← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قال عاصم بن بَهْدلة، عن أبي وائل: ما اشتَمَلت هَمْدانية على مثل أبي ميسرة، قيل له: ولا مسروق؟ فقال: ولا مسروق، وقال أبو نعيم، عن إسرائيل: كان أبو ميسرة إذا أخذ عطاءً تَصَدَّق منه، فإذا جاء إلى أهله فَعَدُّوه وَجَدوه سواءً، وقال عمرو بن مرّة، عن أبي وائل: قال أبو ميسرة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، فذكر قصةً، ورَوَى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن مسروق قال: ما بالكوفة أَحَد أحبّ إليّ أن أكون في مِسْلاخه من عمرو بن شُرَحبيل، وقال ابن معين: أبو ميسرة ثقة، وقال ابن سعد في "الطبقات": أنا وكيع، عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال: رأيت أبا جُحيفة في جنازة أبي ميسرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد، وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة، مات في الطاعون قبل أبي جحيفة سنة ثلاث وستين، وقال ابن سعد: مات في ولاية ابن زياد. أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. [تنبيه]: "شُرَحبيل" - بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء - غير منصرف؛ لكونه اسمًا علمًا أعجميًّا (١). والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، وكذا عمرو بن شُرَحبيل. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.

стр. 1367

٤ - (ومنها): أن فيه رواية مخضرم، عن مخضرم: أبو وائل، عن عمرو، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ )، وفي رواية الأعمش التالية: "قال رجل: يا رسول الله أيّ الذَّنْب أكبر؟ … "، وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن منصور وسليمان الأعمش، كلاهما عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عبد الله ﵁ "قال: سألتُ، أو سئل رسول الله ﷺ : أي الذَّنْب عند الله أكبر؟ … "، وفي رواية: "قلت: يا رسول الله … "، وفي رواية لأحمد من وجه آخر عن مسروق، عن ابن مسعود: "جلس رسول الله ﷺ على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، فاغتنمتُ خلوته، فقلت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله، أي الذنوب أكبر؟ … " الحديث. (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ) أي أشدّ عقوبة (عِنْدَ اللهِ؟)، وللبخاريّ: "أي الذَّنْب عند الله أكبر؟ "، ووقع في رواية عاصم، عن عبد الله: "أعظم الذنوب عند الله؟ "، أخرجها الحارث، وفي رواية أبي عبيدة بن معن، عن الأعمش: "أي الذنوب أكبر عند الله؟ "، وفي رواية الأعمش عند أحمد وغيره: "أيُّ الذَّنْب أكبر؟ "، وفي رواية الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل: "أكبر الكبائر". لا يقال: السؤال عن أفضل الأعمال له وجه، وهو أن يقدّم الأعظم فالأعظم، وأما أعظم الذنوب، فترك السؤال عنه أفضل وأرجح، ليقع الكفّ عن الجميع؛ لأنا نقول: له وجهه أيضًا، وهو أن يكون التحرّز منه أكثر وأشدّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن تكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين المذكورين في هذا الحديث بعد الشرك؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن اللواط أعظم إثمًا من الزنا، فكأنه ﷺ إنما قصد بالأعظم هنا ما تكثر مُواقعته، ويظهر الاحتياج إلى بيانه في الوقت، كما وقع في حقّ وفد عبد القيس حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق بالأشربة؛ لفشُوّها في بلادهم.

стр. 1368

وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيما قال نظر من أوجه: [أحدها]: ما نقله من الإجماع، ولعله لا يقدر أن يأتي بنقل صحيح صريح بما ادّعاه عن إمام واحد، بل المنقول عن جماعة عكسه، فإن الحدّ عند الجمهور، والراجح من الأقوال إنما ثَبَتَ فيه بالقياس على الزنا، والمقيس عليه أعظم من المقيس، أو مساويه، والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به، أو رجمهما ضعيف. [وأما ثانيًا]: فما من مفسدة فيه إلَّا ويوجد مثلها في الزنا وأشدّ، ولو لَمْ يكن إلَّا ما قيّد به في الحديث المذكور، فإن المفسدة فيه شديدة جدًّا، ولا يتأتى مثلها في الذَّنْب الآخر، وعلى التنزل فلا يزيد. [وأما ثالثًا]: ففيه مصادمة للنص الصريح على الأعظمية من غير ضرورة إلى ذلك. [وأما رابعًا]: فالذي مَثَّل به من قصة الأشربة ليس فيه إلَّا أنه اقتَصَر لهم على بعض المناهي، وليس فيه تصريحٌ، ولا إشارة بالحصر في الذي اقتَصَر عليه، والذي يظهر أن كلًّا من الثلاثة على ترتيبها في العِظَم، ولو جاز أن يكون فيما لَمْ يذكره شيء يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال. نعم، يجوز أن يكون فيما لَمْ يذكر شيء يساوي ما ذُكر، فيكون التقدير في المرتبة الثانية مثلًا بعد القتل الموصوف، وما يكون في الفُحْش مثله أو نحوه، لكن يستلزم أن يكون فيما لَمْ يذكر في المرتبة الثانية شيء هو أعظم مما ذُكر في المرتبة الثالثة، ولا محذور في ذلك. وأما عَدُّ عقوق الوالدين في أكبر الكبائر في حديث أبي بكرة ﵁ الآتي في الباب التالي، فيجوز أن تكون رتبة رابعة، وهي أكبر مما دونها. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (١). (قَالَ) ﷺ ("أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) بكسر النون: أي نظيرًا، وقال الفيّوميّ: النِّدُّ بالكسر: المثل، والنَّدِيد مثله، ولا يكون النّدّ إلَّا مخالفًا، والجمع أنداد، مثلُ حِمْل وأَحمال. انتهى.

стр. 1369

وقال النوويّ: النّدّ: المثلُ، رَوَى شمر عن الأخفش، قال: الندّ: الضدّ والشِّبْهُ، وفلان نِدّ فلان، ونَدِيده، ونَدِيدته: أي مثله. انتهى (١). (وَهُوَ خَلَقَكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي: والحال أن الله تعالى هو الذي خلقك وحده، دون أن يشاركه في ذلك أحدٌ، حتى يُشْرَك في العبادة. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ومعناه: أن اتّخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتَّخَذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. انتهى (٢). (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (قُلْتُ لَهُ) ﷺ (إِن ذَلِكَ لَعَظِيمٌ) أي إن هذا الذَّنْب، وهو جعل النّدّ لله لذنبٌ عظيم، لا ذنب فوقه. (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) أي: ثمّ أيُّ شيء يكون أعظم ذنبًا عند الله تعالى بعد جعل الندّ له؟، وتقدّم أن الأولى عدم تنوينه؛ لأنه مضاف لفظًا إلى محذوف، والتقدير: ثم أيُّ ذنب أعظم؟ (قَالَ) ﷺ ("ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ)، وفي رواية للبخاريّ: "خشية … " (أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ") أي لأجل خوفك أن يُشاركك في طعامك، وقال في "الفتح": أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو من جهة البخل مع الوجدان. انتهى (٣). وخصّ الطعام بالذكر؛ لأنه كان الأغلب من حال العرب، وكذا تقييده بخشية الأكل معه؛ لكون عادتهم أنهم يقتلون أولادهم لخشيتهم ذلك (٤). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا من أعظم الذنوب؛ لأنه قتل نفس محرَّمة شرعًا، محبوبة طبعًا، مرحومة عادةً، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلًا على غلبة الجهل والبخل، وغِلَظ الطبع والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كلّه

