وقوله: (وَرَجُلٌ آخَرُ) لم يسمّ ذلك الرجل، فالله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٤٠) فقال:
(٢١٤١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ورَوْحٌ قالا: حدّثنا شعبة، قال روح: سمعت مسلمًا الْقُرّيَّ، وقال محمد: عن مسلم القُرّيّ، قال: سمعت ابن عباس يقول: أهلّ رسول الله ﷺ بالعمرة، وأهلّ أصحابه بالحجّ، قال روح: أهلّ رسول الله ﷺ وأصحابه بالحجّ، فمن لم يكن معه هديٌ أحلّ، وكان ممن لم يكن معه هديٌ طلحة، ورجل آخر، فأحلّا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٨) - (بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٠] (١٢٤٠) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا بَهْزٌ، حَدَّثنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أفجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّت الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) طاووس بن كيسان، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
стр. 13757
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ) -بفتح أوله-: أي يعتقدون، قال النوويّ ﵀: الضمير في "يَرَون" يعود إلى الجاهليّة، ولابن حبّان من طريق أخرى عن ابن عباس ﵄، قال: "والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة، إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحيّ من قُريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون … "، فذكر نحوه، قال الحافظ ﵀: فعُرِف بهذا تعيين القائلين. انتهى. (أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ) أي من أفحش الفواحش. والفجور الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر فجورًا، من باب نصر. وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا) الموجود في النسخ الحاضرة عندي "صفرًا" بالألف، إلا ما وقع في نسخة شرح النوويّ، فإن فيها "صفر" بلا ألف، فقال النوويّ: هكذا هو في النسخ "صفر" من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب مصروف بلا خلاف، وكان ينبغي أن يكتب بالألف، وسواء كُتب بالألف، أم بحذفها لا بدّ من قراءته هنا منصوبًا؛ لأنه مصروف؛ يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرف، فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفي الخلاف فيه، لكن في "المحكم": كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان، فما هما؟، قال: المعرفة والساعة، وفسّره المطرّزيّ بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات، والساعة مؤنثة. انتهى.
стр. 13758
قال في "الفتح": وحديث ابن عباس هذا حجة لأبي عبيدة.
قال العلماء: المراد بجعلهم المحرّم صفرًا الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرّم صفرًا، ويُحلّونه، ويؤخّرون تحريم المحرّم إلى نفس صفر؛ لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة، فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة، والغارة بعضهم على بعض، فضلّلهم الله في ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
وقال القرطبيّ: قوله: "ويجعلون المحرم صَفَر" أي يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهُر حُرُم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله أنهم كانوا يُحلّون من الأشهر الْحُرُم ما احتاجوا إليه، ويُحرّمون فكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يُسمَّون النَّسَأَة، وكانوا أشرافَهُم، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الوافر]:
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ … شُهُورَ الْحِلّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا
فردّ الله كلّ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
وقال في "الفتح" في "سورة التوبة"، عند شرح حديث: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات، والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان" ما حاصله: وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من تأخير الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرم صفرًا، ويجعلون صفرًا المحرّم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: "متواليات"، وكانوا في الجاهلية على أنحاء: منهم من يسمي المحرم صفرًا، فيُحلّ فيه القتال، ويحرم القتال في صفر، وشمميه المحرم، ومنهم من يجعل ذلك سنة هكذا، وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخّر صفرًا إلى ربيع الأول، وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا، إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل.
وقال أيضًا: قوله: "ورجب مضر" أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين
стр. 13759
بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذكره في المحرم وصفر، فيحلّلون رجبًا، ويحرّمون شعبان، ووصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيدًا، وكان أهل الجاهليّة قد نسئوا بعض الأشهر الحرم؛ أي أخّروها، فيحلون شهرًا حرامًا، ويحرّمون مكانه آخر بدله حتى رُفض تخصيص الأربعة بالتحريم أحيانًا، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السنة.
فمعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء.
وقال الخطابيّ: كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل، والتحريم، والتقديم، والتأخير لأسباب تعرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهرًا غيره، فتتحوّل في ذلك شهور السنة، وتتبدّل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ ﷺ عند ذلك. انتهى (١).
[فائدة]: قال الكلبيّ: أول من نسأ القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد الكنانيّ، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة، ثم جنادة، وهو الذي أدركه رسول الله ﷺ ، وقيل: مالك بن كنانة. وقيل: عمرو بن طيّء.
وقال ابن دريد: الصفران شهران من السنة، سمي أحدهما في الإسلام المحرم.
وفي "المحكم": قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، ورَوَى رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَن لَقُوا صفرًا من المتاع، وذلك إذا كان صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا، فإذا جمعوه مع المحرّم قالوا: صفران، والجمع أصفار، وقال القزّاز: إنما سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يُخلون البيوت فيه
стр. 13760
لخروجهم إلى البلاد، يقال لها: الصفرية، يمتارون منها، وقيل: لأنهم كانوا يخروجون إلى الغارة، فتبقى بيوتهم صفرًا.
وفي "العلم المشهور" لأبي الخطاب: العرب تقول: صفر، وصفران، وصفارين، وأصفار، قال: وقيل: إن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفرًا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال ﷺ : "السنة اثنا عشر شهرًا". وكانوا يتطيّرون به، ويقولون: إن الأمور فيه منغلقة، والآفات فيه واقعة. انتهى (١).
(وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ) بفتحتين، وآخره همزة، وتخفف بقلبها ألفًا (الدَّبَرْ) بفتح المهملة، والموحّدة: أي زال الجرح الذي كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقّة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ (وَعَفَا الْأَثَرْ) بهمزة، ومثلثة مفتوحتين: أي اندرس، وانمحى أثر الإبل، وغيرها في سيرها، فإنه ينمحي لطول مرور الزمان والأيام، هذا هو المشهور، وقال الخطابيّ: المراد أثر الدبر المذكور.
وقال القرطبيّ: و"عفا" من الأضداد، يقال: عفا الشيء: كثُر، وقلّ، وظهر، وخفي مثله. انتهى (٢).
وفي رواية النسائيّ: "وَعَفَا الْوَبَرْ"؛ أي كثر وَبَرُ الإبل الذي قلعته رحال الحجّ، و"الوَبَر" -بفتحتين-: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل: مصدرٌ، من باب تعب، وبَعِيرٌ وَبِز بالكسر كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثل سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ.
(وَانْسَلَخَ صَفَرْ) أي خرج شهر صفر الذي جعلوه بدل المحرّم (حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزًا.
[فائدة]: قال النوويّ ﵀: هذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع.
