← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14141–14180 · переход к 14146.

стр. 14141

الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سُليم"، وفي رواية أبي كريب: "فبدأ بالشقّ الأيمن، فوزّعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة"، وفي رواية عبد الأعلى الآتية: فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر"، فقال: "أين أبو طلحة؟ "، فأعطاه إياه. ورواية أبي عوانة في "صحيحه": "أن رسول الله ﷺ أمر الحلاق، فحَلَقَ رأسه، ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن، ثم حلق الشق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس". قال الحافظ ﵀: ولا تناقض بين هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كُلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوزّعه أبو طلحة بأمره ﷺ ، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره أيضًا، زاد أحمد في رواية له: "لتجعلها في طيبها"، وعلى هذا فالضمير في قوله: "يقسمه" في رواية أبي عوانة يعود على الشق الأيمن، وكذا قوله في رواية الباب فقال: "اقسمه بين الناس". انتهى. وقال المحب الطبري: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن على ما تضمنه حديث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر أبا طلحة، أو أم سليم على ما تضمنه أيضًا، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه لهما، فنُسبت العطية تارة إليه، وتارة إليها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٥٣/ ٣١٥٣ و ٣١٥٤ و ٣١٥٥ و ٣١٥٦] (١٣٠٥)،

стр. 14142

و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٧٠ و ١٧١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٨١ و ١٩٨٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩١٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١١ و ٢١٤ و ٢٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٢٩٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٣) و"المعرفة" (١/ ١٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان السنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة، ووصوله منى، وهي أربعة: رمي جمرة العقبة أوّلًا، ثم نحر الهدي، أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة، وطواف الإفاضة، وكلها ذُكرت في هذا الحديث، إلا طواف الإفاضة. ٢ - (ومنها): بيان أن السنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبةً كما ذكرنا؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدَّم مؤخرًا، أو أخّر مقدَّمًا جاز؛ لقوله ﷺ : "افْعَلْ ولا حرج"، وسيأتي الكلام على هذا في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): طهارة شعر الآدميّ، قال النوويّ ﵀: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء. ٤ - (ومنها): التبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه للتبرك، وهو خاصّ به ﷺ ، وأما غيره ﷺ فلا يُشرع التبرّك بشيء من أجزائه؛ لأنه لم يُنقل عنه ﷺ أنه أجازه في غيره، ولا عمله الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وكذا فضل الخلفاء الراشدين ﵃، ومع ذلك فلم يتبرّكوا بأجزائهم، فليُتنبّه، فإن هذه مغلطة خطيرة يقع فيها كثير من الناس جهلًا، أو تجاهلًا، والله تعالى المستعان. ٥ - (ومنها): ما قال الزرقانيّ ﵀: وإنما قسم ﷺ شعره في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بينهم، وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل،

стр. 14143

وخَصّ أبا طلحة ﵁ بالقسمة؛ التفاتًا إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره ﷺ ، ولحد له، وبنى فيه اللبن. انتهى. ٦ - (ومنها): مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه، فيما يفرّقه عليهم من عطاء وهدية. ٧ - (ومنها): أن المواساة لا تستلزم المساواة، حيث إنه ﷺ أعطى أبا طلحة وزوجه شعر شقّه، ووزّع على سائر الناس مع كثرتهم شعر شقّه الآخر. ٨ - (ومنها): أن فيه تفضيل من يتولى التفرقة على غيره بالزيادة في العطيّة. ٩ - (ومنها): أن حلق الرأس أفضل من التقصير؛ اقتداءً بفعله ﷺ ، ولقوله: "اللهم ارحم المحلّقين ثلاثًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أمَّا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: لِلْحَلَّاقِ هَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، هَكَذَا، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ، وَإِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أمّ سُلَيْمٍ، وَأمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ قَالَ: فَبَدَأَ بِالشَّقِّ الْأَيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالْأَيْسَرِ، فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ " فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلهم ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير. وقوله: (لِلْحَلَّاقِ هَا) هكذا في رواية مسلم "ها"، وفي رواية أبي يعلى الآتية: "وقال للحلاق: هنا"، وهو اسم إشارة للمكان، أي: ابدأ من هنا، يعني الجانب الأيمن، وأما "ها" في رواية المصنّف، فهي اسم فعل أمر بمعنى

стр. 14144

"خذ"، أي خُذ، وابدأ من هذا الجانب، قيل: الصواب مدّها، وفتحها، كما في حديث: "إلا هاء وهاء" في الربا، قال في "النهاية": قال ابن الأثير: أصحاب الحديث يرونه "ها وها" ساكنة الألف، والصواب مدّها، وفتحها؛ لأن أصلها "هاكَ"، أي خذ، فحُذفت الكاف، وعُوّض منها المدّة والهمزة، يقال للواحد: هاءَ، وللاثنين: هاؤما، وللجمع: هاؤمُ، وغيرُ الخطّابيّ يُجيز فيها السكون على حذف العوض، فتَتَنَزّل منزلة "ها" التي للتنبيه، وفيها لغات أخرى. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح الحديث المذكور في "الربا" -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ) أي فرّق الشعر المحلوق بين الناس، وقسمه فيهم، كما قبله: "فقسم شعره بين من يليه"، فقوله: "الشعرة والشعرتين" بالنصب على البدليّة من الضمير المفعول في قوله: "فوزّعه". وقوله: ("هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ ") استفهام بتقدير أداته، أي أههنا أبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، زوج أم سليم، شهد بدرًا وما بعدها، ومات سنة (٣٤ هـ) وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠. وكان له ﷺ بأبي طلحة وأهل بيته مزيد خصوصيّة ومحبّة ليست لغيرهم من الأنصار، وكثير من المهاجرين الأبرار ﵃، وهو الذي حفر قبره الشريف، ولحد له، وبنى فيه اللبِنَ، وخصّه بدفن ابنته أم كلثوم، وزوجها عثمان بن عفان ﵄ حاضر، قاله القاري ﵀ (٢). [تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (٥/ ٢٢٧) فقال: (٢٨٤٠) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص، عن هشام، عن محمد، قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار، والحلاقُ جالسٌ، فأمر بالبُدْن فنُحِرت، وقال للحلاق: "هنا"، وأشار بيده إلى جانب الأيمن، قال: فقسم

стр. 14145

شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق إلى جانبه الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سليم. انتهى. وأما رواية أبي كريب، عن حفص، فقد ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال: (١٦٩١) - حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا حفص، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْح فذبح، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: "ها هنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ، فَنَحَرَهَا، وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ (١)، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "احْلِق الشِّقَّ الْآخَرَ"، فَقَالَ: "أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ) المراد بالحجّام هو: الحالق المذكور في الروايات الأخرى.

