الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي هناك -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٩٩٨ و ٢٩٩٩] (١٢٣٣)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٢٤)، وفي "الكبرى" (٣٩٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦ و ٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الطواف أول ما يقدم الحاجّ مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس ﵄، وسيأتي تحقيق الخلاف مستوفًى في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة أن يتبع السنة، ويَدَعَ فتوى العالم؛ أيًّا كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع.
٣ - (ومنها): أن العالم قد يقع في مخالفة السنة أحيانًا، لا قصدًا للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه، وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استحباب طواف القدوم:
(اعلم): أن ابن عباس ﵄ كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ﷺ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في "باب حجة
стр. 13722
الوداع" في أواخر "المغازي" من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، ومن أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَزَف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ.
وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق ابن راهويه.
وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفردًا لا يضرّه الطواف بالبيت، أفاده في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ ﵀: سؤال السائل لابن عمر -يعني المذكور في حديث الباب- إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك، وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره، وما حكاه هذا الرجل عن ابن عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ ﷺ بدأ بالطواف عند قدومه مكة.
وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة، هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة، والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر، قال: والمشهور من مذهب أحمد أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس ﵄، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر ﵄. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر ﵄ هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم
стр. 13723
فات، فإن طاف بعد ذلك بنيّة طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعًا، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم، والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنًا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنأ، ولغت نيته، كما لو كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة، والله أعلم. انتهى (١).
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية طواف القدوم للحاجّ هو الحقّ؛ لأن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃ أول شيء بدءوا به هو الطواف بالبيت، كما قال ابن عمر ﵄، والله قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُل ابْنَ عُمَرَ ﵄، أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا (٢)، فَقَالَ: وَأَيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ، فَسُنَّةُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبعَ (٣) مِنْ سُنَّةِ فُلَانٍ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
стр. 13724
٣ - (بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤٧/ ١٨٩١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ) يريد ابن عبّاس ﵄.
وقوله: (رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا) تعليل لكون ابن عمر أحبّ إليهم من ابن فلان؛ أي لأنا رأيناه فتنته الدنيا؛ لأنه تولى منصبها، وأنت لم تفتنك؛ لأنك لم تتولّ ذلك.
قال النوويّ ﵀: ومعنى "فتنته الدنيا": لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر ﵄ فلم يتولّ شيئًا.
وقوله أيضًا: (فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا في كثير من الأصول: "فتنته الدنيا"، وفي كثير منها، أو أكثرها: "أفتنته"، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وهما لغتان صحيحتان: "فَتَنَ"، و"أفتن"، والأولى أصحّ، وأشهر، وبها جاء القرآن، وأنكر الأصمعيّ: أفتن. انتهى (١).
وقوله: (وَأُيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا) وفي بعض النسخ: "وأيّنا، أو قال: وأيّكم"، وكلاهما صحيح.
وهذا القول قاله ابن عمر ﵄ ردًّا على طعن الرجل على ابن عبّاس ﵁ بولايته، حيث اعتبرها فتنةً، فرد عليه ابن عمر قائلًا: "وأينا لم تفتنة الدنيا"، وهذا من زهده، وتواضعه، وإنصافه ﵁، قاله النوويّ ﵀.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى بيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٠] ( … ) (٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
стр. 13725
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا (١) ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةٍ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
و (ابن عمر ﵄) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وهو مدنيّ، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان مكيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) وفي رواية للبخاريّ: "حدّثنا عمرو بن دينار" (قَالَ: سَأَلْنَا) وفي نسخة: "سألتُ" (ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (عَنْ رَجُلٍ) أي حكم عمل رجل
стр. 13726
(قَدِمَ) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا، وقِدْمانًا بالكسر: آب، أي رجع، فهو قادم (١)، والمعنى أتى ذلك الرجل مكة قادمًا من بلده (بِعُمْرَةٍ) أي مهلًّا، وملبّيًا بعمرة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لم يسع، قال في "الفتح": وإطلاق الطواف على السعي إما للمشاكلة، وإما لكونه نوعًا من الطواف، ولوقوعه في مصاحبة طواف البيت. انتهى (٢).
(أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟) أي هل حلّ من إحرامه حتى يجوز له أن يجامع أهله؟؛ لتحلّله بالطواف، أم ما زال على إحرامه حتى يسعى بين الصفا والمروة؟، وإنما خصّ إتيان المرأة بالذكر مع أن سائر محرّمات الإحرام كذلك؛ لأنه أعظم المحزمات في الإحرام (٣). (فَقَالَ) ابن عمر ﵄ (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي مكة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْو سَبْعًا) أي سعى بينهما سبعة مرّات (وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إُسْوَةٌ) بكسر الهمزة، وضمّها: أي قدوة (حَسَنَةٌ) قال النوويّ ﵀: معناه: لا يحلّ له ذلك؛ لأن النبيّ ﷺ لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى، فتجب متابعته، والاقتداء به، وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر ﵄ هو مذهب العلماء كافّةً، وهو أن المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف، والسعي، والحلق، إلا ما حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وإسحاق ابن راهويه، أنه يتحلل بعد الطواف، وإن لم يَسْعَ، وهذا ضعيف، مخالف للسنة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٤).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث ما نصّه: "قال: وسألنا جابر بن عبد الله ﵄، فقال: لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة"، والقائل: "وسألنا إلخ" هو عمرو بن دينار، وقوله: "لا يقربنّها" بنون التوكيد، والمراد نهي المباشرة بالجماع، ومقدّماته، لا مجرّد القرب منها.
قال في "الفتح": أجابهم ابن عمر ﵄ بالإشارة إلى وجوب اتباع النبيّ ﷺ ، لا سيّما في أمر المناسك؛ لقوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم" (٥)، وأجابهم
стр. 13727
جابر ﵁ بصريح النهي، وعليه جمهور الفقهاء، وخالف فيه ابن عبّاس ﵄، فأجاز للمعتمر التحلّل بعد الطواف، وقبل السعي، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٠٠٠ و ٣٠٠١] (١٢٣٤)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٩٥) و"الحجّ" (١٦٢٣ و ١٦٤٥ و ١٦٢٧ و ١٦٤٥ و ١٧٩٣)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٢٥ و ٢٣٥ و ٢٣٧) و"الكبرى" (٢/ ٣٩٨ و ٤٠٨)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٩٤ و ٢٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١٥/ ٢ و ٨٥ و ١٥٢ و ٣/ ٣٠٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٦٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٤٧٧ و ٩/ ١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٣٢)، و (الطبرا نيّ) في "الكبير" (١٢/ ٤٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٧) و"المعرفة" (٤/ ٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب طواف القدوم لكلّ من قدم مكة للنسك أول قدومه.
٢ - (ومنها): بيان وجوب السعي بين الصفا والمروة في العمرة.
