أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٣١٨)، و (٢٠٢٨)، و (٢٦٥٠)، و (٢٨٩٢).
والباقيان ذُكرا قبله.
وشرح الحديث واضح، وقد تقدّمت مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٨٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ، قَالَ: نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله.
وقوله: (اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) قال القرطبيّ ﵀: "مع" هذه متعلقة بمحذوف، تقديره: كائنين مع النبيّ ﷺ ، ولا يصح الهدي أن يكون متعلقًا بـ"اشتَرَكنا"؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبيّ ﷺ واحدًا من سبعةٍ يشتركون في بَدَنَة، وأنهم شاركوه في هديه، والنقل الصحيح بخلاف ذلك، كما تقدم في حديث جابر وغيره، وإنما أمرهم النبيّ ﷺ أن يجتمع السبعة في الهدية من بُدنهم. انتهى (١).
وقوله: (فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) أما الحجّ فأراد به حجة الوداع، وأما العمرة، فأراد به عمرة الْحُديبية، كما يشير إليه قوله: "وحضر جابر الحديبية".
стр. 14247
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١).
وقوله: (أَيُشْتَرَكُ في الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) ببناء الفعلين للمفعول.
وقوله: (مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا في النسخ: "ما يُشتَرك"، وهو صحيح، وتكون "ما" بمعنى "مَنْ"، وقد جاز ذلك في القرآن وغيره، ويجوز أن تكون مصدرية، أي اشتراكًا كالاشتراك في الجزور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الوجه الثاني هو الأوضح؛ إذ الأول يلزم منه ارتكاب المجاز، وأيضًا يلزم منه بناء الفعل للفاعل، حتى تكون "ما" فاعلًا، فإن صحّت الرواية بالوجهين، فذاك، وإلا فالأقرب بناؤه للمفعول، وكون "ما" مصدريّة، لا موصولًا اسميًّا، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر الاختلافات في الاشتراك في الهدي ما نصّه: وهذا الخلاف إنما هو في الإبل والبقر، وأما الغنم، فلا يجوز الاشتراك فيها اتفاقًا، وقد قدمنا أن اسم البدنة مأخوذ من البدانة، وهي عِظَم الجسم، وأن الجزور من الْجَزْر، وهو: القطع، وأن الجزور من الإبل، والجزرة من الغنم، وقد فَرّق في حديث جابر بين البُدن والجزور؛ لأنه أراد بالبدنة ما ابْتُدئ هديه عند الإحرام، وبالجزور ما اشتُرِي بعد ذلك للنحر، فكأنه ظهر للسائل: أن شأن هذه، أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البُدن، فأجابه بما في معناه: أن الجزور لَمّا اشتُريت للنسك صار حكمها حكم البُدن.
قال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن البدنة في هذا الحديث من الإبل، والجزور فيه من البقر، وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يَشتَرِك فيها سبعة كما يُشتَرك في البدنة؟ فقال: هي منها في حكم المسؤول عنه، وكأن هذا السائل لم يسمع في هذا ذكر البقر، فسأل عنها، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
وقوله: (مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْنِ) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: الْجَزُور - بفتح الجيم- وهي البعير، قال القاضي: وفرّق هنا بين البدنة والجزور؛ لأن البدنة والهدي ما ابْتُدِئ إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشتُرِي بعد ذلك
стр. 14248
ليُنْحَر مكانها، فَتَوَهَّم السائل أن هذا أحقّ في الاشتراك، فقال في جوابه: الجزور لَمّا اشتُرِيت للنسك صار حكمها كالبُدْن. انتهى (١).
وقوله: (وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ) أشار به إلى أن قول جابر ﵁: اشتركنا مع النبيّ ﷺ في الحجّ والعمرة، محمول على عمرة الحديبية؛ لأنه حضرها.
وقوله: (اشْتَرَكْنَا كُل سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ) "كلّ" يَحْتَمِل أن يكون فاعلًا لـ"اشترك" على لغة "أكلوني البراغيث"، ويَحتَمِل أن يكون مبتدأ خبره الجارّ والمجرور بعده، أي مشترك في بدنة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال القرطبيّ ﵀: تمسَّك الجمهور من السلف وغيرهم بهذه الأحاديث على جواز الاشتراك في الهدي، وممن قال بهذا ابن عمر، وأنس، وعطاء بن أبي رَباح، والحسن البصري، وطاووس، وسالم، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه ابن المنذر، قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البدنة عن سبعة، وإن تمتعوا، وبه قال عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والثوري، والشافعيّ، قال: وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: تجزئ الجزور عن عشرة، وبه قال إسحاق.
قال القرطبيّ: وظاهر ما حكاه ابن المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن، وأنهم سوّوا في ذلك بين الهدي الواجب والتطوّع، من غير تقييد، ولا تفصيل، وقد فصّل غيره الخلاف فقال: إن الشافعيّ يجيزه في الواجب، وإن كان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد الفدية. وأبو حنيفة يجيزه إذا أراد جميعهم الفدية، حكاه الإمام أبو عبد الله، وقال: عندنا في التطوع قولان.
