← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّةً، والصواب ما قاله الجماهير: إنه باقٍ. انتهى (١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥] ما نصّه: أمر الله في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئةٌ من المؤمنين فئةً هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فَرَّ من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فَرَّ من ثلاثة، فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد، والفرار كبيرةٌ مُوبقة بظاهر القرآن، وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة، منهم ابن الماجشون في "الواضحة": إنه يُراعَى الضعفُ والقوةُ والعُدَّةُ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس، إذا عَلِموا أن ما عند المشركين من النجَّدْةِ والبَسَالة ضِعْفُ ما عندهم، وأما على قول الجمهور، فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين، فيجوز الانهزام، والصبر أحسن، وقد وَقَفَ جيش مُؤتة، وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من الْمُسْتَعْرِبة من لَخْمٍ وجُذَام. قال: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقًا مولى موسى بن نُصَير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق، وكان في سبعين ألف عِنَان، فزَحَفَ إليه طارق، وصَبَر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدوّ، أو يكونون في مَحْرَس يَحْرُسون، فيأتيهم العدوّ، وهم يسير، أيقاتلون، أو ينصرفون فيُؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).

стр. 1402

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أنه لا يحلّ الفرار إلا فيما زاد العدو على الضعف هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم. (وَقَذفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ") أي رميُهنّ بالزنى، و"الإحصان" هنا: العِفّةُ عن الفواحش، و"الغافلات" أي عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خَبَرَ عندهنّ منه، قاله القرطبيّ (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما "المحصنات الغافلات": فبكسر الصاد وفتحها، قراءتان في السبع، قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بـ "المحصنات" هنا: العفائف، وبـ "الغافلات": الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفن به. انتهى (٢). [فائدة]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: "الإحصان" في الشرع خمسة أقسام: [أحدهما]: الإحصان في الزنا، الذي يوجب الرجم على الزاني، وهو الوطء بنكاح. [والثاني]: الإحصان في المقذوف، وهو العفّة، وهو الذي يوجب على قاذفه ثمانين جلدة. [والثالث]: الإحصان بمعنى الحريّة. [والرابع]: الإحصان بمعنى التزويج. [والخامس]: الإحصان بمعنى الإسلام. فأما الإحصان في الزنا، فليس له ذكر في القرآن العزيز إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، قالوا: معناه مُصيبين بالنكاح، لا بالزنا. وأما الأربعة الباقية فمذكورة في الكتاب العزيز، فأما الإحصان في المقذوف، فهو المراد بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية. وأما الإحصان بمعنى الحرية، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ

стр. 1403

الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. وأما الإحصان بمعنى التزويج، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى قولهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. وأما الإحصان بمعنى الإسلام، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية. واختلف العلماء في المراد بأُحْصِنَّ هذا، فقيل: أسلمن، وقيل: تزوجن، وقد قُرئ بفتح الهمزة وضمها قراءتان في السبع، قال الواحديّ: من ضمها فمعناه: أُحْصِنَّ بالأزواج، أي تزوجن، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة - رحمهم الله تعالى - ومن فتحها، فمعناه: أسلمن، كذا قاله ابن عمر، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - والشعبيّ، وإبراهيم، والسُّدّيّ - رحمهم الله تعالى -. فأما شرط المحصن الذي يُرْجَم في الزنا، فهو البالغ العاقل الحرّ الواطئ في نكاح صحيح في حال تكليفه وحريته. وأما المحصن الذي يُجْلَد قاذفه ثمانين جلدة، فهو البالغ العاقل الحرّ المسلم العفيف، وإن شئت قلت في الموضعين: المكلف بدلًا عن البالغ العاقل، والأول أولى؛ لئلا يَخْرُج السكران والنائم، فإنهما ليسا مكلفين. قال الإمام الواحديّ: الإحصان في اللغة أصله المنع، وكذلك الحصانة، ومنه مدينة حصينة، ودِرعٌ حصينة، أي تمنع صاحبها من الجرح، والحصن: الموضع الحصين؛ لمنعه، والْحِصَان - بكسر الحاء -: الفرس؛ لمنعه لصاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء -: المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفساد، وحَصنت المرأة تَحْصُن حُصْنًا (١) فهي حَصَان، مثل: جَبُنت تَجْبُن جُبْنًا فهي جَبَان. وقال الفيّوميّ: و"الحصان" - بالفتح -: المرأة العفيفة، وجمعها حُصُنٌ،

стр. 1404

وقد حَصِنَت مثلث الصاد، وهي بَيِّنة الْحَصانة - بالفتح -: أي العفة، وأحصن الرجل بالألف: تَزَوَّج، والفقهاء يزيدون على هذا: وَطِئ في نكاح صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أُصيبت الحرة البالغة بنكاح، فهو إحصان في الإسلام والشرك، والمراد في نكاح صحيح، واسم الفاعل من أَحْصَنَ: إذا تزوج مُحْصِنٌ - بالكسر - على القياس، قاله ابن القطاع، ومُحْصَنٌ - بالفتح - على غير قياس، والمرأة مُحْصَنَةٌ - بالفتح - أيضًا على غير قياس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ويَحْرُم عليكم المتزوجات، وأما أَحْصَنت المرأة فرجها: إذا عَفَّت، فهي مُحْصِنَة - بالفتح، والكسر - أيضًا، وقُرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المراد الحرائر العفيفات، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد الحرائر أيضًا. انتهى كلام الفيّوميّ (١). قال الواحديّ: وأما الإحصان، فيقع على معانٍ ترجع إلى معنى واحد، منها: الحرية، والعَفَافُ، وكون المرأة ذات زوج، فالإحصان هو أن يَحْمِي الشيءَ، ويمنع، والحرةُ تَحْصُن نفسها، وتُحْصَن هي أيضًا، والعفة مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها من الزنا، والإسلام مانع من الفواحش، والمحصَنَةُ المزوجة؛ لأن الزوج يمنعها. قال الواحديّ: واختَلَفَ القراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن، إلا الحرف الأول في النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فإنهم أجمعوا على فتحه، قاله أبو عبيدة. انتهى كلام الواحديّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت المعاني الخمسة للإحصان بقولي:

стр. 1405

قَدْ وَرَدَ الإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ عَلَى … خَمْسَةِ أَقْسَامٍ رَوَاهَا النُّبَلَا عِفَّةٌ النِّكَاحُ وَالإِسْلَامُ … حُرِّيَّة تَزْوِيجُ مَنْ تُرَامُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٦٩] (٨٩)، و (البخاريّ) في "الوصايا" (٢٧٦٦)، و"الطبّ" (٥٧٦٤)، و"الحدود" (٦٨٥٧)، و (أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٧٤)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٩٨)، و"الكبرى" (٦٤٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٨ و ١٤٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٦٢)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٥٥٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٤٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٣٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قبح الشرك بالله تعالى، وهو وجه مناسبة إيراده هنا؛ لأن الشرك ضدّ الإيمان، ومناقض له، فلا بدّ أن تُعلم أنواعه، حتى لا يقع فيه المؤمن جهلًا، فيفسد عليه إيمانه. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر. ٣ - (ومنها): بيان وجوب الاجتناب عن هذه السبع الموبقات التي تُهلك من تلبّس بها، وترديه في جنهم - أعاذنا الله تعالى بمنّه منها -. ٤ - (ومنها): شدّة حرص النبيّ ﷺ على تحذير أمته عن اقتراف ما يُهلكها، ويُرديها، فهذا مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): تحريم الفرار من الزحف، وقد اختلف العلماء، هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟.