стр. 14146

وقوله: (وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأسِهِ) أي أشار بيده على رأسه، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقوله: "عن رأسه" وفي نسخة: "على رأسه". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأنصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: "احْلِقْ"، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى. وقوله: (وَنَحَرَ نُسُكَهُ) -بسكون السين ويضم- جمع نسيكة وهي الذبيحة، والمراد بُدنه ﷺ ، وقد نحر بيده الكريمة ثلاثًا وستّين بدنةً، وأمر عليًّا أن ينحر بقيّة المائة، كما تقدّم في حديث جابر ﵁ الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ . وقوله: (وَحَلَقَ) أي أراد حلق رأسه. وقوله: (فَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ") الضمير يرجع إلى شعر الشق الأيمن، لا الأيسر بدليل الروايات الأخرى، والحاصل أنه ﷺ أعطى أبا طلحة شعر الشقّين، وأمره أن يقسم الشقّ الأيمن بين الناس، ويُعطي الشق الأيسر أم سليم ﵁، وهو الذي دلّت عليه الروايات المتقدّمة، فلا بدّ من تأويل هذه الرواية بما يتّفق مع الروايات الأخرى.

стр. 14147

والحاصل أنه لا تناقض بين هذه الروايات؛ إذ يُجمَع بينها بأنه ﷺ ناول أبا طلحة كُلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوزّعه أبو طلحة بأمره ﷺ ، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره ﷺ أيضًا فيكون الضمير في قوله: "فاقسمه بين الناس" في هذه الرواية يعود على الشق الأيمن، فتنبّه. والحديث سبق تمام الكلام فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٥٤) - (بَابُ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ النَّحْرِ، أَوْ نَحَرَ قَبْلَ الرَّمْيِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٧] (١٣٠٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَاب، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ، يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَقَالَ: "اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ"، ثُمَّ جَاءهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ، إِلا قَالَ: "افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٨/ ٥٧٠.

стр. 14148

٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَابٍ) كذا في "الموطّإ"، وعند النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن مالك: "حدّثني الزهريّ" (١). (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) وفي رواية يونس التالية: "حدّثني عيسى بن طلحة" (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵁، وفي رواية يونس التالية: "أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص" (قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: على راحلته، كما في رواية يونس التالية، وفي رواية معمر الآتية بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ على ناقته بمنًى"، ورواية يحيى القطان، عن مالك، عن الزهريّ بلفظ: "أنه جلس في حجة الوداع، فقام رجل"، محمولة على أنه ركب ناقته، وجلس عليها (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ) أي: لأجلهم، وفي هذه الرواية تعيين مكان الوقوف، وهو منى، وفي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهريّ عند البخاريّ في "العلم": "عند الجمرة"، وهو أول منى، لكنه لم يُعَيَّن اليوم، وقد عُيِّنَ في رواية ابن جريج الآتية بلفظ: بينا هو يخطب يوم النحر"، وفي رواية محمد بن أبي حفصة الآتية: "وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة".

стр. 14149

قال القاضي عياض ﵀: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد، على أن معنى "خَطَبَ" أي عَلَّم الناس، لا أنها من خطب الحج المشروعة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في موطنين: أحدهما على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا: "خَطَبَ"، وإنما فيه: "وقف"، و"سئل"، والثاني يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خُطَب الحج، يُعَلِّم الإمامُ الناسَ ما بقي عليهم من مناسكهم. قال النوويّ ﵀: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب. وقال الحافظ ﵀: فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوَّبه وبين الذي قبله، فإنه ليس في شيء من طريق الحديثين حديث عبد الله بن عباس ﵄ الآتي بعد ذلك، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ بيان الوقت الذي خطب فيه من النهار. قلت: نعم لم يقع التصريح بذلك، لكن في رواية ابن عباس ﵄ عند البخاريّ: إن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت، وهذا يدلّ على أن هذه القصة كانت بعد الزوال؛ لأن المساء يُطلَق على ما بعد الزوال، وكأن السائل عَلِمَ أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يَقْدَم ضحى، فلما أخّرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، على أن حديث عبد الله بن عمرو ﵄ من مخرج واحد لا يُعْرَف له طريق إلا طريق الزهريّ، عن عيسى عنه، والاختلاف من أصحاب الزهريّ، وغايته أن بعضهم ذَكَرَ ما لم يذكر الآخر، واجتمع من مرويِّهم، ورواية ابن عباس أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال، وهو على راحلته يخطب عند الجمرة. وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر تعيّن أنها الخطبة التي شُرِعت لتعليم بقية المناسك، فليس قوله: "خَطَبَ" مجازًا عن مجرد التعليم، بل حقيقة. ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها، ففي حديث ابن عمر ﵄ عند البخاريّ في آخر "باب الخطبة أيام منى": أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض، ورجع إلى منى. انتهى.

стр. 14150

قال صاحب "المرعاة": ولا يُشكل عليه ما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أنه وقف بمنى للناس يسألونه، بناءً على أن المتبادر منه أن وقوفه كان لتعليم الناس، وسؤالهم، لا للخطبة، فإنه لا منافاة بين الأمرين، فكان أصل وقوفه للخطبة، وكان وقت سؤال أيضًا، فسأله في ذلك الوقت السائل عما فاته من حجه، وعما أدرك، وعما قَدَّمَ وأَخَّر، وسأله قوم عن المستقبل، فعلّمهم دينهم، وأفتى، وأجاب عن مسائلهم. وذكر ابن حزم في "صفة حجة الوداع": أن هذه الأسئلة عن التقديم والتأخير كانت بعد عوده إلى منى من إفاضته يوم النحر. انتهى. نعم يُشكل على ما قال الحافظ من كون الخطبة يوم النحر بعد الزوال ما وقع في حديث رافع بن عمرو المزنيّ ﵁ بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى … " الحديث، فإنه يدل على أن هذه الخطبة كانت وقت الضحى من يوم النحر -أي قبل طواف الإفاضة- ومشى على ذلك ابن القيم في "الهدي"، قال: ولم أقف على دليل صريح من الأحاديث في كون هذه الخطبة بعد الظهر بمنى بعد طواف الإفاضة كما ذهب إليه القائلون بمشروعية الخطبة يوم النحر. ويمكن أن يجاب عن ذلك بالحمل على التعدد، كما تقدم عن عياض أنه حكاه احتمالًا، وقال المحب الطبريّ بعد ذكر قول ابن حزم المتقدم: قلت: ويَحْتَمِل أن الأسئلة تكررت قبله، أي قبل الزوال وبعده وفي الليل، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث رافع بن عمرو المزنيّ ﵁ هو ما أخرجه أبو داود والنسائيّ بإسناد صحيح، عنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى، على بغلة شهباء، وعليّ ﵁ يعبّر عنه، والناس بين قاعد وقائم". فهذا حديث صحيح صريح في كون الخطبة وقت الضحى، لا بعد الزوال، فيردّ ما سبق عن الحافظ من ترجيح كون الخطبة بعد الزوال؛ لأنه لم