٣ - (ومنها): أنه لا يتحلّل المعتمر من عمرته إلا بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وهذا مذهب الجمهور، وقد خالف ابن عبّاس ﵄، فأجاز التحلّل قبل السعي، والحقّ ما عليه الجمهور؛ لأنه ﷺ لم يتحلّل من عمرته إلا بعد الطواف والسعي، وقد قال: "لتأخذوا عني مناسككم"، رواه مسلم.
٤ - (ومنها): وجوب الاقتداء بالنبيّ ﷺ في جميع الأحوال، ولا سيّما في المناسك؛ للحديث المذكور.
стр. 13728
٥ - (ومنها): بيان استحباب أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم ﵇، وذهب بعضهم إلى وجوب أدائهما خلفه؛ محتجًّا بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، والجمهور على الاستحباب.
وقال في "الفتح": في الحديث أن السعي واجب في العمرة، وكذا صلاة ركعتي الطواف، وفي تعيينهما خلف المقام خلفٌ، قال: ونَقَل ابن المنذر الاتفاق على جوازهما في أيّ موضع شاء الطائف، إلا أن مالكًا كَرِههما في الْحِجْر، ونقل بعض أصحابنا عن الثوريّ أنه كان يُعَيَّنهما خلف المقام. انتهى (١).
قال في موضع آخر: وهذا بناءٌ على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه، وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم كلّه، والأول أصحّ، وقد ثبت دليله عند مسلم من حديث جابر ﵁. انتهى.
[فائدة]: رَوَى الأزرقي في "أخبار مكة" بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبيّ ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄ في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر ﵁، فاحتمله حتى وُجد بأسفل مكة، فأُتي به، فرُبط إلى أستار الكعبة، حتى قَدِمَ عمر، فاستثبت في أمره، حتى تحقّق موضعه الأول، فأعاده إليه، وبَنَى حوله، فاستقرّ ثَمّ إلى الآن، ذكره في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
стр. 13729
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن عمرو هذه، ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٣٠٥) فقال:
(٣٢١٤) - حدّثنا يوسف، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر سئل عن شيء من أمر الصفا والمروة، فقال: قدم رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا، و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى.
وأما رواية ابن جريج، عن عمرو، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٩٧) فقال:
(٩١٤٥) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن رجلًا سأل ابن عمر ﵄، أيصيب الرجل من امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: أما رسول الله ﷺ ، فقد طاف بالبيت، ثم ركع ركعتين، ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم تلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٢] (١٢٣٥) - (حَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَجُلًا
٢ - (ابْنُ وَهْب) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ، أبو الأسود يتيم عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة (١٣١) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الملقّب بيتيم عروة؛ لأن أباه أوصى به إلى عروة عند موته (أَنَّ رَجُلًا) لم يُعرف (١) (مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ) البلد المعروف (قَالَ لَهُ) أي لمحمد بن عبد الرحمن (سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ) بضمّ أوله، من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية (بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ) الهمزة للاستفهام الاستخباريّ، و"يحلّ" تقدّم أنه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، ثلاثيًّا، أو من الإحلال رباعيًّا (أَمْ لَا؟) أي أم لا يحلّ إلا باداء الحج (فَإِنْ قَالَ لَكَ) جوابًا (لَا يَحِلُّ) إلا بأداء الحجّ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا) هو ابن عبّاس ﵄ (يَقُولُ ذَلِكَ) أي يقول: إنه يحلّ بالطواف.
[تنبيه]: قال في "الفتح": الرجل الذي سأل لم أقف على اسمه، وقوله:
стр. 13732
"إن رجلًا يقول ذلك" عَنَى به ابنَ عباس ﵄، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ﷺ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرةً، وقد أخرج البخاريّ ذلك في "باب حجة الوداع" في أواخر "المغازي" من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حَلَّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومن أمْر النبيّ ﷺ أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد ذلك الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ.
وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن ابن جريج بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ فذ كره.
ولمسلم من طريق قتادة: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل لابن عباس: ما هذه الْفُتْيَا أن من طاف بالبيت فقد حلّ؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ ، وإن رَغِمتم. وله من طريق وَبَرَة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: فعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحقّ أن نأخذ، أو بقول ابن عباس؟ إن كنت صادقًا.
وإذا تقرَّر ذلك، فمعنى قوله في حديث أبي الأسود: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك؛ أي أمر به، وعُرِف أن هذا مذهب لابن عباس، خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق ابن راهويه، وعُرِف أن مأخذه فيه ما ذُكِرَ، وجواب الجمهور أن النبيّ ﷺ أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم، فيجعلوه عمرةَ، ثم اختلفوا، فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصًّا بهم، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائزٌ لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحجّ مفردًا لا يضرّه الطواف بالبيت، وبذلك احتجّ عروة بأن النبي ﷺ بدأ بالطواف، ولم يحلّ من
стр. 13733
حجه، ولا صار عمرة، وكذا أبو بكر وعمر ﵄. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا.
(قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَسَأَلْتُهُ) أي عروة (فَقَالَ) عروة (لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ) أي أحرم (بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ) أي إلا بأداء أفعال الحج المطلوب أداء قبل التحلّل (قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ) أي يرى التحلّل بالطواف (قَالَ) عروة (بِئْسَمَا قَالَ) أي بئس القول قوله هذا؛ حيث خالف المشروع (فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ) أي تعرَّض لي، هكذا هو في جميع النسخ بالنون، والأشهر في اللغة: تَصَدَّى لي باللام، قاله النوويّ ﵀ (٢). (فَسَأَلَنِي) أي عما أجاب به عروة (فَحَدَّثْتُهُ) أي الرجل بجواب عروة (فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي التحلّل بالطواف، وتقدّم أن ابن عبّاس ﵄ أخذه من الآية ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ومن أمر النبيّ ﷺ من لم يُهد من أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، ولكن هذا غير مقبول، فإنه ﷺ لم يقل لهم: إن مجرد الطواف يتحلّل به الحاجّ، وإنما أمرهم أن يجعلوها عمرةً، لا أنها تكون عمرة بنفس الطواف، فلا يجوز الاستدلال صحيحًا، ولعلّ هذا هو سبب تكذيب عروة لهذا القول في كلامه الآتي، والله تعالى أعلم.
