٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، فانتفت عنه تهمة التدليس في ابن جريج، وأبي الزبير.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ ﵀ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) -بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمتين-: معناه الرمي، قال الفيّوميّ ﵀: خَذَفتُ الحصاةَ ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: رَميتُها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف معناه: حصى الرمي، والمراد: الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀: فيه دليل على استحباب كون الحصى في هذا القدر، وهو كقدر حبة الباقلا، ولو رَمَى بأكبر، أو أصغر جاز مع الكراهة، وقد سبقت المسألة مستوفاةً قريبًا. انتهى.
وقال القرطبي ﵀: قد تقدَّم أن معنى الخذف: رمي الحصى الصغار، واختُلِف في مقدارها، وكلهم يكرهون الكبار؛ لِما جاء عنه ﷺ : أنه قال في هذا: "إيَّاكم والغلوّ في الدِّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين"، رواه النسائيّ (٢)، وأكثر ما قيل في ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄: أن حصاه كان مثل البندقة، وقال عطاء: مثل طرف الإصبع، وقال الشافعيّ: أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، وروي عن ابن عمر ﵄: بمثل بعر الغنم، وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إليّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 14107
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٣١٤١] (١٢٩٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٧)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٤) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٣ و ٣١٩ و ٣٥٦ و ٣٧١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٨٣)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٠) - (بَابُ بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَت الشَّمْسُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة (يَوْمَ النَّحْرِ) أي يوم العيد (ضُحًى)، قال العراقيّ ﵀: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة، من أهل البصرة، سواءٌ قُصِد التعريف أو
стр. 14108
التنكير، وقال الجوهريّ: تقول: لقيته ضُحًى وضُحَى، إذا أردت به ضُحَى يومك لم تنوّنه -يعني أنه منّون عند التنكير، وغير منوّن عند التعريف- وقال: ضحوةُ النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهي حين تُشْرِق الشمس مقصورةٌ تؤنث وتذكّر، فمن أَنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَلٍ، مثل صُرَدٍ ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكن، مثل سحر، قال: ثم بعده الضَّحَاء ممدودٌ مذكرٌ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ومنه قول عمر ﵁: يا عباد الله أضحوا لصلاة الضحى، يعني لا تصلّوها إلا إلى ارتفاع الضحى. انتهى.
فقد تحصّل من هذا أن الضحوة وقت طلوع الشمس، والضحى وقت شروقها، والضَّحَاء وقت ارتفاعها، قال القاري: قوله: "ضحى" أي وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال. انتهى (١).
(وَأَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد يوم النحر، وهو أيام التشريق (فَإِذَا زَالَت الشَّمْسُ) أي فيرمي بعد الزوال، قال في "العمدة": يستفاد منه أن الرمي في أيام التشريق محله بعد زوال الشمس، وهو كذلك، وقد اتَّفقَ عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها، فقال: يجوز الرمي فيه قبل الزوال استحسانًا مع الكراهة التنزيهية، وقال: إن رمى في اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال أعاد وفي الثالث يجزئه. وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال. انتهى (٢).
وقال ابن الهمام ﵀: أفاد حديث جابر أن وقت الرمي في اليوم الثاني لا يدخل إلا بعد ذلك، وكذا في اليوم الثالث، وفي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة قال: أحب إلي أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه، وحمل المروي من فعله ﷺ على اختيار الأفضل.
وجه الظاهر اتباع المنقول؛ لعدم المعقولية. كذا في "المرقاة"، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14109
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد علّقه البخاريّ ﵀ في "باب رمي الجمار" بصيغة الجزم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٣١٤٢ و ٣١٤٣] ( … )، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٧١)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٠) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٥٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٢ و ٣١٩ و ٣٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٦ و ٢٩٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٨٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٥/ ٥٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢٠٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٣١ و ١٤٨ و ١٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت الرمي في أيام التشريق:
قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو يوسف: لا يجزئ الرمي في غير يوم النحر إلا بعد الزوال، وقال أبو حنيفة: إن فعله أحد قبل الزوال أجزأه، وعن عطاء، وطاوس، وعكرمة مثل قول أبي حنيفة، إلا أن طاوسًا قال: إن شاء رمى من أول النهار ونَفَرَ، وقال عكرمة: إن رمى أول النهار لم ينفر حتى تزول الشمس، وعن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجماعة التابعين مثل قول مالك في ذلك. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد،
стр. 14110
وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وقال أبو حنيفة، واسحاق ابن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال.
قال: دليلنا أنه ﷺ رَمَى كما ذكرنا، وقال ﷺ : "لتأخذوا مناسككم". انتهى (١).
ورَوَى الإمام البخاريّ ﵀ عن ابن عمر ﵄: قال: كنا نتحيّن -أي نراقب الوقت- فإذا زالت الشمس رمينا.
قال الحافظ ﵀: فيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء، وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخّص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه. انتهى.
وقال بعض المحقّقين: لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاوس، لا من فعل النبيّ ﷺ ، ولا من قوله، وأما ترخيص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس ﵄، وهو ضعيف، فالمعتمد ما قال به الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أثر ابن عبّاس ﵄: ما أخرجه البيهقيّ بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا انتفح النهار من يوم النفر الآخر، فقد حَلَّ الرمي والصدر"، قال البيهقيّ: طلحة بن عمرو المكي -يعني أحد رواته- ضعيف (٢).
قال ابن الهمام الحنفيّ ﵀: ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار، وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فِعله كذلك، مع أنه غير معقول -أي لا مدخل للعقل فيه- ولا يدخل وقته قبل الوقت الذي فَعله فيه ﷺ كما لا يُفعل في غير ذلك المكان الذي رَمَى فيه النبيّ ﷺ ، وإنما رمى ﷺ في الرابع بعد الزوال فلا يُرمى قبله. انتهى (٣).
وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ في "أضواء البيان": اعلم أن التحقيق أنه لا
стр. 14111
يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النَّبيّ ﷺ ، ثم ذكر حديث جابر ﵁ هذا، وحديث ابن عمر ﵄ عند البخاريّ قال: "كنا نتحيّن (١) فإذا زالت الشمس رمينا"، وحديث عائشة ﵂ عند الإمام أحمد، وأبي داود قالت: "أفاض رسول الله ﷺ آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس … " الحديث، وفي إسناده محمد بن إسحاق ولم يصرّح بالتحديث، وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وحسّنه عن ابن عباس ﵄ قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس".