стр. 14151

يقع في الروايات كلها التصريح بوقت الخطبة إلا في هذا الحديث، كما يشير إليه كلام الحافظ السابق، فلا ينبغي العدول عنه، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَسْأَلُونَهُ) في محل نصب على الحال من الضمير الذي في "وَقَفَ"، أو من "الناس"، أي وقف لهم حال كونهم سائلين له، أو هو استئناف بيانيّ، فكأنه قيل له: ما سبب وقوفه، فأجاب يسألونه (فَجَاءَ رَجُلٌ) عطف على قوله: "وَقَفَ"، قال الحافظ ﵀: لم أعرف اسم هذا السائل، ولا الذي بعده في قوله: "ثم جاء آخر"، والظاهر أن الصحابيّ لم يُسَمِّ أحدًا؛ لكثرة من سأل إذ ذاك، وقال في موضع آخر: لم أقف على اسم هذا السائل بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سال في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك، عند الطحاويّ وغيره: "كان الأعراب يسألونه"، فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. انتهى. ومما يدل على كون السائلين جماعة متفرقين اختلاف أسئلتهم عن التقديم والتأخير، كما سيأتي بيانها (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ) -بضم العين- من باب نصر: أي لم أَفْطَنْ، يقال: شَعَرْتُ بالشيء شُعُورًا: إذا فَطِنت له، قيل: وعلى هذا يكون مُؤَدَّى الاعتذار النسيان، قال الباجيّ: يَحْتَمِل أن يريد به نسيت، فقدمت الحلاق. انتهى، وقيل: الشعور: العلم، وعلى هذا المعنى: لم أعلم المسألة قبل هذا، ويؤيده لفظ يونس التالي: "لم أشعُر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي، وقال آخر: لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر"، فبيّن يونس مُتَعَلَّق الشعور، أي العلم، ولم يفصحه مالك في روايته، وإلى الاحتمالين معًا أشار الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" إذ ترجم على حديث ابن عباس ﵄: "باب إذا رَمَى بعدما أمسى، أو حلق قبل أن يذبح ناسيًا، أو جاهلًا"، قال العينيّ ﵀: فإن قلت: قيّد في الترجمة كونه ناسيًا أو جاهلًا، وليس في الحديث ذلك، قلت: جاء في حديث عبد الله بن عمرو ذلك، وهو قوله: "لم أشعُر، فحلقت قبل أن أذبح … " الحديث، فإن عدم الشعور أعم من أن يكون بجهل أو نسيان، فكأنه أشار إلى ذلك؛ لأن أصل الحديث واحد، وإن كان المخرج متعددًا. انتهى.

стр. 14152

وبالاحتمالين معًا فسره القاري حيث قال: "لم أشعر" أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلًا؛ لقرب وجوب الحج، أو فعلت ما ذكرتُ من غير شعور؛ لكثرة الاشتغال، فيكون مخطئًا. انتهى (١). (فَحَلَقْتُ) أي شعر رأسي (قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ) أي الهدي، والفاء سببية، جعل الحلق مسبّبًا عن عدم الشعور، كأنه يعتذر لتقصيره (فَقَالَ) ﷺ ("اذْبَحْ) أي الآن، وفي رواية يونس التالية: "انحر" (وَلَا حَرَجَ") أي لا ضيق عليك، يعني أنه لا شيء عليه مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب، ولا في ترك الفدية، هذا ظاهره، وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: "ولم يأمر بكفّارة"، قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع عفا الله عنه: من قال: بعدم الفدية بمخالفة الترتيب في وظائف يوم النحر حَمَلَ نفي الحرج على نفي الإثم والفدية معًا، وهذا هو القول الصحيح، قال القاضي عياض ﵀: قوله: "اذبح، ولا حرج"، ليس أمرًا بالإعادة، وإنما هو إباحة لما فَعَل؛ لأنه سأل عن أمر فَرَغ منه، فالمعنى: افعل متى شئت، ونَفْيُ الحرج بَيِّنٌ في رفع الفدية عن العامد والساهي، وفي رفع الإثم عن الساهي، وأما العامد فالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا أن يتهاون، فيأثم للتهاون، لا للترك. انتهى. وأما من ذهب إلى وجوب الدم فقد حمله على نفي الإثم فقط، قال الباجيّ: يَحْتَمِل أن يريد لا إثم عليك؛ لأن الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان ذلك خوفًا من أن يكون قد أثم، فأعلمه النبيّ ﷺ أن لا حرج عليه؛ إذ لم يقصد المخالفة، وإنما أتى ذلك عن غير علم، ولا قصد مع خفة الأمر. انتهى. وقال السنديّ ﵀ في "حاشية ابن ماجه": معناه عند الجمهور أنه لا إثم، ولا دم، ومن أوجب الدم حمله على دفع الإثم وهو بعيد؛ إذ الظاهر عموم النفي لحرج الدنيا، وحرج الآخرة، وأيضًا لو كان دم لبيّنه النبيّ ﷺ ؛ إذ

стр. 14153

ترك البيان، أو تأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ . انتهى كلام السنديّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. (ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ) أي لم أَفْطَن، ولم أعلم أن الرمي قبل النحر (فَنَحَرْتُ) الهدي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (فَقَالَ) ﷺ ("ارْمِ) الآن (وَلَا حَرَجَ") عليك في ذلك، وفي رواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ عند المصنّف الآتية: "إني حلقت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر، فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر، فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج". وفي رواية ابن جريج، عن الزهريّ عند البخاريّ: "فقام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، ونحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبيّ ﷺ : افعل ولا حرج، لهنّ كلِّهنّ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج". وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا. فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأولان في حديث ابن عباس أيضًا في "الصحيح"، وللدارقطني من حديثه أيضًاا لسؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاويّ، وفي حديث عليّ عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاويّ السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علّقه البخاريّ، ووصله ابن حبان وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك السؤال عن السعي قبل الطواف (١).

