← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14211–14250 · переход к 14216.

стр. 14211

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يوم الخميس المبارك العاشر من شهر جمادى الأولى ١٠/ ٥/ ١٤٢٩ هـ أول الجزء الرابع والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى. (٥٧) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنًى لأَهْلِ السِّقَايَةِ) (١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٨] (١٣١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) الثانيّ هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، وابن نمير "الأول" هو: عبد الله بن نمير، والثاني: ولده محمد بن عبد الله بن نُمير. [تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ)

стр. 14212

قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا، أو كلها، ووقع في بعض نسخ المغاربة: "وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زهير، وأبو أسامة"، فجعل زهيرًا بدل ابن نمير، قال أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ، والقاضي: وقع في رواية ابن ماهان، عن ابن سفيان، عن مسلم، قال. ووقع في رواية أبي أحمد الْجُلُوديّ، عن ابن سفيان، عن زهير. قالا: وهذا وَهَمٌ، والصواب ابن نمير، قالا: وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبه في "مسنده"، قال الجيّانيّ: ورواه الكسائيّ عن إبراهيم بن سفيان كما رواه ابن ماهان على الصواب. انتهى (١). وقال النوويّ: وإنما ذكر خلف الواسطيّ في كتابه "الأطراف": حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن نمير، وأبو أسامة، ولم يذكر زهيرًا. انتهى. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عمّ النبيّ ﷺ المتوفّى سنة (٣٢) تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. (اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى) المراد بها ليلة الحادي عشر واللتين بعده (مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) قال القاري ﵀: أي التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمرم المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر؛ للخلق الكثير، وهي الآن بِركة، وكانت حياضًا في يدي قُصَيّ، ثم منه لابنه عبد مناف، ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب، ثم منه لابنه العباس، ثم منه لابنه عبد الله، ثم منه لابنه عليّ، وهكذا إلى الآن، لكن لهم نُوّاب يقومون بها، قالوا: وهي لآل عباس أبدًا. انتهى. وروى الفاكهي بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يَحْمِل الماء في الروايا والقِرَب إلى مكة، ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب، فلما حَفَر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، قال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة، والسقاية، واللواء،

стр. 14213

والرِّفادة، ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية، والرفادة، والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًّا، فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهي بيده، فأقرّها رسول الله ﷺ معه فهي اليوم إلى بني العباس. ورَوَى الفاكهيّ من طريق الشعبيّ قال: تكلم العباس، وعليّ، وشيبة بن عثمان في السقاية، والحجابة، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ١٩ - ٢٤]، قال: حتى تفتح مكة. ومن طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن العباس لما مات أراد علئ أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم عليها، وأن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فَكَفّ عليّ عن السقاية. ومن طريق ابن جريج قال: قال العباس: يا رسول الله لو جمعت لنا الحجابة، والسقاية؟ فقال: "إنما أعطيتكم ما تُرْزءون، ولم أعطكم ما تَرزُءون"، الأول بضم أوله، وسكون الراء، وفتح الزاي، والثاني بفتح أوله، وضم الزاي: أي أعطيتكم ما ينقصكم، لا ما تنقصون به الناس. وروى الطبرانيّ، والفاكهيّ حديث السائب المخزوميّ، أنه كان يقول: اشربوا من سقاية العباس، فإنه من السنة، كذا في "الفتح" (١). وقال الطبريّ: قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياضًا من أَدَمٍ توضع على عهد قُصَيّ بفناء الكعبة، وششقي فيها الماء للحاج، وأصل الرفادة خَرْجًا كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قُصي يصنع به طعامًا للحاج يأكله من ليس له سعة، وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشم، ثم أخوه المطلب، ثم عبد المطلب، ثم قام به العباس. انتهى (٢). (فَأَذِنَ لَهُ) أي: أذن النبيّ ﷺ للعبّاس أن يبيت تلك الليالي بمكة، ويترك المبيت بمنى، وفي رواية: رَخَّص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، والمراد بأيام منى لياليها، كما وقع في رواية البخاري، وهي ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر.

стр. 14214

والحديث دليل على مشروعية المبيت في منى ليالي أيام التشريق، وعلى جواز التخلف عن المبيت فيه لأجل السقاية. واتفق العلماء على ذلك، ثم اختلفوا هل المبيت فيه واجب أو سنة؟ وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ٣١٧٨ و ٣١٧٩] (١٣١٥)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٣٤ و ١٧٤٣ و ١٧٤٤ و ١٧٤٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٩ و ٢٢ و ٢٨ و ٨٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٥٣) و"الصغرى" (٤/ ٣٢١) و"المعرفة" (٤/ ١٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية، ويُلحق بهم غيرهم من أهل الأعذار. ٢ - (ومنها): بيان أن المبيت بمنى ليالي التشريق مأمور به، وهذا متّفقٌ عليه، لكن اختلفوا في وجوبه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد، أو ما في معناها، لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه استئذانَ الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح

стр. 14215

والأحكام، وأنه ينبغي لمن استؤمر أن يبادر إلى الإذن عند ظهور المصلحة (١). ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: في هذا الحديث من الفقه ما يدلّ على أن سقاية الحاجّ ولاية ثابتةٌ لولد العبّاس، لا يُنازعون فيها، وقال بعض أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العبّاس، وأنه لا ينبغي أن يُنازعوا فيها، وأن ذلك يدوم لهم. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بمنى ليالي التشريق: ذهب مالك ﵀، وأصحابه إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها، أو جُلّ ليلة، وهو خارج عن منى لزمه دم؛ لأثر ابن عباس ﵄: "من نَسِي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا"، أخرجه البيهقيّ، وروى مالك في "الموطإ" عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا يَبِيتَنّ أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه؛ لأنه ﷺ بات بمنى، وعمر كان يؤدِّب على ترك المقام بها، ولو بات بغيرها متعمدًا لم يلزمه شيءٌ عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يَسْهُل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من الواجبات عندهم. وللشافعيّ ﵀ في هذه المسألة قولان: أصحهما، وأشهرهما، وأظهرهما أنه واجب، والثاني أنه سنة، فعلى القول بأنه واجب فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنة فالدم سنة في تركه، ولا يبزم عندهم الدم إلا في ترك المبيت في الليالي كلها؛ لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم، أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مُدًّا والثاني أن فيه درهمًا، والثالث أن فيه ثلث دم، وحكم الليلتين معلوم، والمعتبر في المبيت عندهم الكون بمنى