وقال الكرمانيّ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحجّ الذي هو المقصود من الحديث، والمحرم، وصفر ليسا من أشهر الحجّ؟.
стр. 13761
فأجاب بقوله: لما سمّوا المحرم صفرًا، وكان من جملة تصرفاتهم جعل السنة ثلاثة عشر شهرًا، صار صفر على هذا التقدير آخر السنة، وآخر أشهر الحجِّ؛ إذ لا برء في أقلّ من هذه المدة غالبًا، وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق، وفي مكة لقدروا على المقاتلة، فكأنه قال: إذا انقضى شهر الحج، وأثره، والشهر الحرام جاز الاعتمار، أو يراد بالصفر المحرم، ويكون "إذا انسلخ صفر" كالبيان، والبدل لقوله: "إذا برأ المدبر"، فإن الغالب أن البرء من أثر صفر الحج لا يحصل إلَّا في هذه المدة، وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين ونحوه. انتهى (١).
(فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ) أي دخلوا مكة (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ) أي صباح الليلة الرابعة من شهر ذي الحجة، وذلك يوم الأحد (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) منصوب على الحال؛ أي حال كونهم مهلّين بالحجّ وفي رواية: "وهم يلبّون بالحجّ"، وهي مفسّرة لقوله: "مهلّين"، واحتجّ به من قال: كان حجّ النبيّ ﷺ مُفْرِدًا، وأجاب من قال: كان قارنًا - وهو الصواب - بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة (فَأَمَرَهُمْ) أي النبيّ ﷺ أصحابه ﵃ (أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي يقلبوا الحجة التي قدموا مهلين بها عمرة، فيتحللوا بأفعال العمرة (فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ) وفي رواية: "فكبر ذلك عندهم": أي شقّ عليهم ما أمرهم به؛ لما كانوا يعتقدونه أَوّلًا (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ) كأنهم كانوا يعرفون أن للحجّ تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيّن لهم النبيّ ﷺ فـ (قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ") يعني أن المطلوب منهم أن يتحلّلوا كلّ الحلّ، حتى غشيان النساء، وذلك تمام الحلّ؛ لأن العمرة ليس لها إلَّا تحلّل واحد.
ووقع في رواية الطحاويّ: "أيَّ الحلّ نحلّ؟، قال: الحلّ كله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 13762
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٠١٠ و ٣٠١١ و ٣٠١٢ و ٣٠١٣ و ٣٠١٤] (١٢٤٠)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (١٠٨٥) و"الحج" (١٥٦٤) و"المناقب" (٣٨٣٢)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٩٠ و ١٧٩١ و ١٧٩٢)، و (النسائيّ) في "المنا سك" (٥/ ١٨٠) وفي "الكبرى" (٣٧٩٠ و ٣٧٩٦ و ٣٧٩٧ و ٣٨٥٣ و ٣٨٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٥٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة العمرة في أشهر الحجِّ.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية فسخ الحج بأعمال العمرة.
٣ - (ومنها): استحباب دخول مكة نهارًا، وهو المرويّ عن ابن عمر ﵄، وبه قال عطاء، والنخعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وهو أصحّ الوجهين لأصحاب الشافعيّ، والوجه الثاني أن دخولها ليلًا أو نهارًا سواء، لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس، والثوريّ، وعن عائشة ﵂، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاء ليلًا فلا بأس به، قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الزيارة ليلًا.
٤ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال: إنه ﷺ حج مفردًا، والصحيح - كما تقدم - أنه حج قارنًا، وتأويل قول ابن عباس ﵄: "مهلّين بالحجّ" أي مع العمرة، ولا بدّ من التأويل؛ لئلا يتعارض مع حديث عمر ﵁ في قصّة مجيء الملك إليه ﷺ ، وأمره له بالإهلال بهما معًا، فقال له: "قل: عمرة في حجة"، رواه البخاريّ.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من اتباع الهوي، وتشريع ما لَمْ يأذن به الله ، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، فلذلك عنّفهم، وضللَّهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ
стр. 13763
كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ [التوبة: ٣٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١١] ( … ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَع مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ - لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ -: "مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، امتنع من القضاء [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءُ) بتشديد الراء البصريّ، اسمه زياد، وقيل: كُلثوم، وقيل: أُذينة، وقيل: ابن أُذينة، ثقةٌ [٤] (ت ٩٠) (خ م س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٢/ ١٤٦٩.
[تنبيه]: قوله: "البرّاء" بتشديد الراء، كما أسلفته آنفًا، سُمي به لأنه كان يبري النَّبْلَ، وهو غير أبي العالية الرِّياحيّ، وقد اشتركا في الرواية عن ابن عبّاس ﵄. قاله في "الفتح" (١).
والباقيان ذكرا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ) تقدّم أن المراد بالحجّ معه العمرة؛ لأن الصحيح أنه ﷺ كان قارنًا من أول الأمر؛ لصريح حديث عمر ﵁
المتقدّم، فتنبّه.
стр. 13764
وقوله: (فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) أي لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة، وفي رواية البخاريّ: "قدم النبيّ ﷺ ، وأصحابه لصبح رابعة يلبّون بالحجّ"؛ أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رَوْحٌ، وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالا كَمَا قَالَ نَصْرٌ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، وَأمَّا أَبُو شِهَابٍ، فَفِي رِوَايَتِهِ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولي اللهِ ﷺ ، نُهِلُّ بِالْحَجِّ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، خَلَا الْجَهْضَمِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ) سليمان بن داود، ويقال: ابن محمد بن سليمان، أبو داود المباركيّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبي شهاب عبد ربه بن نافع، وأبي حفص الأبّار، وحماد بن دُلَيل، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن حرب الصنعاني، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم حديثًا واحدًا في الحجِّ، وروى له النسائيّ بواسطة أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ، وحدّث عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، ويحيى بن يعقوب المباركيّ، وخلف بن هشام البزار قرينه، وغيرهم.
قال أبو زرعة، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: هو ثقةٌ
стр. 13765
شيخٌ، كان يكون ببغداد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، زاد غيره: في ذي القعدة.
قال الحافظ: وقع في كلام بعضهم: ثنا سليمان أبو داود المباركيّ، فصحّفها آخر: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن محمد، فقد جزم بذلك الحاكم أبو عبد الله، ورجحه أبو إسحاق الحبّال وغيره، وقال ابن قانع: أبو داود المباركيّ صالح، وقال أبو عوانة في "صحيحه": ثنا محمد بن علي بن داود، ثنا سليمان أبو داود المباركيّ، وكان من أصحاب الحديث.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: "المبارَكيّ" بفتح الراء: منسوب إلى المبارك، وهي بُليدة بقرب واسط، بينها وبين بغداد، وهي على طرف دجلة، قاله النوويّ ﵀ (١).