قال ابن المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيء من الهدي، ولا من البُدن، ولا النسك في الفدية، ولا في شيء مما ذكرناه.
قال القرطبيّ: وكأن هذا الذي صار إليه مالك مستنده قول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأقلّ ما يطلق عليه اسم الهدي شاة، ولم
стр. 14249
يقل فيه أحدٌ أنه جزءٌ مُسمَّى من اللحم، وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد فسَّر النبيّ ﷺ النسك بشاة في حديث كعب بن عجرة ﵁، وكان ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فكان هو المتعيِّن، ولأنهم قد اتفقوا: على أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب بنقص عضو، وإذا كان كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوز جزءٌ من اللحم.
واعتَذَر عن حديث جابر ﵁: بأن ذلك كان في التطوع، وهو مستند أحد القولين المتقدمين، وليس بالمشهور عن مالك، وبأن تلك الأحاديث ليس فيها تصريح بالاشتراك في الثمن، فلعلَّه قصد التشريك في الثواب، أو التشريك في قسمة الجزور، حتى تقسم البدنة أو الجزور سَبْعَ قِسَم بين سبعة نَفَر، والله أعلم.
وقد أشار إلى هذا جابر ﵁ فقال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه مشعر بأن التشريك إنما وقع بعد انفراد المهدي بالهدي، فتأمله. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: إنما نقلت كلام القرطبيّ هذا بطوله، وإن تقدّم ذكر الخلاف في المسألة؛ ليَعلم المنصفون كيف أدّى التقليد بأهله إلى ردّ النصوص الواضحة إلى غير معناها الواضح؛ فكأن من يحاول هذه المحاولة يريد أن يجعل مذهب من قلّده أصلًا، والنصوص فرعًا عليه، ومما يؤسف له أن بعضهم يتفوّه بهذا، ويصرّح به، فيقول: كلّ حديث صحّ، وخالف مذهبنا، فهو إما منسوخٌ، أو مؤوّل، سبحانك هذا بهتان عظيم.
فيا أيها المنصفون اعلموا أن الله تعالى إنما ضمن الهداية والفلاح في اتباع النصوص، لا في تقليد فلان وفلان، فقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ١٥٤] وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
стр. 14250
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فيا أيها العاقل الواجب عليك إذا خالف مذهب نصًّا صريحًا أن تتبع النصّ، وتعتذر عن إمامك عن مخالفته له، لا أن تحاول في ردّ ذلك النصّ وتأويله بما يوافق رأيه؛ لأن الله تعالى جعل التحاكم عند الاختلاف إلى النص، لا إلى أحد من أصحاب الآراء، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩].
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم ذُكروا في الباب وفيما قبله.
وقوله: (فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا) بالهمزة رباعيًّا، ولقال: حلّ ثلاثيًّا أيضًا، يقال: حلّ المحرم حِلّا بالكسر، وأحلّ إحلالًا: إذا خرج من إحرامه، فهو مُحلّ، وحِلّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا (١).
وقوله: (أَنْ نُهْدِيَ) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًا، يقال: أهديت الْهَدي إلى الحرم: إذا سقته إليه.
стр. 14251
وقوله: (وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا) بفتح النون والفاء: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة (١).
وقوله: (فِي الْهَدِيَّةِ) بتخفيف الياء التحتانيّة، وتشديدها، واحدة الهدي، قال الفيّوميّ ﵀: الهدي: ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم يُثقّلُ، وُيخفّف، الواحدة هَديّةٌ بالتثقيل، والتخفيف أيضًا، وقيل: المثقّل جمع المخفّف. انتهى (٢).
وقوله: (وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ) يعني أمْره ﷺ للصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلّوا بعمل العمرة، ثم يُهلّوا بالحج، فيصيروا متمتّعين، ولذا أمرهم بالهدي؛ لوجوبه عليهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) لعله أشار به إلى حديثه الطويل الذي تقدّم في "صفة حجة النبيّ ﷺ "، أي إن هذا الحديث من جملة الحديث الطويل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
стр. 14252
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رَباح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ) قال النوويّ ﵀: هذا فيه دليل للمذهب الصحيح عند الأصوليين أن لفظ "كان" لا يقتضي التكرار؛ لأن إحرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبيّ ﷺ إنما وُجِد مرةً واحدةً، وهي حجة الوداع. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ ﵀ من أن لفظ "كان، لا يقتضي التكرار، خلاف التحقيق، بل التحقيق أنه يفيد التكرار والدوام إلا لقرينة، كهذا الحديث، فكون حجته ﷺ واحدة هو الذي صرف دلالته عن التكرار والدوام، وقد أشبعت البحث في هذا في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فلتُراجع عند قولي:
وَلَفْظُ "كَانَ" لِدَوَامِ الْفِعْلِ مَعْ … تَكْرَارِهِ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُتَّبَعْ
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٢] (١٣١٩) - (حَدَّثَنَا عُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكرِيَّاءَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
стр. 14253
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁، وفي الرواية التالية من طريق يحيى الأمويّ: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄، فصرّح ابن جريج بالإخبار، وأبو الزبير بالسماع، فزالت تهمة التدليس عنهما (قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "نحر" مكان "ذبح"، والفرق بين النحر والذبح أن النحر يكون في اللَّبّة -بفتح اللام، وتشديد الموحدة- وهي الوَهْدة التي بين أصل العنق والصدر، والذبحُ يكون في الحلق، فالذبح هو قطع العروق التي في أعلى العُنُق تحت اللحيين، قال ابن عابدين ﵀: النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح قطعها في أعلاه تحت اللحيين، وفي "تكملة البحر": ولا بأس بالذبح في الحلق كلِّه، أسفلِهِ وأوسَطِهِ، وأعلاه؛ لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مُجْتَمَعُ العروق، فصار حكم الكل واحد. انتهى، وفي "البدائع": الذبح هو فَرْيُ الأوداج، ومحله ما بين اللبة واللحيين، والنحرُ فَرْيُ الأوداج، ومحله آخر الحلق. انتهى، ذكر هذا كلّه في "المرعاة" (١).