стр. 14216

معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقًا والاستيعاب غير واجب اتفاقًا، فأقيم المعظم مقام الكل، ولا فرق بين أول الليل وآخره، وفي قولٍ أن المعتبر الكون بمنى عند طلوع الفجر، ومن حضر بها قبله فقد أدى واجب المبيت. وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشيء، وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال: قيل: مُدّ، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم. وقال الحافظ ﵀: في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي، أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول للشافعيّ، وورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية أنه سنة، ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل. انتهى، وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. وقال الحافظ ﵀: وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس، أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية، فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس، حتى لو عُملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عمّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء، أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء خاصة. قال الزرقانيّ ﵀: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه مالك، وأصحاب السنن الأربع عن عاصم بن عدي: أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى.

стр. 14217

قال الحافظ: وهو قول أحمد، واختاره ابن المنذر أعني الاختصاص بأهل السقاية، ورعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب "المغني" حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره، وعن ابن عباس قال: لم يرخص النبيّ ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته، رواه ابن ماجه. انتهى، وقال أيضًا: يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى، ويؤخرون رمي اليوم الأول، ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعًا لما عليهم من المشقة في المبيت، والإقامة للرمي؛ لحديث أبي البَدّاح بن عاصم بن عدي، عن أبيه قال: رخّص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما، رواه مالك، والترمذيّ، والنسائيّ، قال الترمذيّ: هذا حديث صحيح، وهو صحيح كما قال. وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج لحديث ابن عمر الذي نحن في شرحه، إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلًا ونهارًا فافترقا، وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعيّنت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء، كالمرضى، ومن له مال يَخاف ضياعه ونحوهم، كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبيّ ﷺ رخص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، أو نقول: نصّ عليه لمعنى وُجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أظهر الأقوال عندي -كما قال صاحب "المرعاة"- أن المبيت بمنى أيامَ منى نُسُك من مناسك الحجّ يدخل في قول ابن عباس ﵁: "من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا" (١)، والدليل على ذلك ثلاثة أمور:

стр. 14218

[الأول]: أن النبيّ ﷺ بات بها الليالي المذكورة، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة.

стр. 14219

[الثاني]: حديث ابن عمر ﵄ في الترخيص للعباس الذي نحن في شرحه. [الأمر الثالث]: هو ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى، ويرسل رجالًا يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم. والحاصل أن المبيت بمنى ليالي التشريق واجب؛ لهذه الأدلّة المذكورة، وهذا لمن لا عُذر له، وأما أصحاب الأعذار، كأهل السقاية، والرعاة، وغيرهم ممن له عذر يمنعه المبيت بها، فيُرخّص له؛ لحديث الباب في أهل السقاية، وإلحاقًا لغيرهم بهم، كما هو مذهب الجمهور، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، وابن جريج كلاهما، عن عبيد الله هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال: (١٧٤٣) - حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: رَخَّص النبيّ ﷺ (ح) حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ أَذِن (ح) وحدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر ﵁: أن العباس ﵁ استأذن النبيّ ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14220

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٨) - (بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَايَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا، وَاسْتِحْبَابِ الشُّرْبِ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٠] (١٣١٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ، أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ، أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ (١)، وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: "أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا"، فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ) أبو عبد الله، أو أبو جعفر التميميّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.

стр. 14221

٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (خت م ٤) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٢. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ) -بضمّ الميم، وفتح الزاي-: نسبة إلى مزينة، بحذف ياء التصغير، كما قال في "الخلاصة": وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِيلَةَ الْتُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ قال في "اللباب: هذه النسبة لولد عثمان وأوس ابني عَمرو بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، نُسبوا إلى مُزَينة بنت كلب بن وبرة، أم عثمان وأوس، وهم قبيلة كبيرة. انتهى (١). (قَالَ) بكر بن عبد الله ﵀ (كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ) أي رجل ساكن البادية، قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (٢). (فَقَالَ) ذلك الأعرابيّ (مَا لِي) "ما" استفهاميّة، أي أيُّ شيء ثبت لي؟، وقوله: (أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ) جملة في محل نصب على الحال، أي حال

стр. 14222

كوني رائيًا بني عمّكم، أراد غير بني العبّاس من سائر قريش، وهذا يدلّ على أن السقاية المختصّة ببني العبّاس هي سقاية النبيذ (يَسْقُونَ الْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ) هو ما يُعمل من الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والزبيب: إذا تركت عليه الماء حتى يشتدّ، قال النوويّ: بحيث يَطيب طعمه، ولا يكون مسكرًا، فأما إذا طال زمنه، وصار مسكرًا، فهو حرام. انتهى. (أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ) أي أهذا من أجل فقركم، وعدم وجود العسل، واللبن عندكم (أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟) أي أم تفعلون هذا مع وجود ذلك؛ لأجل بخلكم؟ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي على ما أنعم علينا من نعمه الجسام (مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ) "ما" نافية، و"من" زائدة، كما قال في "الخلاصة": وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ" وفي بعض النسخ: "ما بنا حاجةٌ" بحذف "من". (وَلَا بُخْلٍ) بالجرّ عطفًا على "حاجة"، ويجوز رفعه عطفًا على المحلّ؛ لكون الجارّ زائدًا، كما بيّنته آنفًا، أي ليس بنا فقر، ولا بخلٌ، وإنما نفعل هذا؛ تمسّكًا بما تلقّيناه من النبيّ ﷺ ، كما بيّنه بقوله: (قَدِمَ) بكسر الدال (النَّبِيُّ ﷺ ) أي جاء من منى إلى الكعبة، وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه راكبًا على راحلته (وَخَلْفَهُ أسَامَةُ) بن زيد حبّ رسول الله ﷺ ، وابن حبّه، مات سنة (٥٤ هـ) تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤. (فَاسْتَسْقَى) أي طلب السُّقيا (فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ) وأخرج البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فأْتِ رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: "اسقني"، قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: "اسقني"، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون، ويعملون فيها، فقال: "اعملوا، فإنكم على عمل صالح"، ثم قال:

стр. 14223

"لولا أن تُغْلَبوا (١) لنزلت حتى أضع الحبل على هذه"، يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه. وفي رواية الطبرانيّ، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، في هذا الحديث: أن العباس قال له: إن هذا قد مُرِث، أفلا أسقيك من بيوتنا؟ قال: "لا، ولكن اسقني مما يشرب منه الناس". (فَشَرِبَ) وفي رواية الطبرانيّ المذكورة: "فأُتي به، فذاقه، فقطّب، ثم دعا بماء، فكسره". قال: وتقطيبه إنما كان لحموضته، وكسره بالماء؛ ليهون علميه شربه، قال في "الفتح": وعُرف بهذا جنس المطلوب شربه إذ ذاك. انتهى (٢). (وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ) ﵁ (وَقَالَ) ﷺ ("أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ) أي فعلتم الحسن الجميل (كَذَا) أي مثل هذا الصنيع، وهو سقي النبيذ (فَاصْنَعُوا") أمرهم ﷺ بأن يثبتوا على سقي النبيذ، فامتثلوا أمره، فلذا قال ابن عبّاس ﵄ (فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) المعنى: أننا لا نغيّر سقاء النبيذ إلى سقاء غيره من العسل، واللبن، وإن كان ذلك أولى عند الناس؛ لأننا لا نغيّر شيئًا أمرنا به ﷺ ؛ إذ هو الأولى لنا، واللائق بنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14224

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨/ ٣١٨٠] (١٣١٦)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٦٩ و ٣٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١٣٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٤٧) و"المعرفة" (٤/ ١٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): بيان فضل القيام بالسقاية. ٢ - (ومنها): استحباب شرب الحاجّ وغيره من نبيذ سقاية العبّاس ﵁. ٣ - (ومنها): استحباب الثناء على أصحاب السقاية، وكلّ صانع جميل. ٤ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على جواز صدقة آل البيت بعضهم على بعض، وتُعُقّب بأن هذا ليس بصدقة، وإنما هو ضيافة. ٥ - (ومنها): أن ما وُضع من الماء في المساجد والطرُق يجوز أن يشرب منه الغنيّ؛ لأنه وُضع للكافّة، لا للفقراء، قال مالك: ولم يزل ذلك من أمر الناس (٢). ٦ - (ومنها): أنه لا ينبغي التقذّر عن شُرب الماء المسبّل؛ لوضع الناس أيديهم فيه، فقد شرب النبيّ ﷺ من هذه السقاية؛ لما تقدّم من رواية البخاريّ: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العبّاس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: "اسقني"، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: "اسقني"، فشرب منه … " الحديث.

стр. 14225

٧ - (ومنها): ما قال في "الفتح": استُدِلّ بهذا الحديث على أن سقاية الحاجّ خاصة ببني العباس، قال ابن بزيزة: أراد بقوله: "لولا أن تُغْلَبوا إلخ" قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها. انتهى. وأما الرخصة في المبيت، ففيها أقوال للعلماء، هي أوجه للشافعية: أصحها لا يختص بهم، ولا بسقايتهم، قال: واستَدَلَّ به الخطابيّ على أن أفعاله ﷺ للوجوب، وفيه نظر. انتهى (١). ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الذي أُرصِد للمصالح العامة لا يحرم على النبيّ ﷺ ، ولا على آله تناوله؛ لأن العباس أَرْصَد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها النبيّ ﷺ ، قال ابن المنير في "الحاشية": يُحْمَل الأمرُ في مثل هذا على أنها مُرْصَدةٌ للنفع العام، فتكون للغنيّ في معنى الهديّة، وللفقير صدقة. ٩ - (ومنها): أنه لا يكره طلب السقي من الغير، ولا رَدّ ما يُعْرَض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه؛ لأن رده ﷺ لَمّا عَرَض عليه العباس مما يُؤتى به من بيته؛ لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس. ١٠ - (ومنها): الترغيب في سقي الماء خصوصًا ماء زمزم. ١١ - (ومنها): تواضع النبيّ ﷺ ، وحرص أصحابه على الاقتداء به، وكراهة التقذّر، والتكرّه للمأكولات والمشروبات. ١٢ - (ومنها): أن الأصل في الأشياء الطهارة؛ لتناوله النبيّ ﷺ من الشراب الذي غُمِست فيه الأيدي (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 14226

(٥٩) - (بَابٌ في الصَّدَقَةِ بِلُحُومِ الْهَدْيِ، وَجُلُودِهَا، وَجِلَالِهَا، وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨١] (١٣١٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أقومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الْجَزَريّ، أبو سعيد الأمويّ مولاهم، الْخِضْرميّ (١)، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥ (٢)] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الصيام" ١٥/ ٢٦٠٩. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣ (٣)] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد، استُشهِد ﵁ في رمضان سنة (٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.

стр. 14227

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون، سوى شيخه، فنيسابوريّ، ومجاهد، فمكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵂، وأول من أسلم من الصبيان، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنة، ومات يوم مات وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) سيأتي في الرواية الرابعة من طريق الحسن بن مسلم: أن مجاهدًا أخبره، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخبره، أن عليّ بن أبي طالب أخبره، فوقع التصريح بالإخبار (عَنْ عَلِيٍّ) ﵁ أنه (قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ) بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: جمع بدنة بفتحتين، قال الفيّوميّ ﵀: البدنة: جمعها بدنات، مثلُ قَصَبة وقَصَبَات، وبُدُنٌ أيضًا بضمّتين، وإسكانُ الدال تخفيفٌ، وأن البُدُن جمع بَدِينٍ تقديرًا، مثلُ نذير ونُذُرٍ. قال: والبدنة: قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية، سُمِّيت بذلك؛ لعظم بدنها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة، وهو قوله ﷺ : "تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرَّق الحديث بينهما بالعطف؛ إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطْلَق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول الله ﷺ في الحج والعمرة سبعةٌ منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟

стр. 14228

فقال: ما هي إلا من البُدُن، والمعنى في الحكم؛ إذ لو كانت البقرة من جنس البدن، لَمَا جَهِلها أهل اللسان، ولَفُهِمت عند الإطلاق أيضًا. وقال أيضًا: قالوا: وإذا أُطلقت البَدَنة في الفروع، فالمراد البعير ذكرًا كان أو أنثى. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١). وقال المجد ﵀: البدَنَةُ محرَّكةً من الإبل، والبقر، كالأضحيّة من الغنم تُهدى إلى مكة، للذكر والأنثى، جمعه ككُتُب. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀: البدَنَةُ تقع على الجمل، والناقة، والبقرة، وهي بالإبل أشبه. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما أسلفته من أقوال أهل اللغة أن البدنة هي الإبل، والبقر، فلا تُطلق على الغنم، فقول النوويّ في "شرحه": وتُطْلَق على الإبل، والبقر، والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ففيه نظر لا يخفى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ) أي التي أرصدها للهدي، والمراد أنه يقوم عند نحرها للاحتفاظ بها، وَيحْتَمِل أن يريد ما هو أعمّ من ذلك، أي على مصالحها، في عَلْفها، ورَعْيها، وسَقْيها، وغير ذلك. ولم يقع في هذه الرواية عدد البُدن، ووقع في رواية البخاريّ من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: "سمعت مجاهدًا، يقول: حدّثني ابن أبي ليلى أن عليًّا ﵁ حدّثه قال: أهدى النبيّ ﷺ مائة بدنة … " الحديث، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: نَحَرَ النبيّ ﷺ ثلاثين بدنةً، وأمرني، فنحرت سائرها. وأصح منه ما تقدّم عند مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه: "ثم انصرف النبيّ ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنةً، ثم أعطى عليًّا، فنَحَر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بَدَنة ببَضْعَة، فجُعِلت في قِدْر، فطُبِخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها"، فعُرِف بذلك أن البُدن كانت مائة بدنة، وأن النبيّ ﷺ نحر منها ثلاثًا وستين،

стр. 14229

ونحر عليّ ﵁ الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه ﷺ نَحَر ثلاثين، ثم أَمَرَ عليًّا أن ينحر، فنَحَرَ سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نَحَر النبيّ ﷺ ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع، وإلا فما في "الصحيح"، أصحّ، أفاده في "الفتح" (١). (وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا) بفتح الهمزة، وكسر الجيم، هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية بلفظ: "جِلالها"، وهو الموافق لما في كتب اللغة، ففي "القاموس": "الجلّ بالضمّ، والفتح: ما تُلبَسُهُ الدابّة لِتُصان به، وقد جلّلتها، وجلَلْتُها، جمعه جِلالٌ، وأَجْلالٌ. انتهى (٢). وفي "المصباح": وجُلُّ الدابّة: كثوب الإنسان يَلبسه يَقِيه البردَ، والجمع جِلالٌ، وأَجْلالٌ. انتهى (٣). ولعله -كما قال بعضهم-: جمع جِلال، الذي هو جمع جُلّ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ: "أن النبيّ ﷺ أمره أن يقوم على بُدنه، وأن يقسم بُدنه كلّها، لحومها، وجلودها، وجِلالها"، زاد ابن خزيمة: "على المساكين"، قال ابن خزيمة: المراد بقوله: "يَقسمها كلها على المساكين" أي إلا ما أَمَر به من كل بدنة بِبَضْعة، فطُبِخت كما في حديث جابر -يعني الطويل الذي تقدّم عند مسلم (٤). (وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا) أي وأمرني بعدم إعطاء أجرة الجزّار منها. وفي الرواية الآتية: "ولا يُعطيَ في جِزارتها منها شيئًا"، وفي رواية البخاريّ: "ولا أُعطي عليها شيئًا في جِزارتها"، وفي لفظ: "ولا يعطي في جزارتها شيئًا"، قال في "الفتح": ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا، كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد، بل بَيَّن النسائيّ في روايته، من طريق شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج، أن المراد منع عطية الجزار من الهدي

стр. 14230

عوضًا عن أجرته، ولفظه: "ولا يُعطِي في جزارتها منها شيئًا". وقال ابن خزيمة ﵀: النهي عن إعطاء الجزار: المراد به أن لا يُعْطَى منها عن أجرته، وكذا قال البغويّ في "شرح السنة"، قال: وأما إذا أُعطي أجرته كاملة، ثم تُصُدّق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع؛ لكونه معاوضةً، وأما إعطاؤه صدقة، أو هدية، أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يُفْهَم منه منع الصدقة؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبيّ: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصريّ، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير. انتهى (١). واختُلِف في الْجزارة، فقال ابن التين: الجزارة بالكسر اسم للفعل، وبالضم اسم للسواقط، فعلى هذا فينبغي أن يقرأ بالكسر، وبه صحّت الرواية، فإن صحت بالضم جاز أن يكون المراد: لا يعطى من بعض الجزور أجرة الجزار. وقال ابن الجوزيّ، وتبعه المحبّ الطبريّ: الجزارة بالضم اسم لما يُعْطَى، كالْعُمَالة وزنًا ومعنًى، وقيل: هو بالكسر كالحجامة، والخياطة، وجَوَّز غيره الفتح. وقال ابن الأثير: الجزارة بالضم، كالعمالة: ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس، واليدان، والرجلان، سُمِّيت بذلك؛ لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته. انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ ("نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا") أي نعطي الجزّار أجرته مما لدينا من المال، غير الجزور. قال القرطبيّ ﵀: هذا مبالغة في سدّ الذريعة، وتحقيق للجهة التي تجب

стр. 14231

عليها أجرة الجازر؛ لأنه لما كان الهدي منفعته له تعينت أجرة الذي تتم به تلك المنفعة عليه. وقال أبو بكر الجصّاص ﵀ في "أحكامه": ولما منع النبيّ ﷺ أن يعطى الجازر من الهدي شيئًا في جزارتها، وقال: إنا نعطيه من عندنا، دلّ ذلك على معنيين: أحدهما: أن المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه الأجرة؛ لأن في بعض ألفاظ حديث عليّ ﵁: "وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها"، وفي بعضها: "أن لا أعطيه في جزارتها منها شيئًا"، فدل على أنه جائز أن يُعْطَى الجازر من غير أجرته، كما يُعْطَى سائر الناس، وفيه دليل على جواز الإجارة على نحر البدن؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "نحن نعطيه من عندنا"، وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل معلوم، قال: وأجاز أصحابنا -يعني الحنفيّة- الإجارة على ذبح شاة، ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل رجل بقصاص، والفرق بينهما أن الذبح عمل معلوم، والقتل مبهم، غير معلوم، ولا يُدرى أيقتله بضربة، أو ضربتين، أو أكثر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩/ ٣١٨١ و ٣١٨٢ و ٣١٨٣ و ٣١٨٤ و ٣١٨٥] (١٣١٧)، و (البخاريّ) في "الحجّ " (١٧٠٧ و ١٧١٦ و ١٧١٧ و ١٧١٨) و"الوكالة" (٢٢٩٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢١٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٧٩ و ١٢٣ و ١٣٢ و ١٤٣ و ١٥٤ و ١٥٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩١٩ و ٢٩٢٠ و ٢٩٢٢ و ٢٩٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٤ و ٣١٥)، و (أبو نعيم) في