стр. 1370

إلى الغاية القصوي، وهذا نحو قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، أي فقر، وهو خطاب لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيُخفِّف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه ولوازمه، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإنه خطاب لمن كان واجدًا لما يُنفق عليه في الحال، غير أنه يقتله مخافة الفقر في ثاني الحال، وكان بعض جُفاة الأعراب وجُهَّالهم ربما يفعلون ذلك، وقد قيل: إن الأولاد في هاتين الآتين هم البنات، كانوا يَدفنونهنّ أحياءً أَنَفَةً وكِبْرًا، ومخافةَ العيلة والْمَعَرّة، وهي الموؤودة التي ذكر الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]. والحاصل أن أهل الجاهليّة كانوا يصنعون كلّ ذلك، فنهى الله تعالى عن ذلك، وعظّم الإثم فيه، والمعاقبة عليه، وأخبر النبي ﷺ أن ذلك من أعظم الكبائر. انتهى (١). (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ) ﷺ ("ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ") بفتح الحاء المهملة بوزن عظيمة، أي التي يحل له وطؤها، وقيل: التي تُحلّ معه في فِراش واحد، وقال في "الفتح": هي مأخوذة من الحِلّ؛ لأنَّها تحلّ له، فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، وقيل: من الحلول؛ لأنَّها تحلّ معه، ويحلّ معها. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الحليلة": هي التي يحلُّ وطؤها بالنكاح، أو التسرّي. و"الجار": هو المجاور في المسكن، والداخلُ في جوار العهد، و"تُزاني": أي تحاول الزني، يقال: المرأة تُزاني مُزاناةً، مِن زَني، والزنى وإن كان من أكبر الكبائر والفواحش، لكنه بحليلة الجار أفحش، وأقبح؛ لما يَنضمّ إليه من خيانة الجار، وهَتْك ما عظّم الله تعالى، ورسوله ﷺ من حرمته، وشدّة قبح ذلك شرعًا وعادةً، فلقد كان الجاهليّة يتمدّحون بصون حرائم الجار، ويغُضّون دونهم الأبصار، كما قال عنترة [من الكامل]:

стр. 1371

وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي … حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأوَاهَا (١) وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "أن تزاني حليلة جارك" هي بالحاء المهملة، وهي زوجته، سُمّيت بذلك؛ لكونها تَحِلّ له، وقيل: لكونها تَحِلّ معه، ومعنى "تزاني": أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشدّ قبحًا، وأعظم جُرْمًا؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذّبّ عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أُمر بإكرامه، والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كلَّه بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه، مع تمكّنه منها على وجه لا يتمكّن غيره منه، كان في غاية من القبح. انتهى (٢). وقال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: قدّم النبيّ ﷺ هذه الثلاثة الأشياء؛ لاعتياد الجاهليّة بها من الكفر بالله ، وفاحش الزنا، ووأد البنات، وهي الإشارة بقتل الولد - والله أعلم - لأن العرب إنما كانت تَئِد البنات لوجهين: لفرط الغيرة، ومخافة فضيحة السبي والعار بهنّ، أو لتخفيف نفقاتهن ومؤنهنّ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ الآية، ومعنى قوله ﷺ : "مخافة أن يطعَم معك"، وكانوا يتحمّلون ذلك في المذكور لِمَا يُؤمّلون فيهم من شدّ العضُد، وحِماية الجانب، وكثرة العشيرة، وبقاء النسل والذكر، وقد نبَّهَ الله تعالى على هذا بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]. ثم ذكر الزنا، وخصّه بحليلة الجار؛ لأنه عُظْم بابه، إذ لا يُزاني الرجل غالبًا إلَّا من يُمكنه لقاؤه، ويجاوره في محلّته وقريته. ونبّه بإضافة الحليلة إلى الجار على عظيم حقّه، وأنه يجب له عليك من الغيرة عليه من الفاحشة ما يجب لحليلتك، والحديث الآخر يُبيّنه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1372

مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٣٩/ ٢٦٤ و ٢٦٥] (٨٦)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٤٧٧)، و"الأدب" (٦٠٥١)، و"الحدود" (٦٨١١)، و"الديات" (٦٨٦١)، و"التوحيد" (٧٥٢٠)، و (أبو داود) في "الطلاق" (٢٣١٠ و ٧٥٣٢)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٢ و ٣١٨٣)، و (النسائيّ) في "المحاربة" (٤٠١٤ و ٤٠١٥)، و"الكبرى" (٣٤٧٦ و ٣٤٧٧ و ٣٤٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٠ و ٤٣١ و ٤٣٤ و ٤٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥١ و ١٥٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٥٨ و ٢٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أعظم الذنوب، وهو ما تضمّنه هذا الحديث. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت الذنوب فيما بينها، فمنها ما هو أكبر، ومنها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: فيه أن أكبر المعاصي الشرك، وهذا ظاهرٌ، لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حقّ يليه، وكذلك قال أصحابنا: أكبر الكبائر بعد الشرك القتل، وكذا نصّ عليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في "كتاب الشهادات" من "مختصر المزنيّ"، وأما ما سواهما من الزنا، واللواط، وعقوق الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزَّحْف، وَأَكْلِ الربا، وغير ذلك من الكبائر، فلها تفاصيل، وأحكام تُعْرَف بها مراتبها، ويَخْتَلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المترتبة عليها، وعلى هذا يقال في كلّ واحدة منها: هي من أكبر الكبائر، وإن جاء في موضع أنَّها أكبر الكبائر، كان المراد: من أكبر الكبائر، كما تقدم في أفضل الأعمال. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 1373

(المسألة الرابعة): في الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث: (اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الإسناد، ولم يُشر إليه المصنّف، وقد أشار إليه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال في "كتاب الحدود": (٦٨١١) - حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا يحيي، حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، وسليمان، عن أبي وائل، عن أبي مَيْسَرة، عن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذَّنْب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا، وهو خلقك"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تَقْتُل ولدك من أجل أن يَطْعَم معك"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". قال يحيى: وحدثنا سفيان، حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، قلت: يا رسول الله مثله، قال عمرو: فذكرته لعبد الرَّحمن، وكان حدثنا عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، وواصل، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، قال: دَعْهُ دَعْهُ. وقوله: "قال عمرو" هو: ابن عليّ الفلاس، فذكرته لعبد الرَّحمن - يعني ابن مهديّ -. قال الحافظ رحمه الله تعالى: هكذا ذكره البخاريّ عن عمرو بن عليّ، قَدَّم رواية يحيى على رواية عبد الرَّحمن، وعَفبها بالفاء، وقال الهيثم بن خَلَف فيما أخرجه الإسماعيلي عنه: عن عمرو بن عليّ، حدثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، فساق روايته، وحذف ذكر واصل من السند، ثم قال: وقال عبد الرَّحمن مرّة: عن سفيان، عن منصور، والأعمش وواصل، فقلت لعبد الرَّحمن: حدثنا يحيى بن سعيد، فذكره، فقال عبد الرَّحمن: دَعْهُ. والحاصل أن الثوريّ حَدَّث بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما واصل فحذفه، فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مُفَصَّلًا، وأما عبد الرَّحمن، فحَدَّث به أولًا بغير تفصيل، فحَمَلَ روايةَ واصل على رواية منصور والأعمش، فجمع الثلاثة، وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذَكَرَ له عمرو بن عليّ أن يحيى فَصَّله، كأنه ترَدَّد فيه، فاقتصر على التحديث به عن سفيان، عن منصور والأعمش حَسْبُ، وترك طريق واصل، وهذا معنى قوله:

стр. 1374

"فقال: دَعْهُ دَعْهُ"، أي اتركه، والضمير للطريق التي اختُلِف فيها، وهي رواية واصل، وقد زاد الهيثم بن خَلَف في روايته بعد قوله "دَعْهُ": "فلم يذكر فيه واصلًا بعد ذلك"، فعُرِف أن معنى قوله "دَعْه": أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة. وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: حاصله أن أبا وائل، وإن كان قد رَوَى كثيرًا عن عبد الله، فإن هذا الحديث لَمْ يروه عنه، قال: وليس المراد بذلك الطعن عليه، لكن ظَهَرَ له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة؛ لموافقه الأكثرين. قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر ما قَدَّمته أنه تركه من أجل التردد فيه؛ لأن ذكر أبي ميسرة، إن كان في أصل رواية واصل، فتحديثه به بدونه يستلزم أنه طَعَنَ فيه بالتدليس، أو بقلة الضبط، وإن لَمْ يكن في روايته في الأصل، فيكون زاد في السند ما لَمْ يسمعه، فاكتفى برواية الحديث عمن لا ترَدُّد عنده فيه، وسَكَتَ عن غيره، وقد كان عبد الرَّحمن حَدَّث به مَرَّةً عن سفيان، عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة، كذلك أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، لكن الترمذي بعد أن ساقه بلفظ واصل عَطَفَ عليه بالسند المذكور طريق سفيان، عن الأعمش ومنصور، قال بمثله، وكأن ذلك كان في أول الأمر. وذَكَرَ الخطيب هذا السند مثالًا لنوع من أنواع مدرج الإسناد، وذَكَرَ فيه أن محمد بن كثير وافق عبد الرَّحمن على روايته الأولي، عن سفيان، فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل. قال الحافظ: وقد أخرجه البخاريّ في "الأدب" عن محمد بن كثير، لكن اقتصر من السند على منصور، وأخرجه أبو داود، عن محمد بن كثير، فضم الأعمش إلى المنصور، وأخرجه الخطيب من طريق الطبرانيّ، عن أبي مسلم الليثيّ، عن معاذ بن المثني، ويوسف القاضي - ومن طريق أبي العباس الْبَرْقيّ - ثلاثتهم عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن الثلاثة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، وفيه ما تقدم. وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور، وعلى الأعمش، في ذكر أبي ميسرة وحذفه، ولم يُختَلف فيه على واصل في إسقاطه في غير رواية سفيان. وقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من رواية شعبة، عن واصل، بحذف أبي

стр. 1375

ميسرة، لكن قال الترمذيّ: رواية منصور أصحّ - يعني بإثبات أبي ميسرة -. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وقال: رواه الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل، عن عبد الله، كقول واصل، ونَقَلَ عن الحافظ أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: يُشبه أن يكون الثوريّ جمع بين الثلاثة لَمّا حَدَّث به ابن مهديّ، ومحمد بن كثير، وفَصَّلَه لَمّا حَدَّث به غيرهما - يعني: فيكون الإدراج من سفيان، لا من عبد الرَّحمن، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الذَّنْبِ أَكبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ"، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]). رجال هذا الإسناد: ستة، وهم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان، الإمام الحافظ الحجة المثبت [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٧. وقوله: (فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَهَا) أي ما يُصدّق هذه المقالة من القرآن، ولفظ البخاريّ: "قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ "، قال في "الفتح": هكذا قال ابن مسعود، والقتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيَّدان، أما القتل فبالولد خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ؛ لأنَّها وإن وردت في مطلق الزنا

стр. 1376

والقتل، لكن قتل هذا، والزنا بهذا أكبر وأفحش، وقد روى أحمد (١)، من حديث المقداد بن الأسود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تقولون في الزنا؟ "، قالوا: حرام، قال: "لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره" (٢). قال القرطبي رحمه الله تعالى: ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذَّنْب الذي ذكره النبيُّ ﷺ ، وليس كذلك؛ لأن الترمذيّ قد روى هذا الحديث، وقال فيه: وتلا النبيُّ ﷺ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، بدل "فأنزل الله"، وظاهره أنه ﷺ قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أُنزل منها، على أن الآية تضمّنت ما ذكره في حديثه بحكم عمومها. انتهى كلام القرطبيّ (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا رجَّح القرطبيّ رواية الترمذيّ على رواية الشيخين، من أن الآية نزلت بسبب هذا السؤال، لكن الذي يظهر أن ما فيهما أصحّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

стр. 1377

وقوله: (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) معناه: أي لا تقتلوا النفس التي هي معصومة في الأصل إلَّا مُحِقِّين في قتلها، وقيل: معنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي ما يَحِقّ أن تُقتَل به النفوس، مِن كُفْر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان (١). وقوله: (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) أي يستحلون الفروج بغير نكاح، ولا ملك يمين، قال القرطبيّ: دَلّت هذه الآية على أنه ليسس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزني، ولهذا ثبت في حد الزنى القتل لمن كان محصنًا، أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن. انتهى (٢). وقوله: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾) قيل: معناه جزاءَ إثمه، وهو قول الخليل، وسيبويه، وأبي عمرو الشيبانيّ، والفراء، والزجاج، وأبي عليّ الفارسيّ، وقيل: معناه عقوبةً، قاله يونس، وأبو عبيدة، وقيل: معناه جزاءً، قاله ابن عباس، والسديّ، وقال أكثر المفسرين، أو كثيرون منهم: هو وادٍ في جهنم، عافانا الله الكريم، وأحبابنا منها، قاله النوويّ (٣). وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، في "تفسيره" ١٣/ ٧٥: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إخراجٌ لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم النفس بِوَاد البنات وغير ذلك من الظلم، والاغتيال، والغارات، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحًا، وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليق بمن أضافهم الرَّحمن إليه إضافةَ الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوعُ هذه الأمور القبيحة منهم، حتى يُمدَحوا بنفيها عنهم؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلهًا، ولا يُذِلّون أنفسهم بالمعاصي، فيكون قتلًا لها، ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي بسكين الصبر، وسيف المجاهدة، فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة، فيكون سفاحًا، بل بالضرورة، فيكون كالنِّكَاح، قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلام رائقٌ، غير أنه

стр. 1378

عند السبر مائقٌ، وهي نبعة باطنية، ونزعة باطلية، وإنما صَحَّ تشريف عباد الله باختصاص الإضافة، بعد أن تَحَلَّوا بتلك الصفات الحميدة، وتَخَلَّوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآياتِ بصفات التحلي؛ تشريفًا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي؛ تبعيدًا لها، والله أعلم. قال أبو عبد الله القرطبيّ: ومما يدلُّ على بطلان ما ادّعاه هذا القائل، من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها، ما رَوَى مسلم (١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذَّنْب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله نِدًّا، وهو خلقك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾، والأثام في كلام العرب: العقاب، وبه قرأ ابن زيد، وقتادة هذه الآية، ومنه قول الشاعر [من الوافر]: جَزَى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى … عُقُوقًا وَالْعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ أي جزاءً وعقوبةً، وقال عبد الله بن عمرو، وعكرمة، ومجاهد: إن ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ في جهنم جعله الله عقابًا للكفرة، قال الشاعر [من المتقارب]: لَقِيتُ الْمَهَالِكَ فِي حَرْبِنَا … وَبَعْدَ الْمَهَالِكِ تُلْقِي أَثَامَا وقال السُّديّ: جبل فيها، قال: وَكَانَ مَقَامُنَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ … بِأَبْطَحِ ذِي الْمَجَازِ لَهُ أَثَامُ وفي "صحيح مسلم" أيضًا: عن ابن عباس، أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسنٌ، ولو تُخبرنا أن لما عملنا كفارةً، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾، ونزل: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، وقد قيل: إن هذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ نزلت في وحشيّ، قاتل حمزة، قاله

стр. 1379

سعيد بن جبير، وابن عباس ﵃. انتهى كلام القرطبيّ (١). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٠) - (بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِر، وَبَيَانِ أكبَرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦] (٨٧) - (حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ - ثَلَاثًا - الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَشَهَادَةُ الزُّور، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ"، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم مصغّرًا - هو سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي عثمان النَّهْديّ، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وأبي نضرة العبدي، وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخّير، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وجعفر الضُّبَعي، وأبو قُدَامة،