стр. 14154

وقد حمل القائلون بعدم إجزاء السعي قبل الطواف حديث أسامة بن شريك ﵁ هذا على من سعى بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، فإنه يصدُق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي طواف الركن (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحمل فيه ما لا يخفى؛ إذ يردّه عدم استفصال النبيّ ﷺ هل طاف للقدوم أم لا؟ فالحقّ أن تقديم السعي على الطواف يجوز مطلقًا؛ لهذا الحديث، فتبّصر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) عبد الله بن عمرو ﵄ (فَمَا سُئِلَ) بالبناء للمجهول (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) زاد في الرواية الآتية: "يومئذ" (عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ) بالبناء للمجهول في الفعلين، أي عن شيء قُدّم، وحقّه التأخير، ولا عن شيء أُخّر، وحقّه التقديم (إِلَّا قَالَ) ﷺ للسائل ("افْعَلْ) الآن ما بقي، وقد أجزأك ما فعلت (وَلَا حَرَجَ") عليك في التقديم والتأخير، وفي رواية يونس التالية: "فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما يَنْسَى المرء، أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ : افعلوا ذلك، ولا حرج". قال الباجيّ: لا يقتضي هذا رفع الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما، لأننا لا ندري عن أيّ شيء غيرهما سئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال السائل، فلا يدخل فيه غيره، كما لا يدخل في قوله: "انحر ولا حرج، ارم ولا حرج" غير ذلك مما لم يسئل عنه. انتهى، وكذا قال ابن التين أن هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما -يعني المذكورتين في رواية مالك- لأنه خرج جوابًا للسؤال، ولا يدخل فيه غيره. انتهى. وتعقبه الحافظ، فقال: كأنه غَفَلَ عن قوله في بقية الحديث: "فما سئل

стр. 14155

عن شيء قُدِّم، ولا أُخِّر"، وكأنه حَمَل ما أُبْهِم فيه على ما ذُكِر، لكن قوله في رواية ابن جريج: "وأشباه ذلك"، يردُّ عليه. قال: وقد تقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدّة صور، وبقيت عدّة صور لم تذكرها الرواة، إما اختصارًا، وإمالكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورةً، منها صورة الترتيب المتفق عليها -يعني رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، أو ذبحه، ثم الحلق، أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، وهي وظائف يوم النحر بالاتفاق. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ. وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، إلا أن ابن الجهم من المالكية، استثنى القارن فقال: لا يجوز له الحلق قبل الطواف، وكأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، يعني أنه رأى أن القارن عمرته وحجه قد تداخلًا، فالعمرة قائمة في حقه، والعمرة لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف، ورَدّ عليه النوويّ بنصوص الأحاديث، والإجماع المتقدم عليه، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك حيث قال؛ وكأنه يريد بنصوص الأحاديث ما ثبت عنده أن النبي ﷺ كان قارنًا في آخر الأمر، وقد حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر استدلاليّ، لا نصيّ، أعني كونه ﷺ قارنًا، وابن الجهم بنى على مذهب مالك، والشافعيّ، ومن قال: إن النبي ﷺ كان مفردًا، وأما الإجماع فبعيد الثبوت، إن أراد به الإجماع النقليّ القوليّ، وإن أراد السكوتيّ ففيه نظر، وقد يُنازَع فيه أيضًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 14156

أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ٣١٥٧ و ٣١٥٨ و ٣١٥٩ و ٣١٦٠ و ٣١٦١ و ٣١٦٢ و ٣١٦٣ و ٣١٦٤] (١٣٠٦)، و (البخاريّ) في "العلم" (٨٣ و ١٢٤) و"الحجّ" (١٧٣٦ و ١٧٣٧ و ١٧٣٨) و"الأيمان والنذور" (٦٦٦٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠١٤)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩١٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٦ و ٤٤٧ و ٣/ ٤٤٤)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٥١)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٤٢١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٧٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٥٩ و ١٦٠ و ١٩٢ و ٢٠٢ و ٢١٠ و ٢١٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٦٤ - ٦٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٤٩ و ٢٩٥١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٧٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٨٧ و ٤٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٣ و ٣١٩ و ٣٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٤ - ٤٨٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٣٧)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٥١ و ٢٥٢ و ٢٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٤٠ و ١٤١ و ١٤٢) و"المعرفة" (٤/ ١٣٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز تقديم الذبح على الرمي، والحلق على الذبح، وعلى الرمي، وتقديم الطواف عليها كلِّها. ٢ - (ومنها): جواز القعود على الراحلة للحاجة. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن يتعلّم أحكام دينه بسؤال أهل العلم، ولا يعمل عملًا إلا وهو على بصيرة من حكمه. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الاهتمام بتعليم أمته أمور دينهم، وحثّهم على الأخذ عنه؛ ليكونوا على بصيرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية. ٥ - (ومنها): وجوب اتّباع أفعال النبيّ ﷺ ؛ لكون الذين خالفوها لَمّا عَلِموا سألوه عن حكم ذلك. ٦ - (ومنها): يسر الشريعة، وسهولة أحكامها، حيث سامحت في التقديم

стр. 14157

والتأخير؛ لما ينالهم في ذلك اليوم من شدّة الزحام، وصعوبة المقام، فهذا مصداق قوله ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة" (١). ٧ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استَدَلّ به على أن من حلف على شيء، ففعله ناسيًا أن لا شيء عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر: (اعلم): اختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما قاله ابن قدامة في "المغني"، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع، وقال القرطبي ﵀ (٢): رُوي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قَدَّم شيئًا على شيء، فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعيّ، وأصحاب الرأي. انتهى. قال في "الفتح": وفي نسبة ذلك إلى النخعيّ، وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك، إلا في بعض المواضع، كما سيأتي. قال: وذهب الشافعيّ، وجمهور السلف، والعلماء، وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز، وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. قال الطحاويّ: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يَحْتَمِل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك من كان ناسيًا أو جاهلًا، وأما من تعمد المخالفة، فتجب عليه الفدية. وتُعُقِّب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيّنه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، ولا يجوز تأخيره. وقال الطبريّ: لم يسقط النبيّ ﷺ الحرج، إلا وقد أجزأ الفعل؛ إذ لو لم

стр. 14158

يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلًا، أو ناسيًا، لكن يجب عليه الإعادة. والعجب ممن يَحْمِل قوله: "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يَخُصّ ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض، مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج. وأما احتجاج النخعيّ، ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دمًا عنه، رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، فقد أجيب بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يَحِلّ ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتم ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا. وقال ابن حزم ﵀: أما قول إبراهيم وجابر بن زيد في أن من حلق قبل الذبح والنحر فعليه دم، واحتجاجهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ فغفلة ممن احتجّ بهذا؛ لأن محل الهدي هو يوم النحر بمنى ذُبِح أو نُحر، أو لم يُذْبَح، ولا نُحِر، إذا دخل يوم النحر والهدي بمنى أو بمكة، فقد بلغ محله، فحلّ الحلق، ولم يقل تعالى: حتى تنحروا، أو تذبحوا، وبيّن رسول الله ﷺ أن كل ذلك مباح، ولا حجة في قول أحد سواه ﵇. انتهى (١). واحتج الطحاويّ أيضًا بقول ابن عباس: "مَن قَدَّم شيئًا من نسكه أو أخّره فليهرق لذلك دمًا". قال: وهو أحد مَن روى أن لا حرج، فدل على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط. وأجيب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها، وفيها إبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة فيلزم من يأخذ بقول ابن عباس أن يوجب الدم في كل شيء من الأربعة المذكورة، ولا يخصه بالحلق قبل الذبح، أو قبل الرمي.