(عَنْ عَائِشَةَ) أي لعائشة ﵂، ولسائر نسائه، كما سيأتي في الحديث التالي (بَقَرَةً) وَيحْتَمِل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرةً، وجعل بقرة أخرى عن الكل تمييزًا لها؛ لأنها انفردت بسبب موجب وهو القران؛ لأنها أردفت الحج على عمرتها، وهنّ لمّا اشتركن في سببٍ غيرِهِ أشرك بينهنّ، ويكون في ذلك
стр. 14254
تخصيص وتفضيل؛ لأن الواجب في ذلك شاة، أو سبع بدنة، أو بقرةٍ، كما فَعَل في حق صواحبها، ولعل إيثار البقر؛ لأنه المتيسر حينئذ، وإلا فالإبل أفضل منه، وقيل: إنه لبيان الجواز (يَوْمَ النَّحْرِ) أي في حجته، كما في رواية محمد بن بكر التالية قال: "نحر رسول الله ﷺ عن عائشة بقرةً في حجته"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٠/ ٣١٩٢ و ٣١٩٣] (١٣١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في نحر البقر، وذبحها:
ذهب جمهور العلماء إلى أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح مستحبًّا عندهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآية [البقرة: ٦٧]، وخالف الحسن بن صالح، ومجاهد فاستحبّا نحرها، وقال مالك: إن ذَبَح الجزور من غير ضرورة، أو نَحَر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل.
وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني": لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ومعنى النحر أن يضربها بِحَرْبة، أو نحوها في الوَهْدة التي بين أصل عنقها وصدرها، فإن ذُبِح ما يُنحَر، أو نُحِر ما يُذْبَح فجائز، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومالك، والليث، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وحُكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، والأمر يقتضي
стр. 14255
الوجوب، وحُكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر.
وحجة الأولين قوله ﷺ : "أمرر الدم بما شئت"، وعن عائشة ﵂ قالت: نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة. انتهى مختصرًا.
وقال ابن رُشْد ﵀: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نَحْرٌ، وذَبْحٌ، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر، واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة، وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وجماعة العلماء، وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أُكِل، ولكنه يكره، وفرّق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة.
وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم، فأما العموم فقوله ﷺ : "ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا"، متّفقٌ عليه، وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله ﷺ نَحَر الإبل والبقر، وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن ما ذهب إليه الجمهور أن المستحبّ نحر الإبل، وذبح البقر، فإن ذبح ما يُنحر، أو نحر ما يُذبح جاز؛ لقوّة حجته، كما سلف آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَيي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ،
стр. 14256
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً في حَجَّتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ) وفي حديث عن عائشة ﵂ أيضًا: "أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع"، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ في "الكبرى"، وابن ماجه، كلهم من رواية يونس، عن الزهريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، لفظ أحمد، ولفظ الثلاثة: "بقرةً واحدةً"، وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرةً بينهن"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ في "الكبرى"، وابن ماجه، والحديثان سكت عنهما أبو داود، والمنذريّ.
وقد روى مالك في "الموطإ"، والبخاريّ في "صحيحه" من طريقه في "باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنّ"، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة ﵂ تقول: "خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرَى إلا الحج … " الحديث، وفيه: قالت: "فدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحر رسول الله عن أزواجه"، وللشيخين من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد بلفظ: "ذبح".
قال ابن بطال ﵀: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي، والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه بقرة واحدة"، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
стр. 14257
قال الحافظ ﵀: رواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما، ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائيّ أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس، قال: "ما ذَبَحَ عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة"، وروى النسائي أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن"، صححه الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ.
وأما ما رواه عَمَّار الدُّهْنيّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: "ذبح عنا رسول الله ﷺ يوم حججنا بقرةً بقرةً"، أخرجه النسائي أيضًا، فهو شاذٌّ مخالفٌ لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في "الأضاحي"، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: "ضحّى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر"، ولم يذكر ما زاده عمار الدُّهْنيّ. انتهى كلام الحافظ ﵀.