стр. 1380

والحمادان، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وأبو أسامة، ووهيب، ومعمر، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: الْجُريري محدث أهل البصرة، وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث، وقال يحيى القطان عن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون، وقال ابن سعد عن يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة (٤٢)، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم نُنْكِر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه قد اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا، وقال أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون: ربما ابتدأنا الجريريُّ، وكان قد أُنكر، وقال ابن معين، عن ابن عَدِيّ: لا نَكْذِب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط، وقال الآجري، عن أبي داود: أرواهم عن الجريري ابنُ عُلَيّة، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جَيِّد، وقال النسائي: ثقة أنكر أيام الطاعون، وقال ابن معين: قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه - يعني: لأنه سمع منه بعد اختلاطه -، وقال الدُّوري عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري، وكان لا يروي عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - إلَّا أنه اختلط في آخر عمره. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سألت ابن علية: أكان الجريري اختلط؟ فقال: لا، كَبِرَ الشيخ فَرَقّ، وقال النسائي: هو أثبت عندنا من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، واختلط بآخره، رَوَى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، وكُلُّ ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة، والثوري، وشعبة، وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثماني سنين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث الجريريّ لا تصحّ إلَّا إذا جاءت من طريق قدماء أصحابه، وهم المذكورون في كلام العجليّ، فتنبّه، وإلى هذا أشرت في "ألفيّة العلل"، حيث قلت: وَمِنْهُمُ (١) سَعِيدٌ الْجُرَيْرِي … مُخْتَلِطٌ مُلَقَّنٌ لِلضَّيْرِ

стр. 1381

قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ رَوَى الثَّوْرِيُّ … بِشْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ يَا أُخَيُّ وَبَعْدَهُ يَزِيدُ عِيسَى وَكَذَا … نَجْلُ أَبِي عَدِيٍّ أَيْضًا أَخَذَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عَنْهُ مَا اخْتَلَطْ … بَلْ كَبِرَ الشَّيْخُ فَرَقَّ مَا ضَبَطْ فقوله: "بشر" هو ابن المفضّل، و"إسماعيل" هو ابن عليّة، و"يزيد" هو ابن هارون، وعيسى "هو ابن يونس"، و"نجل ابن أبي عديّ" هو محمد بن إبراهيم، والله تعالى أعلم. وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة (١٤٤). وكذا أرّخه ابن حبان، وقال: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا. [تنبيه]: قوله: "الْجُريريُّ" - بضم الجيم، وفتح الراء، مصغّرًا -: نسبة إلى جُرَير بن عُبَاد (١) بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، قال السَّمْعاني: وإنما قيل لسعيد بن إياس: الْجُريريّ؛ لأنه من ولد جُرَير بن عباد أخى الحارث بن عباد، وقد قيل: إنه من مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل. انتهى (٢). والله تعالى أعلم. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثقفيّ، أبو بَحْر، ويقال: أبو حاتم البصريّ، وهو أول مولود، وُلد في الإسلام بالبصرة، ثقة [٢]. رَوَى عن أبيه، وعلي، وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سَرِيع، والأشجّ الْعَصَري. وَرَوَى عنه ابن أخيه ثابت بن عبيد بن أبي بكرة، وابن ابنه بحر بن مَرّار بن عبد الرَّحمن، وخالد الحذاء، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد، وقتادة، وجماعة. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: هو أول مولود وُلد

стр. 1382

بالبصرة، فَأَطعَم أبوه أهلَ البصرة جَزُورًا، فكفتهم، وكان ثقةً، وله أحاديث ورواية، وقال ابن خلفون في "الثقات": يقال: وُلد سنة (١٤)، ومات سنة (٩٦)، وكذا أَرَّخ وفاته إسحاق القَرّاب، وقال خليفة: تُوُفّي بعد الثمانين، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال البلاذريّ: حدثني أبو الحسن البلاذري، حدثني أبو الحسن المدائني، قال: كان عبد الرَّحمن بن أبي بكرة فَرّاسًا، وشارف التسعين، ووقع في بعض النسخ من "مختصر السنن" للمنذري بتقديم السين على الباء، وهو خطأ، وقال أبو هلال: كان زياد وَلَّى عبدَ الرَّحمن بيوتَ الأموال، وَوَلَّى عبدَ الله سجستان، وقال أبو اليقظان: ولاه عَلِيّ بيت المال ثم ولاه ذاك زياد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٥ - (أَبُوهُ) هو: نُفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة إحدى وخمسين: وقيل: سنة ثنتين وخمسين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد في الأول، والجمع في موضعين، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له الترمذيّ وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: سعيد عن عبد الرَّحمن. ٥ - (ومنها): أن فيه من لُقِّب بصورة الكنية، وهو أبو بكرة ﵁، فإنه لقّب؛ لأنه تدلّى من حصن ثقيف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبدًا، فأعتقه النبيّ ﷺ ، ومن معه من العبيد، وكانوا جماعة. ٦ - (ومنها): أن عبد الرَّحمن أول مولود في الإسلام بالبصرة، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1383

شرح الحديث: عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) نُفَيع بن الحارث ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُنَبِّئُكُمْ)، وفي رواية للبخاري: "ألا أخبركم"، وهي رواية أبي عوانة في "المستخرج"، (بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: هذا يدلّ على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وعليه أيضًا يدلّ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وفي الاستدلال بهذا الحديث على ذلك نظر؛ لأن من قال: كلّ ذنب كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟، وعن بعض السلف: أن كلّ ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وظاهر القرآن والحديث على خلافه، ولعله أخذ الكبيرة باعتبار الوضع اللغويّ، ونَظَرَ إلى عِظَم المخالفة للأمر والنهي، وسَمَّى كلّ ذنب كبيرة. قال: ويدلّ أيضًا على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر، لقوله ﷺ : "ألا أنبّئكم بأكبر"، وذلك بحسب تفاوت مفاسدها، ولا يلزم من كون الذي ذكره أنه أكبر الكبائر استواء رُتبها في نفسها، فإن الإشراك بالله تعالى أعظم كبيرة من كلّ ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذُكر فيها الكبائر. انتهى (١). [تنبيه]: قوله: "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل "من" فيه مقدرةٌ، فقد ثبت في أشياء أُخَر أنَّها من أكبر الكبائر: (منها): حديث أنس ﵁ في قتل النفس، فقد وقع في رواية للبخاريّ في "الديات" من طريق شعبة، عن ابن أبي بكرة، أنه سمع أنسًا، عن النبيّ ﷺ قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس … " الحديث. (ومنها): حديث ابن مسعود ﵁ المتقدّم: "أيُّ الذَّنْب أَعظم؟ "، فذكر فيه الزنا بحليلة الجار. (ومنها): حديث عبد الله بن أُنيس الجهني ﵁ مرفوعًا قال: "من أكبر الكبائر … " فذكر منها: "اليمين الغموس"، أخرجه الترمذيّ بسند حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عند أحمد.