стр. 1406

فرُوي عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، وبه قال أبو حنيفة، وأن ذلك خاصّ بأهل بدر، فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ ﷺ ، فأما بعد ذلك، فإن بعضهم فئة لبعض، قال إلْكِيا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلقٌ كثيرٌ من الأنصار، لم يأمرهم النبيّ ﷺ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله ﷺ فيمن خَفّ معه. ويُرْوَى عن ابن عباس، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتَجَّ الأولون بما ذَكَرنا، وبقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نُسِخَ حكم الآية بآية الضعْف، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة، وقد فَرَّ الناس يوم أحد، فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾، وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة، بشرط الضِّعْف الذي بيّنه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال، وانقضاء الحرب، وذهاب اليوم بما فيه، وإلى هذا ذهب مالك، والشافعيّ، وأكثر العلماء، وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" وفيه: "والتولي يوم الزحف"، وهذا نصّ في المسألة، وأما يوم أُحد، فإنما فَرّ الناس من أكثر من ضِعْفهم، ومع ذلك عُنّفُوا، وأما يوم حنين فكذلك مَن فَرَّ إنما انكشف عن الكثرة. انتهى كلام القرطبيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أن الآية غير منسوخة، وأن الحكم عامّ لا يختصّ بيوم بدر هو الصواب؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم.

стр. 1407

[فائدة]: الفرار من الزحف من كبائر الذنوب، كما سبق، فمن فرّ فليستغفر الله ، لما أخرجه الترمذي من حديث بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدّي، سمع النبيّ ﷺ يقول: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه، غُفِر له، وإن كان قد فَرّ من الزحف" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من الآثار في الموبقات، وما قاله أهل العلم في ذلك: قال الحافظ رحمه الله تعالى: المراد بالموبقة هنا الكبيرة، كما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ من وجه آخر، أخرجه البزّار، وابن المنذر، من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس … " الحديث، مثل رواية أبي الغيث، إلا أنه ذكر بدل "السحر": الانتقال إلى الأعرابيّة بعد الهجرة. وأخرج النسائيّ، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق صُهيب، مولى الْعُتْوَاريين، عن أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يُصلّي الخمس، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنّة" الحديث، ولكن لم يفسّرها. والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم، وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه"، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، قال: "كتب رسول الله ﷺ كتاب الفرائض، والديات، والسنن، وبَعَثَ به مع عمرو بن حزم إلى اليمن" الحديث بطوله، وفيه: "وكان في الكتاب: وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث سالم سواءً، وللطبرانيّ من حديث سهل بن أبي حثمة، عن عليّ ﵁ رفعه: "اجتنب الكبائر السبع"، فذكرها، لكن ذكر "التعرّب بعد الهجرة"، بدل "السحر"، وله في

стр. 1408

"الأوسط" من حديث أبي سعيد ﵁ مثله، وقال: "الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة". ولإسماعيل القاضي من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو، قال: "صعد النبيّ ﷺ المنبر، ثم قال: أبشروا، مَن صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنّة"، فقيل له: أسمعت النبيّ ﷺ يذكرهنّ؟ قال: نعم، فذكر مثل حديث عليّ سواءً، وقال عبد الرزّاق: أنبأنا معمرٌ، عن الحسن، قال: "الكبائر الإشراك بالله"، فذكر مثل الأصول (١) سواءً، إلا أنه قال: "اليمين الفاجرة"، بدل "السحر". ولابن عمرو فيما أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبريّ في "التفسير"، وعبد الرزّاق، والخرائطيّ في "مساوئ الأخلاق"، وإسماعيل القاضي في "أحكام القرآن"، مرفوعًا، وموقوفًا، قال: "الكبائر تسع"، فذكر السبع المذكورة، وزاد: "الإلحاد في الحرم، وعُقُوق الوالدين". ولأبي داود، والطبرانيّ، من رواية عُبيد بن عُمير بن قتادة الليثيّ، عن أبيه، رفعه: "إن أولياء الله المصلّون، ومن يجتنب الكبائر"، قالوا: ما الكبائر؟ قال: "هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك بالله"، فذكر مثل حديث ابن عمر سواءً، إلا أنه عبّر عن "الإلحاد في الحرم" باستحلال البيت الحرام. وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب، قال: "هنّ عشرٌ"، فذكر السبع التي في الأصل، وزاد: "وعقوقُ الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر". ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث، عن عليّ ﵁ قال: "الكبائر"، فذكر التسع، إلا مال اليتيم، وزاد العقوق، والتعرّب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول، والزنا، فقال رسول الله ﷺ : "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلًا؟ ". وعند عبد الرزّاق، والطبرانيّ، عن ابن مسعود ﵁: "أكبر الكبائر

стр. 1409

الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله"، وهو موقوف. وروى إسماعيل بسند صحيح، من طريق ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل (١)، لكن قال: "البهتان" بدل السحر، والقذف، فسُئل عن ذلك؟ فقال: البهتان يجمع. وفي "الموطّأ" عن النعمان بن مرّة مرسلًا: "الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فواحش"، وله شاهد من حديث عمران بن حُصين عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وسنده حسنٌ، وسيأتي في "الطهارة" حديث ابن عباس في النميمة، ومن رواه بلفظ الغيبة، وترك التنزّه من البول. ولإسماعيل القاضي، من مرسل الحسن، ذكر "الزنا والسرقة"، وله عن أبي إسحاق السبيعيّ: "شتم أبي بكر وعمر"، وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مِقسم. وأخرج الطبريّ عنه بسند صحيح: "الإضرار في الوصيّة من الكبائر"، وعنه: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر"، رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر ذكر النُّهْبة، ومن حديث بُريدة عند البزّار: منع فضل الماء، ومنع طروق الفحل، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم: "الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنّة"، ثم فسّر نكث الصفقة بالخروج على الإمام، وترك السنّة بالخروج عن الجماعة، أخرجه الحاكم، ومن حديث ابن عمر عند ابن مردويه: "أكبر الكبائر سوء الظنّ بالله". ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، عن أنس ﵁ رفعه: "نظرت في الذنوب، فلم أرَ أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل، فنسيها"، وحديث: "من أتى حائضًا، أو كاهنًا، فقد كفر". أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما وقفت عليه، مما ورد

стр. 1410

التصريح بأنه من الكبائر، أو من أكبر الكبائر، صحيحًا، وضعيفًا، مرفوعًا، وموقوفًا، وقد تتبّعته غاية التتبّع، وفي بعضه ما ورد خاصًّا، ويدخل في عموم غيره، كالتسبب في لعن الوالدين، وهو داخل في العقوق، وقتل الولد، وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخلٌ في الزنا، والنُّهْبة، والغلول، واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلّم السحر، وهو داخل في السحر، وشهادة الزور، وهي داخلة في قول الزور، واليمين الغموس، وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، كاليأس من روح الله. والمعتمد في كلّ ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزّه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة، وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عدّه من ذلك أقوى من المختلف فيه، إلا ما عضده القرآن، أو الإجماع، فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع، ومن الموقوف ما يقاربها. ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف. وبأنه أُعْلِم أوّلًا بالمذكورات، ثم أُعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ، وإسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة. ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 1411

(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر: قد اختلف السلف في الكبائر والصغائر، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر. وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الإسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة، ونُقِل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجّوا بأن كلّ مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. اهـ. ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة، بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرّمة صغيرة بإضافتهما إلى الزنا، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغْفَر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] أن المراد الشرك. وقد قال الفرّاء: من قرأ "كبائر"، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح ﵇، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة. اهـ. قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلّة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول، وقال الغزاليّ في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه. قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في "الإرشاد": المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصَى الله به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربّ أعظم من عُصِي، فكلّ ذنب بالإضافة