стр. 14232

"مستخرجه" (٣/ ٣٩١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٢٩)، و (البزّار) في "مسنده" (٢/ ٢١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٥٥ و ٤٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤١ و ٩/ ٢٩٤) و"الصغرى" (٤/ ٤٤٦) و"المعرفة" (٤/ ٢٦٤ و ٧/ ٢٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب سوق الهَدْي. ٢ - (ومنها) بيان جواز النيابة في نحره، والقيامِ عليه، وتفرقته. ٣ - (ومنها): بيان أنه يتصدق بلحومها، وجلودها، وجلالها. ٤ - (ومنها): بيان أنها تُجَلَّل، واستحبوا أن يكون جُلًّا حسنًا، قال القاضي عياض ﵀: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختصّ بالإبل، وهو مما اشتَهَر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالكٌ، والشافعيّ، وأبو ثور، وإسحاق، قالوا: ويكون بعد الإشعار؛ لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يُجَلِّل بالوشي، وبعضهم بالْحِبَرة، وبعضهم بالقباطيّ. انتهى (١). ٥ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز أن يُعْطَى الجزّار منها؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وذلك لا يجوز. ٦ - (ومنها): بيان جواز الاستئجار على النحر، ونحوه. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على منع بيع الجلد، قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن جلود الهدي، وجلالها لا تباع؛ لعطفها على اللحم، وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع، فكذلك الجلود، والجلال، وأجازه الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويُصْرَف ثمنه مَصْرِف الأضحية، واستَدَلَّ أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه. قال الحافظ ﵀: وأقوى من ذلك في رد قوله ما أخرجه أحمد، من

стр. 14233

حديث قتادة بن النعمان ﵁ مرفوعًا: "ولا تبيعوا لحوم الهدي، والأضاحيّ، وتصدّقُوا، وكلوا، واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوا، وإن أُطْعِمتم من لحومها، فكلوا إن شئتم" (١). انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدي، ولا الأضحية، ولا شيء من أجزائهما، لا بما يُنتفع به في البيت، ولا بغيره، سواء كانا تطوعًا، أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا بسبب جزارته، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء، والنخعيّ، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى ابن المنذر عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، قال: ورَخّص في بيعه أبو ثور، وقال النخعيّ، والأوزاعيّ: لا بأس أن يشتري به الْغِربال، والْمُنْخُل، والفأس، والميزان، ونحوها، وقال الحسن البصريّ: يجوز أن يعطى الجزار جلدها، وهذا منابذ للسنة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. والباقون تقدّموا في الباب والبابين قبله. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن عبد الكريم هذه ساقها أبو داود في "سننه"، فقال:

стр. 14234

(١٥٠٦) - حدّثنا عمرو بن عون، أخبرنا سفيان -يعني ابن عيينة- عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه، وأَقسم جلودها، وجِلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكئالب قال: [٣١٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا (١) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ في حَدِيثِهِمَا أَجْرُ الْجَازِرِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربمًا دلّس [٦] تقدم في "الجنائز" ٦/ ٢١٣٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة. وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه، وليس هذا تعليقًا، بل هو موصول، وقد خالف فيه عادته، فهانه يقول في شيوخه: "حدّثنا"، أو "أخبرنا"، والتعبير بـ "قال فلان" يستعملها بعضهم في المنقطع، وراجع تفصيل

стр. 14235

المسألة في شرحي (١) على "ألفيّة الحديث" للسيوطيّ ﵀ عند قوله: وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِـ "قَالَا" … فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالَا وقوله: (كِلَاهُمَا عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) ضمير التثنية لسفيان بن عيينة، وهشام الدستوائيّ. [تنبيه]: رواية سفيان، عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" ٢/ ٤٥٦ فقال: (٤١٤٧) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأ سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه، وأمرني أن أَقْسِم جلودها، وجلالها. انتهى. وأخرجه الحميديّ في "مسنده" ١/ ٢٤، وزاد في آخره: قال الحميديّ: قال سفيان: لم يزدني ابن أبي نَجيح على هذا، فأما عبد الكريم، فحدّثنا أتمّ من هذا (٢). انتهى. وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن ابن أبي نَجِيح، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُوَمَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا في الْمَسَاكِينِ، وَلَا يُعْطيَ فِي جِزَارَتهَا مِنْهَا شَيْئًا).

стр. 14236

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ) هو: محمد بن محمد بن مرزوق بن بكير بن البهلول الباهليّ، أبو عبد الله البصريّ، ابن بنت مَهْديّ بن ميمون، نُسب لجدّه، صدوقٌ له أوهام [١١]. رَوَى عن أبي عامر العَقَديّ، وسالم بن نوح، ورَوح بن عُبادة، ومحمد بن بَكر الْبُرْسانيّ، وحاتم بن ميمون، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وحرب بن إسماعيل الكرمانيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وعبدان الأهوازيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه الخطيب، وأورد له ابن عديّ حديثه عن الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثُمامة، عن أنس، مرفوعًا: "ليس الخبر كالمعاينة"، وعن الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إذا أكل ناسيًا في رمضان، فلا قضاء عليه، ولا كفارة"، قال ابن عديّ: لم أر له أنكر منهما، وهو لَيِّنٌ، وأبوه ثقة. قال ابن حبّان، وابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط (١)، برقم (١٣١٧)، و (٢١٦٠)، و (٢٧٥٦)، و (٢٩٢٠). ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ) بن يَنّاق المكيّ، ثقةٌ [٥] مات قديمًا بعد المائة بقليل (خ م د س ق) تقدم في "صلاة العيدين" ١/ ٢٠٤٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا إلخ) قال القرطبيّ ﵀: وأمره ﷺ بالتصدق بلحوم البدن، وجلودها، وأجلتها؛ دليل: على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع؛ لأنه عطفها على اللحم، وحكم لها بحكمه، وقد اتفق على