وبهذه النصوص الثابتة عن النَّبيّ ﷺ تعلم أن قول عطاء، وطاوس، بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقولُ إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النَّبيّ ﷺ الثابت عنه المعتضد بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم"، ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يُرِد في كتاب الله ولا سنة نبيّه ﷺ شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشيخ الشنقيطيّ ﵀ تحقيق نفيس، خلاصته أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ اقتداء برسول الله ﷺ .
لكن لو أفتى مُفت بقول عطاء وطاوس، وإسحاق، وأبي حنيفة -رحمهم الله تعالى- من جواز الرمي قبل الزوال بسبب ما حدث في الوقت الحاضر من كثرة الحجاج، وموت كثير منهم، وتضرّر جميعهم بسبب كون الرمي بعد الزوال، ولا سيّما في اليوم الأخير، لا أرى به بأسًا؛ لقول الله :
стр. 14112
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الترتيب في رمي الجمرات:
(اعلم): أنه يجب الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق، فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبّر مع كل حصاة، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم يقف فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة، فيرميها كذلك، ولا يقف عندها، بل ينصرف إذا رمى.
قال الشيخ الشنقيطيّ ﵀: وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النَّبيّ ﷺ ، وأمر بأخذ المناسك عنه، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور، ففي "صحيح البخاريّ" ﵀ من حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبّر على إثْرِ كل حصاةٍ، ثم يتقدَّم حتى يُسْهِلَ، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوُسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيستهلّ، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النَّبيّ ﷺ يفعله. انتهى.
وهذ نصّ صحيح صريح في الترتيب المذكور، وقد قال ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، فإن لم يرتب الجمرات بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منكسًا؛ لأنه خالف هدي النَّبي ﷺ ، وفي "الصحيح": "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وتنكيس الرمي عمل ليس من أمره، فيكون مردودًا، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنّة، فإن نَكَّس الرمي أعاده، وإن لم يُعِد أجزأه، وهو قول الحسن، وعطاء، واحتجوا بأدلة لا تنهض، وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إن الترتيب شرط لو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث، لم يُجزه إلا الأولى؛ لعدم الترتيب في الوسطى، والأخيرة،
стр. 14113
فعليه أن يرمي الوسطى، ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها، هذا هو الظاهر. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ . بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن ابن جريج هذه ساقها الترمذيّ ﵀، فقال:
(٨١٨) - حدّثنا عليّ بن خَشْرَم، حدَّثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبيّ ﷺ يرمي يوم النحر ضُحًى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥١) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعٌ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٤] (١٣٠٠) - (وَحَدَّثَني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْجَزَرِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ
стр. 14114
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْجَزَرِيُّ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الِاسْتِجْمَارُ) أي الاستنجاء بالأحجار (تَوٌّ) -بفتح المثناة الفوقية، وتشديد الواوّ: أي فردٌ، قال النوويّ ﵀: التَّوّ- بفتح التاء المثناة فوقُ وتشديد الواو - هو الوتر، والمراد بالاستجمار الاستنجاء. انتهى.
والإيتار والفردية هنا بالثلاثة، وفي البواقي بالسبعة، بدليل الأحاديث المصرحة بذلك، وقد تقدم في "كتاب الطهارة" أن الإيتار بالثلاثة في الاستنجاء واجب على الصحيح، فلا تغفل. (وَرَمْيُ الْجِمَارِ) في الحجّ (تَوٌّ) أي سبع حصيات وكلها واجبة (وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ) أي سبع وكلها واجبة (وَالطَّوَافُ) بالبيت (تَوٌّ) أي سبعة أشواط، وكلها فرائض عند الجمهور، وعند الحنفية أربعة أشواط فرض، والباقي واجب.
قال الجزريّ ﵀ في "النهاية": يريد أنه يرمي الجمار في الحج فردًا، وهي سبع حصيات، ويطوف سبعًا، ويسعى سبعًا، وقيل: أراد بفردية الطواف والسعي أن الواجب منهما مرةً واحدة، لا تُثَنَّى ولا تُكَرَّر، سواء كان المُحْرم مفردًا، أو قارنًا. انتهى. (وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ") قال المناويّ ﵀: ليس هذا تكرارًا، بل المراد بالأول الفعلُ، وبالثاني عددُ الأحجار، وفيه وجوب تعدُّد الحجر؛ لضرورة تصحيح الإيتار بما يتقدمه من الشفع؛ إذ لا قائل بتعيين الإيتار بحجر واحد. انتهى.
стр. 14115
وقال القاري: الظاهر أن المراد بالاستجمار هنا أي في قوله: "إذا استجمر أحدكم … إلخ": هو التبخر، فإنه يكون بوضع العُود على جمرة النار، فيرتفع التكرار، وهو أولى من قول القاضي عياض، وتبعه الطيبيّ: إن المراد بالأول الفعل، وبالثاني عدد الأحجار. انتهى.
وقال السنديّ في "حاشية مسلم": يَحْتَمِل عندي في وجوه التكرير أن يُحمَل الاستجمار في هذا الحديث في أحد الموضعين على الاستنجاء، وفي الموضع الآخر على التبخر، كتبخير أكفان الميت ونحوه، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "الاستجمار توٌّ" قد تقدَّم في "كتاب الطهارة": أن الاستجمار يُقال على استعمال الحجارة في محل الغائط والبول، ويقال على استعمال مجمرة البَخُور. وقد ذكرنا هناك اختيار مالك فيها، وقد ذُكِر في هذا الحديث الاستجمار مرتين، فيَحْسُن في هذا الحديث أن يُحْمَل أحدهما على استعمال الحجارة في المخرجين، والآخر على استعمال البَخُور، كما صار إليه مالك، ويجوز حمل الثاني على التأكيد، وفيه بُعدٌ.
قال: و"التوّ": الوتر والفرد، وفي الحديث: "فما مضت إلا توَّة واحدة" أي: ساعة واحدة، ويقال في غير هذا: جاء فلان تَوًّا؛ أي: قاصدًا لا يُعَرِّج على شيء، ولا خلاف في وجوب الوتر في السعي، والطواف، ورمي الجمار، واختُلِف في الاستنجاء على ما مضى. انتهى (٢).
وقيل: التوّ: الوتر، ويكون على وجهين:
أحدهما: أن الطواف سبعة أطواف، وكذلك السعي سبع، وهو غير شفع.