وتعقبه الزرقانيّ، فقال: لا شذوذ فيه، فإن عمارًا الدهنيّ -بضم المهملة، وإسكان الهاء، ونون- ثقة صدوقٌ، من رجال مسلم، والأربعة، فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن رواية معمر: "ما ذَبَح إلا بقرة" المراد بها جنس بقرة، أي لا بعيرًا، ولا غنمًا، فلا تنافي الرواية الصريحة أنّ عن كل واحدة بقرةً، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن، فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها؛ لأنه انفرد بقوله: "واحدة"، وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس ثقة حافظ، وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ، وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه، فضلًا عن قُوّته؛ إذ قوله: "ذبح بقرة بينهن" لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها، وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدد. انتهى.
وردّ بعض المحقّقين على الزرقانيّ تعقّبه هذا، فقال: وفي هذا التعقب نظر؛ لأن عمارًا ويونس اختلفا في ذلك، وعمار وإن كان ثقةً صدوقًا فلا يساوي يونس؛ لأنه ثقة حافظ، كما تقدم في كلام الحافظ، وقال في "التقريب" عن عمار الدُّهْنيّ: صدوقٌ، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدد تَرَجَّح حديث
стр. 14258
يونس، وقول الزرقانيّ: إن زيادته ليست مخالفة لغيره ليس بصحيح، فإن رواية يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في التعدد، ولا يمكن الجمع بينهما، ولا يصح إرادة الجنس في رواية معمر؛ للتاء الفارقة بين الواحدة والجنس، قال العينيّ: الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يَحْتَمِل التضحية بأكثر من واحدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن تعقّب الزرقانيّ غير صحيح، وأن الصواب مع الحافظ في قوله: إن رواية عمار الدُّهْنيّ: "بقرةً بقرةً" شاذّة، والصحيح ما رواه يونس وغيره: بقرة واحدة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قد تقدّم أنه اتَّفَقَ من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيِّب، فقال: تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية، واحتج لذلك في "صحيحه"، وقوّاه، وبه قال ابن حزم، وبسط في إثباته، واستدلّ لذلك بما تقدم من أحاديث عائشة، وأبي هريرة، وجابر ﵃.
وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه، قال الشوكانيّ: قد استدلّ بقول عائشة المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلَّف أحد من زوجاته يومئذ، وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تُعارَض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط الْمُجْمَع على مدلولها.
وقيل: إن البقرة كانت عن سبع منهنّ، وعن الباقية لعله ذبح غير البقر، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح، فتقدم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قال ابن القيّم ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا.
وخلاصته أن البقرة تُجزئ عن سبعة فقط؛ لتصريح الأحاديث الصحيحة
стр. 14259
بذلك، فتقدّم على ما اقتضاه مفهوم حديث عائشة ﵂ هذا من أنه ﷺ ذبح بقرة عن أزواجه، وهنّ أكثر من سبعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: اختُلِف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة ﵂ عند مالك، والشيخين كانت أضحية أو هديًا، وبكلا اللفظين وردت الروايات، فرَوَى البخاريّ في "الأضاحي"، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: "ضحّى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر"، وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون، عن عبد الرحمن، بلفظ: "أهدى" بدل "ضحى"، قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر كما تقدم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة ﵁ صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ: "أهدى"، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: "لا ضحايا على أهل منى"، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي، والأضحية. انتهى كلام الحافظ.
وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديًا، ونَحَى في "كتاب الأضاحي" إلى كونها أضحية، حيث قال: قوله: "ضحى النبيّ ﷺ عن أزواجه بالبقر" ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه، فقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية، وهو ضُحى يوم النحر، قال: وإن حُمِل على ظاهره، فيكون تطوعًا، لا على أنها سنة الأضحية، كذا قال، ولا يخفى بُعده.
واستدل به الجمهور على أن أضحية الرجل تجزئ عنه، وعن أهل بيته، وخالف في ذلك الحنفية، وادَّعَى الطحاوي أنه مخصوص، أو منسوخ، ولم يأت لذلك بدليل. انتهى.
وهذا كما ترى رَجَّحَ ها هنا خلاف ما رجحه في "كتاب الحج".
وذهب ابن القيم: إلى أن الصواب رواية الهدي، فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم: إن الحاج شُرع له التضحية مع الهدي: والصحيح إن شاء الله أن هدي الحاجّ له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبيّ ﷺ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي
стр. 14260
بمنى وأضحية بغيرها، وأما قول عائشة ﵂: "ضَحَّى عن نسائه بالبقر"، فهو هدي أُطلِق عليه اسم الأضحية، وأنهنّ كنّ متمتعات، وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحره عنهنّ هو الهدي الذي يلزمهن. انتهى.