(وَمَا شَأنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ) ﵄ (قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَجِئْتُهُ) أي عروة (فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ما قاله الرجل (فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) أي السائل (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي) أي لا أعرف اسمه (قَالَ: فَمَا بَالُهُ؟ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ) وفي نسخة: "نفسُهُ"، وهو توكيد للفاعل، كما قال في "الخلاصة":
بِـ "النَّفْسِ" أَوْ بِـ "الْعَيْنِ" الاسْمُ أُكِّدَا … مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا
(يَسْأَلُنِي) أي عما أشكل عليه، وهذا فيه أن من أدب السائل أن يتولّى السؤال بنفسه إذا أمكنه ذلك؛ لأنه يدلّ على تواضعه، بخلاف السؤال بواسطة، إلا للضرورة (أَظنُهُ عِرَاقِيًّا) إنما قال هذا؛ لأن أهل العراق معروفون بالتعنّت في المسائل، وقد سأل رجل عراقيّ ابن عمر ﵄ عن دم البعوض؛ إذا أصاب الثوب؛ يعني هل يصلي فيه أم لا؟، فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل
стр. 13734
العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ؛ يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوض. رواه البخاريّ في "صحيحه" بنحوه.
وفي رواية النسائيّ: عن ابن أبي نُعم: كنت عند ابن عمر، فأتاه رجل، فسأله عن دم البعوض، يكون في ثوبه؛ أيصلي به؟ فقال ابن عمر: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: مَن يَعْذِرُني من هذا؟ يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هما ريحانتي من الدنيا". انتهى؛ يعني الحسن والحسين.
(قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ) أي فيما نسبه إلى النبيّ ﷺ أنه قد فعل ذلك، وكذا فيما نسبه إلى أسماء والزبير ﵄ (قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي أنشأ الحجّ، وأهلّ به، وقد تقدّم أنه كان قارنًا (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لإثبات الوضوء للطواف؛ لأن النبيّ ﷺ فعله، ثم قال ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، وقد أجمعت الأئمة على أنه يُشْرَع الوضوء للطواف، ولكن اختلفوا في أنه واجمث، وشرط لصحته أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمدُ والجمهور: هو شرط لصحة الطواف، وقال أبو حنيفة: مستحبّ، ليس بشرط، واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث: "خذوا عني مناسككم" يقتضيان أن الطواف واجبٌ؛ لأن كل ما فعله هو داخل في المناسك، فقد أَمَرَنا بأخذ المناسك، وفي حديث ابن عباس ﵄ في الترمذيّ وغيره: أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاةٌ، إلا أن الله أباح فيه الكلام"، ولكن رفعه ضعيفٌ، والصحيح عند الحفاظ أنه موقوف على ابن عباس ﵄، وتحصل به الدلالة، مع أنه موقوفٌ؛ لأنه قول لصحابي انتشر، وإذا انتشر قول الصحابيّ، بلا مخالفة، كان حجةً على الصحيح. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ طَافَ) ﷺ (بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ) برفع "الطوافُ" على أنه اسم "كان" مؤخَّرًا، و"أوّلَ"
стр. 13735
خبرها مقدّمًا، ويجوز العكس (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) قال النوويّ ﵀: وكذا قال فيما بعده: "ولم يكن غيره"، هكذا هو في جميع النسخ "غيره" بالغين المعجمة، والياء، قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ، قال: وهو تصحيفٌ، وصوابه: "ثم لم تكن عُمْرَةٌ"، بضم العين المهملة، وبالميم، وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة، على مذهب من رأى ذلك، واحتج بامر النبيّ ﷺ لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة، أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. انتهى كلام القاضي.
وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله، من أن قول "غيره" تصحيف، ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية، وصحيح في المعنى؛ لأن قوله: "غيره" يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر، فكان أولَ شيء بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم يكن غيره؛ أي لم يُغَيِّر الحج، ولم ينقله، وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حمل عليه القاضي عياض والنوويّ أن معنى قوله: "ولم يكن غيره"، وفي لفظ صوّبه عياض: "ثم لم تكن عمرة" على نفي فسخ الحج إلى العمرة غير صحيح، فإن ذلك سنة ثابتة على ما قاله المحقّقون، وإن خالف الجمهور، وخصّوه بتلك السنة، وإنما مراد عروة هنا بقوله: "ثم لم تكن عمرةٌ"، أو "لم يكن غيره"؛ أي لم يكن الطواف بالبيت إحلالًا من الحجّ؛ يعني أن مجرّد الطواف بالبيت لا ينتهي به الحجّ، بل لا بدّ من إكمال الحجّ على وجهه، أو فسخه إلى العمرة بالطواف والسعي على وجهه أيضًا، وهذا قاله عروة ردًّا على من زعم أن من طاف بالبيت حلّ من إحرامه، كما هو رأي ابن عبّاس ﵄، فقد تقدّم أنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، فتنبّه.
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته إلخ"، فقال ابن بطال: غرضه بهذه الترجمة الردّ
стр. 13736
على من زعم أن المعتمر إذا طاف حَلّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيّن أن قول عروة: "فلما مسحوا الركن حَلُّوا" محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود، وطافوا، وسَعَوْا حَلُّوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب. انتهى.
(ثُمَّ عُمَرُ) ابن الخطّاب ﵁، وهو مبتدأ على حذف مضاف، وخبره ما بعده: أي ثم فِعْلُ عمر ﵁ (مِثْلُ ذَلِكَ)، وَيحْتَمِل النصب بتقدير فَعَل مثلَ ذلك؛ يعني أن أول شيء بدأ به هو الطواف بالبيت، كفعل النبيّ ﷺ ، وأبي بكر ﵁ (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفّان ﵁ (فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) أي ثم لم يتغيّر حجه بسبب الطواف إلى الإحلال، بل بقي على إحرامه بعد الطواف (ثُمَّ مُعَاوَيةُ) بن أبي سفيان ﵄ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أبَي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) ﵁ بجرّ الزبير على البدل، أو عطف البيان لـ "أبي".
[تنبيه]: قوله: "مع أبي الزبير" كذا وقع أيضًا عند أكثر رواة البخاريّ، ووقع في رواية الكشميهنيّ: "ثم حججت مع ابن الزبير" يعني أخاه عبد الله بن الزبير، قال عياض: وهو تصحيف، قال في "العمدة": وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي: "مع أبي الزبير بن العوام"، وفيه بعدَ ذكر أبي بكر، وعمر، ذكر عثمان، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر ﵃ قال: "ثم حججت مع أبي الزبير"، فذكره، وقد عُرِف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية، وابن عمر، وكان قتل الزبير بن العوام يوم الْجَمَل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وقبره بوادي السباع، ناحية البصرة، وكان موت معاوية بن أبي سفيان ﵄ في رجب سنة تسع وخمسين، وموت عبد الله بن عمر ﵄ كان سنة ثلاث وسبعين، وقال الواقديّ: سنة أربع وسبعين، وكانت وفاته بمكة. انتهى (١).
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما سبق: لا مانع أن يحجّا قبل قتل الزبير، فرآهما عروة، أو لم يقصد بقوله: "ثُمَّ" الترتيب، فإن فيها أيضًا: "ثُمّ آخرُ من
стр. 13737
رأيت فعل ذلك ابن عمر"، فأعاد ذكره مرة أخرى، وأغرب بعض الشارحين، فرجّح رواية الكشميهنيّ موجِّهًا لها بما ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو جواب جيّد.
(فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) أي البدء بالطواف بالبيت (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ) أي بسبب الطواف، بل بقي على إحرامه بعده (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟) وقوله: (وَلَا أَحَدٌ) اسم "لا"، أو مبتدأ، وقوله: (مِمَّنْ مَضَى) صفة "أحدٌ"، والخبر محذوفٌ؛ أي خالف ذلك؛ يعني أنه لا يوجد أحدٌ ممن مضى خالف هذا الذي ذكرته مما فعله هؤلاء، وقوله: (مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ) بيان لمعنى قوله؟ "ولا أحد إلخ" (حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ) أي في مكة (أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أي أسماء بنت أبي بكر ﵄ (وَخَالَتِي) عائشة أم المؤمنين ﵂ (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة ﵁، واستُشكل من حيث إن عائشة ﵂ في تلك الحجة لم تطف؛ لأجل حيضها.
وأجيب بالحمل على أنه أراد حجة أخرى، غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة ﵁ بعد النبيّ ﷺ تحج كثيرًا، قاله في "الفتح" (١).
(وَالزُّبَيْرُ) أبوه (وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) قال في "الفتح": كأنها سمّت بعض من عرفته، ممن لم يسق الهدي، ولم أقف على تعيينهم. انتهى (٢).
وأما ما قاله صاحب "التنبيه": في حفظي أنهما عثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف. انتهى (٣)، فلم يذكر مستنده في ذلك، والله تعالى أعلم.
(بِعُمْرَةٍ قَطُّ) هكذا في رواية المصنّف هنا لفظة "قط"، وليست في رواية
стр. 13738
البخاريّ، وأكثر ما تُستعمل "قطّ" في النفي ماضيًا، قال في "القاموس": وتختصّ بالنفي ماضيًا، وتقول العامّة: لا أفعله قطّ، وفي مواضع من"صحيح البخاريّ" جاء بعد المثبت، منها في "الكسوف": "أطول صلاة صليتها قطُّ"، وفي "سنن أبي داود": "توضّأ ثلاثًا قطّ"، وأثبته ابن مالك في "الشواهد" لغةً، قال: وهي مما خَفِي على كثير من النحاة. انتهى (١)، وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وبالله تعالى التوفيق.
(فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) أي استلموا الحجر الأسود (حَلُّوا) قال القرطبيّ ﵀: يعني بذلك لمس الحجر في آخر الطَّواف، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه، وأيضًا: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم، فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قولها: "فلما مسحوا الركن حَلُّوا" هذا متأوَّل عن ظاهره؛ لأن الركن هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم، وسعيهم، وحلقوا، أو قصروا أحلوا، ولا بد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذفته للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا بدّ أيضًا من السعي بعده، ثم الحلق، أو التقصير، وشذّ بعض السلف، فقال: السعي ليس بواجب، ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث؛ لأدى ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعيّن تأويله كما ذكرنا؛ ليكون موافقًا لباقي الأحاديث. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: المراد بالماسحين مَن سوى عائشة، وإلا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع، بل كانت قارنةً، ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر، وهكذا قول أسماء بعد هذا: اعتمرت أنا، وأختي عائشة، والزبير، وفلان، وفلان، فلما مسحنا البيت
стр. 13739
أحللنا، ثم أهللنا بالحج، المراد به أيضًا مَن سوى عائشة، وهكذا تأوله القاضي عياض، والمراد الإخبار عن حجتهم مع النبيّ ﷺ حجة الوداع على الصفة التي ذكرت في أول الحديث، وكان المذكورون سوى عائشة مُحرمين بالعمرة، وهي عمرة الفسخ التي فسخوا الحجّ إليها، وإنما لم تَسْتَثن عائشة؛ لشهرة قصتها.
قال القاضي عياض: وقيل: يَحْتَمِل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحجّ مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم.
قال القاضي: وأما قول من قال: يَحْتَمِل أنها أرادت في غير حجة الوداع، فخطأٌ؛ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع. انتهى كلام القاضي.
وذكر مسلم ﵀ بعد هذه الرواية رواية إسحاق بن إبراهيم، وفيها: أن أسماء قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله ﷺ : "من كان معه هديٌ فليُقِم على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحلل"، فلم يكن معي هديٌ، فحللت، وكان مع الزبير هديٌ، فلم يحلّ، فهذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر، فيجب استثناؤه مع عائشة، أو يكون إحرامه بالعمرة، وتحلله منها في غير حجة الوداع، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقوله: (وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ) هذا من كلام عروة ﵀، أعاده للتوكيد؛ يعني أن الرجل الذي ادّعى بأنه ﷺ ، وأصحابه حلّوا بمجرد الطواف كاذبٌ في دعواه؛ لأنهم ما تحلّلوا إلا بعد انتهائهم من أفعال العمرة بالطواف والسعي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 13740
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٥٠٢] (١٢٣٥)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦١٤ و ١٦٤١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الابتداء بالطواف للقادم؛ ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"؛ لأن الطائف لا يجلس إلا بعد ركعتي الطواف، فما اشتهر من استثناء المسجد الحرام من عموم الحديث المذكور غير صحيح، فتأمله.
قال في "الفتح": واستثنى بعض الشافعية، ومن وافقه: المرأة الجميلة، أو الشريفة التي لا تبرز، فيستحبّ لها تأخير الطواف إلى الليل، إن دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة، أو جماعة مكتوبة، أو مؤكّدة، أو فائتة، فإن ذلك كله يقدم على الطواف.
قال الجامع عفا الله عنه: استثناء المرأة الجميلة، أو الشريفة فيه نظر، فهل النساء اللاتي حججن مع النبيّ ﷺ ، وطفن معه طواف القدوم نهارًا ليس فيهن جميلات، ولا شريفات؟، فهل استثناهنّ؟ هيهات هيهات.
قال: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك، وأبي ثور من الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره لغير عذر؟ وجهان، كتحية المسجد.
قال الجامع: الأقرب أنه يتداركه، فتأمل.
٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الوضوء للطواف، واختلفوا، هل هو واجب، أو شرط؟ فقال أبو حنيفة: ليس بشرط، فلو طاف على غير وضوء صحّ طوافه، فإن كان ذلك للقدوم فعليه صدقة، وإن كان طواف الزيارة فعليه شاة، وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: هو شرط.
٣ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز التحلّل عن الإحرام بمجرّد الطواف بل لا بدّ من السعي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13741
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٣] (١٢٣٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ"، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَحَلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ، فَلَمْ يَحْلِلْ، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قُومِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ؟).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العبدريّ الحجبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٣٨) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
٤ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ) بن عثمان العبدريّة، لها رؤية، وفي البخاريّ التصريح بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (ع) تقدمت في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
٥ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵄، زوج الزبير بن العوّام، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدمت في "الطهارة" ٢٣/ ٦٨١.