٣ - (أَبُو شِهَابٍ) عبد ربّه بن نافع الكنانيّ الحناط الكوفيّ، نزيل المدائن، وهو أبو شهاب الأصغر، صدوقٌ يَهِمُ [٨].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعاصم بن بَهْدلة، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وابن إسحاق، ويونس بن عبيد، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، ومحمد بن الصلت الأسديّ، وسعيد بن سليمان الوسطىّ، وأبو داود المباركيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وغيرهم.
قال عليّ، عن يحيى: لَمْ يكن بالحافظ، قال: ولم يرض يحيى أمره، وقال الميمونيّ، عن أحمد: كان كوفيًّا، ما علمت إلَّا خيرًا، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس، فقلت: إن يحيى بن سعيد قال: ليس بالحافظ، فلم يرض بذلك، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: أبو شهاب أحب إلي من أبي بكر بن عياش في كلّ شيء، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً، وكان كثير الحديث، وكان رجلًا صالحًا لَمْ يكن بالمتين، وقد تكلموا في حفظه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال مرةً: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، قال عبد الله بن أحمد، عن أبي داود المباركيّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، شك
стр. 13766
عبد الله، وقال مسلم، عن أحمد بن حنبل: مات سنة (١٧١). رواه إسحاق القَرَاب في "تاريخه"، وقال الساجيّ: صدوق يهم في حديثه، وكذا قال الأزديّ، وزاد: يخطئ، وقال ابن نمير: ثقةٌ صدوقٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره في الطبقة السابعة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٤ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ) بن درهم الْعَنْبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الزكاة" ١٦/ ٢٣٣٢.
والباقون ذُكروا في هذا الباب والذي قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ) يعني الثلاثة، وهو: روح بن عبادة، وأبو شهاب الحنّاط، ويحيى بن كثير.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء؛ أي بهذا الإسناد السابق.
[تنبيه]: رواية روح، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٧٦) فقال:
(٣١٢٥) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: نا روح بن عبادة، نا شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البرّاء، عن ابن عباس، أنه قال: أهلّ رسول الله ﷺ بالحجّ، فقَدِم لأربع مَضَين من ذي الحجة، فصلى الصبح بالبطحاء، ثم قال: "من شاء أن يجعلها عمرة، فليجعلها". انتهى.
وأما رواية أبي شهاب، عن شعبة، فساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٩/ ١٠٤) فقال:
(٣٧٩٤) - أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا سليمان بن محمد أبو داود المباركيّ، حدّثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نُهِلّ بالحجّ، فقَدِمَ لأربع من ذي الحجة، فصلى رسول الله ﷺ الصبح بالبطحاء، فلما صلى، قال: "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها". انتهى.
стр. 13767
وأما رواية يحيى بن كثير، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ) المعروف بعارم، أبو النعمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر في الآخر، من صغار [٩].
رَوَى عن جرير بن حازم، ومهديّ بن ميمون، ووهيب بن خالد، والحمادين، وأبي هلال الراسبيّ، وعبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ثم روى هو والباقون عنه بواسطة عبد الله بن محمد المسنديّ، وأبي داود السنجيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وحجاج بن الشاعر، وهارون بن عبد الله الحمّال، وعبد بن حميد، وغيرهم.
قال الذهليّ: ثنا عارم، وكان بعيدًا من العرامة، وقال ابن وَارة: ثنا عارم بن الفضل الصدوق المأمون، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: إذا حدثك فاختم عليه، وعارم لا يتأخر عن عفّان، وكان سليمان بن حرب يُقَدِّم عارمًا على نفسه؛ إذا خالفه عارم رجع إليه، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد ابن مهديّ، قال: وسئل أبي في عارم، وأبي سلمة، فقال: عارم أحب إليّ، قال: وسئل أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قال: وسمعت أبي يقول: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط، فسماعه صحيح، وكتبت
стр. 13768
عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم أسمع منه بعدما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين فسماعه جيّد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين، وقال أبو عليّ محمد بن أحمد بن خالد الزُّريعيّ: ثنا عارم قبل أن يختلط، وقال البخاريّ: تغير في آخر عمره، قال: وجاءنا نعيه سنة أربع وعشرين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كنت عند عارم فحدّث عن حماد، عن هشام، عن أبيه أن ماعزًا الأسلميّ سأل عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلميّ، يعني أن عارمًا قال هذا، وقد زال عقله، وقال أبو داود: بلغنا أنه أنكر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، ثم استَحْكَم به الاختلاط سنة ست عشرة، وقال أبو داود، عن الْمُقَدَّميّ: مات في صفر سنة أربع، وفيها أرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وقال أبو داود: سمعت عارمًا يقول: سماني أبي عارمًا، وسمّيت نفسي محمدًا، وقال سليمان بن حرب: إذا ذكرتَ أبا النعمان فاذكر ابن عون وأيوب، وقال العقيليّ: قال لنا جدّي: ما رأيت بالبصرة أحسن صلاة منه، وكان أخشع من رأيت، وقال النسائيّ: كان أحد الثقات قبل أن يختلط، قال: وقال سليمان بن حرب: إذا وافقني أبو النعمان فلا أبالي من خالفني، وقال الدارقطنيّ: تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقةٌ، وقال ابن حبان: اختلط في آخره عمره وتغير، حتى كان لا يدري ما يُحَدّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لَمْ يُعْلَم هذا ترك الكلّ، ولا يُحتج بشيء منها.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: لَمْ يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، والقول فيه ما قال الدارقطنيّ، وقال العقيليّ: سماع عليّ البغوي من عارم سنة سبع عشرة؛ يعني بعد الاختلاط، وقال سعيد بن عثمان الأهوازيّ: ثنا عارم ثقةٌ، إلَّا أنه اختلط، وقال الخطيب: سماع الْكُديميّ منه قبل اختلاطه، وقال الذهليّ: ثنا محمد بن الفضل عارم، وكان بعيدًا من العرامة، صحيح الكتاب، وكان ثقةً، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجل صالحٌ، وليس يُعْرَف إلَّا بعارم، وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ أكثر من مائة حديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم (١٢٤٠)
стр. 13769
و (١٤٠٦) و (١٥٣٦) و (١٨٥٢) و (١٩٦١) و (٢٠٥٣) و (٢١٢٠) و (٢٤٨٢) و (٢٨٧٧).
