١٢٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧/ ٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز التمتّع والقران؛ لأنه ﷺ فعله، وأمر أصحابه أن يفعلوه، وكذلك فسخ الحجّ إلى العمرة، وأن نهي من نهى عن ذلك، كما نُقل عن عمر وعثمان ﵄ رأي رأياه، والرأي يصيب ويُخطئ، فما صحّ عن رسول الله ﷺ أحقّ أن يُتّبع، فليس لأحد قول مع قول رسول الله ﷺ ، ولا فعل مع فعله، فإنه ﷺ هو الحجة على من سواه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٧]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٥٩]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢ - (ومنها): بيان جواز نسخ القرآن بالقرآن، ولا خلاف فيه.
٣ - (ومنها): بيان جواز نسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله: "ولم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ "، فإن مفهومه أنه لو نَهَى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم، ومقتضاه جواز النسخ.
стр. 13651
٤ - (ومنها): أنه قد يؤخذ منه أن الإجماع لا يُنسَخُ به؛ لكونه حَصَرَ وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): أن فيه بيان وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة ﵃، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنصّ.
٦ - (ومنها): أن في قضة التسليم على عمران ﵁ الآتية إثبات كرامات الأولياء، وأن الكيّ ليس بمحرّم، كما قدّمناه في "كتاب الإيمان"، ولكن تركه أولى، قاله القرطبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الْجُرَيْرِيِّ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، يَعْنِي عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"سفيان" هو: الثوريّ، و"الْجُريريّ" هو سعيد بن إياس.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الجريريّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٤) فقال:
(٢٨٤٣) - ثنا فاروق الخطابيّ، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن سعيد الجريري (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو يحيى الرازيّ، ثنا سهل، أنبأ وكيع، ثنا سفيان، عن سعيد بن إياس الجريريّ (ح)
стр. 13652
وثنا أبو أحمد، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا وكيع، عن سفيان، عن الجريريّ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن أخيه مُطَرِّف، عن عمران بن حصين، قال: اعلم أن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر، ثم لم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ ، ولم يَنْزِل فيه قرآن بتحريمها، رأى رجل برأيه ما شاء، لفظ وكيع. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَتُرِكْتُ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالِ) بن هُبيرة الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ توقّف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ) بفتح اللام المشدّدة، مبنيًّا للمفعول؛ أي كانت الملائكة تسلِّم عليّ.
وقوله: (حَتَّى اكْتَويتُ) بالبناء للفاعل؛ أي تداويت بالكيّ، قال المجد ﵀: كواه يَكويه كيًّا -من باب رَمَى-: أحرق جلده بحديدة ونحوها، وهي الْمِكواة، والْكَيّةُ: موضع الكيّ، قال: واكتوى: استَعْمَلَ الكيّ في بدنه،
стр. 13653
واستكوى: طلب الكيّ. انتهى باختصار (١).
وقوله: (فَتُرِكْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي تركت الملائكة السلام عليّ؛ لكوني اكتَويتُ.
وقوله: (ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ) ببناء الفعل للفاعل (فَعَادَ) أي رجع إلي تسليم الملائكة.
وقال في "شرحه" لهذا الكتاب: قوله: "يُسَلَّم عليّ" هو بفتح اللام المشدّدة، وقوله: "فتُرِكتُ" هو بضم التاء: أي انقطع السلام عليّ، ثم تَرَكْتُ بفتح التاء: أي تركت الكيّ، فعاد السلام عليّ.
ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين ﵄ كانت به بواسير، فكان يصبر على المهمات، وكانت الملائكة تُسَلِّم عليه، فاكتَوَى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكيّ، فعاد سلامهم عليه. انتهى (٢).
وقال في "شرح المهذّب": معناه: أنه كان به مرضٌ، فاكتوى بسببه، وكانت الملائكة تُسَلم عليه قبل الكيّ؛ لفضله، وصلاحه، فلما اكتَوَى تركوا السلام عليه، فعَلِمَ ذلك، فترك الكيّ مرة أخرى، وكان محتاجًا إليه، فعادوا، وسَلَّمُوا عليه ﵁. انتهى.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": الكيّ بالنار إن لم تدعُ إليه حاجة حرام؛ لدخوله في عموم تغيير خلق الله، وفي تعذيب الحيوان، وسواء كَوَى نفسه، أو غيره، من آدميّ، أو غيره، وإن دعت إليه حاجة، وقال أهل الْخِبْرة: إنه موضع حاجة، جاز في نفسه، وفي سائر الحيوان، وتركُهُ في نفسه للتوكل أفضل؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "قيل: يدخل من أمتك الجنة سبعون ألفًا، لا حسابَ عليهم، ولا عذابَ، قال: وهم الذي لا يَرْقُون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، مُتَّفقٌ عليه.
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب"، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين
стр. 13654
لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون"، رواه مسلم. انتهى (١).
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الطبّ" من "صحيحه": "باب من اكتوى، أو كَوَى غيره، وفَضْلِ من لم يَكْتَوِ"، قال في "الفتح": كأنه أراد أن الكيّ جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه، أو بغيره لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب؛ يعني قوله ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار"، وفضل تركه من قوله: "وما أُحِبّ أن أكتوي"، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: رُمِي سعد بن معاذ على أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ ، ومن طريق أبي سفيان، عن جابر: أن النبيّ ﷺ بعث إلى أبيّ بن كعب طبيبًا، فقطع منه عِرْقًا، ثم كواه، وروى الطحاويّ، وصححه الحاكم، عن أنس، قال: كواني أبو طلحة في زمن النبيّ ﷺ ، وأصله في البخاريّ، وأنه كُوي من ذات الجنب، وعند الترمذيّ، عن أنس: أن النبيّ ﷺ كَوَى أسعد بن زُرَارة من الشَّوْكة، ولمسلم عن عمران بن حصين: "كان يسلم عليّ حتى أكتويتُ، فتُركت، ثم تركت الكيّ، فعاد"، وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، عن عمران: نَهَى رسول الله ﷺ عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا، وفي لفظ: فلم يُفْلِحنَ، ولم يَنجحن، وسنده قويّ.
والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خَطِرًا، فنهاه عن كَيِّه، فلما اشتَدّ عليه كواه، فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كَيُّ الصحيح؛ لئلا يَعْتَلَ فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع.
والثاني: كيُّ الجرح إذا نَغَلَ: أي فَسَدَ، والعضو إذا قُطِع فهو الذي يُشْرَع التداوي به، فإن كان الكي لأمر مُحْتَمِلٍ فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقَّق.
стр. 13655
وحاصل الجمع أن الفعل يدلّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلّ على المنع، بل يدلّ على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الأبيّ ﵀: كلام الملائكة ﵈ غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يصحّ، وكان الشيخ ابن عبد السلام يحكي عن بعض الغلاة من شيوخ زمنه أن من قال: اليوم كلّمتني الملائكة يُستتاب، والحديث يردّ عليه، والصواب أن ذلك يَخْتَلِف بحسب حال من زعمه، فإن كان متّصفًا بالصلاح تُجُوِّز عنه، وإلا زُجر عن قول ذلك بحسب ما يراه الحاكم، ومن هذا المعنى ما يتّفق لبعضهم أن يقول: قيل لي، وخوطبتُ، وكان الشيخ يشدّد القول فيه، وفي إنكاره على من زعمه. انتهى كلام الأبيّ ﵀ (٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب:
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٤/ ٤٢٧) فقال:
(١٩٨٤٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: أنا شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مُطَرِّفًا قال: قال لي عمران بن حصين: إني أحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله ﷺ