لكن تبويب البخاري في "كتاب الأضاحى" على حديث عائشة المذكور: "باب الأضحية للمسافر، والنساء"، و"باب من ذبح ضحية غيره"، يدل على أنه حَمَل الحديث على الأضحية، ولذلك استُدِلّ به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل، خلافًا للجمهور؛ إذ قالوا: إن الأفضل البدنة؛ لقوله ﷺ : "من راح في الساعة الأولى -أي إلى الجمعة- فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة … " إلى آخره، مع أنه ليس في حديث عائشة تفضيل البقر، ولا عموم لفظ، إنما هي قضية عين محتملة لأمور، فلا حجة فيها لمالك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور من تفضيل البدنة على البقرة في التضحية هو الراجح؛ لصريح حديث الجمعة المذكور في ذلك، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
واستُدِلّ به أيضًا على الأضحية على النساء، والأضحية على المسافر، وعلى الحاج بمنى، وغير ذلك من المسائل ليس هذا موضع تفصيلها.
وقد ترجم البخاريّ ﵀ على حديث عائشة ﵂ كما تقدم: "باب ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهنّ"، قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهنّ، فأخذه من استفهام عائشة ﵂ عن اللحم لَمّا دُخِل به عليها، ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم، بأن يكون استأذنهنّ في ذلك، لكن لما أُدخل اللحم عليها احتَمَلَ عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك، فاستفهمت عنه لذلك.
وقال النوويّ: هذا محمول على أنه ﷺ استأذنهنّ في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه. انتهى (١).
стр. 14261
قال الجامع عفا الله عنه: ما استدلّ به البخاريّ ﵀ من حديث عائشة ﵂ حيث ترجم لجواز ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهنّ هو الظاهر من الحديث، وهو الأرجح عندي، فأين النصّ الذي يدلّ على وجوب الاستئذان في ذلك حتى يُعارَضَ به ما دلّ عليه هذا الحديث؟ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦١) - (بَابُ نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَامًا مُقَيَّدَةً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٤] (١٣٢٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيادِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أتى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا (١)، مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم،، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٤ - (زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ) -بجيم، وموحَّدة، مصغّرًا- ابن حيّة بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ، يرسل [٣] (ع) تقدم في "الصيام" ٢٤/ ٢٦٧٥.
[تنبيه]: زياد بن جُبير هذا ليس له في "الصحيحين"، سوى هذا الحديث، وحديث آخر تقدّم في "الصيام"، وقد سبق حديث آخر في "باب ما يُندب للمحرم وغيره قتله من الدوابّ" (٢) من طريق زيد بن جُبير، عن ابن عمر، وهو
стр. 14262
غير زياد بن جبير هذا، وليس أخًا له أيضًا؛ لأن زيدًا طائيّ كوفيّ، وزيادًا ثقفيّ بصريّ، لكنهما اشتركا في اتّحاد اسم أبويهما، وفي كونهما ثقةً، وفي روايتهما عن ابن عمر ﵄ (١).
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ قريبًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ) وقد صرّح يونس بالسماع عن زياد عند إسحاق ابن راهويه في "مسنده"، فقال: أخبرنا النضر بن شُميل، حدّثنا شعبة، عن يونس، سمعت زياد بن جبير يقول: انتهيت مع ابن عمر، فإذا رجل قد أضجع بدنته، وهو يريد أن ينحرها، فقال: قيامًا مقيدةً سنة محمد ﷺ .
(أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (أتى عَلَى رَجُلٍ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه (وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل، مِن بَرَك البعير بُرُوكًا، من باب قعد: إذا وقع على بَرْكه، وهو صدره، وأبركته أنا، وقال بعضهم: هو لغة، والأكثر: أنخته، فبَرَكَ، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢).
وفي رواية البخاريّ: "قد أناخ بدنته ينحرها"، زاد أحمد، عن إسماعيل ابن عُليّة، عن يونس: "لينحرها بمنًى" (فَقَالَ: ابْعَثْهَا) أي أَثِرها، يقال: بَعَثتُ الناقة: إذا أثرتَها (قِيَامًا) وفي نسخة: "قائمةً"، وقوله: "قيامًا" أي عن قيام، و"قيامًا" مصدر، بمعنى قائمةٍ، وهي حال مقدَّرة، أو قوله: "ابعثها": أي
стр. 14263
أقمها، أو العامل محذوف، تقديره: انحرها، وقد وقع في رواية عند الإسماعيليّ: "انحرها قائمة" (١).
قال القاري ﵀: قوله: "قيامًا" حال مؤكدة، أي قائمةً، وقد صحّت الرواية بها، وعاملها محذوف دلّ عليه أول الكلام، أي انحرها قائمةً، لا ابعثها؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام، اللهم إلا أن تُجعَل حالًا مقدرةً، أي ابعثها مُقَدِّرًا قيامها. انتهى.