والباقون تقدّموا قبل سند.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابية، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه، والله تعالى أعلم.
стр. 13742
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ) وفي رواية النسائيّ: "قالت: قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحجّ، فلما دنونا من مكة … " (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -م: "مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَقُمْ) بضمّ حرف المضارعة، من الإقامة؛ أي فليثبت (عَلَى إِحْرَامِهِ) أي حتى يتحلّل بذبح هديه يوم النحر (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ) بفتح أوله، من الحلّ، ثلاثيًّا، أو بضمه، من الإحلال، رباعيًّا، يقال: حلّ المحرمُ حِلًّا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو مُحِلّ، وحِلّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا، قاله الفيّوميّ (فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَحَلَلْتُ، وَكلانَ مَعَ الزُّبَيْرِ) بن العوّام ﵁ زوجها (هَدْيٌ، فَلَمْ يَحْلِلْ، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي) تعني الثياب التي كانت تلبسها قبل الإحرام، وهذا فيه دليل على أن النساء كالرجل تمتنع في الإحرام عن بعض اللباس، وهو الذي مسّه ورس، أو زعفران.
وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ "نهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت، من ألوان الثياب، مُعَصْفرًا، أو خَزًّا، أو حَلْيًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خُفًّا".
(ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ) وفي رواية النسائيّ: "وتطيّبتُ من طيبي، ثم جلست إلى الزبير" (فَقَالَ) الزبير (قُومِي عَنِّي) قال النوويّ ﵀: إنما أمرها بالقيام؛ مخافة من عارض، قد يَندُر منه، كلمس بشهوة، أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها، من حيث إنها زوجته، متحلّلة، تطمع بها النفس. انتهى (١).
وفي الرواية التالية: "استرخي عني، استرخي عني" مرتين؛ أي تباعدي عني، وفي رواية النسائيّ: "استأخري عنّي"، والسين والتاء زائدتان: أي تأخّري، وابتعدي عن مجلسي؛ لئلا يحصل شيء من محظورات الإحرام.
(فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ) مضارع وَثَبَ، من باب وَعَد: إذا قَفَز،
стр. 13743
وُثُوبًا، ووَثِيبًا، فهو وثّاب، تعني بذلك أنها وإن اقتربت منه لا تفعل معه شيئًا يتسبب منه وقوعه في محظورات الإحرام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٠٠٣ و ٣٠٠٤] (١٢٣٦)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٤٦)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٠ و ٣٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٣٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ١٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٣٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، وقد أهدى، وهو أنه يؤدي أعمال العمرة، ثم يبقى على إحرامه حتى يتحلّل بنحر هديه يوم النحر.
٢ - (ومنها): أن من أحرم بالعمرة، ولم يُهد، فإنه يتحلّل بعمل العمرة.
٣ - (ومنها): أن المتمتّع الذي لم يسق الهدي إذا تحلّل بعمل العمرة، فله أن يتطيّب، ويلبس الثياب التي لا يحلّ له أن يلبسها في حالة الإحرام، إلى أن يهلّ بالحجّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: اسْتَرْخِي عَني، اسْتَرْيخي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ؟).
стр. 13744
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت ٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٢ - (أَبُو هِشَام الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير وُهيب.
[تنبيه]: رواية وُهيب، عن منصور بن عَبد الرحمن هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "المجتبى"، فقال:
(٢٩٩٢) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدّثنا أبو هشام، قال: حدّثنا وُهيب بن خالد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قدمنا مع رسول الله ﷺ مُهِلِّين بالحجّ، فلما دنونا من مكة قال رسول الله ﷺ : "من لم يكن معه هدي فليحلل، ومن كان معه هدي، فليُقِم على إحرامه، قالت: وكان مع الزبير هدي، فأقام على إحرامه، ولم يكن معي هدي، فأحللت، فلبست ثيابي، وتطيّبت من طيبي، ثم جلست إلى الزبير، فقال: استأخري عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٥] (١٢٣٧) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ، كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ تَقُولُ: صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافُ الْحَقَائِبِ،
стр. 13745
قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَة أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، قَالَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكُلم في بعض سماعه، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) هو: ابن كيسان القرشيّ التيميّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ [٣].
روى عن مولاته، وعن ابن عمر، وروى عنه صهره عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وعبد الملك بن أبي سليمان، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، والمغيرة بن زياد الموصليّ، وغيرهم.
قال أبو داود: ثبتٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: من أجلة التابعين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٣٧)، و (١٢٩١)، و (٢٠٦٩).
والباقون هم المذكورون أول الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، يتيم عروة (أَنَّ
стр. 13746
عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ) مولاته ﵄ (كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ) - بفتح المهملة، وضم الجيم الخفيفة-: جبل معروف بمكة، قال في "الفتح": وقد تكرر ذكره في الأشعار، وعنده المقبرة المعروفة بالمعلى، على يسار الداخل إلى مكة، ويمين الخارج منها إلى منى، وهذا الذي ذكرنا مُحَصَّل ما قاله الأزرقيّ، والفاكهيّ، وغيرهما من العلماء، وأغرب السهيليّ، فقال: الحجون على فرسخ وثلث من مكة، وهو غلطٌ واضحٌ، فقد قال أبو عبيد البكريّ: الحجون الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شِعْب الجرارين، وقال أبو علي القالي: الحجون ثنية المدنيين؛ أي من يَقْدَم من المدينة، وهي مقبرة أهل مكة عند شعب الجرارين. انتهى.
ويدل على غلط السهيليّ قول الشاعر [من الطويل]:
سَنَبْكِيكَ مَا أَرْسَى ثَبِيرٌ مَكَانَهُ … وَمَا دَامَ جَارًا لِلْحَجُونِ الْمُحَصَّبُ
وقد تقدم ذكر المحصب وحده، وأنه خارج مكة.
وروى الواقديّ عن أشياخه أن قُصَيّ بن كلاب لما مات دُفِن بالحجون، فتدافن الناس بعده، وأنشد الزبير لبعض أهل مكة:
كَمْ بِالْحَجُونِ وَبَيْنَهُ مِنْ سَيِّدٍ … بِالشِّعْبِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَأَكَامِ
والجرارين التي تقدم: جمع جَرَار، بجيم، وراء ثقيلة، ذكرها الرضيّ الشاطبيّ، وكتب على الراء صحّ صحّ، وذكر الأزرقيّ أنه شعب أبي دبّ رجل من بني عامر.
قال الحافظ: قد جُهِل هذا الشِّعْب الآن، إلا أن بين سور مكة الآن، وبين الجبل المذكور مكانًا يشبه الشعب، فلعله. انتهى (١).