стр. 1384

(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء في عرض رجل مسلم"، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن. (ومنها): حديث بريدة ﵁ رفعه: "من أكبر الكبائر … " فذكر منها: منع فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار بسند ضعيف. (ومنها): حديث ابن عمر ﵄ ارفعه: "أكبر الكبائر سوء الظن بالله"، أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف. ويَقرُب منه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ومن أظلم ممن ذَهَب يخلُقُ كخلقي … "الحديث، متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم"، متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه … "، ولكنه من جملة العقوق، والله تعالى أعلم. (ثَلَاثًا) أي قال لهم ذلك ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشيء ثلاث مرّات؛ تأكيدًا؛ لينتبه السامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره، وفهم منه الفاكهيّ أن المراد بقوله: "ثلاثًا" عدد الكبائر، وهو غلطٌ، فقد وقع عند البخاريّ في "كتاب استتابة المرتدّين" بلفظ: "أكبر الكبائر: الإشراك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" ثلاثًا، وأصرح منه ما وقع عند أبي عوانة في "مسنده" بلفظ: "أَلا أخبركم بأكبر الكبائر، قالها ثلاثًا"، وقد ترجم البخاريّ ﵀ في "كتاب العلم"، "باب من أعاد الحديث ثلاثًا؛ ليُفهم عنه"، وذكر فيه طرفًا من هذا الحديث تعليقًا (١). (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يُراد به خصوصه، إلَّا أنه يَرِد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم قُبْحًا من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفيٌ مطلقٌ، والإشراك إثبات مقيَّدٌ،

стр. 1385

فيترجّح الاحتمال الأول على هذا. انتهى (١). (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وترك الإحسان إليهما، وأصل الْعَقّ: الشقّ، يقال: عقّ ثوبه، كما يقال: شقّه بمعناه، ومنه يقال: عقّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمع عَقَقَةٌ، قاله في "المصباح" (٢). وقال في "المفهم": "عقوق الوالدين": عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العَقّ: الشقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقةً؛ لأنه يُشَقّ حُلقُومها، قاله الهرويّ وغيره (٣). وقال في "الفتح": "الْعُقُوق" بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالد من ولده، من قول أو فعل إلَّا في شرك، أو معصية ما لَمْ يتعنّت الوالد، وضبطه ابن عطيّة بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دَعَته أمه ليمرّضها مثلًا، حيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول الوقت، أو في الجماعة. انتهى (٤). وقال النوويّ في "شرحه": أما عقوق الوالدين، فهو مأخوذ من الْعَقّ، وهو القطع، وذَكَرَ الأزهريّ أنه يقال: عَقَّ والده يَعُقُّه - بضم العين - عَقًّا وعُقُوقًا: إذا قطعه، ولم يَصِلْ رحمه، وجمع العاقّ: عَقَقَةٌ - بفتح الحروف كلها - وعُقُقٌ - بضم العين والقاف -، وقال صاحب "المحكم": رجلٌ عاقٌّ، وعَقَّ بالفتح، وعَقَقٌ محرّكة، وعُقُقٌ بضمّتين، وجمع الأولى عَقَقَةٌ مُحرَّكةً، وكلها بمعنى واحد، وهو الذي شَقَّ عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة. وأما حقيقة العقوق المحرَّم شرعًا، فقَلَّ مَن ضبطه، وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لَمْ أقف في عقوق الوالدين، وفيما

стр. 1386

يختصان به من الحقوق على ضابط أَعْتمده، فإنه لا يجب طاعتهما في كلّ ما يأمران به، وينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حُرِمَ على الولد الجهاد بغير إذنهما؛ لما يَشُقّ عليهما مِن توقُّع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد أُلْحِق بذلك كلُّ سفر يخافان فيه على نفسه، أو عضو من أعضائه. انتهى كلام الشيخ أبي محمد. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في "فتاويه": العُقُوق المحرَّم كلُّ فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا، ليس بالْهَيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعةُ الوالدين واجبة في كلّ ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوقٌ، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، قال: وليس قولُ مَن قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما، مُخالِفًا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ بزيادة في الضبط (١). (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يُتوصَّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم الله، وتحريم ما حلّل الله، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك (٢). (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) هكذا في رواية ابن عليّة عن الجريريّ بـ "أو"، وفي رواية خالد، عنه: "إلا وقول الزور، وشهادة الزور" بالواو، قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ لأن كلَّ شهادة زور قول زور، بخلاف عكسه. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما الزور، فقال الثعلبيّ المفسر، وأبو إسحاق وغيره: أصله تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى

стр. 1387

من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يُوهِم أنه حَقّ. انتهى (١). وقال في "الفتح": وضابط الزور وَصْفُ الشيء على خلاف ما هو به، وقد يُضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يُضاف إلى الشهادة، فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه "لابس ثوبي زور"، ومنه تسمية الشعر الموصول زُورًا، كما سيأتي في موضعه، وقد اختُلف في المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، والراجح أن المراد به الباطل، والمراد أنهم لا يحضرونه. انتهى (٢). وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك، وقد نصّ الفقهاء على أن الكذبة الواحدة، وما يقاربها لا تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرة لأسقطت، وقد نصّ الله تعالى على عظم بعض الكذب، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]، وعظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، وقد نَصَّ في الحديثِ الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحدّ، ولا تساويها الغيبة بقبح الخِلْقة، أو الهيئة في اللباس مثلًا، وليس العقوق، وقول الزور مساويًا للإشراك بالله قطعًا إلَّا إذا فعل ذلك معتقدًا حلّه، ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور، وقائل به. انتهى (٣). وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويُحْمَل قول الزور على نوع خاص منه. ورجّح الحافظ ما قاله الشيخ ابن دقيق العيد، قال: ويؤيده وقوع الشك في ذلك في حديث أنس ﵁ الذي بعده، فدلّ على أن المراد شيء واحد.

стр. 1388

وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف، وقيل: المراد مَن يستحل شهادة الزور، وهو بعيد. انتهى (١). (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ) جلوسه ﷺ بعد أن كان متْكئًا يُشعر بأنه اهتمّ بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه، وعِظَم قبحه، وسببُ الاهتمام بذلك كون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعُقُوق يَصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة، كالعداوة، والحسد، وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذُكِر معها من الإشراك قطعًا، بل لكون مفسدة الزور متعدّية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن مفسدته قاصرة غالبًا (٢). (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) أي يكرّر جملة "شهادة الزور"، أو قول الزور، ولفظ البخاريّ في "كتاب الأدب": "فقال: إلا وقول الزور، وشهادة الزور، إلا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت"، (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) إنما قالوه، وتَمَنَّوه شفقةً على رسول الله ﷺ ، وكراهةً لما يُزْعِجُهُ، ويُغْضِبُهُ، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ ، والمحبّة له، والشفقة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكر ﵁ هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٦] (٨٧)، و (البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥٤)، و"الأدب" (٥٩٧٦)، و"الاستئذان" (٦٢٧٣ و ٦٢٧٤)،

стр. 1389

و"استتابة المرتدّين" (٦٩١٩)، و (الترمذيّ) في البرّ والصلة (١٩٠١)، و"الشهادات" و (٢٣٠١)، و"تفسير القرآن" (٣٠١٩)، وفي "الشمائل" (١٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٦ و ٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الكبائر، وأكبرها، وهو الشرك، وهو وجه المناسبة لإيراده في هذا الباب. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت الصغائر؛ لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصغائر مشهور، وأكثر ما تمسك به مَن قال: ليس في الذنوب صغيرة كونه نَظَرَ إلى عِظَم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبت الصغائر أن يقول: هي بالنسبة لما فوقها صغيرة، كما دلّ عليه حديث الباب، وقد فُهِمَ الفرقُ بين الصغيرة والكبيرة من مَدَارك الشرع، وسيأتي في أبواب الصلاة ما يُكَفِّر الخطايا ما لَمْ تكن كبائر، فَثَبَتَ به أن من الذنوب ما يُكَفَّر بالطاعات، ومنها ما لا يُكَفَّر، وذلك هو عين الْمُدَّعَى، ولهذا قال الغزاليّ رحمه الله تعالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه، ثم إن مراتب كلٍّ من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها. ٣ - (ومنها): بيان تحريم شهادة الزور؛ لما يترتَّب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفي معناها كُلُّ ما كان زُورًا، من تعاطي المرء ما ليس له أهلًا. ٤ - (ومنها): أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ولا شكّ في عظم مفسدته؛ لعظم حقّ الوالدين. ٥ - (ومنها): بيان انقسام الكبائر إلى شرك وغيره. ٦ - (ومنها): الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. ٧ - (ومنها): استحباب إعادة الموعظة ثلاثًا؛ لتُفْهَم. ٨ - (ومنها): انزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي عنه، والزجر عن فعل ما يَنْهَى عنه.