والوجه الآخر: أن الطواف الواجب طوافٌ واحدٌ لا يُثَنّى ولا يُكرّر، وكذلك السعي، سواء أكان المحرم مفردًا، أو قارنًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير بعيدٌ، يُبعده سياق الحديث،
стр. 14116
كما هو ظاهر من تأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٣١٤٤] (١٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٢) - (بَابُ تَفْضِيلِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَجَوَازِ التَّقْصِيرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٥] (١٣٠١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَثنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ" مَرَّةً، أوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مُحَمَدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث
стр. 14117
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطاب العدويّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقه، وهو (١٩٤) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بين الأولين؛ لاتحادهما في الأخذ والأداء، وفصل الثالث بالتحويل؛ لمخالفته لهما في ذلك، وقد بيّنّا وجه ذلك غير مرّة، فلا تغفل.
٢ - (ومنها): أن يحيى نيسابوريّ، وقتيبة بَغْلانيّ، والليث وابن رُمح مصريّان، والباقيان مدنيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِع، أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عمر ﵄ (قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن نافع: "حلق رسول الله ﷺ في حجته"، قال في "الفتح": وهذا طرف من حديث طويل، أوّله: "لَمَّا نزل الحجّاج بابن الزبير … " الحديث.
[تنبيه]: الذي حلق رأس النبيّ ﷺ في حجة الوداع هو معمر بن عبد الله العدويّ، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيح المشهور، وفي "مسند الإمام أحمد" من حديثه أنه هو الذي حلق رأسه ﷺ في حجة الوداع (١)، قال النوويّ:
стр. 14118
وقيل: اسمه خراش بن أُميّة، والصحيح أن خِرَاشًا حلقه في الْحُديبية. انتهى (١).
(وَحَلَقَ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ) قال صاحب "المعلم": أعرف منهم عثمان بن عفّان، وأبا قتادة، كما في "مسند أحمد" (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ") جملة خبريّة لفظًا دعائيّة معنى، فهو بمعنى الرواية الآتية: "اللهم ارحم المحلّقين" (مَرَّةً، أَوْ مَزَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ) في المرّة الرابعة بعد أن طلبوا منه الدعاء لهم مررًا ("وَالْمُقَصِّرِينَ") أي: رحم الله المقصّرين. الحديث متّفقٌ عليه، والمسائل المتعلّقة به تأتي بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ").
стр. 14119
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ") حيث عملوا بالأفضل؛ لأن العمل بما بدأ الله تعالى في قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] أكمل، وقضاء التَّفَث المأمور به في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية [الحجّ: ٢٩] يكون به أجمل، ويكون في ميزان العمل أثقل، وفيه دليل على الترحم على الحيّ، وعدم اختصاصه بالميت.
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون ﵃، قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرُق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد. انتهى. (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هذه الواو "والمقصّرين" عاطفة على شيء محذوف تقديره: "قل: والمقصرين"، أو: قل: وارحم المقصرين، وهذا يسمى العطف التلقينيّ، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ بعد قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال الآلوسيّ: ومن ذريتي؟ عطف على كاف ﴿جَاعِلُكَ﴾ يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؟ أي وتكرم زيدًا، تريد تلقينه بذلك، قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ في معنى: بعض ذريتي، فكأنه قال: "وجاعل بعض ذريتي"، وهو من قبيل عطف التلقين، فيكون خبرًا في معنى الطلب، وكأن أصله: واجعل بعض ذربتي، لكنه عدل إلى المنزل؛ لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم، كأنه مستحق مثل المعطوف عليه، وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم، والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت، ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر، وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر.
قال صاحب "المرعاة": ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ بعد قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، فإنه يصح التقدير: وارزق من كفر بصيغة الأمر، فالطلب بمعنى الخبر على عكس:
стр. 14120
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق، وأن لا يحجر في طلب اللطف، أو التقديرُ: وأرزق من كفر، بصيغة المتكلم.
وقال الآلوسي: ولك أن تجعل العطف على محذوف: أي ارزق من آمن ومن كفر. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت العطف التلقينيّ، ومثله الاستثناء التلقينيّ، كحديث: "إلا الإذخر"، بقولي:
وعَطْفُ قَوْلِ قَائِل عَلَى سِوَاهْ … بِعَطْفِ تَلْقِينٍ دَعَاه مَنْ حَوَاه
كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿قَالَ وَمِنْ … ذُرِّيَّتِي﴾ فَاحْفَظْهُ أَيُّهَا الْفَطِنْ
وَمِثْلُ ذَا اسْتِثْنَاؤُهُمْ كَمَا انْتَظَمْ … إِخْرَاجُهُ الإِذْخِرَ عَنْ حُكْمِ الْحَرَمْ
(قَالَ) ﷺ ("اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ") هذا تنبيهٌ على أنه ﷺ لم يقتصر على المحلِّقين أولًا؛ لعدم الالتفات إلى المقصرين، بل دَعَا لهم قصدًا، وكرر الدعاء لهم خاصّةً؛ لإظهار فضيلة التحليق.
(قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) تأكيد لاستدعاء الرحمة للمقصرين، قال القاري: هل هو قول المحلقين، أو المقصرين، أو قولهما جميعًا؟ احتمالات ثلاث، أظهرها بعض الكل من النوعين.
(قَالَ) ﷺ ("وَالْمُقَصِّرِينَ") قال الحافظ ﵀: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر، ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك: الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة "الموطإ" بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبّه عليه ابن عبد البر في "التقصِّي"، وأغفله في "التمهيد"، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك، قال (٢): وقد راجعت أصل سماعي من موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال في "التقصي".
وفي رواية الليث، عن نافع عند مسلم -يعني الرواية السابقة- وعلّقها البخاريّ: "رحم الله المحلقين مرة، أو مرتين"، قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين"، والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك،
стр. 14121
ولمسلم أيضًا (١) وعلّقه البخاريّ من رواية عبيد الله -بالتصغير- العمريّ، عن نافع، قال في الرابعة: "والمقصرين".
قال الحافظ: وبيان كونها في الرابعة أن قوله: "والمقصرين" معطوف على مقدّر، تقديره: "يرحم الله المحلقين"، وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاثًا صريحًا، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في "مستخرجه" من طريق الثوريّ، عن عبيد الله بلفظ: "قال في الثالثة: والمقصرين"، والجمع بينهما واضح بأن من قال: "في الرابعة"، فعلى ما شرحناه، ومن قال: "في الثالثة"، أراد أن قوله: "والمقصرين" معطوف على الدعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة مسألة السائلين في ذلك، وكان ﷺ لا يُرَاجَع بعد ثلاث، كما ثبت، ولو لم يَدْعُ لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه في ذلك.
وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤) من طريق أيوب عن نافع بلفظ: "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والمقصرين"، ورواية من جزم مقدمة على من شك. انتهى.
وروى البخاريّ بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: والمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: والمقصرين؟ قالها ثلاثًا. قال: "وللمقصرين". قال الحافظ: قوله: "قالها ثلاثًا" أي قوله: "اللهم اغفر للمحلقين"، وهذه الرواية شاهدة؛ لأن عبيد الله العمري حفظ الزيادة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٤٥ و ٣١٤٦ و ٣١٤٧ و ٣١٤٨] (١٣٠١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٢٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٧٩)،
стр. 14122
و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩١٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٤٣)، و (مالك) في "الموطّ" (١/ ٣٩٥)، و (الطيا لسيّ) في "مسنده" (١٨٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦ و ٣٤ و ٧٩ و ١١٩ و ١٣٨ و ١٤١ و ١٥١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٦٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٣) و" المعرفة" (٤/ ٩٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الحلق أفضل من التقصير، حيث دعا النبيّ ﷺ للمحلّقين ثلاث مرّات.
وقال في "الفتح": وجه كون الحلق أفضل من التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلّة، وأدلّ على صدق النية، والذي يُقَصِّر يُبقي على نفسه شيئًا مما يتزين به، بخلاف الحالق، فإنه يُشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وفيه إشارة إلى التجرد، ومن ثم استَحَبّ الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة (١)، قال: وأما قول النوويّ تبعًا لغيره في تعليل ذلك بأن المقَصِّر يُبقِي على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر، ففيه نظر؛ لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف، فإنه يحلّ له عقبه كل شيء إلا النساء في الحج خاصة. انتهى (٢).
٢ - (ومنها): بيان أن التقصير أيضًا جائز؛ لأنه ﷺ دعا لهم مرة واحدةً، فدلّ على جواز فعلهم.
قال النوويّ ﵀: في دعائه ﷺ للمحلّقين ثلاث مرّات، وللمقصّرين مرّةً بعد ذلك تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين، إن شاء اقتصر على
стр. 14123
الحلق، وإن شاء على التقصير، وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير، وعلى أن التقصير يجزئ إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجة، ولا يجزئه التقصير، وهذا إن صح عنه مردود بالنصوص، وإجماع من قبله. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "المحلقين" على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة؛ إذ لا يقال من حَلَق بعض رأسه: إنه حلقه إلا مجازًا، وقد اختلف العلماء في وجوب حلق جميع الرأس، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أن التقصير يجزئ عن الحلق، وهو مجمع عليه، إلا ما روي عن الحسن البصريّ أن الحلق يتعيّن في أول حجة، حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه، قال ابن أبي شيبة: حدّثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن في الذي لم يحج قطّ، فإن شاء حلق، وإن شاء قصّر، نعم رَوَى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعيّ قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى: فإن شاء حلق، وإن شاء قصّر، ثم روى عنه أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة، وأول عمرة. انتهى، وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب، لا للزوم، نعم عند المالكية، والحنابلة، أن محل تعيين الحلق والتقصير أن لا يكون المحرم لَبَّد شعره، أو ضَفَّره، أو عَقَصَهُ، وهو قول الثوريّ، والشافعيّ في القديم، والجمهور، وقال في الجديد وفاقًا للحنفية: لا يتعين إلا إن نذره، أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره، أو لم يكن له شعر، فيُمِرَّ الموسى على رأسه.
وأغرب الخطابيّ، فاستدل بهذا الحديث لتعيّن الحلق من لبّد، ولا حجة فيه، قاله في "الفتح" (٢).
٥ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء من فَعَل ما شُرع له، وتكرار الدعاء من فَعَل الراجح من الأمرين المخيَّر فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان، وطلب
стр. 14124
الدعاء من فَعَل الجائز، وإن كان مرجوحًا (١).
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: مذهبنا المشهور أن الحلق، أو التقصير نُسُك من مناسك الحجّ والعمرة، ورُكْنٌ من أركانهما، لا يحصل واحد منهما إلا به، وبهذا قال العلماء كافّة، وللشافعي قول شاذّ ضعيف، أنه استباحة محظور، كالطيب، واللباس، وليس بنسك، والصواب الأول. انتهى (٢).
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في موضع دعاء النبيّ ﷺ بقوله: "اللهم ارحم المحلقين … إلخ":
قال في "الفتح": واختَلَفَ المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله ﷺ ذلك، فقال ابن عبد البرّ: لم يذكر أحدٌ من رواة نافع، عن ابن عمر ﵄ أن ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير، وحَذْفٌ، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صُدَّ عن البيت، وهذا محفوظ مشهور، من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وحُبْشِيّ بن جُنَادة، وغيرهم، ثم أخرج حديث أبي سعيد ﵁، بلفظ: "سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرةً"، وحديثَ ابن عباس ﵄، بلفظ: حَلَق رجال يوم الحديبية، وقَصَّر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ المحلقين … " الحديث، وحديثَ أبي هريرة ﵁، من طريق محمد بن فُضَيل الآتي بعد هذا عند مسلم، ولم يَسُقْ لفظه، بل قال: فذكر معناه، قال الحافظ: وتَجَوَّز في ذلك، فإنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبيّ ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها، ولم يَشهد الحديبية، ولم يَسُقْ ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا، قال: ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطرق عنه، قال: وقد قدّمت في صدر الباب أنه مُخَرَّج من مجموع الأحاديث عنه أن ذلك كان في حجة الوداع، كما يومئ إليه صنيع البخاريّ.
وحديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن عبد البر، أخرجه أيضًا الطحاويّ من طريق الأوزاعيّ، وأحمدُ، وابن أبي شيبة، وأبو داود الطيالسيّ من طريق هشام
стр. 14125
الدستوائيّ، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم الأنصاريّ، عن أبي سعيد، وزاد فيه أبو داود: أن الصحابة حَلَقُوا يوم الحديبية، إلا عثمان، وأبا قتادة.
وأما حديث ابن عباس ﵄: فأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عنه، وهو عند ابن إسحاق في "المغازي" بهذا الإسناد، وأن ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه.
وأما حديث حُبْشيّ بن جُنادة: فأخرجه ابن أبي شيبة، من طريق أبي إسحاق عنه، ولم يعيّن المكان، وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وزاد في سياقه عن حُبشيّ، وكان ممن شَهِد حجة الوداع، فذكر هذا الحديث، وهذا يُشعر بأنه كان في حجة الوداع.