стр. 14237

أن لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابن عمر ﵄ يكسو جلالها الكعبة، فلما كُسيت الكعبة تصدق بها؛ أخذًا منه بهذا الحديث. انتهى (١). وقوله: (وَجِلَالَهَا) بكسر الجيم، جمع جُلّ بضم الجيم، وفتحها، قال القرطبيّ ﵀: وفيه دليل على تجليل البدن، وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما، وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال، وهي على قدر سعة الهدي؛ لأنها تطوع غير لازم، ولا محدود، قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوشي، ومنهم من يُجلِّل الْحِبَر، والقباطي، والملاحف، والأُزُر، وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين، وقال مالك: وتُشَقّ على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن؛ لئلا تسقط، وما علمتُ من تركَ ذلك إلا ابن عمر استبقاءً للثياب؛ لأنه كان يُجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر، قال مالك: أما الجِلال فتنزع؛ لئلا يخرقها الشوك، قال: وأحب إليّ إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقُّها، ولا يجللها حتى تغدو من عرفات، ولو كانت بالثمن اليسير فتُشَقّ من حيث يُحْرم، وهذا في الإبل، والبقر دون الغنم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقوله: (وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتهَا مِنْهَا شَيْئًا) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها؛ لأن الجزار إذا عمل عمله استحقّ الأجرة على عمله، فإن دُفع له شيء منها كان ذلك عوضًا على فعله، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها، وهي الجزر، والجمهور على أنه لا يعطي الجازر منها شيئًا، تمسُّكًا بالحديث، وكان الحسن البصريّ، وعبد الله بن عبيد بن عمير لا يريان بأسًا أن يعطى الجزار الجلد. انتهى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14238

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٥] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَرِيُّ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عبد الكريم هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" ٢/ ٤٥٦ فقال: (٤١٤٤) - أخبرني عمران بن يزيد، قال: حدّثنا شعيب، قال: أنبأ ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم بن مالك، أن مجاهدًا أخبره، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخبره، أن عليّ بن أبي طالب أخبره، أن النبيّ ﷺ أمره أن يقوم على بُدنه، وأن يَقسم بُدنه كلها، لحومها، وجلودها، وجِلالها، ولا يُعطي من جزارتها منها شيئًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٠) - (بَابُ جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ، كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٦] (١٣١٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ).

стр. 14239

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﵄، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّفرحمه الله، كالإسنادين بعده، وهو (١٩٦) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة الأخذ، والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄، في الرواية الآتية من طريق ابن جريج، قال: "أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله"، فصرّح أبو الزبير بالسماع، فزالت تهمة التدليس عنه، (قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) بالتخفيف على المشهور، وقيل: بالتشديد (الْبَدَنَةَ) أي الإبل (عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ). وفي رواية زُهير التالية: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحجّ، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر، كلُّ سبعة منا في بدنة"، وفي رواية ابن جريج الآتية: "اشتركنا مع النبيّ ﷺ في الحج والعمرة، كلُّ سبعة في بدنة". وظاهر هذه الروايات أن البقرة لا تُسَمَّى بدنة، وهو كذلك بالنسبة لغالب استعمالها، ففي "القاموس": البَدَنَة مُحَرَّكَةً، من الإبل والبقر، كالأضحية من الغنم تُهدى إلى مكة المكرمة، للذكر والأنثى، وفي "الصحاح" للجوهري:

стр. 14240

البدنة ناقة أو بقرة تُنحر بمكة، وفي "النهاية": البدنة تقع على الجمل، والناقة، والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وقال في "الفتح": إن أصل البُدْن من الإبل، وأُلحقت بها البقرة شرعًا. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: البدنة: قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعيرٌ ذكرٌ، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، سُمِّيت بذلك؛ لعظم بَدَنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسنة، وهو قوله ﷺ : "تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف؛ إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة، لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدل عليه، قال: "اشتركنا مع رسول الله ﷺ في الحج والعمرة، سبعة مِنّا في بَدَنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن"، والمعنى في الحكم؛ إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لَمَا جَهِلها أهل اللسان، ولَفُهِمت عند الإطلاق أيضًا، قالوا: وإذا أُطلقت البدنة في الفروع، فالمراد: البعير ذكرًا كان أو أنثى. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أصل البدنة للإبل، لكن تُطلق على البقر أيضًا؛ لاستوائهما في الحكم، كما بُيّن في حديث جابر ﵁ هذا، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخرجه: أخرجه (المصنف) هنا [٦٠/ ٣١٨٦ و ٣١٨٧ و ٣١٨٨ و ٣١٨٩ و ٣١٩٠

стр. 14241

و ٣١٩١] (١٣١٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٨٠٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ " (٩٠٤ و ١٥٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٣ و ٣٠١ و ٣٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٠٠ و ٢٩٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩١ و ٣١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٢ و ٣٩٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ١٢٠)، و (الطحاويّ) في "شرح مشكل الآثار" (٧/ ١٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٤ و ٩/ ٢٩٤) و"الصغرى" (٤/ ٥٠٦) و"المعرفة" (٧/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الاشتراك في الهدي، وفي المسألة خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وتقوم كل واحدة منهما مقام سبع شياه، حتى لو كان على المحرم سبعة دماء بغير جزاء الصيد، وذبح عنها بدنة، أو بقرة أجزأه عن الجميع، قاله النوويّ ﵀ (١). ٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة الهدي في الحجّ والعمرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الاشتراك في الهدي: قال النوويّ ﵀: ذهب الشافعيّ إلى جواز الاشتراك في الهدي، سواء كان تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين، أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم، ودليله هذه الأحاديث الصحيحة، وبهذا قال أحمد، وجمهور العلماء، وقال داود، وبعض المالكية: يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب، وقال مالك: لا يجوز مطلقًا، وقال أبو حنيفة: يجوز إن كانوا كلهم متقربين، وإلا فلا، وأجمعوا على أن الشاة لا يجوز الاشتراك فيها. انتهى. وقد أَوَّلت المالكية حديث جابر ﵁ هذا بوجوه كلُّها تكلفات باردة، من شاء الوقوف عليها رجع إلى شَرْحَي "الموطإ" للزرقانيّ والباجيّ.