стр. 1390

٩ - (ومنها): أن فيه التحريض على مجانبة كبائر الذنوب؛ ليحصل تكفير الصغائر بذلك، كما قال : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية. ١٠ - (ومنها): أن فيه إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجًا، وتمنّي عدم غضبه؛ لما يترتّب على الغضب من تغيّر مزاجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧] (٨٨) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِيَ بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ قَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَقَتْلُ النَّفْس، وَقَوْلُ الزُّورِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن جدِّه، وقيل: عن أبيه، عن جده. ورَوَى عنه أخوه بَكْر بن أبي بكر بن أنس، والحمادان، وشدّاد بن سعيد، وشعبة، وعتبة بن حميد الضَّبِّيّ، ومُبارك بن فَضَالة، وهشيم، ومحمد بن عبد العزيز الراسبيّ على خلاف فيه، ومُرَجَّى بن رَجَاء، وعليّ بن عاصم، وآخرون. قال أحمد، وابنُ معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا، وأعاده بعده، وحديث (٢١٥٧): "أن رجلًا اطّلع من بعض حُجر

стр. 1391

النبيّ ﷺ … "، و (٢١٦٣): "إذا سلّم عليكم أهل الكتاب … "، و (٢٦٣١): "من عال جاريتين … "، و (٢٦٤٦): "إن الله قد وكّل بالرحم ملكًا … ". ٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، كالسند الآتي، وكذا ما قبله، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما الإسنادان اللذان ذكرهما - يعني: هذا، وما بعده - فهما بصريون كلُّهُم من أولهما إلى آخرهما، إلا أن شعبة واسطيّ بصريّ، فلا يقدح هذا في كونهما بصريين، وهذا من الطرف المستحسنة، وقد تقدّم في الباب الذي قبل هذا نظيرهما في الكوفيين. انتهى (١). ٣ - (ومنها): أنه قد قدّمنا فائدة قوله: "وهو ابن الحارث"، ولم يقل: "خالد بن الحارث"، وهو أنه إنما سَمِعَ في الرواية "خالدًا"، ولخالد مشاركون في اسمه، فأراد أن يُمَيِّزه لمن يحدّثهم، ولا يجوز له أن يقول: حدثنا خالد بن الحارث؛ لأنه يصير كاذبًا على شيخه، حيث لم يَقُل له ذلك، وإنما قال: حدّثنا خالدٌ، فَعَدَل إلى زيادة قوله: "وهو ابن الحارث"؛ لتحصل الفائدة بالتميز، والسلامة من الكذب. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، وهو عبيد الله بن أبي بكر عن جدّه أنس بن مالك ﵁. ٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو المشهور بخدمة النبيّ ﷺ ، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، ومن المعمّرين منهم، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فسيأتي في الذي بعده، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1392

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيد، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِر، فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَقَتْلُ النَّفْس، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَقَالَ: "ألا أنبِّئُكُمْ بأكبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ"، أَوْ قَالَ: "شَهَادَةُ الزورِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَأكبَرُ ظنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا: ١ - (محمد بْنُ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) القرشيّ الْبُسريّ - بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة - من ولد بُسْر بن أرطاة العامريّ، يُلَقّب حَمْدان، البصريّ، قَدِمَ بغداد، يُكنى أبا عبد الله، ثقة [١٠]. رَوَى عن مروان بن معاوية، وغندر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفي، وابن مهدي، والقطان، ووكيع، وأبي زُكَير المدني، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، وزكرياء الساجيّ، وابن خزيمة، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سَمِع منه أبي بالبصرة في الرحلة الثالثة، وسئل عنه، فقال: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قيل: إنه مات بعد سنة خمسين ومائتين، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا (١). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، المعروف بغُنْدر، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد، والله تعالى أعلم.

стр. 1393

شرح الحديث: عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ)، كذا وقع في هذه الرواية عند المصنّف بالشكّ، ووقع عند أبي عوانه في "مسنده" من طريق أبي داود، عن شعبة بلفظ: "سُئل النبيّ ﷺ عن الكبائر، فقال … " بدون شكّ. ووقع عند البخاريّ كرواية المصنّف بالشكّ، فقد رواه في "كتاب الأدب" عن شيخ المصنّف، بسنده، ولفظه، فقال في "الفتح": كذا في هذه الرواية بالشكّ، وجزم في الرواية التي في "كتاب الشهادات" بالثاني، قال: "سئل … إلخ"، ووقع في "كتاب الديات" عن عَمْرو، وهو ابن مرزوق، عن شعبة، عن ابن أبي بكر، سمع أنسًا، عن النبيّ ﷺ قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله … " الحديث، وكذا رَوَيناه في "كتاب الإيمان" لابن منده، وفي "كتاب القضاة" للنقاش، من طريق أبي عامر الْعَقَديّ، عن شعبة، وقد عَلَّق البخاريّ في "الشهادات"، طريق أبي عامر، ولم يسق لفظه، وهذا موافق لحديث أبي بكرة ﵁ في أن المذكورات من أكبر الكبائر، لا من الكبائر المطلقة. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ ("الشِّرْكُ بِاللهِ)، تقدّم الكلام عليه، (وَقَتْلُ النَّفْسِ) التي حرّم الله قتلها إلا بالحقّ، (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ") تقدّم الكلام عليه. (وَقَالَ) وللبخاريّ: "فقال"، بالفاء ("ألَا أبِّئُكُمْ بِأكبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ) قال في "الفتح": هذا ظاهره أنه خصّ أكبر الكبائر بقول الزور، ولكن الرواية التي أشرت إليها قبلُ قد تؤذن بأن الأربع المذكورات مشتركات في ذلك. انتهى. أَوْ قَالَ: ("شَهَادَةُ الزُّورِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَأكبَرُ) بالباء الموحدة، (ظنِّي أنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ) كذا في هذه الرواية شكّ شعبة، ووقع في رواية خالد بن الحارث، عن شعبة التي قبلها: "وقول الزور"، ولم يشك، وكذا وقع الجزم بذلك في رواية وهب بن جرير، وعبد الملك بن إبراهيم عند البخاريّ في "كتاب الشهادات"، قال قتيبة: "وشهادة الزور"، ولم يشكّ.

стр. 1394

وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟، قول الزور، أو شهادة الزور"، فليس على ظاهره المتبادر إلى الأفهام منه؛ وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شكّ، وكذا القتل، فلا بُدّ من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه: [أحدها]: أنه محمول على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وعامل به. [والثاني]: أنه محمول على المستحلّ، فيصير بذلك كافرًا. [والثالث]: أن المراد: من أكبر الكبائر، كما قدمناه في نظائره، وهذا الثالث هو الظاهر، أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف؛ لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق، وأما قبح الكفر، وكونه أكبر الكبائر فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك، فحمله عليه يُخرجه عن الفائدة. ثم الظاهر الذي يقتضيه عموم الحديث، وإطلاقه، والقواعد أنه لا فرق في كون شهادة الزور بالحقوق كبيرةً، بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، وقد يحتمل على بُعْد أن يقال فيه الاحتمال الذي قَدَّمته عن الشيخ أبي محمد بن عبد السلام في أكل تمرة من مال اليتيم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٧ و ٢٦٨] (٨٨)، و (البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٥٣)، و"الأدب" (٥٩٧٧)، و"الديات" (٦٨٧١)، و (الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٠٧)، و"التفسير" (٣٠١٨)، و (النسائيّ) في "القسامة" (٤٨٦٨)، و"الكبرى" (٣٤٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٢٥، (وأبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦١)، وفوائد الحديث تقدّمت في حديث أبي بكرة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1395

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٩] (٨٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقّ، وَأكلُ مَالِ الْيَتِيم، وَأكلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٤ - (ثَوْرُ (١) بْنُ زيدٍ) الدّيليّ - بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانيّة - المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن سالم أبي الغيث، وأبي الزناد، وسعيد المقبريّ، وعكرمة، والحسن البصريّ، وغيرهم، وأرسل عن ابن عباس (٢). ورَوَى عنه مالك، وسليمان بن بلال، وابن عجلان، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة.