стр. 14159

وقال ابن دقيق العيد: مَنَعَ مالكٌ، وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرمي والذبح؛ لأنه حينئذ يكون حلقًا قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله، وقد بني القولان له على أن الحلق نسك، أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره؛ لأنه يكون من أسباب التحلل، وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فلا. قال: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلل؛ لأن النسك ما يثاب عليه، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى أنه لا يُقَدَّم على الرمي مع ذلك، وقال الأوزاعيّ: إن أفاض قبل الرمي أهراق دمًا، وقال عياض (١): اختُلِف عن مالك في تقديم الطواف على الرمي، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم، قال ابن بطال: وهذا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه. انتهى، قال الحافظ: وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة، عن الزهريّ، في حديث عبد الله بن عمرو، وكأن مالكًا لم يحفظ ذلك عن الزهريّ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن حمل قوله ﷺ : "ولا حرج" على العموم من نفي الإثم ووجوب الدم هو الأقرب، وأقوى حجة على ذلك أنه لو كان الدم واجبًا لبيّنه ﷺ في ذلك الوقت؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ثم إن هذا الحكم أيضًا عامّ للناسي، والعامد، وليس تقييد السؤال بقوله: "لم أشعُر" يُخرج العمد، قال الشيخ الشنقيطيّ ﵀: لا يتضح حمل الأحاديث على من قدم الحق جاهلًا أو ناسيًا، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل؛ لأن بعض تلك الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدلّ دليل على التخصيص في النسيان والجهل، وقد تقرر أيضًا في علم الأصول أن جواب المسئول من سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق.

стр. 14160

قال: وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له، وقال الشوكانيّ ﵀ في "نيل الأوطار": وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به، حتى يقال: إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها. وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب. انتهى محل الغرض منه بلفظه. انتهى كلام الشيخ الشنقيطي ﵀، وهو بحث نفيسٌ جدًّا (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن القول بعدم وجوب الترتيب في أفعال يوم النحر، سواء كان للناس، أو الجاهل، أو العامد دون وجوب الدم عليه هو الحقّ؛ لقوّة حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَيَقُولُ: "انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ وَيَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ (٢)، وَأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "افْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا حَرَجَ").

стр. 14161

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَطَفِقَ نَاسٌ) بكسر الفاء، وفتحها، قال المجد ﵀: طَفَقَ يفعل كذا، كفرح، وضرب طَفَقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفَق. انتهى (١). وقوله: (مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ) وفي نسخة: "من تقديم بعض الأمور على بعض". والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَن الزُّهْرِيِّ إِلَى آخِرِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الخلال الْهُذليّ، أبو عليّ نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.

стр. 14162

و"ابن شهاب" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢١٧) فقال: (٧٠٣٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن صالح، قال ابن شهاب: حدّثني عيسى بن طلحة بن عبيد الله، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر على راحلته، فطَفَقَ يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال رسول الله ﷺ : "ارم، ولا حرج"، وطَفِق آخر، فقال: يا رسول الله إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، فيقول رسول الله ﷺ : "انحر، ولا حرج"، قال: فما سمعت يومئذ يُسأل عن أمر، مما ينسى الإنسان، أو يجهل، من تقديم الأمور بعضها قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ : "افعله، ولا حرج". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا، لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ، قَالَ: "افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله.

стр. 14163

وقوله: (بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ) هي "بين" الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، قال المجد ﵀ (١): وبينا نحنُ كذا هي "بين" أُشبعت فتحتها، فحدثت الألف، وبينا، وبينما من حروف الابتداء، والأصمعيّ يخفض بعد "بينا" إذا صلح موضعه "بين"، كقوله [من الكامل]: بَيْنَا تَعَنُّقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ وقوله: (مَا كُنْتُ أَحْسِبُ) بكسر السين، وفتحها، أي أظنّ. وقوله: (لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ) يعني الرمي، والذبح، والحلق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، جَمِيعًا عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أمَّا رِوَايَةُ ابْنِ بَكْرٍ فَكَرِوَايَةِ عِيسَى، إِلَّا قَوْلَهُ: لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَأَمَّا يَحْيَى الْأُمَوِيُّ فَفِي رِوَايَتِهِ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٤ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوق يُغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.

стр. 14164

و"ابن جُريج" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج، لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر. وأما رواية سعيد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن جريج، فساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٦٢٢) - حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن جريج، حدّثني الزهريّ، عن عيسى بن طلحة، أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ حدّثه، أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبيّ ﷺ : "افعل، ولا حرج"، لهنّ كلِّهنّ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل، ولا حرج". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "فَاذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14165

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَةٍ بِمِنًى، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها ابن الجارود ﵀ في "المنتقى" (١/ ١٣٠) فقال: (٤٨٨) - حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهريّ، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ على ناقته بمنى، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إني كنت أظنّ الحلق قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، قال: "انحر، ولا حرج"، قال: وجاءه آخر، فقال: يا رسول الله إني كنت أظن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، قال: "ارم، ولا حرج"، قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدّمه رجل وأخّره، إلا قال: "افعل، ولا حرج". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ:

стр. 14166

إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: "افْعَلُوا، وَلَا حَرَجَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) (١) المروزيّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٦٢) من أفراد المصنّف تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ) بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٥) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٥. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجةٌ جواد مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة، أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٧] (خ م مد س) تقدم في "الجنائز" ١٦/ ٢١٨٧. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ لمحمد بن أبي حفصة مع أنه متكلّم فيه، فهو وإن قال ابن المدينيّ: ليس به بأس، إلا أن النسائيّ ضعّفه، وقال ابن عديّ: هو من الضعفاء الذين يُكتب حديثهم، وقال ابن في "الثقات": يُخطئ؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعة، فروايته هذه متابعة لروايات الحفّاظ من أصحاب الزهريّ الذين تقدّموا، فلا يضرّه الكلام فيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ … إلخ) قال في "المرعاة" ما حاصله: إن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق للقارن والمتمتّع، وبين الرمي والحلق للمفرد واجب عند الحنفيّة، وأما الترتيب بين الرمي والطواف، وبين الحلق والطواف، فليس بواجب عندهم، ففرقوا بين الطواف، وبين الأشياء الثلاثة في ذلك، مع

стр. 14167

أنه واقع في جملة روايات السؤال عن جميع هذه الصور، وورد الجواب في كلها بلفظ: "لا حرج"، وقد قال بعضهم: إنه لم يجد مع البحث الشديد الفرق بين الطواف، وبين الأفعال الثلاثة وجهًا شافيًا، ورواية مسلم هذه صريحة في الردّ على المالكيّة؛ إذ نُفي فيها الحرج في تقديم الحلق والإفاضة على الرمي. انتهى (١). والحديث من رواية محمد بن أبي حفصة هذه من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٥] (١٣٠٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: "لَا حَرَجَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسِ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 14168