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ) أي مضين من عشر ذي الحجة، وهو بمعنى قوله الماضي: "لأربع مضين من ذي الحجة".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ بِذِي طَوًى، وَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحَوِّلُوا إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِذِي طَوًى) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الطاء، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات، حكاهنّ القاضي وغيره، والأصح الأشهر الفتح، ولم يذكر الأصمعيّ، وآخرون غيره، وهو مقصورٌ منونٌ، وهو وادٍ معروف بقرب مكة، قال القاضي: ووقع لبعض الرواة في البخاريّ، بالمد وكذا ذكره ثابت. انتهى (١).
стр. 13770
وهو غير الوادي المقدّس المذكور في القرآن، فإنه طُوى بالضمّ، ولا إضافة فيه، وهو موضع بالشام عند الطور.
وقال الفيّوميّ ﵀: ذو طوى: وادٍ بقرب مكة، على نحو فرسخ، ويُعرف في وقتنا بالزاهر، في طريق التنعيم، ويجوز صرفه ومنعه، وضمّ الطاء أشهر من كسرها، فمن نوّنه جعله اسمًا للوادي، ومن منعه جعله اسمًا للبقعة مع العلميّة، أو منعه للعلميّة مع تقدير العدل عن طاو. انتهى (١).
وقال الأبيّ ﵀: طوى واد بقرب مكة، وفي طائه الحركات الثلاث مع القصر، ولبعض رواة البخاريّ فيه المدّ، قال الأصمعيّ: وأما طواء الذي بطريق الطائف فهو بالفتح والمدّ، وقال غيره: وكذلك طواء الذي باليمن بالفتح والمدّ أيضًا. انتهى (٢).
قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل لمن قال: يستحب للمحرم دخول مكة نهارًا، لا ليلًا، وهو أصح الوجهين لأصحابنا، وبه قال ابن عمر، وعطاء، والنخعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، والثاني دخولها ليلًا ونهارًا سواء، لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول القاضي أبي الطيّب، والماورديّ، وابن الصباغ، والعبدريّ من أصحابنا، وبه قال طاوس، والثوريّ، وقالت عائشة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز: يستحب دخولها ليلًا، وهو أفضل من النهار. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٥] (١٢٤١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ع) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ؛ قَالَ
стр. 13771
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد تسعة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عتيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُجَاهِدُ) بن جبر، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا) أي بأدائها، والفَراغ من أعمالها (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ) بفتح أوله، من الحلّ ثلاثيًّا، أو بضمّه، من الإحلال رباعيًّا، كما تقدّم غير مرّة، وقوله: (الْحِلَّ) منصوب على المصدر، وقوله: (كُلَّهُ) بالنصب توكيد لـ"الحلَّ"، أي الحلّ التامّ، والمعنى أنه يفعل جميع ما كان حرامًا عليه بسبب الإحرام بالعمرة، وقوله: (فَإِنَّ الْعُمْرَةَ إلخ) تعليل للأمر بالحلّ؛ أي لأن العمرة (قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ") يعني أن نية العمرة دخلت في نية الحجِّ، بحيث إن من نوى الحجِّ شُرع له الفراغ منه بعمل العمرة، وهذا هو الصواب في معنى الحديث، فهو دليل على مشروعيّة فسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى. ومن لا يرى الفسخ يقول: معناه حلّت العمرة في أشهر الحجِّ، وصحّت بمعنى دخلت في وقت الحجِّ، وشهوره، وبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم حلّ العمرة في أشهر الحجِّ.
وهذا المعنى بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن جواز العمرة بيّنه النبيّ ﷺ قولًا وفعلًا، وأبطل ما تعتقده الجاهلية قبل هذا حيث اعتمر عُمَره الثلاث في أشهر الحج، فقد اعتمر، عمرة الحديبية في ذي القعدة، وكذا عمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فكلها في ذي القعدة، وهو من أشهر الحرم، ثم قرن الرابعة مع حجته، فكيف يقال: إن الصحابة لَمْ يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج حتى أمرهم بالفسخ، وقد شاهدوا هذه العُمَر كلها، ثم إنه قال لهم عند الميقات: "من شاء أن يهلّ بعمرة، وحجة فليفعل"، فجوّز لهم الاعتمار في
стр. 13772
أشهر الحج عند الميقات، فأيّ معنى لكون الفسخ حتى يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج؟، إن هذا لشيء بعيد (١).
وأيضًا لا معنى لسؤال سراقة ﵁ بقوله: "عمرتنا هذه ألعامنا هذا، أو للأبد؟ "، مشيرًا إلى العمرة التي فسخوا بها الحجِّ، ثم يجيبه ﷺ بقوله: "لا، بل للأبد"، والله تعالى أعلم.
وتأوله بعضهم على أن أفعال العمرة دخلت في أفعال الحجِّ، فلا يجب على القارن إلَّا إحرام واحد، وطواف واحد، وهكذا، وهذا أيضًا بعيد، فإن النبيّ ﷺ قاله مجيبًا لسؤالهم: ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فلا تقارب بينه وبين هذا التأويل.
وتأوله القائلون بعدم وجوب العمرة بأن المراد أنه سقط افتراضها بالحجّ، فكأنها دخلت فيه، وهذا أبعد من الذي قبله، بل هو باطل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٠١٥] (١٢٤١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٩٠)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٨١) و"الكبرى" (٢/ ٣٦٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٦ و ٣٤١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٧٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٦٠ - ٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٦] (١٢٤٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ، قَالَ: تَمَتَّعْتُ،
стр. 13773
فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ، فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسَمِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبو جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ) - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، بعدها عين مهملة - وهو: نصر بن عمران بن عصام البصريّ، نزيل خُرَاسان، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون هم المذكورون قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذي روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم المذكورون في قولِي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ نَصْرٌ … وَيَعْقُوبُ وَعَمْرو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَأبْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.
شرح الحديث:
عن شُعْبَةَ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ) بالجيم، والراء (الضُّبَعِيُّ، قَالَ: تَمَتَّعْتُ) أي أهللت بالتمتّع (فَنَهَانِي نَاسٌ) أي ممن لا يرى التمتّع، قال الحافظ: لَمْ أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن عبد الله بن الزبير ﵄،
стр. 13774
وكان ينهى عن المتعة، كما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عنه، وعن جابر، ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزبير، أنه كان لا يرى التمتع إلَّا للمحصر، ووافقه علقمة، وإبراهيم، وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للمحصر. انتهى (١). (عَنْ ذَلِكَ) أي من التمتّع (فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا) أي بالاستمرار على عمرته (قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ) الحرام (فَنِمْتُ) بكسر النون؛ لأنه من باب علم، ولا يقال: نُمْتُ بضمّ النون، كما اشتهر على ألسنة العامّة، فإنه لحنٌ، فتنبّه. (فَاَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي هذه عمرةٌ، ويجوز النصب على تقدير الفعل؛ أي: فعلت عمرة، وقوله: (مُتَقَبَّلَة) صفة و"عمرة" (وَحَجٌّ مَبْرُورٌ) قال ابن خالويه: المبرور: المقبول، وقال غيره: الحجِّ المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النوويّ، وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذُكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وُفِّيت أحكامه، ووقع موقعًا لما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه في بابه (٢).