стр. 1396

قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن عبد البرّ: هو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان يُنسَب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عنه، فقال: هو نحو شريك - يعني: ابن أبي نَمِر -، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": اتهمه ابن الْبَرقيّ بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن يزيد. انتهى. قال الحافظ: والْبَرْقيّ لم يتهمه، بل حَكَى في الطبقات أن مالكًا سئل: كيف رَوَيت عن داود بن الحصين، وثور بن زبد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرْمَون بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يَخِرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كَذْبة، وقد ذكر المزيّ أن مالكًا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشاميّ، فلعله سئل عنه، وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع. قال ابن عبد البر في "التمهيد": مات سنة (١٣٥)، لا يختلفون في ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث: هذا الحديث، وحديث (١١٥): "إن الشملة لتلتهب عليه نارًا … "، و (٢٥٤٦): "لو كان الإيمان عند الثريّا … "، و (٢٨٦٣): "إن العرق يوم القيامة ليذهب … "، و (٢٩٠٩): "ذو السويقتين من الحبشة يخرّب بيت الله … "، و (٢٩١٠): "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان … "، و (٢٩٢٠): "سمعتم بمدينة جانب منها في البرّ … "، و (٢٩٨٢): "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد … "، و (٢٩٨٣): "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين … ". ٥ - (أَبُو الْغَيْثِ) هو: سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ، وإسحاق بن سالم، وصفوان بن سُليم، وعُمر بن عطاء، وعثمان بن عمر بن موسى التيميّ، ويزيد بن خُصَيفة. قال أحمد: لا أعلم أحدًا رَوَى عنه إلا ثورٌ، وأحاديثه متقاربة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معينٍ: ثقةٌ يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، حسن الحديث، وذكر ابن شاهين أن كلام أحمد بن حنبل اختَلَف فيه.

стр. 1397

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث التسعة التي تقدّمت في ترجمة ثور بن زيد. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فأيليّ، ثم مصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا) أي ابتعدوا، وهو أبلغ من اترُكوا (السَّبْعَ)، قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين - ويُروَى إلى سبعمائة - أقرب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ : الكبائرُ سبعٌ، فالمراد به من الكبائر سبعٌ، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شكّ، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع، وفي الرواية الأخرى: ثلاثٌ، وفي الأخرى: أربعٌ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها، لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يَذكُر في بعضها ما ذَكَر في الأخرى، وهذا مُصَرّح بما ذكرته من أن المراد البعض، وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتمُ الرجل والديه، وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء من البول أنهما من الكبائر، وجاء في غير مسلم: من الكبائر اليمين الغَمُوس، واستحلال بيت الله الحرام. انتهى (١).

стр. 1398

(الْمُوبِقَاتِ") بموحّدة، فقاف: أي المهلكات، جمع موبقة، من أوبقه: إذا أهلكه، قال في "القاموس": وَبَقَ كَوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، وَمَوْبِقًا: هَلَكَ، كاسْتَوْبَقَ، وكمَجْلِسٍ: الْمَهْلِكُ، والمَوْعِدُ، والْمَحْبِس، ووَادٍ في جَهنَّمَ، وكلُّ شيءٍ حال بين شيئين، وأوبقه: حبَسَهُ، وأهلكه. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الموبقات": الْمُهلكات، جمع موبقة، من أوبق، ووابقه: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إذا هَلَكَ، والْمَوْبِقُ مَفْعِلٌ منه، كالموعد، مَفْعِلٌ من الوعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، وفيه لغة ثانيةٌ: وَبِقَ بكسر الباء يَوْبَقُ بالفتح وَبَقًا، وفيه لغة ثالثةٌ: وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبقه: أهلكه، وسُمّيت هذه الكبائر مُوبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب، ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس ﵄ حين سُئل عن الكبائر، فقال: "هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع"، وفي رواية عنه: "هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع"، وعلى هذا، فاقتصاره ﷺ على هذه السبع في هذا الحديث يَحْتَمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها، وَيحتمل أن يكون ذلك لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خَصَّ عددًا من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟) أي السبع المهلكات؟ (قَالَ) ﷺ ("الشِّرْكُ بِاللهِ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال: أي هي: الشرك بالله تعالى، ويجوز نصبه بدلًا من "السبع"، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني، ونحوه، وهكذا إعراب ما بعده. وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآني، حيث قال : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ

стр. 1399

الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وتقدّم حديث ابن مسعود ﵁ المتّفق عليه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟، قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … " الحديث، وفيه: وأنزل الله تصديق قول النبيّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكّك في ذلك أحدٌ من أهل القبلة. انتهى (١). (وَالسِّحْرُ) - بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -، قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه: استماله بِرِقَّته، وحسن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في "التفسير": ولفظ "السحر" في عرف الشرع: مختص بكلِّ أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّلُ على غير حقيقته، ويَجْرِي مَجْرَى التمويه والخِدَاع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلِق ذُمَّ فاعلُهُ، وقد يُسْتَعمَلُ مُقَيَّدًا فيما يُمْدَح ويُحْمَد، نحو قوله ﵊: "إن من البيان لَسِحْرًا": أي إن بعض البيان سِحْرٌ؛ لأن صاحبه يُوَضِّح الشيء المشكل، ويَكْشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيَسْتَمِيل القلوب، كما تُسْتَمالُ بالسحر، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجْذِب السامعَ، ويُخرِجه إلى حَدٍّ يكاد يَشْغَله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقيّ، وقيل: هو السحر الحلال، ذكره الفيّوميّ (٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه ﷺ السحر من الكبائر، فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير، أن السحر حرام، من الكبائر فعلُه وتعلُّمُهُ وتعليمه، وقال بعض أصحابنا: إنّ تعلمه ليس بحرام، بل يجوز؛ لِيُعْرَفَ، ويُرَدَّ على صاحبه، ويُمَيَّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يَحْمِل الحديث على فعل السحر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (٣). (وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي كأن تَقتُل بريئًا عمدًا، فيُقتَصَّ

стр. 1400

منها، أو تزَني مُحصَنَةً، فتُرْجَمَ، (وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) بفتح الياء التحتانيّة، وكسر التاء الفوقانيّة، يقال: يَتُمَ يَيْتُمُ، من بابي تَعِبَ وقَرُبَ، يُتْمًا بضم الياء وفتحها، لكن الْيُتْم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمعُ أَيْتَامٌ، ويَتَامى، وصَغيرة يتيمةٌ، وجمعها يَتَامَى، وفي غير الناس من قِبَل الأمّ، وأيتمت المرأة إيتامًا، فهي موتِمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ، قاله الفيّوميّ (١). والمراد إتلاف ماله، وإنما خصّ الأكل؛ لكونه أعظم المقصود من المال، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. (وَأكْلُ الرِّبَا) المراد كسب الربا، وإنما خصّ الأكل؛ لأنه معظم ما يكتسب له، ويشمل ربا الفضل وربا النسيئة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. (وَالتَّوَلَّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب، و"الزَّحْفُ": الجيش يَزْحَفُون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه يَزْحَفُ زَحْفًا، من باب مَنَعَ: إذا مشى نحوه، أفاده ابن الأثير في "النهاية" (٢). وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: و"الزحْفُ": القتال، وأصله: المشي المتثاقل، كالصبيّ يَزْحَفُ قبل أن يمشى، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَهُ (٣)، وقد سُمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزْحَف فيه، والتولّي عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين على ما يأتي في "الجهاد" - إن شاء الله تعالى -. انتهى (٤). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه ﷺ التَّوَلِّي يوم الزحف من الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافة في كونه كبيرةً، إلا ما حُكِيَ عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية

стр. 1401

الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّةً، والصواب ما قاله الجماهير: إنه باقٍ. انتهى (١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥] ما نصّه: أمر الله في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئةٌ من المؤمنين فئةً هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فَرَّ من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فَرَّ من ثلاثة، فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد، والفرار كبيرةٌ مُوبقة بظاهر القرآن، وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة، منهم ابن الماجشون في "الواضحة": إنه يُراعَى الضعفُ والقوةُ والعُدَّةُ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس، إذا عَلِموا أن ما عند المشركين من النجَّدْةِ والبَسَالة ضِعْفُ ما عندهم، وأما على قول الجمهور، فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين، فيجوز الانهزام، والصبر أحسن، وقد وَقَفَ جيش مُؤتة، وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من الْمُسْتَعْرِبة من لَخْمٍ وجُذَام. قال: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقًا مولى موسى بن نُصَير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق، وكان في سبعين ألف عِنَان، فزَحَفَ إليه طارق، وصَبَر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدوّ، أو يكونون في مَحْرَس يَحْرُسون، فيأتيهم العدوّ، وهم يسير، أيقاتلون، أو ينصرفون فيُؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).

стр. 1402

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أنه لا يحلّ الفرار إلا فيما زاد العدو على الضعف هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم. (وَقَذفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ") أي رميُهنّ بالزنى، و"الإحصان" هنا: العِفّةُ عن الفواحش، و"الغافلات" أي عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خَبَرَ عندهنّ منه، قاله القرطبيّ (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما "المحصنات الغافلات": فبكسر الصاد وفتحها، قراءتان في السبع، قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بـ "المحصنات" هنا: العفائف، وبـ "الغافلات": الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفن به. انتهى (٢). [فائدة]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: "الإحصان" في الشرع خمسة أقسام: [أحدهما]: الإحصان في الزنا، الذي يوجب الرجم على الزاني، وهو الوطء بنكاح. [والثاني]: الإحصان في المقذوف، وهو العفّة، وهو الذي يوجب على قاذفه ثمانين جلدة. [والثالث]: الإحصان بمعنى الحريّة. [والرابع]: الإحصان بمعنى التزويج. [والخامس]: الإحصان بمعنى الإسلام. فأما الإحصان في الزنا، فليس له ذكر في القرآن العزيز إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، قالوا: معناه مُصيبين بالنكاح، لا بالزنا. وأما الأربعة الباقية فمذكورة في الكتاب العزيز، فأما الإحصان في المقذوف، فهو المراد بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية. وأما الإحصان بمعنى الحرية، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ

стр. 1403

الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. وأما الإحصان بمعنى التزويج، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى قولهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. وأما الإحصان بمعنى الإسلام، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية. واختلف العلماء في المراد بأُحْصِنَّ هذا، فقيل: أسلمن، وقيل: تزوجن، وقد قُرئ بفتح الهمزة وضمها قراءتان في السبع، قال الواحديّ: من ضمها فمعناه: أُحْصِنَّ بالأزواج، أي تزوجن، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة - رحمهم الله تعالى - ومن فتحها، فمعناه: أسلمن، كذا قاله ابن عمر، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - والشعبيّ، وإبراهيم، والسُّدّيّ - رحمهم الله تعالى -. فأما شرط المحصن الذي يُرْجَم في الزنا، فهو البالغ العاقل الحرّ الواطئ في نكاح صحيح في حال تكليفه وحريته. وأما المحصن الذي يُجْلَد قاذفه ثمانين جلدة، فهو البالغ العاقل الحرّ المسلم العفيف، وإن شئت قلت في الموضعين: المكلف بدلًا عن البالغ العاقل، والأول أولى؛ لئلا يَخْرُج السكران والنائم، فإنهما ليسا مكلفين. قال الإمام الواحديّ: الإحصان في اللغة أصله المنع، وكذلك الحصانة، ومنه مدينة حصينة، ودِرعٌ حصينة، أي تمنع صاحبها من الجرح، والحصن: الموضع الحصين؛ لمنعه، والْحِصَان - بكسر الحاء -: الفرس؛ لمنعه لصاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء -: المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفساد، وحَصنت المرأة تَحْصُن حُصْنًا (١) فهي حَصَان، مثل: جَبُنت تَجْبُن جُبْنًا فهي جَبَان. وقال الفيّوميّ: و"الحصان" - بالفتح -: المرأة العفيفة، وجمعها حُصُنٌ،

стр. 1404

وقد حَصِنَت مثلث الصاد، وهي بَيِّنة الْحَصانة - بالفتح -: أي العفة، وأحصن الرجل بالألف: تَزَوَّج، والفقهاء يزيدون على هذا: وَطِئ في نكاح صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أُصيبت الحرة البالغة بنكاح، فهو إحصان في الإسلام والشرك، والمراد في نكاح صحيح، واسم الفاعل من أَحْصَنَ: إذا تزوج مُحْصِنٌ - بالكسر - على القياس، قاله ابن القطاع، ومُحْصَنٌ - بالفتح - على غير قياس، والمرأة مُحْصَنَةٌ - بالفتح - أيضًا على غير قياس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ويَحْرُم عليكم المتزوجات، وأما أَحْصَنت المرأة فرجها: إذا عَفَّت، فهي مُحْصِنَة - بالفتح، والكسر - أيضًا، وقُرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المراد الحرائر العفيفات، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد الحرائر أيضًا. انتهى كلام الفيّوميّ (١). قال الواحديّ: وأما الإحصان، فيقع على معانٍ ترجع إلى معنى واحد، منها: الحرية، والعَفَافُ، وكون المرأة ذات زوج، فالإحصان هو أن يَحْمِي الشيءَ، ويمنع، والحرةُ تَحْصُن نفسها، وتُحْصَن هي أيضًا، والعفة مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها من الزنا، والإسلام مانع من الفواحش، والمحصَنَةُ المزوجة؛ لأن الزوج يمنعها. قال الواحديّ: واختَلَفَ القراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن، إلا الحرف الأول في النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فإنهم أجمعوا على فتحه، قاله أبو عبيدة. انتهى كلام الواحديّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت المعاني الخمسة للإحصان بقولي:

стр. 1405

قَدْ وَرَدَ الإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ عَلَى … خَمْسَةِ أَقْسَامٍ رَوَاهَا النُّبَلَا عِفَّةٌ النِّكَاحُ وَالإِسْلَامُ … حُرِّيَّة تَزْوِيجُ مَنْ تُرَامُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٩] (٨٩)، و (البخاريّ) في "الوصايا" (٢٧٦٦)، و"الطبّ" (٥٧٦٤)، و"الحدود" (٦٨٥٧)، و (أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٧٤)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٩٨)، و"الكبرى" (٦٤٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٨ و ١٤٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٦٢)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٥٥٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٤٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٣٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قبح الشرك بالله تعالى، وهو وجه مناسبة إيراده هنا؛ لأن الشرك ضدّ الإيمان، ومناقض له، فلا بدّ أن تُعلم أنواعه، حتى لا يقع فيه المؤمن جهلًا، فيفسد عليه إيمانه. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر. ٣ - (ومنها): بيان وجوب الاجتناب عن هذه السبع الموبقات التي تُهلك من تلبّس بها، وترديه في جنهم - أعاذنا الله تعالى بمنّه منها -. ٤ - (ومنها): شدّة حرص النبيّ ﷺ على تحذير أمته عن اقتراف ما يُهلكها، ويُرديها، فهذا مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): تحريم الفرار من الزحف، وقد اختلف العلماء، هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟.
следующие страницы →