٦ - (ابْنُ عَبَّاس) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدّم قريبًا. وقوله: (قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ … إلخ) أي: سئل عن حكم الذبح، والحلق، والرمي في تقديم بعضها على بعض، وقد بيّن هذا الذي أجمله في هذه الرواية ما رواه البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄، قال: كان النبيّ ﷺ -ـ يُسأل يوم النحر بمنًى، فيقول: "لا حرج"، فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح، ولا حرج"، وقال: رميت بعدما أمسيتُ، فقال: "لا حرج"، ومن طريق عطاء، عن ابن عبّاس ﵄، قال رجل للنبيّ ﷺ : "زُرت قبل أن أرمي، قال: "لا حرج"، قال: حلقت قبل أن أذبح قال: "لا حرج"، قال: ذبحت قبل أن أرمي قال: "لا حرج"، وتمام شرح الحديث يُعلم مما مضى. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ٣١٦٥] (١٣٠٧)، و (البخاريّ) في "العلم" (٨٣) و"الحجّ" (١٧٢١ و ١٧٢٢ و ١٧٢٣ و ١٧٣٤ و ١٧٣٥) و"الأيمان والنذور" (٦٦٦٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤١٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٥٨ و ٢٦٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٤٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٦] (١٣٠٨) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجعُ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ).

стр. 14169

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوري، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٥) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين، و"عَبْدُ الرَّزَّاقِ" هو: ابن همّام الصنعانيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عبيد الله. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله، عن نافع. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ) أي طاف طواف الإفاضة، قال الفيّوميّ ﵀: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلُّ دَفْعة إفاضة، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة: أي طواف الرجوع من منى إلى مكة. انتهى (١). والمعنى: أنه ﷺ نزل من منى إلى مكة، بعد رميه، ونحره، وحلقه، فطاف طواف الفرض، أي طواف الإفاضة، ويُسمى أيضًا طواف الزيارة، وكان ذلك وقت الضحى (ثُمَّ رَجَعَ) إلى منى في نفس اليوم (فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى) فيه تصريح بأنه ﷺ طاف طواف الإفاضة نهارًا، وصلى صلاة الظهر بمنى بعدما رجع من مكة، ويوافقه في وقت الطواف حديث جابر ﵁ الطويل في حجة النبيّ ﷺ الذي تقدّم، ويخالفه في الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر حيث قال: "ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر"، ففيه التصريح بأنه أفاض نهارًا، وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر

стр. 14170

بمكة، وكذلك قالت عائشة ﵂: إنه طاف يوم النحر، وصلى الظهر بمكة، فاتفق الحديثان في وقت طواف الإفاضة، واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم. ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ صلى الظهر بمكة كما قال جابر وعائشة ﵄، ثم رجع إلى منى، فوجد أصحابه ينتظرون؛ ليصلّوا معه الظهر، فصلى بهم مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين: مرة بطائفة، ومرة بطائفة أخرى، في بطن نخل، فرأى جابر وعائشة ﵂ صلاته في مكة، فأخبرا بما رأيا، وقد صدقا، ورأى ابن عمر ﵄ صلاته بهم في منى، فأخبر بما رأى وقد صدق، وبهذا الجمع جزم النوويّ وغير واحد. وقد جمع بعضهم بينهما بوجوه أخرى، وصار بعضهم إلى الترجيح، كما تقدم مُفَصّلًا في شرح حديث جابر ﵁ في قصة حجة النبيّ ﷺ ، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق. وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه ﷺ طاف طواف الإفاضة ليلًا، قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": وقال أبو الزبير، عن عائشة، وابن عباس ﵃: أخّر النبيّ ﷺ الزيارة إلى الليل، وقد تقرر أن كل ما علّقه البخاريّ بصيغة الجزم فهو صحيح إلى مَن عَلَّق عنه، مع أنه وصله أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وغيرهم من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير به، وزيارته ليلًا في هذا الحديث المرويّ عن عائشة وابن عباس ﵃ مخالفة لما تقدم في حديثي جابر وابن عمر ﵃، وللجمع بينهما أوجه، كما سبق: منها: أن النبيّ ﷺ طاف طواف الزيارة في النهار يوم النحر، كما أخبر به جابر وعائشة وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى، فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة وابن عباس ﵃، وقال البخاريّ ﵀ -في "صحيحه" بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علّقه بصيغة الجزم- ما نصه: ويُذكَر عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ كان يزور البيت أيام منى. انتهى. قال الحافظ ﵀: فكأن البخاريّ عَقَّب هذا بطريق أبي حسان؛ ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيُحْمَل حديث جابر وابن عمر ﵃ على اليوم الأول،

стр. 14171

وحديث ابن عباس ﵄ هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النوويّ. ومنها: أن الطواف الذي طافه النبيّ ﷺ ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة، في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا، فقد روى البخاريّ في "صحيحه" بسنده عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبيّ ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رَقَدَ رَقْدةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به"، وهو واضح في أنه ﷺ طاف طواف الوداع ليلًا، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم. قال الجامع عفا الله عنه: وهو الذي أميل إليه، وأراه أَوْجَهَ الجمع، ولو فُرِض أن أوجه الجمع غير مقنعة، فأحاديث جابر وعائشة وابن عمر ﷺ : "أنه ﷺ طاف طواف الزيارة نهارًا" أصح مما عارضها، فيجب تقديمها عليه (١)، والله تعالى أعلم. (قَالَ نَافِعٌ) ﵀ (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى) اقتداء بالنبيّ ﷺ ، كما أشار إليه بقوله: (وَيَذْكُرُ) بالبناء للفاعل، أي يذكر ابن عمر ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ) أي فينبغي الاقتداء به في ذلك، فيستحب للحاج أن يرتب هذه الأفعال كما رتّبها النبيّ ﷺ في يوم النحر، فيرمي أوّلًا، ثم يذبح هديه، ثم يحلق، ثم يطوف للإفاضة، ثم يرجع إلى منى، فيصلّي الظهر بها، فهذا هو الأحسن والأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ٣١٦٦] (١٣٠٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٩٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٤١)، و (ابن حبّان) في

стр. 14172

"صحيحه" (٣٨٨٢ و ٣٨٨٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٨٦)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٤٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٤٤) و"الصغرى" (٤/ ٢٥٧) و"المعرفة" (٤/ ١٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات طواف الإفاضة في الحجّ، وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف، وهو طواف ركن من أركان الحجّ، لا يصح الحجّ إلا به. ٢ - (ومنها): بيان استحباب فعل طواف الإفاضة يوم النحر، وأول النهار، واتفق العلماء على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، فإن أخّره عنه، وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخّره إلى ما بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه، ولا شيء عليه عند جمهور العلماء، وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم (١). ٣ - (ومنها): بيان شدّة حرص ابن عمر ﵄ في متابعة النبيّ ﷺ فيما يفعله، أو يتركه، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على اتّباعه ﷺ ، ولا سيّما فيما حثّ بالاتّباع فيه، كقوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، وقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فقد ضمن الله تعالى الهداية والفلاح في اتّباعه ﷺ ، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٦٧] (١٣٠٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ (٢) عَقَلْتَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ).