وأما قول ابن عبد البر فوَهَمٌ، فقد ورد تعيين الحديبية من حديث جابر، عند أبي قُرَّة في "السنن"، ومن طريق (١) الطبرانيّ في "الأوسط"، ومن حديث المسور بن مخرمة، عند ابن إسحاق في "المغازي"، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السَّلُوليّ، عند أحمد، وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قَارِب بن الأسود الثقفيّ، عند أحمد، وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عُمارة عند الحارث، فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا، وأصح إسنادًا، ولهذا قال النوويّ عقب أحاديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأم الحصين: هذه الأحاديث تدلّ على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع، قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في "النهاية"، ثم قال النوويّ: لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين. انتهى.
وقال عياض: كان في الموضعين، ولذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، وقال الحافظ: بل هو المتعين؛ لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين، كما قدمناه، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال؛ لِمَا دخل
стр. 14126
عليهم من الحزن؛ لكونهم مُنِعُوا من الوصول إلى البيت، مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبيّ ﷺ ، وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، كما ستأتي في مكانها، فلما أمرهم النبيّ ﷺ بالإحلال، توقفوا، فأشارت أم سلمة ﵂ أن يَحِلّ هو ﷺ قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم، وقَصَّر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس ﵂ المشار إليه قبلُ، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره: "أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: لأنهم لم يشكُّوا".
وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في "النهاية": كان أكثر من حج مع رسول الله ﷺ لم يَسُقِ الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بُدّ من الطاعة، كان التقصير في أنفسهم أخفّ من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجّح النبيّ ﷺ فعل مَن حَلَق؛ لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى.
قال الحافظ: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابيّ وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر، والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشهرة، ومن زِيّ الأعاجم، فلذلك كَرِهُوا الحلق، واقتصروا على التقصير. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم حلق الرأس:
ذهب إلى وجوب حلق جميعه مالك، وأحمد، واستحبه الكوفيون، والشافعيّ، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه: فعن الحنفية الربع، إلا أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه: شعرة واحدة، والتقصير كالحلق، فالأفضل أن يُقَصِّر
стр. 14127
من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على ما دونها أجزأ، هذا للشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على الحلق، وهذا كله في حق الرجال، كذا في "الفتح" (١).
وقال ابن قدامة ﵀: يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، كذلك المرأة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، وعن أحمد يجزئه البعض مبنيًا على المسح في الطهارة، وكذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث شعرات، واختار ابن المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له، ولنا قول الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا عام في جميعه، ولأن النبيّ ﷺ حلق جميع رأسه تفسيرًا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نُسك تعلق بالرأس، فوجب استيعابه به كالمسح. انتهى (٢).
واختار ابن الهمام ﵀ من الحنفيّة قول مالك في وجوب استيعاب الرأس بالحلق والتقصير، وقال بعد بسط الكلام فيه: فكان مقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب، كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به، قال: وقياسه على المسح قياس مع الفارق. انتهى.
وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ بعد ذكر مذاهب الأئمة في ذلك: أظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير؛ لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية، والشافعية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، ولم يقل: بعض رؤوسكم، ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ أي رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبيّ ﷺ يقول: "دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك"، فمن حلق الجميع أو قصّره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه؛ ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يَدَعْ ما يريبه؛ إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبيّ ﷺ لما حلق في حجة الوداع حلق
стр. 14128
جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة؛ ليفرقه على الناس، وفعلُه في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: وفعله ﷺ إذا كان بيانًا لنص مجملٍ يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبيِّنَ لذلك النص المجمل واجب، ولا خلاف في ذلك بين من يُعْتَدّ به من أهل الأصول. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق مذاهب العلماء، وأدلّتهم أن الأرجح هو ما ذهب إليه مالك وغيره من أن الواجب في الحلق حلق جميع الرأس، وكذلك التقصير من جميع الرأس، لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): هذا الذي ذكرناه من الاختلاف في وجوب حلق جميع الرأس، وعدمه إنما هو في حق الرجال، فأما النساء فإن المشروع في حقهنّ التقصير بالإجماع، ورَوَى أبو داود في "سننه" عن ابن عباس ﵄: أن النبيّ ﷺ قال: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" (٢).
قال وليّ الدين ﵀: وقال أصحابنا: فلو حلقت المرأة أجزأها، قال الماورديّ: وتكون مسيئة، وقال جماعة من أصحابنا: يكره لها الحلق، وقال القاضيان: أبو الطيب، وحسين: لا يجوز، قال النوويّ في "شرح المهذب": ولعلهما أرادا أنه مكروه، قال: وقد يُستدل للكراهة بحديث عليّ ﵁: "أن رسول الله ﷺ نَهَى أن تحلق المرأة رأسها"، رواه الترمذيّ، وقال: فيه اضطراب، ولا دلالة فيه لضعفه، ولكن يُستدلّ بعموم قوله ﷺ : "مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وبالحديث الصحيح في نهي النساء عن التشبه بالرجال. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣)، وهو بحث نفيسٌ.
стр. 14129
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الواجب في حقّ المرأة المحرمة التقصير دون الحلق، ولا يجوز لها أن تحلق كما قال القاضيان: أبو الطيّب والحسين من الشافعيّة؛ لمخالفتها الواجب عليها، ولحديث: "من عَمِل عملًا … إلخ"، وحديث نهي النساء عن التشبّه بالرجال، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فوائد]: ذكرها الحافظ وفي الدين ﵀:
(الأولى): قال: محل التخيير بين الحلق والتقصير عند المالكية والحنابلة ما إذا لم يُلَبِّد شعر رأسه، فإن لبّده أي سَكَّنه بما يمنع الانتفاش، كالصمغ ونحوه تعيّن عندهم الحلق، ولم يجز التقصير، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وسفيان الثوريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقال به ابن المنذر، وحكاه القاضي عياض، والنوويّ عن جمهور العلماء.
وذهب ابن عباس ﵄ إلى أنه على ما نوى من ذلك: إن نوى الحلق تعيّن، وإلا فهو على التخيير.
وذهب أبو حنيفة إلى بقاء التخيير في حقه أيضًا، وأنه لا فرق بين الملبّد وغيره، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه النوويّ في "شرح المهذب" عن ابن عباس، وهو قول الشافعيّ في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه، وما حكاه ابن المنذر هو قوله في القديم.