(تَقُولُ: صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُوبهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَيافُ الْحَقَائِبِ) جمع حَقِيبة -بفتح المهملة، وبالقاف، وبالموحدة- وهي ما احتقبه الراكب خلفه، من حوائجه، في موضع الرَّدِيف، قاله في "الفتح"، وقال النوويّ: الحقيبة: هو: كل ما حُمل في مؤخّر الرَّحْل والقَتَب، ومنه احتقب
стр. 13747
فلان كذا. انتهى (١)، قال الأبيّ ﵀: ظاهر الاستعمال أنه ما عُلّق للحفظ فيه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
قِفُوا خَبِّرُونِي عَنْ سُلَيْمَان إِنَّنِي … لِمَعْرُوفِهِ مِنْ أَهْلِ وَدَّانَ طَالِبُ
فَعَاجُوا فَأَثْنَوْا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ … وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْهِ الْحَقَائِبُ
والممدوح سليمان بن عبد الملك. انتهى (٢).
ولفظ البخاريّ: "ونحن يومئذ خفاف" دون لفظ "الحقائب".
(قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي مركوبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتى عَائِشَةُ) أي بعد أن فسخوا الحجّ إلى العمرة، وفي رواية صفية بنت شيبة، عن أسماء المذكورة قبله: "قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحجّ، فقال: من كان معه هدي فليُقِم على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ، فليحلّ، فلم يكن معي هديّ، فأحللت، وكان مع الزبير هديّ، فلم يحلّ". انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذا مغاير لذكرها الزبير مع من أحلّ في رواية عبد الله مولى أسماء، فإن قضية رواية صفية عن أسماء أنه لم يحلّ؛ لكونه ممن ساق الهدي، فإن جُمِع بينهما بأن القصة المذكورة وقعت لها مع الزبير في غير حجة الوداع، كما أشار إليه النوويّ على بُعده، وإلا فقد رجح عند البخاريّ رواية عبد الله مولى أسماء، فاقتصر على إخراجها دون رواية صفية بنت شيبة، وأخرجهما مسلم مع ما فيهما من الاختلاف، ويُقَوِّي صنيع البخاري ما تقدم من طريق محمد بن عبد الرحمن، وهو أبو الأسود المذكور في هذا الإسناد، قال: سألت عروة بن الزبير، فذكر الحديث، وفي آخره: "وقد أخبرتني أمي أنها أهلّت هي وأختها، والزبير، وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حَلُّوا"، والقائل أخبرتني: عروة المذكور، وأمه هي أسماء بنت أبي بكر، وهذا موافق لرواية عبد الله مولى أسماء عنها.
وفيه إشكال آخر، وهو ذِكرها لعائشة فيمن طاف، والواقع أنها كانت حينئذ حائضًا. وأجيب بأنه يَحْتَمل أنها أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم، لكن قال القاضي عياض: هذا خطأ؛
стр. 13748
لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع، وقيل: لا وجه في ذلك إلَّا أن يقال: إنما لم تستثن أسماء عائشة لشهرة قصتها، وفيه بُعد أيضًا، نعم إنما هذا يتأتى إذا قلنا: كانت عائشة طاهرة حين ذكرت أسماء إياها، وعطفتها على نفسها في قولها: "اعتمرت أنا، وأختي عائشة"، ثم طرأ عليها الحيض، ثم إنها لم تستثنها في قولها: "فلما مسحنا البيت" لشهرتها أنها كانت حائضًا في ذلك الوقت، أو نسيت أن تستثنيها، فافهم، قاله في "العمدة" (١).
(وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) كأنها سمّت بعض من عرفته، ممن لم يسق الهدي، قال الحافظ: ولم أقف على تعيينهم، فقد تقدم من حديث عائشة ﵂ أن أكثر الصحابة كانوا كذلك. انتهى.
(فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) أي طفنا بالبيت، فاستلمنا الركن، وفي حديث عائشة: "مسحنا الركن"، فالمسح مجاز عن الطواف، وساغ هذا المجاز؛ لأن كل من طاف بالبيت يمسح الركن، فصار يطلق على الطواف، كما قال عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ … وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
أي طاف من هو طائف، قال عياض: ويَحْتَمِل أن يكون معنى "مسحوا": طافوا، وسَعَوا، وحذف السعي اختصارًا لَمّا كان منوطًا بالطواف، قال: ولا حجة في هذا الحديث لمن لم يوجب السعي؛ لأن أسماء أخبرت أن ذلك كان في حجة الوداع، وقد جاء مفسَّرًا من طرق أخرى صحيحة أنهم طافوا معه، وسعوا، فَيُحْمَل ما أُجمل على ما بُيِّن، والله أعلم.
واستُدِلّ به على أن الحلق أو التقصير استباحة محظور؛ لقولها: إنهم أحلوا بعد الطواف، ولم تذكُر الحلق.
وأجاب من قال بأنه نسك: بأنها سكتت عنه، ولا يلزم من ذلك ترك فعله، فإن القصّة واحدة، وقد ثبتٌ الأمر بالتقصير في عدّة أحاديث:
منها حديث جابر: أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ثم يُقصّروا، ويحلّوا، متّفقٌ عليه.
стр. 13749
واختلفوا فيمن جامع قبل أن يقصر، بعد أن طاف وسعى، فقال الأكثر: عليه الهدي، وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال الشافعي: تفسد عمرته، وعليه المضيّ في فاسدها، وقضاؤها. واستَدَلّ به الطبريّ على أن من ترك التقصير حتى يخرج من الحرم، لا شيء عليه، بخلاف من قال: عليه دم (١).
(ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ) قال الفيّوميّ ﵀: العشيّ قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ والعشاء: من صلاة المغرب إلى العتمة. انتهى (٢).
وقوله: (قَالَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ) أشار به إلى اختلاف شيخيه في ذكر اسم مولى أسماء ﵂، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٠٠٥] (١٢٣٧)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٩٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٧) - (بَابٌ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٦] (١٢٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَرَخَّصَ
стр. 13750
فِيهَا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا، فَادْخُلُو اعَلَيْهَا، فَاسْأَلُوهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (مُسْلِمٌ الْقُرِّيُّ) هو: مسلم بن مِخْرَاق العبْديّ القارئ، مولى بني قُرّة، ويقال: المازنيّ الْعُرْيابيّ، أبو الأسود البصريّ العطار، ويقال: إنهما اثنان، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن ابن العباس، وابن الزبير، وابن عمر، ومَعْقِل بن يسار، وأبي بكرة الثقفيّ، وأسماء بنت أبي بكر.
وروى عنه ابنه سَوَادة، وابن عون، وحزم بن أبي حزم، وشعبة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر مسلم القُرّيّ، فقال: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكنه فرّق بين مولى بني قُرّة، وبين المكنى أبا الأسود، وبذلك جزم أبو علي الجيانيّ في "تقييد المهمل"، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٣٨)، و (١٢٣٩) وفي "كتاب الإمارة" (١٤٢) وهو مكرّر تقدّم نحوه في "كتاب الإيمان"، فتنبّه.