стр. 14173

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس الْمَخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] (ت ١٩٥) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) -بضم الراء، مصغّرًا- الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] (ت ١٠٣) أو بعدها تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠. ٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير ﵁، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": ليس لعبد العزيز بن رُفيع، عن أنس ﵁ في "الصحيحين" إلا هذا الحديث الواحد. انتهى (١). ٣ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) الأسديّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن عبد العزيز بن رُفيع قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسًا ﵁ ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلى النبيّ ﷺ هذا اليوم الظهر؟، قال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ. (قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ) أي أدركته، وفهمته، والجملة في محلّ جرّ

стр. 14174

صفة لـ "شيء" (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيةِ؟) أي في أيّ مكان صلّاها في اليوم الثامن من ذي الحجة؟. [تنبيه]: يوم التروية -بفتح التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو، وتخفيف الياء- سُمي بذلك لأنهم كانوا يرْوُون فيها إبلهم، ويتروون بحمل الماء معهم من مكّة إلى عرفات؛ لأن تلك الأماكن لم تكن بها إذ ذاك آبار، ولا عيونٌ، وأما الآن فقد كثُرت جدًّا، واستغنوا عن حمل الماء، وقد رَوَى الفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حِذْرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلك. وقيل في تسميته التروية أقوال أخرى شاذّةٌ، منها أن آدم ﵇ رأى فيه حواء، واجتمع بها، ومنها أن إبراهيم ﵇ رأى في ليلته أنه يذبح ابنه، فأصبح متفكرًا يتروى، ومنها أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم ﵇ مناسك الحج، ومنها أن الإمام يُعَلِّم الناس فيه مناسك الحج، ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثاني لكان يوم التروِّي، بتشديد الواو، أو من الثالث لكان من الرؤيا، أو من الرابع لكان من الرواية، قاله في "الفتح" (١). وقال في "العمدة": ذكره الجوهريّ -يعني يوم التروية- في باب رَوِي معتلّ العين واللام، وذكر فيه موادّ كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعدُ، ويكون أصله من رَوِيت من الماء بالكسر أَرْوَى رَيًّا ورِيًّا، ورِوًى، مثل رِضًى، وتكون التروية مصدرًا، من باب التفعيل، تقول: روّيته الماء ترويةً، وأما قول من قال: لأن آدم ﵇ رأى فيه حوّاء، فغير صحيح من حيث الاشتقاق؛ لأن رأى الذي هو من الرؤية، مهموز العين، معتلّ اللام، نعم جاء من هذا الباب ترئية، وتريّة، ولم يجئ تروية، فالأول من قولك: رأت المرأة ترئية: إذا رأت الدم القليل عند الحيض، والثاني اسم الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال، فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجئ لفظ التروية منها؛ لعدم المناسبة

стр. 14175

بينهما في الاشتقاق، وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جدًّا؛ لأنه لم يجئ تروية من هذا الباب؛ لعدم الاشتقاق بينهما. انتهى (١). (قَالَ) أنس ﵁ (بِمِنًى) الباء بمعنى "في"، متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي صلّاها في "منى" (قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) بفتح النون، وسكون الفاء، وتُفتح: وهو الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحجّ، وللحجاج نَفْران: الأول: هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني: هو اليوم الثالث منها، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو المراد هنا؛ لأنه الذي نَفَرَ فيه النبيّ ﷺ في حجته (قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) أي صلّاها فيه، وهو مكان متّسع بين مكة ومنى، والمراد به المحصّب (ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) وفي رواية للبخاريّ: "فقال: انظر حيث يصلّي أمراؤك، فصلّ"، وإنما قال أنس ﵁ ذلك؛ لأنه لما بيّن له المكان الذي صلى فيه النبيّ ﷺ الظهر يوم التروية، وهو منى، خَشِي عليه أن يَحرص على ذلك، فيُنسَبَ إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صلّ مع الأمراء حيث يصلّون؛ لأن هذا ليس من النسك الواجبة، بل من مستحبّاتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفق عليه. [تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ ﵀ -بعد أن أخرج هذا الحديث-: ما نصّه: صحيح يُستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوريّ، قال الحافظ ﵀: يعني أن إسحاق تفرد به، وأظن أن لهذه النكتة أردفه البخاريّ بطريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز، ورواية أبي بكر، وإن كان قَصَّرَ فيها كما سنوضحه (٢)، لكنها متابعة قويّة لطريق إسحاق. قال: وقد وجدنا له شواهد، منها ما وقع في حديث جابر الطويل في

стр. 14176

صفة الحج عند مسلم: "فلما كان يومُ التروية توجهوا إلى منى، فأهلّوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر … " الحديث، وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عباس ﵄ قال: "صلى النبيّ ﷺ بمنى خمس صلوات"، وله عن ابن عمر ﵄: أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم التروية، وذلك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بمنى، وحديث ابن عمر في "الموطإ" عن نافع عنه موقوفًا، ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر، وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يَغْدُون إلى عرفة. انتهى (١). [تنبيه آخر]: رواية أبي بكر بن عيّاش المذكورة أخرجها البخاريّ ﵀، فقال: (١٦٥٤) - حدّثنا عليّ (٢)، سمع أبا بكر بن عياش، حدّثنا عبد العزيز، لقيت أنسًا (ح) وحدّثني إسماعيل بن أبان، حدّثنا أبو بكر (٣)، عن عبد العزيز، قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسًا ﵁ ذاهبًا على حمار، فقلت: "أين صلى النبيّ ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك، فَصَلّ". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "انظر حيث يصلي أمراؤك، فَصَلِّ" هذا فيه اختصار، توضحه رواية سفيان، وذلك أنه في رواية سفيان بَيَّن له المكان الذي صلى فيه النبيّ ﷺ الظهر يوم التروية، وهو منى، كما تقدم، ثم خَشِيَ عليه أن يَحْرِص على ذلك، فيُنسَب إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صَلِّ مع الأمراء، حيث يصلّون. قال: ولما خلت رواية أبي بكر بن عياش عن القدر المرفوع، وقع في بعض الطرق عنه وَهَمٌ، فرواه الإسماعيليّ من رواية عبد الحميد بن بيان عنه،