وتمسك الأولون بما رُوي من طريق عبد الله بن عمر العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ﷺ قال: "من لَبَّد رأسه فليحلق"، وجعل أصحابنا المعنى في ذلك أن التلبيد لا يفعله إلا من يريد الحلق يوم النحر للنسك، فينزل هذا منزلة نذر الحلق، وجعل المالكية سبب ذلك تعذر التقصير، وقالوا: لا يمكن التقصير مع التلبيد، قال ابن شاس في "الجواهر": ويقوم التقصير مقام الحلق حيث يتمكن من الإتيان به على وجهه، وقد يتعذر إن عجز عن ذلك، فيتعيّن الحلق، كمن لا شعر على رأسه، أو شعره لطيف لا يمكن تقصيره، أو لبّد شعره، مثل أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، أو عَقَصه، أو ضَفّره، فإنه لا بد من الحلق في جميع هذه. انتهى.
стр. 14130
قال وليّ الدين: وفي ذكره مع ذلك من لا شعر على رأسه نظر، فإن هذا لا يتأتى في حقه حلق ولا تقصير، ومسألة العقص والضفر شكل من التلبيد، فإنه لا يتعذر مع ذلك التقصير بلا شك، بل ولا يتعذر مع التلبيد، والعيان يدفعه، وهذا خلاف في شهادة، والْمُدرَك الذي ذكره أصحابنا أقرب، والله أعلم.
وأشار الخطابيّ إلى الاستدلال لتعيّن الحلق في صورة التلبيد بهذا الحديث، فقال: وفي قوله: "اللهم ارحم المحلقين" وجه آخر، وهو أن السنة فيمن لَبَّد رأسه الحلاق، وإنما يجزئ التقصير فيمن لم يلبّد، وكان رسول الله ﷺ قد لبد رأسه.
قال وليّ الدين: وفيما ذكره نظرٌ؛ لأن الحديث دل على جواز التقصير في هذه الحالة أيضًا بدعائه ﷺ للمقصرين، وهو خلاف مُدَّعاه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر الأرجح قول من قال: إن من لبّد يجوز له الحلق، أو التقصير؛ لعموم الأدلّة، وأما حديث: "من لبّد رأسه … إلخ"، فقد ضعّفه البيهقيّ، فلا يصلح للاحتجاج به؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(الثانية): قال وليّ الدين ﵀: قال أصحابنا: المقصود من الحلق أو التقصّير إزالة الشعر، فيقوم مقامه النتف، والإحراق، والأخذ بالنورة والمقصين، والقطع بالأسنان وغيرها، ويحصل الحلق بكل واحد من ذلك، قالوا: ومحله ما إذا لم ينذر الحلق، فإن نذره تعيّن، ولم تقم هذه الأمور مقامه، وقد يقال: إن في ذلك استنباط معنى من النصّ يعود عليه بالإبطال، كما قالوا في قول الحنفية: يجوز إخراج القيمة في الزكاة؛ لأنها قد تكون أبلغ في سدّ خلة الفقير، فيحتاج إلى الفرق بين البابين، والمشهور عند المالكية أيضًا إجزاء الأخذ بالنورة، وقال أشهب: لا يجزئ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في كون النتف وما ذكر معه يقوم مقام الحلق نظر لا يخفى، كما أشار إليه وليّ الدين في آخر كلامه، فالظاهر أنه يتعيّن الحلق، إلا عند التعذّر، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(الثالثة): أنه رَتَّب ابن عبد البر ﵀ على ما ذكره من ورود هذا الحديث
стр. 14131
في الحديبية، كما تقدّم عنه أن المُحْصَر يجب عليه الحلق، أو التقصير كغيره، فإن سقوط بقية الأركان عنه إنما هو لعجزه عنها، وهو قادر على الحلق، فيبقى وجوبه، وقد حض النبيّ ﷺ أصحابه على ذلك، وبهذا قال مالك، وكذا الشافعيّ؛ بناء على أصح قوليه، وأشهرهما أن الحلق نسك، وحُكِي عن أبي يوسف، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: ليس عليه حلق، ولا تقصير. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأولون من وجوب الحلق أو التقصير على المحصر هو الحقّ؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(الرابعة): محل الحلق والتقصير شعر الرأس، دون بقية شعور البدن، واستَحَبّ مالك مع الحلق أن يأخذ من لحيته، وشاربه، وأظافره، وصحّ عن ابن عمر ﵄ فعلُ ذلك، رواه مالك، والشافعيّ، والبيهقيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أما الأخذ من اللحية فلا وجه له، ولا يكون فعل ابن عمر في ذلك حجة؛ لصحّة قوله ﷺ : "أعفوا اللحى"، فلا يعارض المرفوع بفعله، وأما الأخذ من الشارب، والأظافر، فسنّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(الخامسة): أنه يسقط الحلق والتقصير بفقد شعر الرأس، فإذا كان أصلع، أو محلوقًا، فلا شيء عليه، ولا فدية، ولكن يستحب إمرار الموسى على رأسه عند مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وأوجبه أبو حنيفة، وأنكره أبو بكر بن داود، وهو محجوج بالإجماع قبله، فقد حكى ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يُمِرّ الموسى على رأسه، قال الشافعيّ: ولو أخذ من شاربه، أو شعر لحيته شيئًا كان أحبّ إلي؛ ليكون قد وضع من شعره شيئًا لله تعالى، قال إمام الحرمين: ولست أرى لذلك وجهًا إلا أن يكون أسنده إلى أثر.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد إمام الحرمين ﵀ في هذا الاعتراض، فكيف تُقام السنة بأخذ شعر اللحية المنهيّ عنه، هيهات هيهات.
وقال المتولي: يستحب أن يأخذ من الشعور التي يؤمر بإزالتها للفطرة، كالشارب، والإبط، والعانة؛ لئلا يخلو نسكه عن حلق.
стр. 14132
قال أصحابنا: ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير، بخلاف ما لو كان برأسه شعر، وبه علة تمنع الحلق، فيصبر للإمكان، ولا يفتدي، ولا يسقط عنه الحلق. انتهى كلام وليّ الدين العراقيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٧] ( … ) - (أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ").
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في مقدّمة "شرح المقدّمة" أن إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، فاته من سماع هذا الكتاب من مسلم ثلاثة مواضع: أولها في "كتاب الحج"، وهذا موضعه، "باب تفضيل الحلق على التقصير" رقم (١٣٠١)(٢) حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلّقين" إلى ثمانية أوراق أو نحوها (٣)، "باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره" رقم (١٣٤٤) حديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا من سفر كبّر ثلاثًا … " وأن إبراهيم يقول من هنا: عن مسلم، ولا يقول: أخبرنا، كما يقول في باقي الكتاب، وأول هذا قول الجلوديّ هنا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم بن الحجّاج، قال:
стр. 14133
حدّثنا ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله … إلى آخره.