(قَالَ) أبو جمرة (فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَأَخْبَرْتُهُ بِالُّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ) كرّره تأكيدًا لفرحه؛ لموافقته ما يعتقده من السنّة (سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ) برفع "سنّةُ" على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هذه سنةُ، ويجوز فيه النصب بتقدير فعل: أي وافقت سنّة أبي القاسم ﷺ ، أو على الاختصاص.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: قال أبو جمرة: فقال لي: أقم عندي، فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت. انتهى.
وقوله: (فقال لي) أي قال لي ابن عباس، وقوله: (فأجعل لك) أي فأنا أجعل لك، ويروى: "وأجعل لك" بالواو التي تدل على الحال، ويروى: "اجعل" بدون الفاء والواو.
وقوله: (سهمًا) أي نصيبًا.
стр. 13775
وقوله: (لِمَ) استفهام عن سبب ذلك، وقوله: (للرؤيا) أي لأجل الرؤيا المذكورة التي رأيتُ، وهو بلفظ المتكلم، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يَسُرّه، وفَرَح العالم بموافقته الحقّ، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعيّ، وعَرْضُ الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرّة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم؛ ليُعْمَل بالراجح منه، الموافق للدليل، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٠١٦] (١٢٤٢)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٦٧ و ١٦٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٥٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٩) - (بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٧] (١٢٤٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ أَبِي عَدِيّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ).
стр. 13776
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصرقي، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السّدوسيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو حَسَّانَ) الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله، صدوقٌ، رُمي برأي الخوارج [٤] قُتل سنة (١٣٠) (خت م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٦/ ١٤٢٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة، وفيه ابن عبّاس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا) أي جعل لها علامةً تُعرف بها أنَّها هديٌ، يقال: أشعرت البدنةَ إشعارًا: إذا حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ أنَّها هدي، فهي شعيرة، قاله الفيّوميّ ﵀.
وقال في "العمدة": "الإشعار": في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشُّعُور، وهو العلم بالشيء، من شَعَر يَشْعُر، كنصر ينصر، وقال الراغب: الشَّعَر معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠]، ومنه استعيرت شَعَرتُ كذا: أي علمت علمًا في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢]؛ أي ما يُهدى إلى بيت الله، سمي بذلك؛ لأنَّها تُشْعَر؛ أي تُعلَّم بأن تُدمى بشعيرة؛ أي حديدة. انتهى.
стр. 13777
وفي الشرع: هو أن يُشَقّ أحد سنامي البدن، ويُطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليُعرف أنَّها هديٌ، وتتميّز إن خُلِطت، وتُعرف إن ضلّت، وَيرتدع عنها السُّرّاق، ويأكلها الفقراء؛ إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. انتهى.
(فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ) "الصفحة": الجانب، و"السنام": أعلى ظهر البعير، و"الأيمن" صفة "صفحة"، وذكّره لمجاورته لـ "سنام"، وهو مذكّر، أو على تأويل "صفحة" بجانب.
وقال النوويّ ﵀: أما الإشعار، فهو أن يَجرحها في صفحة سنامها اليمنى بِحَرْبة، أو سكين، أو حديدة، أو نحوها، ثم يَسْلُت الدم عنها، وأصل الإشعار، والشعور: الإعلام، والعلامة، وإشعار الهدي؛ لكونه علامة له، وهو مستحبّ؛ لِيُعْلَم أنه هديٌ، فإن ضلّ ردّه واجده، وإن اختلط بغيره تميز، ولأن فيه إظهار شعار الله تعالى، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله.
وأما صفحة السنام، فهي جانبه، والصفحة مؤنثة، فقوله: "الأيمن" بلفظ التذكير يتأول على أنه وصفٌ لمعنى الصفحة، لا للفظها، ويكون المراد بالصفحة الجانب، فكأنه قال: جانب سنامها الأيمن. انتهى (١).
وفي رواية النسائيّ: "أشعر بُدنه مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ"، وفي رواية: "فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن"، وفي رواية: "أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن".
(وَسَلَتَ الدَّمَ) وفي رواية النسائيّ: "وَسَلَتَ الدم عنها"، بمهملة، ولام، ثم مثناة: أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها، زاد في رواية أبي داود: "بيده"، وفي أخرى عنده: "بإصبَعِه"، قال الخطابيّ ﵀: سَلَتَ الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السَّلْت: القطع، يقال: سَلَتَ الله أنف فلان - من باب قتل -: أي جدعه. انتهى.
(وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ) تقليد الهدي: "هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد؛ ليُعلَم أنه هديٌ، فيكفّ الناس عنه، قاله الفيّوميّ ﵀.
وقال في "اللسان": القلادة: هي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان،
стр. 13778
والفرس، والكلب، والبدنة التي تُهدَي، ونحوها. انتهى.
وقال في "الفتح" عند قول البخاريّ ﵀: "بابُ تقليد النعل" ما نصّه: يَحْتَمِل أن يريد الجنس، ويَحْتَمِل أن يريد الوحدة؛ أي النعل الواحدة، فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين، وهو قول الثوريّ، وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعيّن النعل، بل كلّ ما قام مقامها أجزأ، حتى أُذُن الإداوة، ثم قيل: الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارةً إلى السفر، والْجِدّ فيه، فعلى هذا يتعين، والله أعلم.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": الحكمة فيه أن العرب تعتدّ النعل مركوبةً؛ لكونها تقي عن صاحبها، وتَحْمِل عنه وَعْرَ الطريق، وقد كَنَى بعضُ الشعراء عنها بالناقة، فكأن الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالي، حيوانًا وغيره، كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استُحِبّ تقليد نعلين، لا واحدة، وهذا هو الأصل في نذر المشي حافيًا إلى مكة. انتهى (١).
(ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) قال النوويّ ﵀: هذه الراحلة غير التي أشعرها، وفيه استحباب الركوب في الحجِّ، وأنه أفضل من المشيّ، وقد سبق بيانه مرات.
(فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ) أي البيداء الذي أمام ذي الحليفة (أَهَلَّ بِالْحَجِّ) أي مع العمرة، كما سبق أن الصحيح أنه ﷺ كان قارنًا من أول الأمر بعدما جاءه الأمر من ربه، وأمره أن يقول: "عمرة في حجة".
وتقدّم أيضًا أن إهلاله ﷺ كان في محل صلاته حينما انبعثت به راحلته، وأما في البيداء فإهلال آخر سمعه ابن عبّاس ﵄، فأخبر به، ولم يسمع ما قبله، وسمعه ابن عمر ﵄، فأخبر به، فكان الأخذ به أخذًا بزيادة الثقة، فتفطّن.
وقال النوويّ ﵀: وفيه استحباب الإحرام عند استواء الراحلة، لا قبله، ولا بعده، قال: وأما إحرامه ﷺ بالحج فهو المختار، وقد سبق بيان الخلاف في ذلك واضحًا. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13779
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٣٠١٧ و ٣٠١٨] (١٢٤٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٥٢)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٩٠٦)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٧٠ و ١٧٢ و ١٧٤) و"الكبرى" (٢/ ٣٥٩)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٣٠٩٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٧٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٦ و ٢٥٤ و ٢٨٠ و ٣٣٩ و ٣٤٤ و ٣٤٧ و ٣٧٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٦٥ - ٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٧٥ و ٢٦٠٩ و ٢٥٧٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٠٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٢٩٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إشعار الهدي، وفائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة، فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله الحافظ ﵀.
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ ﵀: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر الله، وأحكام الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب الأشعار والتقليد في الهدايا، من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء، من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعةٌ؛ لأنه مُثْلَةٌ، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار، وأما قوله: إنه مُثْلة، فليس كذلك، بل هذا كالفَصْد، والحجامة، والختان، والكيّ، والوَسْم.
стр. 13780
قال: وأما محل الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في حفحة السنام اليمني، وقال مالك: في اليسري، وهذا الحديث يردّ عليه. انتهى.
٢ - (ومنها): استحباب سوق الهدي من الميقات.
٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، قال النوويّ ﵀: وأما تقليد الغنم، فهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، من السلف والخلف، إلَّا مالكًا، فانه لا يقول بتقليدها، قال القاضي عياض: ولعله لَمْ يبلغه الحديث الثابت في ذلك، قال النوويّ: قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد، فهي حجة صريحة في الردّ على من خالفها، واتفقوا على أن الغنم لا تُشْعَر؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يستتر بالصوف، وأما البقرة فيستحب عند الشافعيّ وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد، كالإبل. انتهى.
٤ - (ومنها): استحباب كون ما يُقلّد به نعلين، قال النوويّ ﵀: في الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، فإن قلَّدها بغير ذلك، من جلود، أو خيوط مفتولة، ونحوها فلا بأس. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إشعار الهدي:
(اعلم): أن حديث الباب يدلّ على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة، وتعذيب للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبي ﷺ لأن المشركين لا يمتنعون عن التعرّض للهدي إلَّا بالإشعار.
ورُدّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو مُثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة، وأيضًا إن تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد؛ لقوة الإسلام.
وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا
стр. 13781
يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو، كذا في "اللمعات" (١).
قال في "الفتح": وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف والخلف، وذكر الطحاويّ في "اختلاف العلماء" كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه؛ للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو حسن، قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام، قال الطحاويّ: ثبتٌ عن عائشة، وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه؛ لثبوت فعله عن النبيّ ﷺ .
قال الحافظ: وأبعدَ مَن مَنَع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان.
وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم، وكالختان، والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةٌ، فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به، كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا.
وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاويّ في "المعاني"، فقال: لَمْ يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يُفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن، كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا.
وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلَّا أبا حنيفة، وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة. انتهى.
وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ،
стр. 13782
قال: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مُثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ ، وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقّك بأن تحبس. انتهى.
وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية الإشعار هو الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيُعتذر عنه بأنه لَمْ تبلغه السنة، أو بلغته عن طريق غير مرضيّ عنده، أو تأوّله بتأويل أخطأ فيه.
والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه الكرام ﵃، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلَّا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها، أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نُقل عن مالك، فلكونها ليست من ذات أسنمة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار:
قال النوويّ ﵀: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ، الإشعار في صفحة السنام اليمني، وقال مالك في اليسري، وهذا الحديث يردّ عليه. انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀: السنّة الإشعار في صفحاتها اليمني، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور، وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها اليسري، وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبيّ ﷺ صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن … الحديث، رواه مسلم.
стр. 13783
وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقًا، ثم فعلُ النبي ﷺ أولى من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيُّ ﷺ : "كان يعجبه التيمن في شأنه كله". انتهى.
وقال البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب من أشعر، وقلّد بذي الحليفة، ثم أحرم": وقال نافع كان ابن عمر ﵄ إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركة.
قال الحافظ: وصله مالك في "الموطإ"، قال: عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة - على ساكنها الصلاة، والسلام - قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجّه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره، قال: "بسم الله، والله أكبر". وأخرج البيهقيّ في "سننه" (٥/ ٢٣٢) من طريق ابن وهب، عن مالك، وعبد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلَّا أن تكون صعابًا، فإذا لَمْ يستطع أن يُدخل بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجّهها إلى القبلة.
وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيّأ له ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن الأرجح أن السنة الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس ﵄، ولا حجة في فعل ابن عمر ﵄ مع صحة المرفوع، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في ذكر بحث جامع لمسائل الهدي:
(اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد ﵀ في كتابه "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" بابًا جامعًا لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده هنا؛ لكونه يجمع شتات الأقوال.
стр. 13784
قال ﵀: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة جنسه، وعلى معرفة سِنِّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنتَهَى بسوقه؛ وهو موضع نحره، وحكم لحمه بعد النحر.
فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب؛ لأنه كفارة.
فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع باتفاق، وهدي القارن باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بُنُسكٍ نُسُكٍ منها على المنصوص عليه.
فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلَّا من الأزواج الثمانية التي نص الله عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا.
وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثنيّ فما فوقه يجزي منها، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله ﵊ لأبي بردة: "تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك" متّفقٌ عليه، واختلفوا في الجذع من الضأن، فاكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلَّا الثنيّ من كلّ جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنًا من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا بَنِيَّ لا يُهدينّ أحدكم لله من الهدي شيئًا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له، وقال رسول الله ﷺ في الرقاب - وقد قيل له: أيها أفضل؟ - فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها"، متّفقٌ عليه، وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول الله ﷺ ، مائة، متّفقٌ عليه.
وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلَّد الهدي، وأشعره
стр. 13785
وأحرم (١)، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلِّد نعلًا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لَمْ يجد النعال.
واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ أهدى إلى البيت مَرّة غنمًا، فقلّده.
واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، قلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قَدِم منى غداة النحر نحره قبل أن يَحلِق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنّ قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم.
واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن (٢)؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ، صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببُدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم عنها، وقلّدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج.
وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكًا يرى أن من سنته أن يُساق من الحلّ، ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن لَمْ يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل، فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لَمْ يقفه كان داخلًا من الحل أو لَمْ يكن، وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة.
стр. 13786
وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبيّ ﷺ كذلك فعل، وقال: "خذوا عني مناسككم". وقال الشافعي: التعريف سنّة مثل التقليد، وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال باستحباب التعريف؛ اتباعًا لفعل النبيّ ﷺ ، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس حديث: "خذوا عنّي مناسككم" دليلًا على الوجوب؛ لأنهم متّفقون في أشياء على أنَّها مستحبّة مع أن الحديث يشملها، والله تعالى أعلم.
وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانًا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلَّا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه، وقال الطبري: يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي، إلَّا هدي القران، وجزاء الصيد، فإنهما لا ينحران إلَّا بالحرم.
وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلَّا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلَّا بمكة قوله ﷺ : "وكل فجاج مكة وطرقها منحر" (١)، واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة.
وأما متى ينحر؟، فإن مالكًا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لَمْ يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في
стр. 13787
كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنَّها لمساكين مكة والحرم؛ لأنَّها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنَّها ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير.
ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول الله ﷺ في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قيامًا؛ لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].
وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة:
(أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع؟ فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن جابر ﵁، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف؛ إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا"، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ، رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: "اركبها"، فقال: يا رسول الله إنها هدي، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية، أو الثالثة.
وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته؛ لما ثبتٌ أن رسول الله ﷺ ، بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: "إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ
стр. 13788
نعليه في دمه، وخلّ بينه وبين الناس" (١)، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه: "ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك"، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور.
واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعامًا يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين.
وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟.
وأما الهدي الواجب؛ إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلِّهِ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلّد به، وقال مالك: يؤكل من كلّ الهدي الواجب إلَّا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلَّا هدي المتعة، وهدي القران.
وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرّق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبَهه بالعبادة على شبَهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لَمْ يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبَهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفّارة من الكفّارة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الرأي الأول هو الأرجح؛ لظهور مُتمسّكه، والله تعالى أعلم.
стр. 13789
قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لَمْ يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث يمكن الإحالة عليه فيما بعدُ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَيِ، عَنْ قتَادَةَ، في هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تَقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدّستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٩/ ٣١٢) فقال:
(٤٠٠٠) - أخبرنا زكريا بن يحيى الساجيّ بالبصرة، قال: حدّثنا محمد بن المثني، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، أن نبيّ الله ﷺ لَمَّا أتى ذا الحليفة أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن، ثم أماط الدم، وقلّده نعليه، ثم ركب راحلته، فلما استوت به البيداء أحرم، وأهلّ بالحجّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13790
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٩] (١٢٤٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ الْأَعْرَجَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ، أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ: أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وَإِنْ رَغَمْتُمْ).
قال الجامع عفا الله عته: كان الأولى ذكر حديث ابن عبّاس ﵄ هذا وتالييه في أحاديث فسخ الحج إلى العمرة المتقدّمة، كما لا يخفى على من تأمّله، ورجال إسناده سبعة، وهم المذكورون قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ الْأَعْرَجَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١). (مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ) بضمّ الهاء مصغّرًا، قال ابن الأثير ﵀: بنو الْهُجيم بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُدّ: بطنٌ من تميم. انتهى (٢). (لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (مَا) استفهاميّة (هَذَا الْفُتْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ: "هذا الفتيا"، وفي بعضها: "هذه"، وهو الأجود، ووجه الأول أنه أراد بالفتيا الإفتاء، فوصفه مذكرًا، ويقال: فُتْيَا وفَتْوَى. انتهى. (الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ، أَوْ تَشَغَّيَتْ بِالنَّاسِ) وفي الرواية التالية: "إن هذا الأمر قد تفَشّع بالناس"، قال النوويّ ﵀: أما اللفظة الأولى، فبشين، ثم غين معجمتين، ثم فاء، والثانية كذلك، لكن بدل الفاء باء موحدة، والثالثة بتقديم الفاء، وبعدها شين، ثم عين، ومعنى هذه الثالثة: انتشرت، وفشت بين الناس، وأما الأولى، فمعناها: عَلِقَت بالقلوب، وشُغِفوا بها؛ أي وسوستهم، وفرّقتهم، كأنها دخلت شِغَاف قلوبهم.
стр. 13791
وأما الثانية، فرُويت أيضًا بالعين المهملة، وممن ذكر الروايتين فيها المعجمة والمهملة: أبو عبيد، والقاضي عياض، ومعنى المهملة: أنَّها فَرَّقَت مذاهب الناس، وأوقعت الخلاف بينهم، ومعنى المعجمة: خَلَطَت عليهم أمرهم. انتهى.
وقال في "كشف المشكل": قوله: "تشغفت الناس" هذه الكلمة تُروى على ستة أوجه:
[أحدها]: "تشغفت" أي حَلّت شغاف قلوبهم، فشغلتها.
[والثاني]: تشعبت بالناس: أي تفرقت بهم.
[والثالث]: شعبت الناس.
[والرابع]: شعّبت بالتشديد والتخفيف، ومعناهما: فرقتهم.
[والخامس]: شغبت: أي أوجبت الشغب، والاختلاف بينهم، والشغب ها هنا هَيَجَان الشرّ والمنازعة.
[والسادس]: أن هذا الأمر قد تفشغ الناس، والمعنى: تفشغ فيهم: أي كَثُر، يقال: تفشغ في رأسه الشيب؛ أي كثر، وانتشر، قال الأصمعي: تفشغ الشيء: فشا وكثُر. انتهى (١).