(مُقَيَّدَةً) منصوب على الحال، من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، ومعناه: معقولة الرِّجل، وهي قائمة على الثلاث، ولأبي داود، من حديث جابر ﵁: "أن النبيّ ﷺ ، وأصحابه كانوا ينحرون البَدَنة معقولةَ اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها"، وقال سعيد بن منصور: حدّثنا هشيم، أخبرنا أبو بِشْر، عن سعيد بن جبير: رأيت ابن عمر ينحر بدنته، وهي معقولة إحدى يديها. (سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) بنصب "سنّة" بعامل مضمر، أي فاعلًا بها سنةَ محمد ﷺ ، أو التقدير: متبعًا سنة محمد ﷺ ، ويجوز رفعه خبرًا لمحذوف، أي هو سنّة محمد ﷺ "، ويدلّ عليه رواية الحربيّ في "المناسك" بلفظ: فقال له: "انحرها قائمةً، فإنها سنّة محمد ﷺ "، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١/ ٣١٩٤] (١٣٢٠)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧١٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و ٨٦ و ١٣٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٠٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٦٦)، و (ابو عوانة) في "مسنده" (٥/ ٨٧)، و (أبو نعيم) في
стр. 14264
"مستخرجه" (٣/ ٣٩٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٧) و"الصغرى" (٤/ ٤٤٤) و"المعرفة" (٤/ ٢٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٥٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب نحر الإبل قيامًا مقيدةً، قال الباجيّ: وهو مذهب مالك، وجمهور الفقهاء، غير الحسن البصريّ في قوله: تنحر باركة، والأصل في ذلك حديث أنس ﵁ عند البخاريّ أن النبى ﷺ نحر بيده سبعة بُدن قيامًا. قيل: إنما كان ذلك في الإبل؛ لأنه أمكن لمن ينحرها؛ لأنه يطعن في لبّتها، وأما البقر والغنم التي سنّتها الذبح، فإن إضجاعها أمكن لتناول ذبحها، فالسنة إضجاعها.
وقال ابن قدامة ﵀: السنّة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى، فيضربها بالحربة في الوَهْدة التي بين أصل العنق والصدر، وممن استحب ذلك مالك، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها باركة، وهذا مخالف للسنّة، وجوز الثوريّ، وأصحاب الرأي كل ذلك، ولنا حديث ابن عمر ﵄ عند الشيخين، وحديث جابر عند أبي داود، وفي قول الله تعالى: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ دليل على أنها تنحر قائمة، ويروى في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي قيامًا، وتجزئه كيفما نحر، قال أحمد: ينحر البُدن معقولةً على ثلاث قوائم، وإن خَشِي عليها أن تنفر أناخها. انتهى (١).
وبذلك قالت الحنفية، قال في "الهداية": الأفضل في البُدن النحر، وفي البقر، والغنم الذبح، ثم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قيامًا، أو أضجعها، وأيَّ ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قيامًا؛ لما رُوي أنه ﷺ نحر الهدايا قيامًا، وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة يدها اليسرى. انتهى.
وقال ابن الهمام ﵀ بعد ذكر حديث جابر، عن أبي داود المتقدم:
стр. 14265
وإنما سنّ النبيّ ﷺ النحر قيامًا عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والوجوب السقوط، وتحققه في حال القيام أظهر، قال: والاستدلال بقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أظهر، وقد فسّره ابن عباس بقوله: قيامًا على ثلاث قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة، والأَولى كونه اليسرى؛ للإتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، قال: والحاصل أن القيام أفضل، فإن لم يتسهّل فالقعود أفضل من الاضطجاع. انتهى (١).
٢ - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، وعدم السكوت على مخالفة السنّة، وإن كان مباحًا.
٣ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: من السنّة كذا مرفوع حكمًا عند الشيخين؛ لاحتجاجهما بهذا الحديث في "صحيحيهما"، كما قال في "ألفيّة الحديث":
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" فِي الصَّوَابِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِثَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٥] (١٣٢١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ).
стр. 14266
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبله.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٧ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [١٠] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) ﵂، تقدمت قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي وتابعيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أَن عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًّا، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: إذا بعثت به إليه إكرامًا، فهو هديّةٌ بالتثقيل لا غير، وأهديتُ إلى الحرم: سقته، قاله الفيّوميّ ﵀. (مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (فَأَفْتِلُ) من باب ضرب، يقال: فَتَله: لَوَاه، كفتّله بالتشديد (قَلَائِدَ هَدْيِهِ) جمع قلادة: هو ما يُجعل في العنق، ولم يتبيّن في هذه الرواية جنس القلائد، وسيأتي من رواية ابن عون، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: "أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا"، ولفظ البخاريّ: "فتلت قلائدها من عِهْنٍ كان عندي" (ثُمَّ لَا
стр. 14267
يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ) أي من محظورات الإحرام، تعني أنه ﷺ كان يبعث هديًا إلى مكة، مقلّدةً، ثم يقيم بالمدينة حلالًا، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وأرادت بذلك الردّ على ابن عباس ﵄، وغيره حيث إنهم يرون ذلك، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢/ ٣١٩٥ و ٣١٩٦ و ٣١٩٧ و ٣١٩٨ و ٣١٩٩ و ٣٢٠٠ و ٣٢٠١ و ٣٢٠٢ و ٣٢٠٣ و ٣٢٠٤ و ٣٢٠٥ و ٣٢٠٦ و ٣٢٠٧ و ٣٢٠٨] (١٣٢١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٩٦ و ١٦٩٨ و ١٦٩٩ و ١٧٠٠ و ١٧٠١ و ١٧٠٢ و ١٧٠٣ و ١٧٠٤ و ١٧٠٥) و"الوكالة" (٢٣١٧) و"الأضاحي" (٥٥٦٦)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٥٥ و ١٧٥٧ و ١٧٥٨ و ١٧٥٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٠٩)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٧٠ و ١٧١ و ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٤ و ١٧٥) و"الكبرى" (٢/ ٣٦ و ٣٦٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٩٤ و ٣٠٩٥ و ٣٠٩٦ و ٣٠٩٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٤١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٢ و ٩١ و ١٧٤ و ١٩١ و ٢٥٣ و ٢٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٧٣ و ٢٦٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٠٩ و ٤٠١٠ و ٤٠١١ و ٤٠١٢ و ٤٠١٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٩١١ و ١٩٣٥ و ١٩٣٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ١٢٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده " (٨/ ٣٥٧)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ١٩١ و ٣/ ٨٤٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٩٠ و ١٨٩١)، والله تعالى أعلم.