فقائل: "أخبرنا أبو إسحاق … إلخ" هو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ المتوفّى في ذي الحجة سنة (٣٦٨ هـ)، وتقدّمت ترجمته في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٦٣.
وأما أبو إسحاق، فهو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد صاحب الإمام مسلم، وراوي الكتاب هذا عنه المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ) وتقدّمت ترجمته أيضًا في "المقدّمة" ٦/ ٧٣، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الهمدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"عبيد الله" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن عبيد الله هذه لم أجد من ساقها
стр. 14134
بتمامها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٤٩] (١٣٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ فُضَيْلٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: "وَلِلْمُقَصِّرِينَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) مَحمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، أو عمرو، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
و"ابْنُ نُمَيْرٍ" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، ذكر في الباب، وشرح الحديث يُعلم من شرح حديث ابن عمر ﵄ الماضي.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم أر حديث أبي هريرة، من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عنه إلا من رواية محمد بن فضيل هذه، بهذا الإسناد، في جميع ما وقفت عليه من "السنن"، و"المسانيد"، فهي من أفراده عن عمارة، ومن أفراد عمارة عن أبي زرعة، وتابع أبا زرعة عليه عبدُ الرحمن بن يعقوب،
стр. 14135
أخرجه مسلم من رواية العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولم يَسُقْ لفظه، وساقه أبو عوانة، ورواية أبي زرعة أتمّ. انتهى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٤٩ و ٣١٥٠] (١٣٠٢)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٢٨)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ و ٤١١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه " (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٣٤ و ٢١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَن الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوق [١٠] (ت ١٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْحُ) بن عبادة القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضل له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و (١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
стр. 14136
و"أبو هريرة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية العلاء، عن أبيه هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٣١١) فقال:
(٣٢٤٤) - حدّثنا أبو أمية، نا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، عن رَوح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥١] (١٣٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّهَا سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً (١)، وَلَمْ يَقُلْ وَكِيعٌ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
٢ - (أبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
٤ - (يَحْيَى بْنُ الْحُصَيْنِ) الأحمسيّ البجليّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (جَدَّتُهُ) أم الحصين بنت إسحاق الأحمسيّة الصحابيّة ﵂، تقدّمت أيضًا قريبًا.
و"شيخه أبو بكر" ذُكر قبل حديث، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
стр. 14137
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث يحيى بن الحصين عن جدّته ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٥١] (١٣٠٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤١١٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٧٠ و ٥/ ٣٨١ و ٦/ ٤٠٢ و ٤٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٢) و (ابن راهويه) في "مسنده" (٥/ ٢٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٢] (١٣٠٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْني ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) -بتشديد الياء- المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أي: أمر الحالق
стр. 14138
-وهو معمر بن عبد الله العدويّ على الصحيح، كما تقدّم- أن يحلقه، لا أنه حلق بنفسه، كما بيّنته رواية أنس ﵁ الآتية في الباب التالي، وسيأتي أيضًا هناك كيفيّة حلقه ﷺ -إن شاء الله تعالى-.
وهذا الحديث طرف من حديث طويل، أوله: "لَمّا نزل الحجاج بابن الزبير … "، نبّه عليه الإسماعيلي، قاله في "الفتح" (١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٥٢] (١٣٠٤)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٢٦ و ١٧٢٩) و (المغازي) (٤٤١٠ و ٤٤١١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٨ - ١٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٣٠ و ٣٠٢٤)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٦٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٣٨١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ، ثُمَّ يَنْحَرَ، ثُمَّ يَحْلِقَ، وَالِابْتِدَاءِ فِي الْحَلْقِ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٣] (١٣٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى، وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: "خُذْ"، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْإَيمَنِ، ثُمَّ الْأيْسرَ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ).
стр. 14139
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (ت ٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من هشام، وحفص كوفيّ، ويحيى نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين منهم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْن مَالِك) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ) أي العقبة (فَرَمَاهَا، ثمَّ أَتَى مَنْزِلهُ بِمِنًى) فيه أنه يستحب إذا قَدِمَ منى أن لا يُعَرِّج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة الكبرى جمرة العقبة راكبًا كما هو، فيرميها، ثم يذهب، فينزل حيث شاء من منى (وَنَحَرَ) أي: هديه، وكان عدده مائة، وقد
стр. 14140
نحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًّا أن ينحر بقية المائة، وفيه استحباب نحر الهدي بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم؛ لقول رسول الله ﷺ : "نحرت ههنا، وكل منى منحر، فانحروا في رحالكم"، الحديث، رواه مسلم، وفي رواية أبي داود: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ". (ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ) قال النوويّ ﵀: اختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأس رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فالصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله الْعَدَويّ، وفي "صحيح البخاريّ" قال: زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقيل: اسمه خِرَاش بن أمية بن ربيعة الكُلَبِيُّ -بضم الكاف-: منسوب إلى كُليب بن حبشية، والله أعلم. انتهى (١).
("خُذْ") أي ابدأ بالحلق من ههنا (وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ) فيه أنه يستحب في حلق الرأس أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وإن كان على يسار الحالق، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر؛ لأنه على يمين الحالق، والحديث يرد عليه، قال الطيبيّ ﵀: دلّ الحديث على أن المستحب الابتداء بالأيمن -من رأس المحلوق- وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر. انتهى.
قال القاري ﵀: أي ليكون أيمن الحالق، ونُسب إلى أبي حنيفة إلا أنه رجع عن هذا، وسبب ذلك أنه قاس أولًا يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن، ولمّا بلغه أنه ﷺ اعتبر يمين المفعول رجع عن ذلك القول المبني على المعقول إلى صريح المنقول؛ إذ الحق بالاتباع أحق، ولو وقف الحالق خلف المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين -أي اجتمع الابتداء بيمين الحالق والمحلوق وارتفع الخلاف- وإذا تعذر الجمع فلا بد من ترجيح ما يدل عليه حديث أنس. انتهى (٢).
(ثُمَّ الْأَيْسَرِ) أي ثمّ أشار للحلّاق إلى جانبه الأيسر؛ ليحلقه (ثُمَّ جَعَلَ) ﷺ (يُعْطِيهِ النَّاسَ) وفي رواية ابن أبي شيبة التالية: "وأشار إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق، وإلى الجانب
стр. 14141
الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سُليم"، وفي رواية أبي كريب: "فبدأ بالشقّ الأيمن، فوزّعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة"، وفي رواية عبد الأعلى الآتية: فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر"، فقال: "أين أبو طلحة؟ "، فأعطاه إياه.