стр. 14242

وأجاب إسماعيل القاضي بأنه كان بالحديبية، حيث كانوا مُحْصَرين. وتُعُقّب بأنه ثبت عن جابر ﵁ عند مسلم هنا أنه قال: "حججنا مع رسول الله ﷺ ، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ولا شك أن المراد بحجه ﷺ حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وبالجملة فالأحاديث الصحيحة تدل على جواز الاشتراك للسبع في بدنة أو بقرة، ويدل على جواز الاشتراك أيضًا ما رواه البخاريّ عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. انتهى. قال الحافظ ﵀ قوله: "أو شرك" بكسر الشين المعجمة، وسكون الراء، أي مشاركة في دم، أي حيث يجزئ الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر ﵁ قال: خرجا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعة منا في بدنة. وأجاب إسماعيل القاضي عن حديث ابن عباس ﵄ هذا بأنه خالف أبا جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقاتُ أصحاب ابن عباس، فرووا عنه أن ما استيسر من الهدي شاة، ثم ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم، عن ابن عباس، قال: وحدثنا سليمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد. انتهى. قال الحافظ ﵀: ليس بين رواية أبي جمرة، ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي بالإبل والبقر، وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، وأما رواية محمد عن ابن عباس فمنقطعة، ومع ذلك لو كانت متصلة احتَمَل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد، حتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك، فأفتى به أبا جمرة، وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أَجمع العلماء على توثيقه، والاحتجاج بروايته، وهو أبو جمرة الضُّبَعيّ.

стр. 14243

وقد رُوي عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنّة. قال أحمد: حدّثنا عبد الوهّاب، حدّثنا مجاهد، عن الشعبيّ، قال: سألت ابن عمر، قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة؟ قال: يا شعبيّ، ولها سبعة أنفس؟ قال: قلت: فإن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله ﷺ سنّ الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة، قال: فقال ابن عمر لرجل: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم، قال: ما شعرت بهذا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن أرجحها هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز اشتراك السبعة في الإبل والبقر؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: استَدَلّ بقوله: "كل سبعة منا في بدنة" من قال: عدل البدنة سَبْعُ شياه، وهو قول الجمهور، أي في الهدي والأضحية كليهما، وادَّعَى الطحاويّ وابن رُشْد أنه إجماع، وتُعُقّب عليهما بأن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه الترمذي في "جامعه" عن إسحاق ابن راهويه، وكذا الحافظ في "الفتح"، وقال: هو -أي إجزاء البدنة عن عشرة- إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب ابن خزيمة من الشافعية (٢)، واحتجّ له في "صحيحه"، وقوّاه، واحتج له ابن حزم، وكذا ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج ﵁ أنه ﷺ قسم، فعَدَلَ

стр. 14244

عشرًا من الغنم ببعير … الحديث، وهو في "الصحيحين"، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عباس ﵄، قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة. والبعير عن عشرة، رواه الخمسة إلا أبا داود. ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع لأنه في الأضحية، فإن قالوا: يقاس الهدي عليها، قلنا: هو قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته النصوص. ويجاب عن حديث رافع أيضًا بمثل هذا الجواب؛ لأن ذلك التعديل كان في القسمة، وهي غير محل النزاع، وأيضًا حديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمْره ﷺ لمن لم يجد البدنة أن يشتري سُبْعًا فقط، ولو كانت تعدل عُشرًا لأمره بإخراج عُشر؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من كون الاشتراك في البدنة لسبعة فقط؛ عملًا بحديث جابر ﵁، فإن قوله: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلّ سبعة منا في بدنة"، نصّ صريح في ذلك، وأما قياس الهدي بعدله ﷺ كل عشر من الغنم ببعير في القسمة فغير صحيح؛ لأن القياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ

стр. 14245

اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) هو زهير المذكور في السند بعده، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عمه بشير، وأخيه عليّ بن ثابت، وثُمامة بن عبد الله بن أنس، ويحيى بن عَقِيل، وعلباء بن أحمر، وعمرو بن دينار، وقتادة، وأبي الزبير، وغيرهم. وروى عنه خالد بن الحارث، وابن مهديّ، وابن المبارك، وأبو عامر العَقَديّ، وعثمان بن عُمر بن فارس، ويزيد بن زُريع، وعبد الوارث بن سعيد، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ثقة متقنٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به.

стр. 14246

أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٣١٨)، و (٢٠٢٨)، و (٢٦٥٠)، و (٢٨٩٢). والباقيان ذُكرا قبله. وشرح الحديث واضح، وقد تقدّمت مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ، قَالَ: نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله. وقوله: (اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) قال القرطبيّ ﵀: "مع" هذه متعلقة بمحذوف، تقديره: كائنين مع النبيّ ﷺ ، ولا يصح الهدي أن يكون متعلقًا بـ"اشتَرَكنا"؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبيّ ﷺ واحدًا من سبعةٍ يشتركون في بَدَنَة، وأنهم شاركوه في هديه، والنقل الصحيح بخلاف ذلك، كما تقدم في حديث جابر وغيره، وإنما أمرهم النبيّ ﷺ أن يجتمع السبعة في الهدية من بُدنهم. انتهى (١). وقوله: (فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) أما الحجّ فأراد به حجة الوداع، وأما العمرة، فأراد به عمرة الْحُديبية، كما يشير إليه قوله: "وحضر جابر الحديبية".