стр. 14268
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وإن لم يسافر معه مرسله، ولا أحرم في تلك السنة.
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: [فإن قلت]: في "صحيح البخاريّ" عن عائشة ﵂: "فَتَلت لهدي النبيّ ﷺ -يعني القلائد- قبل أن يُحْرِم، يقتضي أنه أحرم بعد ذلك.
[قلت]: يَحْتَمِل أن يكون مرادها قبل السنة التي أحرم فيها، ويَحْتَمِل أنها أخبرت في هذه الرواية عن حاله في سنة إحرامه، وفي الرواية الأخرى عن حاله في سنة أخرى، ويصرّح بأنه فعل ذلك في السنة التي لم يحرم فيها قولها ﵂ من رواية عمرة، عنها: "ثم بعث بها مع أبي"، وهو في "الصحيحين"، والمراد أنه بعث بها مع أبيها، أبي بكر الصدّيق ﵁ في حجته سنة تسع، وفي "الصحيح" أيضًا: "ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة"، وهي صريحة فيما ذكرناه. انتهى (٢).
٢ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، وسيأتي تحقيق الخلاف -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان استحباب مشروعيّة فتل القلائد.
٤ - (ومنها): بيان أن باعثه لا يصير محرمًا، فلا يحرم عليه شيء حلالٌ بسبب ذلك.
٥ - (ومنها): جواز استخدام الإنسان زوجته في فتل القلائد، ونحوه من الخدمة التي تقوم بها المرأة.
٦ - (ومنها): أنه يستحب إذا أرسل الهدي أن يُشعره، ويقلّده من بيته، وأما إذا أخذه معه، فيستحبّ أن يؤخر ذلك إلى الميقات حين يُحرم، كما فعل النبيّ ﷺ ، في عمرة الحديبية، وحجة الوداع.
стр. 14269
٧ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين ﵀: هذا الذي ذكرناه من استحباب تقليد الهدي إنما رأيت أصحابنا -يعني الشافعية- ذكروه في الهدي المتطوع به، والمنذور.
وقسم المالكية دماء الحجّ إلى هَدْي، ونسك، وقالوا: إن الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج، أو عمرة، كدم القران، والتمتع، والفساد، والفوات، وغيرها، وقالوا: إن النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من المحظور، المنجبر، وجعلوا التقليد من سنة الهدي.
وقال الحنفية: إن التقليد إنما يكون في هدي المتعة، والتطوع، والقران، دون دم الإحصار، والجماع، والجنايات، وفرّقوا بينها، بأن الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره، وتشهيره، فيليق به، والثاني فإن سببه الجناية، والستر أليق بها، قالوا: ودم الإحصار جائز، فألحق بها. وذكر ابن حزم هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك، والشافعيّ: يقلّد كلّ هدي، ويُشعر، قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبيّ ﷺ ، ونُقِلَ عن أبي حنيفة.
وتعقبه ولي الدين، فقال: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبيّ ﷺ ، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعًا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماءُ الواجبة لا تُساق مع الحاجّ من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها، أم لا؟، ولم أر أصحابنا -يعني الشافعية- تعرّضوا لذلك كما تقدم، فينبغي تحقيقه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن التقليد والإشعار إنما نقلا في هدي التطوع، والقران، والتمتع، وأما الجنايات، فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفية أظهر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقليد الغنم:
(اعلم): أنهم اختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة، وعن ابن عباس: "لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلّدة"، وعن أبي جعفر: "رأيت الكباش مقلّدة"، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير: "إن الشاة كانت تقلّد"، وعن عطاء: "رأيت أناسًا من أصحاب النبيّ ﷺ يسوقون الغنم مقلّدة". وحكاه ابن المنذر عن إسحاق،
стр. 14270
وأبي ثور، قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية.