وقوله: (أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ) يَحْتَمِل فتح همزة "أَنَّ" ويكون المصدر المؤوّل خبرًا لمحذوف؛ أي: هي حلُّ من طاف بالبيت، وَيحتَمِل أن تكون بالكسر، وتكون الجملة بيانًا للفتيا (فَقَدْ حَلَّ) أي من إحرامه (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) برفع "سنّةُ" خبرًا لمحذوف؛ أي هي سنته ﷺ (وَإِنْ رَغَمْتمْ) بفتح أوله، وثانيه، وبكسر ثانية أيضًا: أي وإن ذَلَلتم، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّغَام بالفتح: التراب، ورَغَمَ أنفه رَغْمًا، من باب قَتَلَ، ورَغِمَ من باب تَجبَ لغةٌ، كناية عن الذّلّ، كانه لَصِقَ بالرَّغَام. انتهى (٢).
وفي الرواية التالية: "قيل لابن عبّاس: إن هذا الأمر قد تفشّغ بالناس، من طاف بالبيت فقد حلّ، الطواف عمرة، فقال: سنة نبيكم ﷺ ، وإن رغمتم".
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر من مجموع الروايات أن مراد ابن
стр. 13792
عبّاس ﵄ بهذا أن من طاف بالبيت؛ أي وسعى بعده وجب عليه أن يتحلّل، فهو عبارة عن فسخ الحجِّ إلى العمرة، لا أنه يريد أن مجرّد الطواف بالبيت يتحلّل به، بدليل احتجاجه في رواية عطاء الآتية بأمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يتحلّلوا، ومعلوم أنه ﷺ إنما أمرهم أن يتحلّلوا بالطواف والسعي، والحلق، أو التقصير، وكان ذلك على رأس المروة، كما هو مصرّح به في حديث جابر ﵁، فقد تقدّم بلفظ: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة … إلى أن قال: فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ، وليجعلها عمرة"، فقد تبيّن أنه ما أمرهم إلَّا بعد السعي، وأما الشرّاح فقد حملوا كلام ابن عباس هذا على أنه يرى أن مجرد الطواف يكون عمرة كاملة.
ومما يؤيّد ما قلناه من أن ابن عبّاس يعني فسخ الحجِّ ما تقدّم في الباب الماضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لَمْ يكن عنده الهدي، فليحلّ الحلّ كله، فإن العمرة قد دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة".
ثم إن حمل كلام ابن عبّاس على الفسخ هو الذي استظهره الأبيّ ﵀ في "شرحه"، وعبارته بعد ذكر تأويلات الشرّاح: ولولا تفسيرهم مذهبه بما ذكروا لكان الأظهر، أو يتعيّن تفسيرها -يعني فتيا ابن عبّاس - بالفسخ؛ لأنه يجيزه، ويشهد لتفسيرها به استبعاد السائل بقوله: "الطواف عمرة"؛ لأن المعنى أنه يجيز الفسخ في العمرة (١)، لا الطواف وحده عمرة، وإذا فسّرت فتياه بما ذُكر لَمْ يمكن استبعاده، ويشهد أيضًا لتفسيرها بالفسخ قول عطاء: "وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ﷺ حين أمرهم أن يحلّوا في حجة الوداع"؛ لأن الذي أمرهم به فيها إنما هو الفسخ، وإذا فُسّرت بالفسخ لَمْ يُشكل قوله: "سنة نبيّكم ﷺ "؛ لأنه ﷺ أمر به في حجة الوداع، وما أمر به سنة، وأما إذا فسّرت بما ذكروا، فإنه يُشكل قوله: "سنة نبيكم ﷺ "، فإنه ﷺ لَمْ يفعله، ولم يأمر به. انتهى كلام الأبيّ ﵀، فراجعه (٢).
стр. 13793
قال الجامع: هذا الذي قاله الأبيّ ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله أن الأولى حمل فتيا ابن عبّاس ﵄ هذه على أنَّها فتيا بفسخ الحجِّ إلى العمرة لمن لَمْ يُهد، وهذا الذي قلناه هو الذي مشى عليه ابن القيّم: في "زاد المعاد" (١) فقد أورد هذا الحديث في جملة الأحاديث التي ساقها لإثبات الفسخ، وتأبيده، حيث عدّ ابن عبّاس ﵄ ممن يرى الفسخ دائمًا، بل يوجبه، كما أسلفنا تحقيقه في محلّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافّةً، سوى ابن عباس أن الحاجّ لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات، ويرمي، ويحلق، ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل التحللان، ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، والطواف.
وأما احتجاج ابن عباس بالآية، فلا دلالة له فيها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ معناه: لا تُنحَر إلَّا في الحرم، وليس فيه تعرّض للتحلّل من الإحرام؛ لأنه لو كان المراد به التحلّل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم، قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبيّ ﷺ أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا، فلا دلالة فيه؛ لأن النبيّ ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة، فلا يكون دليلًا في تحلل من هو ملتبس بإحرام الحجِّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله تلك السنّة ليس عليه دليل، بل هو مخالف لقوله ﷺ : "بل لأبد الأبد"، فمن أين له تخصيصه بتلك السنة؟، وهذا هو الذي أراده ابن عبّاس ﵄ في هذا الحديث، فإنه يرى أن كلّ من جاء حاجًّا، وليس معه هدي، فعليه أن يتحلّل بأداء العمرة، كما أمر ﷺ أصحابه بذلك، وفعلوه، فتبصّر بالإنصاف.
وقال القاضي عياض: قال المازريّ: وتأوّل بعض شيوخنا قول ابن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج، أنه يتحلل بالطواف والسعي، قال:
стр. 13794
وهذا تأويل بعيد؛ لأنه قال بعده وكان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غيره إلَّا حلّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٣٠١٩ و ٣٠٢٠] (١٢٤٤)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٨ و ٢٨٠ و ٣٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٢١٣)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، الطَّوَافُ عُمْرَةٌ، فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَإِنْ رَغَمْتُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د، ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢١١) (م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤/ ١٦٠٩.
٣ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) الْعَوذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 13795
وقوله: (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ) بتقديم الفاء على الشين: أي كثر وانتشر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢١] (١٢٤٥) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ، وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قريبًا.
و (ابن عبّاس ﵄) ذُكر قبله.
شرح الحديث:
عن عَطَاء بن أبي رباح أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵁ (يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ حَاجٌّ) أي مهلّ بالحاجّ (وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ) وهو المعتمر (إِلَّا حَلَّ) أي بعد أَن يسعى؛ لأن مراد ابن عبّاس ﵄ فسخ الحجِّ بعمل العمرة، كما أسلفنا تحقيقه في الحديث الماضي، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح (مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟) أي ما هي حجة ابن عبّاس في ذلك؟ (قَالَ) عطاء (مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾) أي محل الهدي، وانتهاؤه إلى (﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾) وهو الكعبة كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. (قَالَ) ابن جريجٍ (قُلْتُ: فَمنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ) بفتح الراء: أي بعد التعريف؛ أي الوقوف