стр. 1412

إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب، وإن عظمت، فهي متفاوتة في رتبها. وظنّ بعض الناس أن الخلاف لفظيّ، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض، فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلّها كبائر. اهـ. والتحقيق أن الخلاف معنويّ، وإنما جَرَى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدالّ على أن الصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عباس أن كلّ ما نهى الله تعالى عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟. قال الحافظ: ويؤيّده ما سيأتي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في تفسير اللمم، لكن النقل المذكور عنه، أخرجه إسماعيل القاضي، والطبريّ بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عبّاس، فالأَولى أن يكون المراد بقوله: "نهى الله عنه" محمولًا على نهي خاصّ، وهو الذي قُرن به وعيد، كما قُيّد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعًا بين كلاميه. وقال الطيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب، فأما الطاعة، فكلّ ما تكفّره الصلاة مثلًا هو من الصغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام، أو الهجرة فهو من الكبائر. وأما المعصية، فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيدًا، أو عقابًا أزيد من الوعيد، أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى، فهي كبيرة. وأما الثواب، ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين، فالصغيرة بالنسبة إليه

стр. 1413

كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تُعَدّ من غيرهم معصية. اهـ. وكلامه فيما يتعلّق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم مَن أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد، أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلًا كبيرة، كأنه وإن ورد الوعيد فيه، أو العقاب، لكن ورد الوعيد وإلعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور، وما أشبهه ينقسم إلى كبير وأكبر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١) وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الكبيرة: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في حدّ الكبيرة، وتمييزها من الصغيرة، فجاء عن ابن عباس ﵄: كل شيء نَهَى الله عنه فهو كبيرة، وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الفقيه الشافعيّ، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى هذا المذهب عن المحققين. واحتج القائلون بهذا بأن كلَّ مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. وذهب الجماهير من السلف والخلف، من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مرويّ أيضًا عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها، قال أبو حامد الغزاليّ في كتابه "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع، وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تُكَفِّره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحجّ، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث

стр. 1414

الصحيحة، وإلى ما لا يُكَفِّره ذلك، كما ثبت في "الصحيح": "ما لم يَغْشَ كبيرة"، فسَمَّى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شكّ في حسن هذا، ولا يُخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها؛ لكونها أقلّ قُبْحًا، ولكونها متيسرة التكفير، والله تعالى أعلم. وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلفوا في ضبطها اختلافًا كثيرًا منتشرًا جدًّا. فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكبائر كلُّ ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، ونحوُ هذا عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أو حدّ في الدنيا. قال الحافظ: وممن نَصّ على هذا الأخير الإمام أحمد، فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماورديّ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد، والمنقول عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا، وأخرج من وجه آخر متصل لا بأس برجاله أيضًا، عن ابن عباس قال: كلُّ ما توعّد الله عليه بالنار كبيرة، وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها: قولُ إمام الحرمين: كلُّ جريمة تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورِقّة الديانة، وقول الْحَلِيميّ: كل محرم لعينه منهيّ عنه لمعنى في نفسه، وقال الرافعيّ: هي ما أوجب الحدّ، وقيل: ما يُلحَق الوعيدُ بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه. وقد استُشكِل بأن كثيرًا مما وَردت النصوص بكونه كبيرةً لا حَدّ فيه، كالعقوق. وأجاب بعض الأئمة بأن مُراد قائله: ضبطُ ما لم يَرِد فيه نص بكونه كبيرةً. وقال ابن عبد السلام في "القواعد": لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يَسْلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعِر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارَ أدون الكبائر المنصوص عليها.

стр. 1415

قال الحافظ: وهو ضابط جيّدٌ (١). وقال أبو حامد الغزالي في "البسيط": والضابط الشامل المعنويّ في ضبط الكبيرة أنّ كلَّ معصية يُقْدِم المرء عليها من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون، فهو كبيرة، وما يُحْمَل على فَلَتات النفس، أو اللسان، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزجُ به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في "فتاويه": الكبيرةُ كل ذنب كَبُر وعَظُم عِظَمًا يَصِحُّ معه أن يُطلَق عليه اسم الكبير، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق، قال: فهذا حدّ الكبيرة، ثم لها أمارات، منها: إيجاب الحدّ، ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها، في الكتاب أو السنة، ومنها: وصف فاعلها بالفسق نصًّا، ومنها: اللعن، كـ "لَعَنَ الله مَن غيّر مَنَارَ الأرض". وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد": إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو رَبَت عليه فهي من الكبائر، فمَن شَتَمَ الربّ ، أو رسوله ﷺ ، أو استهان بالرسل، أو كذَّب واحدًا منهم، أو ضَمَخَ الكعبة بالعَذِرَة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرِّح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك امرأةً محصنةً لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دَلَّ الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، وَيسْبُون حُرَمَهم وأطفالهم، وَيغْنَمون (٢) أموالهم، فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم

стр. 1416

الزحف بغير عذر، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كَذَب على إنسان كذبًا يَعلم أنه يُقتل بسببه، أما إذا كَذَب عليه كذبًا يؤخذ منه بسببه تمرة، فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نَصَّ الشرع على أن شهادة الزور، وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير، فيجوز أن يُجعلا من الكبائر فِطَامًا عن هذه المفاسد، كما جُعِل شرب قَطْرة من خمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يُضْبَط ذلك بنصاب السرقة، قال: والحكم بغير الحقّ كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فإذا جُعل السبب كبيرة، فالمباشرة أولى. قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قُرِن به وعيدٌ، أو حَدٌّ، أو لَعْنٌ، فعلى هذا كلُّ ذنب عُلِم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به الوعيد، أو الحدّ، أو اللعن، أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة، ثم قال: والأولى أن تُضبَط الكبيرة بما يُشْعِر بتهاون مرتكبها في دينه إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى. وقال الإمام أبو الحسن الواحديّ المفسر وغيره: الصحيح أن حَدَّ الكبيرة غير معروف، بل وَرَدَ الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواعٍ لم توصف، وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانه أن يكون العبد ممتنعًا مخافةَ أن يكون من الكبائر، قالوا: وهذا شبيهٌ بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك، مما أُخفِيَ، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام النوويّ (١). وقال الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا في "الفتح" في "كتاب الحدود" بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في الكبائر، ما نصّه: هاذا تقرر ذلك عُرِف فساد مَن عَرَّف الكبيرة بأنها ما وَجَب فيها الحدّ؛ لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحدّ، قال الرافعيّ في "الشرح الكبير": الكبيرة هي الموجبة للحدّ، وقيل: ما

стр. 1417

يُلْحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، وقد أقره في "الروضة"، وهو يُشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد قال الماورديّ في "الحاوي": هي ما يوجب الحدَّ، أو توجَّه إليها الوعيد، و"أو" في كلامه للتنويع، لا للشكّ، وكيف يقول عالم: إن الكبيرة ما وَرَدَ فيه الحدّ مع التصريح في "الصحيحين" بالعقوق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك؟ والأصل فيما ذكره الرافعيّ قولُ البغوي في "التهذيب": مَن ارتكب كبيرةً، من زنا، أو لواط، أو شرب الخمر، أو غصب، أو سرقة، أو قتل بغير حقّ تُرَدُّ شهادته، وإن فعله مرةً واحدةً، ثم قال: فكلُّ ما يوجب الحدّ من المعاصي فهو كبيرة، وقيل: ما يُلحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. انتهى. والكلام الأول لا يقتضي الحصر، والثاني هو المعتمد. وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط الكبيرة - يعني: يسلم من الاعتراض - قال: والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكلّ ذنبٍ قُرِن به وعيدٌ، أو لعن. قال الحافظ: وهذا أشمل من غيره، ولا يَرِد عليه إخلاله بما فيه حدّ؛ لأن كل ما ثبت فيه الحدّ لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقًا، والمتراخية إذا تضيقت. وقال ابن الصلاح: لها أماراتٌ: [منها]: إيجابُ الحدّ. [ومنها]: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها، في الكتاب أو السنة. [ومنها]: وصف صاحبها بالفسق. [ومنها]: اللعن. قال الحافظ: وهذا أوسع مما قبله. وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لهيعة، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "الكبائر كلُّ ذنب أدخل صاحبه النار"، وبسند صحيح عن الحسن البصريّ قال: "كلُّ ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة".