والباقيان ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ) قال النوويّ ﵀: هو بقاف مضمومة، ثم راء مشدّدة، قال السمعانيّ: هو منسوب إلى بني قُرّة، حيّ من عبد القيس، قال: وقال ابن ماكولا هذا، ثم قال: وقيل: بل لأنه كان ينزل قنطرة قُرّة. انتهى.
стр. 13751
(قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ) أي حكم التمتّع بالعمرة إلى الحجّ (فَرَخَّصَ فِيهَا، وَكَانَ) عبد الله (ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا) أي كما كان عمر وعثمان ﵄ ينهيان عنها (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (هَذِهِ أمّ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أسماء بنت أبي بكر ﵄ (تُحَدّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا) أي في المتعة (فَادْخُلُوا عَلَيْهَا، فَاسْأَلُوهَا) فيه حثّ الطالب على طلب العلوّ في السماع، فإن السائلين لا يشكّون في صدق ابن عبّاس، بل يعترفون بعلمه وفضله، إلا أنه ﵁ أراد أن ينقلهم من الأخذ بواسطة إلى الأخذ مباشرة (قَالَ) مسلم (فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا) أي على أسماء أبم ابن الزبير ﵃ (فَإِذَا امْرَأَةٌ) "إذا" هي الْفُجائيّة؛ أي ففاجأنا وجود امرأة (ضَخْمَة) أي عظيمة الجثّة، يقال: ضَخُمَ الشيءُ ضِخَمًا بكسر، ففتح، وزانُ عِنَبٍ، وضَخَامةً: عَظُمَ، فهو ضَخْمٌ، والجمع ضِخَامٌ، مثلُ سَهْمِ وسِهَامٍ، وامرأة ضَخْمةٌ، والجمع ضَخْمَات بالسكون، قاله الفيّوميّ (١). (عَمْيَاءُ) الظاهر أنه حصل لها العمى في أواخر عمرها، فإنها قد عُمّرت أكثر من مائة سنة، كما تقدّم في ترجمتها في الباب الماضي (فَقَالَتْ: قَدْ رَخصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا) أي أجاز في التمتّع، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٣٥٥٦ و ٣٠٠٧] (١٢٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13752
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنَاه ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد، يَعْني ابْنَ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَامَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَفِي حَدِيثِهِ الْمُتْعَةُ، وَلَمْ يَقُلْ: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَأَمَّا ابْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: قَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي مُتْعَةُ الْحَجِّ، أَوْ مُتْعَةُ النِّسَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: روايتا عبد الرحمن بن مهديّ، ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة لم أجد من ساقهما بتمامهما فيُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٨] (١٢٣٩) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْقُرِّيُّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ، فَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمْ يَحِلَّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
стр. 13753
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ومسلم القريّ، كما سبق قريبًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ، أنه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ) معناه أنه أدخلها على الحجّ حينما أتاه الأمر من ربّه بوادي العقيق، كما سبق بيانه، وليس المراد أنه أنشأ الإحرام بها مفردة؛ لأن الأحاديث الصحيحة دلّت على هذا، ولا سيّما حديث عمر ﵁ في قصّة إتيان الملك، كما تقدم بيان ذلك مفصلًا.
وقال البيهقيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الرواة في كونه ﷺ أهلّ بعمرة، أو بحج في حديث ابن عباس ﵄: وقولُ من قال: إنه أهلّ بالحجّ لعله أشبه لموافقته رواية أبي العالية البرَّاء، وأبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس في إهلال النبيّ ﷺ بالحجّ، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأقرب ما دلّ عليه حديث عمر ﵁ المذكور الدالّ على أنه ﷺ أنشأ الإحرام قارنًا، لا مفردًا بأحدهما، فإن حديث عمر لا يقبل التأويل، وأما حديث ابن عبّاس ﵄ وغيره فيقبل التأويل بما ذكرنا، وهو أن قوله: أهلّ بالحجّ؛ أي مع العمرة، وكذا
стр. 13754
العكس، فهذا المعنى واضح تدلّ عليه الأحاديث، ويجتمع به متفرّقها، فتبصر.
(وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ) المراد غالبهم، أو بالنظر لأول أحوالهم، فإنهم ما كانوا يرون في أشهر الحجّ إلا الحج، حتى أمرهم النبيّ ﷺ بالتحلل بعمل العمرة، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ) أي بفسخ الحجّ إلى العمرة، بل استمرّوا على إحرامهم حتى حلّوا منهما جميعًا يوم النحر (وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ) أي الذين ليس معهم هدي (فَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة المتوفّى سنة ستّ وثلاثين (فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمْ يَحِلَّ) هكذا رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة، جعل طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي، فلم يحلّ، وتابعه عليه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عند البيهقيّ، فقال: "وكان رسول الله ﷺ ، وطلحة ممن كان معهما الهدي".
وهذه الرواية تخالف الرواية التالية من طريق غندر، عن شعبة، حيث جعل طلحة فيمن لم يسق الهدي، وتابعه عليه رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عند البيهقيّ أيضًا، فقال: "وكان ممن لم يكن معه الهدي طلحة بن عبيد الله، ورجل آخر، فأحلّا".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح في هذا رواية معاذ بن معاذ، وأبي داود الطيالسي، أن طلحة ممن ساق الهدي، والدليل على ذلك حديث جابر ﵁ عند البخاريّ من طريق عطاء، عن جابر ﵁ قال: "أهلّ النبيّ ﷺ ، هو وأصحابه بالحجّ، وليس مع أحد منهم هديٌ غير النبيّ ﷺ وطلحة … ". فهذا موافق لرواية معاذ، وأبي داود، فتترجح على رواية غندر، ورَوح.
والحاصل أن طلحة بن عبيد الله ﵁ ممن أهدى، فلم يحلّ حتى بلغ الهدي محله، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: حديث جابر ﵁ هذا مخالف لما رواه أحمد، ومسلم،
стр. 13755
وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن الهدي كان مع النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وذوي يسار"، وفي رواية للبخاريّ من طريق أفلح، عن القاسم، بلفظ: "ورجال من أصحابه ذوي قوّة"، ولمسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر أن الزبير كان ممن كان معه الهدي.
[قلت]: يُجْمَع بينها بأن كلًّا منهم ذكر من اطلع عليه، ممن كان معه الهدي، ذكر نحو هذا الحافظ في "الفتح" (١).
والحاصل أن الذين كان معهم الهدي جماعة، كهؤلاء المذكورين، لكنهم بالنسبة لمن لم يكن معه قلّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٣٠٠٨ و ٣٠٠٩] (١٢٣٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٠٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٨١) و"الكبرى" (٢/ ٣٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤١)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (٣/ ٥٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَأَحَلَّا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا قبل حديث.