стр. 14247

وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١). وقوله: (أَيُشْتَرَكُ في الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) ببناء الفعلين للمفعول. وقوله: (مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا في النسخ: "ما يُشتَرك"، وهو صحيح، وتكون "ما" بمعنى "مَنْ"، وقد جاز ذلك في القرآن وغيره، ويجوز أن تكون مصدرية، أي اشتراكًا كالاشتراك في الجزور. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الوجه الثاني هو الأوضح؛ إذ الأول يلزم منه ارتكاب المجاز، وأيضًا يلزم منه بناء الفعل للفاعل، حتى تكون "ما" فاعلًا، فإن صحّت الرواية بالوجهين، فذاك، وإلا فالأقرب بناؤه للمفعول، وكون "ما" مصدريّة، لا موصولًا اسميًّا، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر الاختلافات في الاشتراك في الهدي ما نصّه: وهذا الخلاف إنما هو في الإبل والبقر، وأما الغنم، فلا يجوز الاشتراك فيها اتفاقًا، وقد قدمنا أن اسم البدنة مأخوذ من البدانة، وهي عِظَم الجسم، وأن الجزور من الْجَزْر، وهو: القطع، وأن الجزور من الإبل، والجزرة من الغنم، وقد فَرّق في حديث جابر بين البُدن والجزور؛ لأنه أراد بالبدنة ما ابْتُدئ هديه عند الإحرام، وبالجزور ما اشتُرِي بعد ذلك للنحر، فكأنه ظهر للسائل: أن شأن هذه، أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البُدن، فأجابه بما في معناه: أن الجزور لَمّا اشتُريت للنسك صار حكمها حكم البُدن. قال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن البدنة في هذا الحديث من الإبل، والجزور فيه من البقر، وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يَشتَرِك فيها سبعة كما يُشتَرك في البدنة؟ فقال: هي منها في حكم المسؤول عنه، وكأن هذا السائل لم يسمع في هذا ذكر البقر، فسأل عنها، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقوله: (مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْنِ) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: الْجَزُور - بفتح الجيم- وهي البعير، قال القاضي: وفرّق هنا بين البدنة والجزور؛ لأن البدنة والهدي ما ابْتُدِئ إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشتُرِي بعد ذلك

стр. 14248

ليُنْحَر مكانها، فَتَوَهَّم السائل أن هذا أحقّ في الاشتراك، فقال في جوابه: الجزور لَمّا اشتُرِيت للنسك صار حكمها كالبُدْن. انتهى (١). وقوله: (وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ) أشار به إلى أن قول جابر ﵁: اشتركنا مع النبيّ ﷺ في الحجّ والعمرة، محمول على عمرة الحديبية؛ لأنه حضرها. وقوله: (اشْتَرَكْنَا كُل سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ) "كلّ" يَحْتَمِل أن يكون فاعلًا لـ"اشترك" على لغة "أكلوني البراغيث"، ويَحتَمِل أن يكون مبتدأ خبره الجارّ والمجرور بعده، أي مشترك في بدنة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال القرطبيّ ﵀: تمسَّك الجمهور من السلف وغيرهم بهذه الأحاديث على جواز الاشتراك في الهدي، وممن قال بهذا ابن عمر، وأنس، وعطاء بن أبي رَباح، والحسن البصري، وطاووس، وسالم، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه ابن المنذر، قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البدنة عن سبعة، وإن تمتعوا، وبه قال عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والثوري، والشافعيّ، قال: وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: تجزئ الجزور عن عشرة، وبه قال إسحاق. قال القرطبيّ: وظاهر ما حكاه ابن المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن، وأنهم سوّوا في ذلك بين الهدي الواجب والتطوّع، من غير تقييد، ولا تفصيل، وقد فصّل غيره الخلاف فقال: إن الشافعيّ يجيزه في الواجب، وإن كان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد الفدية. وأبو حنيفة يجيزه إذا أراد جميعهم الفدية، حكاه الإمام أبو عبد الله، وقال: عندنا في التطوع قولان. قال ابن المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيء من الهدي، ولا من البُدن، ولا النسك في الفدية، ولا في شيء مما ذكرناه. قال القرطبيّ: وكأن هذا الذي صار إليه مالك مستنده قول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأقلّ ما يطلق عليه اسم الهدي شاة، ولم

стр. 14249

يقل فيه أحدٌ أنه جزءٌ مُسمَّى من اللحم، وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد فسَّر النبيّ ﷺ النسك بشاة في حديث كعب بن عجرة ﵁، وكان ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فكان هو المتعيِّن، ولأنهم قد اتفقوا: على أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب بنقص عضو، وإذا كان كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوز جزءٌ من اللحم. واعتَذَر عن حديث جابر ﵁: بأن ذلك كان في التطوع، وهو مستند أحد القولين المتقدمين، وليس بالمشهور عن مالك، وبأن تلك الأحاديث ليس فيها تصريح بالاشتراك في الثمن، فلعلَّه قصد التشريك في الثواب، أو التشريك في قسمة الجزور، حتى تقسم البدنة أو الجزور سَبْعَ قِسَم بين سبعة نَفَر، والله أعلم. وقد أشار إلى هذا جابر ﵁ فقال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه مشعر بأن التشريك إنما وقع بعد انفراد المهدي بالهدي، فتأمله. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: إنما نقلت كلام القرطبيّ هذا بطوله، وإن تقدّم ذكر الخلاف في المسألة؛ ليَعلم المنصفون كيف أدّى التقليد بأهله إلى ردّ النصوص الواضحة إلى غير معناها الواضح؛ فكأن من يحاول هذه المحاولة يريد أن يجعل مذهب من قلّده أصلًا، والنصوص فرعًا عليه، ومما يؤسف له أن بعضهم يتفوّه بهذا، ويصرّح به، فيقول: كلّ حديث صحّ، وخالف مذهبنا، فهو إما منسوخٌ، أو مؤوّل، سبحانك هذا بهتان عظيم. فيا أيها المنصفون اعلموا أن الله تعالى إنما ضمن الهداية والفلاح في اتباع النصوص، لا في تقليد فلان وفلان، فقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ١٥٤] وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ

стр. 14250

فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فيا أيها العاقل الواجب عليك إذا خالف مذهب نصًّا صريحًا أن تتبع النصّ، وتعتذر عن إمامك عن مخالفته له، لا أن تحاول في ردّ ذلك النصّ وتأويله بما يوافق رأيه؛ لأن الله تعالى جعل التحاكم عند الاختلاف إلى النص، لا إلى أحد من أصحاب الآراء، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩]. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾. اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلهم ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله: (فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا) بالهمزة رباعيًّا، ولقال: حلّ ثلاثيًّا أيضًا، يقال: حلّ المحرم حِلّا بالكسر، وأحلّ إحلالًا: إذا خرج من إحرامه، فهو مُحلّ، وحِلّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا (١). وقوله: (أَنْ نُهْدِيَ) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًا، يقال: أهديت الْهَدي إلى الحرم: إذا سقته إليه.
следующие страницы →