стр. 1418

ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ في "المفهم": كلُّ ذنب أُطلق عليه بنصّ كتاب، أو سنة، أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو عُلّق عليه الحدّ، أو شُدّد النكير عليه فهو كبيرة. قال الحافظ: وعلى هذا فينبغي تتبع ما وَرَد فيه الوعيد، أو اللعن، أو الفسق من القرآن، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضَمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن، والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرِف منه تحرير عددها، وقد شرعتُ في جمع ذلك، وأسأل الله الإعانة على تحريره بمنّه وكرمه. وقال الحليميّ في "المنهاج": ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تُضَمُّ إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشةً كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة. قال الحافظ: ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش، ثم ذكر الحليميّ أمثلة لما قال، فالثاني: كقتل النفس بغير حقّ، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة، والزنا كبيرةٌ، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم، أو جاهر به فهو فاحشة. والأول: كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرةٌ، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم فكبيرة، وسرقةُ ما دون النصاب صغير، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة. وأطال في أمثلة ذلك، وفي الكثير منه ما يُتَعَقَّب، لكن هذا عنوانه، وهو منهجٌ حسن، لا بأس باعتباره، ومدارُهُ على شدة المفسدة وخفتها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ. (المسألة السابعة): قال العلماء رحمهم الله تعالى: الإصرار على الصغيرة يَجعلها كبيرةً، ورُوي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما ﵃: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار"، ومعناه: أن الكبيرة تُمحَى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار.

стр. 1419

قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حَدِّ الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يُشعِر بقلة مبالاته بدينه؛ إشعارَ ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع، بحيث يُشعر مجموعها بما يُشعر به أصغر الكبائر. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الْمُصِرُّ مَن تلبّس من أضداد التوبة باسم العزم على المعاودة، أو باستدامة الفعل، بحيث يَدخُل به ذنبه في حيز ما يُطلَق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمان ذلك وعدده حصر، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠] (٩٠) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟، قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أمّهُ فَيَسُبُّ أمّهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثّقَفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.

стр. 1420

٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة والقاسم بن محمد حَيٌّ، ثقة فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، ومن المعلوم أنهما دخلا المدينة، فقد أخذا عن مالك وغيره من أهلها. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: ابن الهاد، وسعد، وحُميد، ورواية الأولين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الخامسة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي: وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ … فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍ وعَادَلَهْ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا … وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيرَ هَذَا ذَكَرَا وهو أحد الفقهاء المكثرين من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه من أكبر الكبائر؛

стр. 1421

لأن شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه. انتهى (١). وتعقّبه بعضهم بأنه لم يقصد شتم أبيه، وليس فعل السبب كفعل المسبّب على كلّ حال، فالصواب كونه كبيرةً، كما جعله في الحديث. انتهى (٢). والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (شَتْمُ الرَّجُلِ) هذا لا يخصّ الرجل، بل يعمّ النساء أيضًا؛ لأنهنّ لا يتخلفن عن الرجال في هذا، فتنبّه. (وَالِدَيْهِ") وللبخاريّ: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، وله في "الأدب المفرد": "من الكبائر عند الله أن يسبّ الرجل والده". و"الشتم": السبّ، يقال: شَتَمَه يَشْتُمه، من بابي: ضرب، ونصر، شَتْمًا، ومَشْتَمَةً بفتح التاء، ومَشْتُمَةً بضمّها: سبّه، أفاده في "القاموس" (٣). (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون مجلس تحديث ﷺ (يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟)، قال في "المفهم": استفهام إنكار واستبعاد لوقوع ذلك من أحد من الناس، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المبالغة في برّ الوالدين، ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب. انتهى (٤). وقال في "الفتح": هو استبعاد من السائلين؛ لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، فَبَيَّن ﷺ في الجواب أنه وإن لم يتعاطَ السّبّ بنفسه في الأغلب الأكثر، لكن قد يقع منه التسبب فيه، وهو مما يمكن وقوعه كثيرًا. (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي يقع شتم الرجل والديه، وذلك أن الشخص (يَسُبُّ) بضمّ السين المهملة، من باب نصر، والسبّ: العار (أَبَا الرَّجُلِ) هذا لا يخصّ الرجل، بل لو سبّ أبا المرأة، فكذلك، فتنبّه (فَيَسُبُّ) الرجل المسبوب أبوه (أَبَاهُ) أي أبا السابّ مجازاة لجريمته (ويسُبُّ أمَّهُ) أي أم الرجل (فَيَسُبُّ) المسبوب أمه أيضًا (أمَّهُ") أي أم السابّ كذلك. قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أن من تسبب في شيء جاز أن يُنسَب إليه ذلك الشيء، وإنما جُعِل هذا عقوقًا؛ لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد

стр. 1422

تأذيًا ليس بالْهَيّن كما تقدم في حدّ العقوق، وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق، ونحو ذلك. انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أن سبب الشيء قد يُنزّله الشرع منزلة الشيء في المنع، فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا، ويمنع بيع ثياب الخزّ ممن يلبسها، وهي لا تحلّ له، وهو أحد القولين للمالكيّة، وفيه حجة لمالك على القول بسدّ الذرائع، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، والذريعة هي الامتناع مما ليس ممنوعًا في نفسه مخافةَ الوقوع في محظور. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٠/ ٢٧٠ و ٢٧١] (٩٠)، و (البخاريّ) في "الأدب" (٥٩٧٣)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥١٤١)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٤ و ٢١٤ و ٢١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٦٣ و ٢٦٤)، وفي "الحلية" (٣/ ١٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١١ و ٤١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم سبّ الوالدين، وكونه من الكبائر. ٢ - (ومنها): بيان عظمة حقّ الوالدين، وأن أيّ فعل يتأذّيان به فإنه حرام، وإن لم يكن مباشرة. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصلٌ في سدّ الذرائع، ويؤخذ منه أن مَن آل فعله إلى مُحَرَّم يَحْرُم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يَحْرُم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى:

стр. 1423

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الَاية. ٤ - (ومنها): أنه استنبط منه الماورديّ ﵀ تحريم بيع ثوب الحرير ممن يتحقق أنه يلبسه، والغلام الأمرد ممن يتحقق أنه يفعل به الفاحشة، والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمرًا. ٥ - (ومنها): ما قاله الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: فيه العمل بالغالب؛ لأن الذي يَسُبّ أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه، ويجوز أن لا يفعل، لكن الغالب أن يجيبه بنحو قوله. ٦ - (ومنها): أن فيه مراجعةَ الطالب لشيخه فيما يقوله، مما يُشْكِل عليه. ٧ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الكبائر، وقد سبق قريبًا تمام البحث فيه. ٨ - (ومنها): أن فيه أن الأصل يَفْضُلُ الفرع بأصل الوضع، ولو فضله الفرع ببعض الصفات، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان مسألة مهمّة لها صلة بهذا الحديث، بل هو من أصولها القوّية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهي البحث عن سدّ الذرائع. (اعلم): أن "الذرائع": جمع ذريعة، وهي في اللغة: ما كان طريقًا إلى الشيء، أما في الاصطلاح فالأكثرون يقصرونها على ما أفضى إلى محرّم، فقالوا: هي كلُّ عمل ظاهر الإباحة، يُتوصّل به إلى فعل محظور، وبعضهم يرى أنها تعمّ جميع الوسائل: المباحة، والمحرّمة، ومن هؤلاء: القرافيّ، وابن تيميّة، وابن القيمّ رحمهم الله تعالى، قالوا: هي ما كانت وسيلة إلى الشيء، وصرّح القرافيّ بأنه كما يجب سدّها، يجب فتحها، وتُكره، وتُندب، وتُباح. انتهى. وقد شاع أن المالكيّة هم القائلون دون غيرهم بسدّ الذرائع، وذلك إنما كان بسبب توسّعهم فيها، كما نبّه عليه القرافيّ؛ إذ قد قال بها الحنابلة أيضًا، قال ابن العربيّ في "أحكام القرآن": انفرد بها مالك، وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته، وخفيت على الشافعيّ وأبي حنيفة، بل جاء عن بعض العلماء ما