ورواية أبي عوانة في "صحيحه": "أن رسول الله ﷺ أمر الحلاق، فحَلَقَ رأسه، ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن، ثم حلق الشق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس".
قال الحافظ ﵀: ولا تناقض بين هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كُلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوزّعه أبو طلحة بأمره ﷺ ، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره أيضًا، زاد أحمد في رواية له: "لتجعلها في طيبها"، وعلى هذا فالضمير في قوله: "يقسمه" في رواية أبي عوانة يعود على الشق الأيمن، وكذا قوله في رواية الباب فقال: "اقسمه بين الناس". انتهى.
وقال المحب الطبري: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن على ما تضمنه حديث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر أبا طلحة، أو أم سليم على ما تضمنه أيضًا، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه لهما، فنُسبت العطية تارة إليه، وتارة إليها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٣/ ٣١٥٣ و ٣١٥٤ و ٣١٥٥ و ٣١٥٦] (١٣٠٥)،
стр. 14142
و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٧٠ و ١٧١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٨١ و ١٩٨٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩١٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١١ و ٢١٤ و ٢٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٢٩٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٣) و"المعرفة" (١/ ١٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان السنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة، ووصوله منى، وهي أربعة: رمي جمرة العقبة أوّلًا، ثم نحر الهدي، أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة، وطواف الإفاضة، وكلها ذُكرت في هذا الحديث، إلا طواف الإفاضة.
٢ - (ومنها): بيان أن السنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبةً كما ذكرنا؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدَّم مؤخرًا، أو أخّر مقدَّمًا جاز؛ لقوله ﷺ : "افْعَلْ ولا حرج"، وسيأتي الكلام على هذا في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): طهارة شعر الآدميّ، قال النوويّ ﵀: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء.
٤ - (ومنها): التبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه للتبرك، وهو خاصّ به ﷺ ، وأما غيره ﷺ فلا يُشرع التبرّك بشيء من أجزائه؛ لأنه لم يُنقل عنه ﷺ أنه أجازه في غيره، ولا عمله الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وكذا فضل الخلفاء الراشدين ﵃، ومع ذلك فلم يتبرّكوا بأجزائهم، فليُتنبّه، فإن هذه مغلطة خطيرة يقع فيها كثير من الناس جهلًا، أو تجاهلًا، والله تعالى المستعان.
٥ - (ومنها): ما قال الزرقانيّ ﵀: وإنما قسم ﷺ شعره في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بينهم، وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل،
стр. 14143
وخَصّ أبا طلحة ﵁ بالقسمة؛ التفاتًا إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره ﷺ ، ولحد له، وبنى فيه اللبن. انتهى.
٦ - (ومنها): مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه، فيما يفرّقه عليهم من عطاء وهدية.
٧ - (ومنها): أن المواساة لا تستلزم المساواة، حيث إنه ﷺ أعطى أبا طلحة وزوجه شعر شقّه، ووزّع على سائر الناس مع كثرتهم شعر شقّه الآخر.
٨ - (ومنها): أن فيه تفضيل من يتولى التفرقة على غيره بالزيادة في العطيّة.
٩ - (ومنها): أن حلق الرأس أفضل من التقصير؛ اقتداءً بفعله ﷺ ، ولقوله: "اللهم ارحم المحلّقين ثلاثًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أمَّا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: لِلْحَلَّاقِ هَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، هَكَذَا، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ، وَإِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أمّ سُلَيْمٍ، وَأمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ قَالَ: فَبَدَأَ بِالشَّقِّ الْأَيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالْأَيْسَرِ، فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ " فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير.
وقوله: (لِلْحَلَّاقِ هَا) هكذا في رواية مسلم "ها"، وفي رواية أبي يعلى الآتية: "وقال للحلاق: هنا"، وهو اسم إشارة للمكان، أي: ابدأ من هنا، يعني الجانب الأيمن، وأما "ها" في رواية المصنّف، فهي اسم فعل أمر بمعنى
стр. 14144
"خذ"، أي خُذ، وابدأ من هذا الجانب، قيل: الصواب مدّها، وفتحها، كما في حديث: "إلا هاء وهاء" في الربا، قال في "النهاية": قال ابن الأثير: أصحاب الحديث يرونه "ها وها" ساكنة الألف، والصواب مدّها، وفتحها؛ لأن أصلها "هاكَ"، أي خذ، فحُذفت الكاف، وعُوّض منها المدّة والهمزة، يقال للواحد: هاءَ، وللاثنين: هاؤما، وللجمع: هاؤمُ، وغيرُ الخطّابيّ يُجيز فيها السكون على حذف العوض، فتَتَنَزّل منزلة "ها" التي للتنبيه، وفيها لغات أخرى. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح الحديث المذكور في "الربا" -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ) أي فرّق الشعر المحلوق بين الناس، وقسمه فيهم، كما قبله: "فقسم شعره بين من يليه"، فقوله: "الشعرة والشعرتين" بالنصب على البدليّة من الضمير المفعول في قوله: "فوزّعه".
وقوله: ("هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ ") استفهام بتقدير أداته، أي أههنا أبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، زوج أم سليم، شهد بدرًا وما بعدها، ومات سنة (٣٤ هـ) وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠.
وكان له ﷺ بأبي طلحة وأهل بيته مزيد خصوصيّة ومحبّة ليست لغيرهم من الأنصار، وكثير من المهاجرين الأبرار ﵃، وهو الذي حفر قبره الشريف، ولحد له، وبنى فيه اللبِنَ، وخصّه بدفن ابنته أم كلثوم، وزوجها عثمان بن عفان ﵄ حاضر، قاله القاري ﵀ (٢).
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (٥/ ٢٢٧) فقال:
(٢٨٤٠) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص، عن هشام، عن محمد، قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار، والحلاقُ جالسٌ، فأمر بالبُدْن فنُحِرت، وقال للحلاق: "هنا"، وأشار بيده إلى جانب الأيمن، قال: فقسم
стр. 14145
شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق إلى جانبه الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سليم. انتهى.
وأما رواية أبي كريب، عن حفص، فقد ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٦٩١) - حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا حفص، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْح فذبح، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: "ها هنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ، فَنَحَرَهَا، وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ (١)، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "احْلِق الشِّقَّ الْآخَرَ"، فَقَالَ: "أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ) المراد بالحجّام هو: الحالق المذكور في الروايات الأخرى.