стр. 13756
وقوله: (وَرَجُلٌ آخَرُ) لم يسمّ ذلك الرجل، فالله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٤٠) فقال:
(٢١٤١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ورَوْحٌ قالا: حدّثنا شعبة، قال روح: سمعت مسلمًا الْقُرّيَّ، وقال محمد: عن مسلم القُرّيّ، قال: سمعت ابن عباس يقول: أهلّ رسول الله ﷺ بالعمرة، وأهلّ أصحابه بالحجّ، قال روح: أهلّ رسول الله ﷺ وأصحابه بالحجّ، فمن لم يكن معه هديٌ أحلّ، وكان ممن لم يكن معه هديٌ طلحة، ورجل آخر، فأحلّا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٨) - (بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٠] (١٢٤٠) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا بَهْزٌ، حَدَّثنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أفجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّت الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) طاووس بن كيسان، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
стр. 13757
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ) -بفتح أوله-: أي يعتقدون، قال النوويّ ﵀: الضمير في "يَرَون" يعود إلى الجاهليّة، ولابن حبّان من طريق أخرى عن ابن عباس ﵄، قال: "والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة، إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحيّ من قُريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون … "، فذكر نحوه، قال الحافظ ﵀: فعُرِف بهذا تعيين القائلين. انتهى. (أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ) أي من أفحش الفواحش. والفجور الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر فجورًا، من باب نصر. وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا) الموجود في النسخ الحاضرة عندي "صفرًا" بالألف، إلا ما وقع في نسخة شرح النوويّ، فإن فيها "صفر" بلا ألف، فقال النوويّ: هكذا هو في النسخ "صفر" من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب مصروف بلا خلاف، وكان ينبغي أن يكتب بالألف، وسواء كُتب بالألف، أم بحذفها لا بدّ من قراءته هنا منصوبًا؛ لأنه مصروف؛ يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرف، فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفي الخلاف فيه، لكن في "المحكم": كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان، فما هما؟، قال: المعرفة والساعة، وفسّره المطرّزيّ بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات، والساعة مؤنثة. انتهى.
стр. 13758
قال في "الفتح": وحديث ابن عباس هذا حجة لأبي عبيدة.
قال العلماء: المراد بجعلهم المحرّم صفرًا الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرّم صفرًا، ويُحلّونه، ويؤخّرون تحريم المحرّم إلى نفس صفر؛ لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة، فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة، والغارة بعضهم على بعض، فضلّلهم الله في ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
وقال القرطبيّ: قوله: "ويجعلون المحرم صَفَر" أي يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهُر حُرُم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله أنهم كانوا يُحلّون من الأشهر الْحُرُم ما احتاجوا إليه، ويُحرّمون فكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يُسمَّون النَّسَأَة، وكانوا أشرافَهُم، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الوافر]:
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ … شُهُورَ الْحِلّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا
فردّ الله كلّ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
وقال في "الفتح" في "سورة التوبة"، عند شرح حديث: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات، والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان" ما حاصله: وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من تأخير الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرم صفرًا، ويجعلون صفرًا المحرّم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: "متواليات"، وكانوا في الجاهلية على أنحاء: منهم من يسمي المحرم صفرًا، فيُحلّ فيه القتال، ويحرم القتال في صفر، وشمميه المحرم، ومنهم من يجعل ذلك سنة هكذا، وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخّر صفرًا إلى ربيع الأول، وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا، إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل.
وقال أيضًا: قوله: "ورجب مضر" أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين
стр. 13759
بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذكره في المحرم وصفر، فيحلّلون رجبًا، ويحرّمون شعبان، ووصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيدًا، وكان أهل الجاهليّة قد نسئوا بعض الأشهر الحرم؛ أي أخّروها، فيحلون شهرًا حرامًا، ويحرّمون مكانه آخر بدله حتى رُفض تخصيص الأربعة بالتحريم أحيانًا، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السنة.
فمعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء.
وقال الخطابيّ: كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل، والتحريم، والتقديم، والتأخير لأسباب تعرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهرًا غيره، فتتحوّل في ذلك شهور السنة، وتتبدّل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ ﷺ عند ذلك. انتهى (١).
[فائدة]: قال الكلبيّ: أول من نسأ القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد الكنانيّ، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة، ثم جنادة، وهو الذي أدركه رسول الله ﷺ ، وقيل: مالك بن كنانة. وقيل: عمرو بن طيّء.
وقال ابن دريد: الصفران شهران من السنة، سمي أحدهما في الإسلام المحرم.
وفي "المحكم": قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، ورَوَى رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَن لَقُوا صفرًا من المتاع، وذلك إذا كان صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا، فإذا جمعوه مع المحرّم قالوا: صفران، والجمع أصفار، وقال القزّاز: إنما سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يُخلون البيوت فيه
стр. 13760
لخروجهم إلى البلاد، يقال لها: الصفرية، يمتارون منها، وقيل: لأنهم كانوا يخروجون إلى الغارة، فتبقى بيوتهم صفرًا.
وفي "العلم المشهور" لأبي الخطاب: العرب تقول: صفر، وصفران، وصفارين، وأصفار، قال: وقيل: إن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفرًا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال ﷺ : "السنة اثنا عشر شهرًا". وكانوا يتطيّرون به، ويقولون: إن الأمور فيه منغلقة، والآفات فيه واقعة. انتهى (١).
(وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ) بفتحتين، وآخره همزة، وتخفف بقلبها ألفًا (الدَّبَرْ) بفتح المهملة، والموحّدة: أي زال الجرح الذي كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقّة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ (وَعَفَا الْأَثَرْ) بهمزة، ومثلثة مفتوحتين: أي اندرس، وانمحى أثر الإبل، وغيرها في سيرها، فإنه ينمحي لطول مرور الزمان والأيام، هذا هو المشهور، وقال الخطابيّ: المراد أثر الدبر المذكور.
وقال القرطبيّ: و"عفا" من الأضداد، يقال: عفا الشيء: كثُر، وقلّ، وظهر، وخفي مثله. انتهى (٢).
وفي رواية النسائيّ: "وَعَفَا الْوَبَرْ"؛ أي كثر وَبَرُ الإبل الذي قلعته رحال الحجّ، و"الوَبَر" -بفتحتين-: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل: مصدرٌ، من باب تعب، وبَعِيرٌ وَبِز بالكسر كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثل سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ.
(وَانْسَلَخَ صَفَرْ) أي خرج شهر صفر الذي جعلوه بدل المحرّم (حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزًا.
[فائدة]: قال النوويّ ﵀: هذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع.
وقال الكرمانيّ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحجّ الذي هو المقصود من الحديث، والمحرم، وصفر ليسا من أشهر الحجّ؟.