стр. 1424

يُفيد أن من خالفوا مالكًا في هذه المسألة إنما خالفوه عند التأصيل، وعمِلُوا بها في فروعهم، فقد نقل الشوكانيّ عن القرطبيّ أنه قال: سدّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا. انتهى (١). ولقد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه البديع "إعلام الموقّعين"، فأجاد، وأفاد، ودونك نصّه، قال رحمه الله تعالى: (فصل في سد الذرائع) لَمّا كانت المقاصد لا يُتَوَصَّل إليها إلا بأسباب وطرق، تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها، معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات والمعاصي في كراهتها، والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها، والإذن فيها، بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغايات، وهي مقصودةٌ قصدَ الوسائل. فإذا حَرَّم الرب تعالى شيئًا، وله طُرُقٌ ووسائل، تفضي إليه، فإنه يُحَرِّمها، ويمنع منها؛ تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يُقْرَب حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمتُهُ تعالى، وعلمُهُ يأبى ذلك كلَّ الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا مَنَع جنده، أو رعيته، أو أهل بيته من شيء، ثم أباح له الطرُق، والأسباب، والذرائع الموصلة إليه، لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضدُّ مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حَسْمَ الداء، منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فَسَد عليهم ما يَرُومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها، عَلِمَ أن الله تعالى، ورسوله ﷺ سَدَّ الذرائع المفضية إلى المحارم، بأن حرَّمها، ونَهَى عنها، والذَّرِيعة ما كان وسيلةً وطريقًا إلى الشيء.

стр. 1425

ولا بُدَّ من تحرير هذا الموضع قبل تقريره؛ ليزول الالتباس فيه، فنقول: الفعل، أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان: [أحدهما]: أن يكون وضعه للإفضاء إليها، كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفِرْيَة، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه، وفساد الفراش، ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال، وُضِعت مفضيةً لهذه المفاسد، وليس لها ظاهرٌ غيرها. [والثاني]: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز، أو مستحب، فيُتَّخَذ وسيلة إلى المحرم، إما بقصده، أو بغير قصد منه. فالأول: كمن يَعقِد النكاح قاصدًا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدًا به الربا، أو يخالع قاصدًا به الحنث، ونحو ذلك. والثاني: كمن يُصلي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلي بين يدي القبر لله، ونحو ذلك، ثم هذا القسم من الذرائع نوعان: [أحدهما]: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته. [والثاني]: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته، فههنا أربعة أقسام: الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح، قُصِد بها التوسل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح، لم يُقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ومثال الثالث: الصلاة في أوقات النهي، ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزين المتوفَّى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك. ومثال الرايع: النظر إلى المخطوبة، والمستامة، والمشهود عليها، ومن يطؤها ويعاملها، وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحقّ عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك، فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم، أو استحبابه،

стр. 1426

أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول؛ كراهةً أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة، بقي النظر في القسمين الوسط، هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما، أو المنع منهما؟ فنقول: الدلالة على المنع من وجوه: (الوجه الأول): قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فحَرَّم الله تعالى سب آلهة المشركين، مع كون السبّ غيظًا وحمية لله، وإهانةً لآلهتهم؛ لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه، بل كالتصريح على المنع من الجائز؛ لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز. (الوجه الثاني): قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزًا في نفسه؛ لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهنّ. (الوجه الثالث): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]، أَمَر تعالى مماليك المؤمنين، ومن لم يبلغ منهم الحلم، أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة؛ لئلا يكون دخولهم هَجْمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطّلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها، وإن أمكن في تركه هذه المفسدة؛ لندورها، وقلة الإفضاء إليها، فجعلت كالمقدمة. (الوجه الرابع): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، نهاهم أن يقولوا هذه الكلمة، مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعةً إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبيّ ﷺ ، ويقصدون بها السبّ، يقصدون فاعلًا من الرُّعُونة، فَنُهِي المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعةً إلى أن يقولها اليهود للنبيّ ﷺ تشبهًا بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.

стр. 1427

(الوجه الخامس): قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣، ٤٤]، فأَمر تعالى أن يُلِينا القول لأعظم أعدائه، وأشدّهم كفرًا، وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظُ القول له، مع أنه حقيقٌ به ذريعةً إلى تنفيره، وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز؛ لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى. (الوجه السادس): أنه تعالى نَهَى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعةً إلى وقوع ما هو أعظم مفسدةً من مفسدة الإغضاء، واحتمال الضَّيْم، ومصلحةُ حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحةٌ على مصلحة الانتصار والمقابلة. (الوجه السابع): أنه تعالى نَهَى عن البيع وقت نداء الجمعة؛ لئلا يُتَّخَذ ذريعةً إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها. (الوجه الثامن): ما رواه حُميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَمْرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "من الكبائر شَتمُ الرجل والديه"، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه"، مُتَّفقٌ عليه، ولفظ البخاري: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه"، فجَعَل رسول الله ﷺ الرجل سابًّا لاعنًا لأبويه بتسببه إلى ذلك، وتوسله إليه، وإن لم يقصده. (الوجه التاسع): أن النبيّ ﷺ كان يَكُفّ عن قتل المنافقين، مع كونه مصلحةً؛ لئلا يكون ذريعةً إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدًا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام، ممن دَخَل فيه، ومن لم يدخل فيه، ومفسدةُ التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحةُ التأليف أعظم من مصلحة القتل. (الوجه العاشر): أن الله حَرَّم الخمر؛ لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حَرَّم القطرة الواحدة

стр. 1428

منها، وحَرَّم إمساكها للتخليل، ونَجَّسها (١)؛ لئلا تُتَّخذ القطرة ذريعةً إلى الْحُسْوَة (٢) ويُتَّخَذ إمساكها للتخليل ذريعةً إلى إمساكها للشرب، ثم بالغ في سد الذريعة، فنَهَى عن الخليطين، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها، ولا يُعْلَم به حسمًا لمادّة قربان المسكر، وقد صَرَّح ﷺ بالعلة في تحريم القليل، فقال: "لو رَخَّصتُ لكم في هذه، لأوشك أن تجعلوها مثل هذه". (الوجه الحادي عشر): أنه ﷺ حَرَّمَ الخلوة. بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن، والسفرَ بها ولو في الحج، وزيارة الوالدين؛ سدّا لذريعة ما يحاذر من الفتنة، وغلبات الطباع. (الوجه الثاني عشر): أن الله تعالى أمر بِغَضِّ البصر، وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة، والتفكر في صنع الله؛ سدّا لذريعة الارادة، والشهوة المفضية إلى المحظور. (الوجه الثالث عشر): أن النبيّ ﷺ نَهَى عن بناء المساجد على القبور، ولَعَنَ مَن فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور، وتشريفها، واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها، وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ونَهَى عن اتخاذها عيدًا، وعن شدّ الرحال إليها؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى اتخاذها أوثانًا، والإشراك بها، وحَرَّمَ ذلك على من قصده، ومن لم يقصده، بل قَصَدَ خلافه؛ سدًّا للذريعة. (الوجه الرابع عشر): أنه ﷺ نَهَى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وكان من حكمة ذلك أنهما وقتُ سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدًّا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد، مع بُعْد هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟.