стр. 14177

بلفظ: "أين صلى النبيّ ﷺ الظهر هذا اليوم؟ قال: صَلَّى حيث يصلي أمراؤك"، قال الإسماعيليّ: قوله: صَلَّى غلط. قال الحافظ: وَيحْتَمِل أن يكون كانت صَلِّ بصيغة الأمر، كغيرها من الروايات، فأَشبع الناسخ اللام، فكتب بعدها ياء، فقرأها الراوي بفتح اللام. وأغرب الحميديّ في "جمعه" فحذف لفظ: "فصَلِّ" من آخر رواية أبي بكر بن عياش، فصار ظاهره أن أنسًا أخبر أنه صلى حيث يصلي الأمراء، وليس كذلك، فهذا بعينه الذي أطلق الإسماعيليّ أنه غلط. وقال أبو مسعود في "الأطراف": جَوَّد إسحاق، عن سفيان هذا الحديث، ولم يُجَوِّده أبو بكر بن عياش. قال الحافظ: وهو كما قال، وقد قدّمتُ عذر البخاريّ في تخريجه، وأنه أراد به دفع من يتوقف في تصحيحه؛ لتفرد إسحاق به، عن سفيان. قال: ووقع في رواية عبد الله بن محمد في هذا الباب زيادة لفظة، لم يتابعه عليها سائر الرواة، عن إسحاق، وهي قوله: "أين صلى الظهر والعصر"، فإن لفظ "العصر" لم يذكره غيره، فسيأتي في أواخر صفة الحجّ، عن أبي موسى، محمد بن المثنى عند البخاريّ، وكذا أخرجه ابن خزيمة، عن أبي موسى، وأخرجه أحمد في "مسنده"، عن إسحاق نفسه، وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب، وأبو داود، عن أحمد بن إبراهيم، والترمذيّ، عن أحمد بن مُنِيع، ومحمد بن وزير، والنسائيّ، عن محمد بن إسماعيل ابن علية، وعبد الرحمن بن محمد بن سلّام، والدارميّ، عن أحمد بن حنبل، ومحمد بن أحمد، وأبو عوانة في "صحيحه"، عن سعدان بن يزيد، وابنُ الجارود في "المنتقى" عن محمد بن وزير، وسَمُّويه في "فوائده" عن محمد بن بشار بندار، وأخرجه ابن المنذر، والإسماعيليّ من طريق بندار، زاد الإسماعيليّ: وزهير بن حرب، وعبد الحميد بن بيان، وأحمد بن منيع كلّهم، وهم اثنا عشر نفسًا عن إسحاق الأزرق، ولم يقل أحد منهم في روايته: "والعصرَ". وادَّعَى الداوديّ أن ذكر العصر هنا وَهَمٌ، وإنما ذكر العصر في النَّفْر. وتُعُقِّب بأن العصر مذكور في هذه الرواية في الموضعين، وقد تقدم التصريح في حديث جابر عند مسلم، بأنه صلى الظهر والعصر، وما بعد ذلك

стр. 14178

إلى صبح يوم عرفة بمنى، فالزيادة في نفس الأمر صحيحة، إلا أن عبد الله بن محمد تفرد بذكرها، عن إسحاق، دون بقية أصحابه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ٣١٦٧] (١٣٠٩)، والبيخاريّ) في "الحجّ" (١٦٥٣ و ١٦٥٤ و ١٧٥٦ و ١٧٦٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩١٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٦٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٤٩) و" الكبرى" (٢/ ٤١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٥٨ و ٢٧٩٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ١٠٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان المكان الذي يصلي فيه الحجاج الظهر يوم التروية، وهو منى، فيستحبّ إقامة الظهر يوم التروية بمنى، بل يصلي فيه الصلوات الخمس؛ لأنه ﷺ خرج إلى منى، فصلى خمس صلوات، وذكر أبو سعيد النيسابوريّ في "كتاب شرف المصطفى" أن خروجه ﷺ يوم التروية كان ضحى، وفي "سيرة الملا" أنه ﷺ خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي "شرح الموطا" لأبي عبد الله القرطبيّ: خرج ﷺ إلى منى عشيّة يوم التروية. ٢ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام السلف ﵃ في السؤال عن سنن رسول الله ﷺ حتى يعملوا بها، كما حثّ الله على ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾. ٣ - (ومنها): الإشارة إلى متابعة أُولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، لأن أنسًا ﵁ قال: "صلّ حيث يصلي أمراؤك"، قال في "الفتح": وفيه إشعار بأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم

стр. 14179

بمكان معين، فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز، وإن كان الاتباع أفضل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الظهر بمنى يوم التروية: قال في "الفتح": وفي الحديث أن السنة أن يصلّي الحاجّ الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول الجمهور، وروى الثوريّ في "جامعه" عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلّى الظهر يوم التروية بمكة، وقد روى القاسم عنه أن السنّة أن يصليها بمنى، فلعله فعل ما نقله عمرو عنه للضرورة، أو لبيان الجواز، وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس ﵄، قال: "إذا زاغت الشمس، فليرح إلى منى". قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: إن من السنة أن يصلي الإمام الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة ﵂ أنها لم تخرج من مكّة يوم التروية حتى دخل الليل، وذهب ثلثه، قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كلّ وقت مباح، إلا أن الحسن، وعطاء، قالا: لا بأس أن يتقدّم الحاجّ إلى منى قبل يوم التروية بيوم، أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة، فعليه أن يصلّيها قبل أن يخرج. انتهى ما في "الفتح" (٢). وقال في "العمدة" نقلًا عن النوويّ ﵀: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حتى يُصَلُّوا الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من منصوص الشافعيّ، وفيه قول ضعيف أنهم يصلّون الظهر بمكة، ثم يخرجون، وقال المهلّب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبّوا، ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: "صلّ حيث يصلي أمراؤك"، والمستحبّ في ذلك

стр. 14180

ما فعله النبيّ ﷺ : "صلى الظهر والعصر بمنى"، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف بالبيت سبعًا، ويركع، ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء، وكانت عائشة ﵂ تخرج ثلث الليل، وهذا يدلّ على التوسعة، وكذلك ترك المبيت بمنى ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخيّر، وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف، أيام رمي الجمار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التي تؤيّده الأدلة الصحيحة استحباب الصلوات الخمس في منى من ظهر يوم التروية إلى فجر عرفة، ففي حديث جابر ﵁ الطويل الذي تقدّم للمصنّف: "فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله ﷺ ، فصلّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر … " الحديث. وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عبّاس ﵄، قال: "صلّى النبيّ ﷺ الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى"، ولأحمد من حديثه: "صلّى النبيّ ﷺ بمنى خمس صلوات"، ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال: "من سنة الحجّ أن يصلّي الإمام الظهر وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة". فلا ينبغي للحاجّ أن يُهمل هذه السنة، فيتأخّرَ بمكة، وكذا لا ينبغي له أن يتقدّم قبل يوم التروية بيوم أو يومين، إذ هو مخالف للسنّة التي حثّ عليها النبيّ ﷺ حيث قال: "خذوا عني مناسككم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
следующие страницы →