стр. 1429

(الوجه الخامس عشر): أنه ﷺ نَهَى عن التشبه بأهل الكتاب، في أحاديث كثيرة، كقوله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبُغُون فخالفوهم"، وقوله: "إن اليهود لا يصلُّون في نعالهم فخالفوهم"، وقوله في عاشوراء: "خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده"، وقوله: "لا تشبهوا بالأعاجم"، ورَوَى الترمذيّ عنه ﷺ : "ليس منا مَن تَشَبَّه بغيرنا"، ورَوَى الإمام أحمد عنه: "مَن تشبه بقوم فهو منهم". وسِرُّ ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعةٌ إلى الموافقة في القصد والعمل. (الوجه السادس عشر): أنه ﷺ حَرَّم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"، حتى لو رَضِيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرَّمة، كما عَلَّل به النبيّ ﷺ . (الوجه السابع عشر): أنه حَرَّم نكاح أكثر من أربع؛ لأن ذلك ذريعة إلى الْجَوْر، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المفضية إلى أكل الحرام، وعلى التقديرين فهو من باب سدّ الذرائع، وأباح الأربع، وإن كان لا يُومَن الجور في اجتماعهنّ؛ لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن، فكانت مصلحةُ الإباحة أرجح من مفسدة الجور المتوقعة. (الوجه الثامن عشر): أن الله تعالى حَرَّم خِطْبَة المعتدة صريحًا، حتى حَرَّم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة، فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة، والكذب في انقضاء عدتها. (الوجه التاسع عشر): أن الله حَرَّم عقد النكاح في حال العدّة، وفي الإحرام، وإن تأخر الوطء إلى وقت الحِلِّ؛ لئلا يُتَّخَذَّ العقد ذريعة إلى الوطء، ولا يُنتَقَضُ هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدًّا، فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم إلى الليل. (الوجه العشرون): أن الشارع حَرَّم الطيب على المحرم؛ لكونه من أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سدّ الذريعة. (الوجه الحادي والعشرون): أن الشارع اشتَرَطَ للنكاح شروطًا زائدةً على

стр. 1430

العقد، تقطع عنه شُبَهَ السِّفَاح، كالأعلام، والوليّ، ومنع المرأة أن تَلِيه بنفسها، ونَدَب إلى إظهاره حتى استَحَبَّ فيه الدُّفَّ، والصوت، والوليمة؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعةً إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوالى بعض مقاصد النكاح، من جحد الفراش، ثم أَكَّد ذلك بأن جعل للنكاح حريمًا من العدة، تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكامًا من المصاهرة، وحرمتها، ومن الموارثة زائدةً على مجرد الاستمتاع، فعلم أن الشارع جعله سببًا، ووصله بين الناس بمنزلة الرحم، كما جَمَعَ بينهما في قوله: ﴿بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، وهذه المقاصد تمنع شَبَهَهُ بالسفاح، وتُبَيِّن أن نكاح المحلِّل بالسفاح أشبه منه بالنكاح (١). (الوجه الثاني والعشرون): أن النبيّ ﷺ نَهَى أن يجمع الرجل بين سَلَف وبيع (٢)، ومعلوم أنه لو أُفرد أحدهما عن الآخر صحَّ، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعةٌ إلى أن يُقرضه ألفًا، ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعة بثمانمائة؛ ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا، فانظر إلى حمايته الذريعة إلى ذلك بكل طريق، وقد احتَجَّ بعض المانعين لمسألة مُدِّ عَجْوَة، بأن قال: إن مَن جَوَّزها يُجَوِّز أن يبيع الرجل ألف دينار في منديل بألف وخمسمائة مفردة، قال: وهذا ذريعةٌ إلى الربا، ثم قال: يجوز أن يُقرضه ألفًا، ويبيعه المنديل بخمسمائة، وهذا هو بعينه الذي نَهَى عنه رسول الله ﷺ ، وهو من أقرب الذرائع إلى الربا، ويلزم من لم يَسُدَّ الذرائع أن يخالف النصوص، ويجيز ذلك، فكيف يترك أمرًا، ويرتكب نظيره من كل وجه. (الوجه الثالث والعشرون): أن الآثار المتظاهرة في تحريم الْعِينَة عن النبيّ ﷺ وعن الصحابة ﵃، تدل على المنع من عَوْد السلعة إلى البائع، وإن لم يتواطئا على الربا، وما ذاك إلا سدًّا للذريعة. (الوجه الرابع والعشرون): أن النبيّ ﷺ مَنَعَ المقرض من قبول الهدية،

стр. 1431

وكذلك أصحابه حتى يحسبها من دَينه، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى تأخير الدين لأجل الهدية، فيكون ربًا، فإنه يعود إليه ماله، وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. (الوجه الخامس والعشرون): أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الْخَوَنَة، والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تَجْرِ عادته بمهاداته ذريعةٌ إلى قضاء حاجته، وحُبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته؛ مكافأةً له، مقرونة بِشَرَهٍ، وإغماضٍ عن كونه لا يصلح. (الوجه السادس والعشرون): أن السنة مَضَت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء إما عمدًا، كما قال مالك، وإما مباشرة كما قال أبو حنيفة، وإما قتلًا مضمونًا بقصاص، أو دية، أو كفارة، وإما قتلًا بغير حقّ، وإما قتلًا مطلقًا، كما هي أقوال في مذهب الشافعيّ، وأحمد، والمذهب الأول، وسواء قَصَد القاتل أن يتعجل الميراث، أو لم يقصده، فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقًا، وما ذاك إلا أن توريث القاتل ذريعةٌ إلى وقوع هذا الفعل، فَسَدَّ الشارع الذريعة بالمنع. (الوجه السابع والعشرون): أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وَرَّثُوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت، حيث يُتَّهَم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد، إن لم يقصد الحرمان؛ لأن الطلاق ذريعةٌ، وأما إذا لم يُتَّهَم ففيه خلاف معروف، مأخذه أن المرض أوجب تَعَلُّق حقها بماله، فلا يُمَكَّنُ من قطعه، أو سدًّا للذريعة بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخرٌ عن إجماع السابقين. (الوجه الثامن والعشرون): أن الصحابة وعامة الفقهاء ﵃ اتَّفَقُوا على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يَمْنَع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعةً إلى التعاون على سفك الدماء. (الوجه التاسع والعشرون): أن النبيّ ﷺ نَهَى أن تُقْطَع الأيدي في الغزو؛

стр. 1432

لئلا يكون ذريعةً إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو، كما تقدم. (الوجه الثلاثون): أن النبيّ ﷺ نَهَى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادةٌ توافق ذلك اليوم، ونَهَى عن صوم يوم الشكّ، وما ذاك إلا لئلا يُتَّخَذ ذريعةً إلى أن يُلْحَقَ بالفرض ما ليس منه، وكذلك حَرَّم صوم يوم العيد تمييزًا لوقت العبادة عن غيره؛ لئلا يكون ذريعةً إلى الزيادة في الواجب، كما فعلت النصارى، ثم أَكَّد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر، وتأخير السحور، واستحباب تعجيل الفطر في يوم العيد قبل الصلاة، وكذلك نَدَبَ إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها، فكُرِه للإمام أن يتطوع في مكانه، وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة، كلُّ هذا سدًّا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه. (الوجه الحادي والثلاثون): أنه ﷺ كَرِهَ الصلاةَ إلى ما قد عُبِدَ من دون الله تعالى، وأَحَبَّ لمن صَلَّى إلى عُود، أو عَمود، أو شجرة، أو نحو ذلك أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يَصْمُدُ إليه صَمْدًا (١)؛ قطعًا لذريعة التشبه بالسجود إلى غير الله تعالى. (الوجه الثاني والثلاثون): أنه شَرَعَ الشفعة، وسَلَّط الشريك على انتزاع الشّقْصِ من يد المشتري؛ سَدًّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة. (الوجه الثالث والثلاثون): أن الحاكم مَنْهيّ عن رفع أحد الخصمين على الآخر، وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته (٢)، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته، وثقل لسانه بها.

стр. 1433

(الوجه الرابع والثلاثون): أنه ممنوع من الحكم بعلمه؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى حكمه بالباطل، ويقول: حكمت بعلمي. (الوجه الخامس والثلاثون): أن الشريعة مَنَعَت من قبول شهادة العدوّ على عدوّه؛ لئلا يَتَّخِذ ذلك ذريعةً إلى بلوغ غرضه من عدوّه بالشهادة الباطلة. (الوجه السادس والثلاثون): أن الله تعالى مَنَعَ رسوله ﷺ حيث كان بمكة من الجهر بالقرآن، حيث كان المشركون يسمعونه، فيسبّون القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، ومن أُنزل عليه. (الوجه السابع والثلاثون): أن الله تعالى أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع (١)، وليس عليها وازعٌ طبعيّ، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا، كما جُعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه تعالى جعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فمن لقيه تائبًا توبةً نصوحًا لم يعذبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحًا قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه في أصح قولي العلماء، فإذا رفع إلى الإمام لم تُسْقِط توبته عنه الحدّ؛ لئلا يُتَّخَذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله؛ إذ لا يَعْجِز كلُّ من وجب عليه الحدّ أن يُظهِر التوبة؛ ليتخلص من العقوبة، وإن تاب توبةً نصوحًا سدًّا لذريعة السكوت بالكلية. (الوجه الثامن والثلاثون): أن الشارع أَمَر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن، وذلك سدًّا لذريعة التفريق والاختلاف والتنازع، وطلبًا لاجتماع القلوب، وتألُّف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سدَّ الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تُذْكَر. (الوجه التاسع والثلاثون): أن السنة مَضَت بكراهة إفراد رجب بالصوم،

стр. 1434

وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، وليلتها بالقيام سدًّا لذريعة اتخاذ شَرْع لم يأذن به الله من تخصيص زمان، أو مكان بما لم يَخُصّه به، ففي ذلك وقوعٌ فيما وقع فيه أهل الكتاب. (الوجه الأربعون): أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها؛ لئلا تُفضي مشابهتهم إلى أن يعامَل الكافر معاملة المسلم، فَسَدَّت هذه الذريعةَ بإلزامهم التميز عن المسلمين. (الوجه الحادي والأربعون): أن النبيّ ﷺ أَمَرَ ناجية بن كعب الأسلميّ، وقد أرسل معه هدية، إذا عَطِبَ منه شيء دون المحل أن ينحره، ويصبُغ نعله التي قلَّده بها في دمه، ويُخَلِّي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رُفقته، قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه، أو يُطْعِم أهل رُفقته قبل بلوغ المحل، فربما دعاه ذلك إلى أن يُقَصِّر في عَلَفها، وحفظها؛ لحصول غرضه من عَطَبها دون المحل، كحصوله بعد بلوغ المحل من أكله هو ورفقته، وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أَيِسَ من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى حفظها، حتى تبلغ محلها، وأَحْسَمَ لمادّة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سدِّ الذرائع. (الوجه الثاني والأربعون): أن النبيّ ﷺ أَمَرَ الملتقط أن يُشْهِد على اللقطة، وقد عُلِم أنه أمين، وما ذاك إلا سَدًّا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد، كان أحسم لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضًا من ألطف أنواعها. (الوجه الثالث والأربعون): أنه ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء محمد"، وذَمَّ الخطيب الذي قال: "من يُطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن عصاهما فقد غَوَى"، سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله نِدًّا؟ "، فحَسَمَ مادّة الشرك، وسَدَّ الذريعة إليه في اللفظ، كما سَدَّها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكملَ صلاة وأتمّها وأزكاها وأعمّها. (الوجه الرابع والأربعون): أنه ﷺ أَمَر المأمومين أن يُصَلُّوا قعودًا إذا

стр. 1435

صَلَّى إمامهم قاعدًا، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة مشابهة الكفار، حيث يقومون على ملوكهم، وهم قعود، كما علَّله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وهذا التعليل منه يُبطل قول من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها (١). (الوجه الخامس والأربعون): أنه ﷺ أَمَر المصلي بالليل إذا نَعَس أن يذهب، فيَرقُد، وقال: "لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه"، فأمره بالنوم؛ لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعة إلى سَبِّه لنفسه، وهو لا يشعر، لغلبة النوم. (الوجه السادس والأربعون): أن الشارع - صلوات الله عليه - نَهَى أن يَخْطُب الرجل على خِطْبة أخيه، أو يستام على سَوْم أخيه، أو يبيع على بيع أخيه، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى التباغض والتعادي، فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته، ولا يخطب ولايةً ولا منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه. (الوجه السابع والأربعون): أنه نَهَى عن البول في الْجُحْر، وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجنّ، فيؤذيهم بالبول، فربما آذوه. (الوجه الثامن والأربعون): أنه نَهَى عن البراز في قارعة الطريق، والظلّ، والموارد؛ لأنه ذريعة لاستجلاب اللَّعْن، كما عَلَّل به ﷺ بقوله: "اتقوا الملاعن الثلاث"، وفي لفظ: "اتقوا اللاعنين"، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس، وفي ظلهم". (الوجه التاسع والأربعون): أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يروه قد خرج؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى قيامهم لغير الله، ولو كانوا إنما يقصدون القيام للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعةٌ، ولا مصلحة فيها، فَنُهُوا عنه. (الوجه الخمسون): أنه نَهَى أن توصل صلاة بصلاة الجمعة، حتى يَتَكَّلم، أو يَخْرُج؛ لئلا يُتَّخَذ ذريعةً إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس

стр. 1436

منه، قال السائب بن يزيد: صليت الجمعة في المقصورة، فلما سَلَّم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دَخَلَ معاوية أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصِلها بصلاة حتى تتكلم، أو تخرج، فإن النبيّ ﷺ أَمَرَ بذلك ألا توصل الصلاة حتى يتكلم، أو يخرج. (الوجه الحادي والخمسون): أنه أَمَر مَن صلى في رحله، ثم جاء إلى المسجد أن يصلي مع الإمام، وتكون له نافلة؛ لئلا يُتَّخَذ قعوده، والناس يصلون ذريعةً إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلين. (الوجه الثاني والخمسون): أنه نَهَى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلى لمصلٍّ، أو مسافرٍ، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وما ذاك إلا لأن النوم قبلها ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعةٌ إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحةٌ راجحةٌ، كالسمر في العلم، ومصالح المسلمين لم يُكْرَه. (الوجه الثالث والخمسون): أنه نَهَى النساء إذا صلين مع الرجال أن يَرفعن رؤوسهن قبل الرجال؛ لئلا يكون ذريعةً منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء الأُزُر، كما جاء التعليل بذلك في الحديث. (الوجه الرابع والخمسون): أنه نَهَى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه إلى غيره، كما رواه بقية، عن المجاشع بن عمرو، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ : "ليصَلّ أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره"، وما ذاك إلا لأنه ذريعةٌ إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يُرمَى ببدعة، أو يُعْلِن بفجور، فلا بأس بتخطيه إلى غيره. (الوجه الخامس والخمسون): أنه نَهَى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلي؛ لئلا يكون خروجه ذريعةً إلى اشتغاله عن الصلاة جماعةً، كما قال عمار ﵁ لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. (الوجه السادس والخمسون): أنه نَهَى عن الاحتباء يوم الجمعة، كما رواه أحمد في "مسنده" من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه: "نَهَى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة"، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم.

стр. 1437

(الوجه السابع والخمسون): أنه نَهَى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب، أو تصيب بَخُورًا، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال، وتشوّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها، وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرُج تَفِلَةً، وأن لا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تسبّح في الصلاة إذا نابها شيءٌ، بل تُصَفِّق ببطن كفها على ظهر الأخرى، كلُّ ذلك سدًّا للذريعة، وحمايةً عن المفسدة. (الوجه الثامن والخمسون): أنه نَهَى أن تَنْعَت المرأةُ المرأةَ لزوجها، حتى كأنه ينظر إليها، ولا يخفى أن ذلك سدٌّ للذريعة، وحمايةٌ عن مفسدة وقوعها في قلبه، وميله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحبّ غيره بالوصف قبل الرؤية. (الوجه التاسع والخمسون): أنه نَهَى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر إلى المحرم، فلما أخبروه أنه لا بُدّ لهم من ذلك، قال: "أعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكفّ الأذى، ورَدّ السلام". (الوجه الستون): أنه نَهَى أن يبيت الرجل عند امرأة، إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا رحم محرم، وما ذاك إلا لأن المبيت عند الأجنبية ذريعةٌ إلى المحرم. (الوجه الحادي والستون): أنه نَهَى أن تباع السِّلَعُ حيث تباع، حتى تُنْقَل عن مكانها، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى جَحْد البائع البيع، وعدم إتمامه، إذا رأى المشتري قد رَبِحَ فيها، فيغرّه الطمع، وتشحّ نفسه بالتسليم، كما هو الواقع، وأَكَّد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضْمَن، وهذا من محاسن الشريعة، وألطف باب لسدّ الذرائع. (الوجه الثاني والستون): أنه نَهَى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوكس البيعتين، أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سدّ لذريعة الربا، فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم اشتراها منه بمائتين حالّة، فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا،

стр. 1438

وأبعد كلَّ البعد مَن حَمَل الحديث على البيع بمائة مؤجلة، أو خمسين حالّة، وليس ههنا ربا، ولا جهالة، ولا غرر، ولا قمار، ولا شيء من المفاسد، فإنه خَيَّره بين أيِّ الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام، وأيضًا فإنه فَرَّق بين عقدين، كل منهما ذريعةٌ ظاهرةٌ جدًّا إلى الربا، وهما السلف والبيع، والشرطان في البيع، وهذان العقدان بينهما من النسب والإخاء، والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم، فصلوات الله وسلامه على مَنْ كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور. (الوجه الثالث والستون): أنه أَمَر أن يُفَرَّق بين الأولاد في المضاجع، وأن لا يُترَك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد؛ لأن ذلك قد يكون ذريعةً إلى نسج الشيطان بينهما المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش، ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه، وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سدّ الذرائع. (الوجه الرابع والستون): أنه نَهَى أن يقول الرجل: خَبُثت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَت نفسي، سدًّا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدًّا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ، فإن الألفاظ تتقاضى معانيها، وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قَلَّ مَن تجده يعتاد لفظًا، إلا ومعناه غالب عليه، فَسَدَّ رسول الله ﷺ ذريعةَ الخبث لفظًا ومعنى، وهذا أيضًا من ألطف الباب. (الوجه الخامس والستون): أنه نَهَى الرجل أن يقول لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ونَهَى أن يقول لغلامه: وَضِّئ ربك، أطعم ربك؛ سدًّا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الربّ ها هنا هو المالك، كرب الدار، ورب الإبل، فعَدَل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفتى والفتاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيد؛ حمايةً لجانب التوحيد، وسدًّا لذريعة الشرك. (الوجه السادس والستون): أنه نَهَى المرأة أن تسافر بغير محرم، وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم، قد يكون ذريعةً إلى الطمع فيها، والفجور بها. (الوجه السابع والستون): أنه نَهَى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم،

стр. 1439

فيما يحدثون به؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعةً إلى التصديق بالباطل، وتكذيبهم قد يكون ذريعةً إلى التكذيب بالحقّ، كما عَلَّل به في نفس الحديث. (الوجه الثامن والستون): أنه نَهَى أن يُسَمّي عبده بأفلح، ونافع، ورَبَاح، ويسار؛ لأن ذلك قد يكون ذريعةً إلى ما يُكْرَه من الطِّيَرة بأن يقال: ليس ها هنا يسار، ولا رَباح، ولا أفلح، وإن كان إنما قصد اسم الغلام، ولكن سدًّا لذريعة اللفظ المكروه الذي يستوحش منه السامع. (الوجه التاسع والستون): أنه نَهَى الرجل عن الدخول على النساء؛ لأنه ذريعة ظاهرة. (الوجه السبعون): أنه نَهَى أن يُسَمَّى باسم بَرَّة؛ لأنه ذريعةٌ إلى تزكية النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قَصَد العلمية. (الوجه الحادي والسبعون): أنه نَهى عن التداوي بالخمر، وإن كانت مصلحةُ التداوي راجحةً على مفسدة ملابستها؛ سدًّا لذريعة قربانها، واقتنائها، ومحبة النفوس لها، فَحَسَمَ عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي، وهذا من أبلغ سدّ الذرائع. (الوجه الثاني والسبعون): أنه نَهَى أن يتناجى اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك ذريعةٌ إلى حزنه، وكسر قلبه، وظنه السوء. (الوجه الثالث والسبعون): أن الله حَرَّم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة، إذا لم يخش العَنَتَ؛ لأن ذلك ذريعةٌ إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الْحَبَل والولادة لم تحل له؛ سدًّا للذريعة، ولهذا منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوج في دار الحرب؛ خشيةَ تعريض ولده للرق، وعَلَّله بعلة أخرى، وهي أنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته. (الوجه الرابع والسبعون): أنه نَهى أن يورد مُمْرِض على مُصِحٍّ؛ لأن ذلك قد يكون ذريعةً إما إلى إعدائه، وإما إلى تأذيه بالتوهم والخوف، وذلك سبب إلى إصابة المكروه له. (الوجه الخامس والسبعون): أنه نَهَى أصحابه عن دخول ديار ثمود، إلا أن يكونوا باكين، خشيةَ أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فجَعَل الدخول من غير بكاء ذريعةً إلى إصابة المكروه.

стр. 1440

(الوجه السادس والسبعون): أنه نَهى الرجل أن ينظر إلى مَن فُضِّل عليه في المال واللباس؛ فإنه ذريعة إلى ازدرائه نعمة الله عليه، واحتقاره لها، وذلك سبب الهلاك. (الوجه السابع والسبعون): أنه نَهى عن إنزاء الحمر على الخيل؛ لأن ذلك ذريعةٌ إلى قطع نسل الخيل، أو تقليلها، ومن هذا نهيه عن أكل لحومها - إن صَحَّ الحديث فيه - إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نَهاهم في بعض الغزوات عن نحر ظهورهم لَمّا كان ذريعةً إلى لحوَق الضرر بهم بفقد الظهر. (الوجه الثامن والسبعون): أنه نَهى مَن رأى رؤيا يَكرَهها، أن يتحدث بها، فإنه ذريعةٌ إلى انتقالها من مرتبة الوجود اللفظي إلى مرتبة الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظيّ، وهكذا عامّة الأمور تكون في الذهن، ثم تنتقل إلى الحسّ، وهذا من ألطف سدّ الذرائع، وأنفعها، ومن تأمل عامة الشرّ رآه متنقلًا في درجات الظهور، طَبَقًا بعد طَبَقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج. (الوجه التاسع والسبعون): أنه سئل عن الخمر تُتَّخَذ خَلًّا؟ فقال: "لا"، مع إذنه في خل الخمر الذي حَصَل بغير التخليل، وما ذلك إلا سدًّا لذريعة إمساكها بكل طريق؛ إذ لو أذن في تخليلها، لحبسها أصحابها لذلك، وكان ذريعة إلى المحذور. (الوجه الثمانون): أنه نَهَى أن يُتَعاطَى السيفُ مسلولًا، وما ذاك إلا أنه ذريعةٌ إلى الإصابة بمكروه، ولعلّ الشيطان يُعينه، وينزع في يده، فيقع المحذور، ويَقرُب منه. (الوجه الحادي والثمانون): أنه أَمر المارّ في المسجد بِنِبال أن يُمسك على نصلها بيده؛ لئلا يكون ذريعةً إلى تأذِّي رجل مسلم بالنِّصَال. (الوجه الثاني والثمانون): أنه حَرَّم الشياع (١) وهو المفاخرة بالجماع؛
следующие страницы →