وذهب آخرون إلى أنها لا تُقلّد كما أنها لا تُشعر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ويوافقه كلام البخاريّ، فإنه بوّب على هذا الحديث: "فتل القلائد للبُدن والبقر"، فحمل الحديث عليهما، ولم يذكر للغنم، قاله وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله عن البخاريّ غير صحيح، فقد بوّب البخاريّ بعد بابين لتقليد الغنم، فقال: "باب تقليد الغنم".
وقد ذكر الحافظ كلام وليّ الدين هذا، من غير تصريح باسمه، فقال: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاريّ في هذه الترجمة على الإبل، والبقر أنه موافق لمالك، وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلّد، وغفل هذا المتأخر عن أن البخاريّ أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة، كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حُجة إلا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حُجّة ضعيفة؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشعَر؛ لأنها ضعيفة عنه، فتقلّد بما لا يُضعفها. والحنفيّة في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى.
وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير بإهداء الغنم بأنّه ﷺ حجّ مرّة واحدة، ولم يهد فيها غنمًا. انتهى.
قال الحافظ: وما أدري ما وجه الحُجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حَجّته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرّد الترك لا يدلّ على نسخ الجواز.
ثم مَنِ الذي صرّح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حَجّته غنم،
стр. 14271
حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلّدة. ولابن أبي شيبة عن ابن عبّاس نحوه.
والمراد بذلك الردّ على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم، وتقليدها.
وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرّد عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرواة عنها، من أهل بيتها، وغيرهم، قال ابن المنذر وغيره: وليست هذه بعلّة؛ لأنه حافظ ثقة، لا يضرّه التفرّد. انتهى (١).
وحُكي عن بعضهم أنه تأوّل هذا الحديثَ على أن معناه أنها فتلت قلائد الهدي من الغنم، أي من صوف الغنم، ورُدّ هذا برواية الأسود، عن عائشة ﵂: "أهدى رسول الله ﷺ مرة إلى البيت غنمًا، فقلّدها"، لفظ مسلم، وفي لفظ له: "كنا نقلّد الشاء، فنرسل بها، ورسول الله ﷺ حلال، لم يحرم منه شيء". وفي لفظ للبخاريّ: "كنت أفتل قلائد النبيّ ﷺ ، فيقلّد الغنم". ولفظ أبي داود: "إن رسول الله ﷺ أهدى غنمًا مقلّدة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله هذا البعض باطل؛ لأن هذه الألفاظ لا تحتمله، والله تعالى المستعان.
وخلاصة الأمر أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب تقليد الغنم، كغيرها من الهدايا؛ لصحة أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أن تقليد الهدي، وإرساله هل يوجب إحرامًا، أم لا؟:
ذهب جمهور العلماء من السلف، والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن من أرسل هديًا إلى الكعبة لا يصير محرمًا بمجرّد ذلك، ولا يجري عليه حكم الإحرام، ولا يلزمه أن يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وسواء قلّد هديه، أم لم يقلّده.
стр. 14272
وذهبت طائفة إلى أنه يصير محرمًا بذلك، قال ابن المنذر: كان ابن عمر يقول: إن قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: سمعنا ذلك، وقال الثوريّ، وأحمد، وإسحاق: إذا قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: وجب عليه، وبه قال أصحاب الرأي. انتهى.
قال وليّ الدين ﵀: وحاصل كلامه قولان: أحدهما: أنه يصير محرمًا، والثاني: أنه يجب عليه الإحرام، وعدّهما ابن المنذر قولًا واحدًا، فإنه قال بعد ذلك: وفيه قول ثالث، فحكى المذهب المشهور، وكأن مراد الأخيرين: وجب عليه حكم الإحرام؛ لأنه قد صار محرمًا، فتتّحد المقالتان حينئذ.
وقال الخطّابيّ عن أصحاب الرأي تفريعًا على ما تقدّم نقله عنهم: فإن لم تكن له نية فهو بالخيار بين حجّ وعمرة.
وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلّد هديه، فقد أحرم عن ابن عمر، وابن عباس، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وسعد بن قيس، وميمون بن أبي شبيب، وأنه إذا قلّد فقد وجب عليه الإحرام عن ابن عباس، وهذا يدلّ على التأويل الذي قدّمته، وأن المراد بالعبارتين شيء واحد لكونهما معًا عن ابن عباس.
وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد أحرم عن ابن عباس، وأبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وأنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد وجب عليه الإحرام عن إبراهيم النخعيّ، وكذا حكى الخطابيّ عن سفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق أنه إذا أراد الحجّ، وقلّد، فقد وجب عليه، وهذا المذكور آخرًا فيه التقييد بأن يكون يريد الإحرام، فإن لم يحمل الإطلاق الأول على التقييد الثاني، وغايرنا بين الإحرام، وإيجاب الإحرام حصل قولان آخران مع القولين الأولين، ويدلّ على أن ذلك لا يتقيد بإرادة الإحرام في قولٍ ما رواه ابن أبي شيبة عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير أنه رأى ابن عباس، وهو أمير البصرة، متجرّدًا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلّد، فلذلك تجرّد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة، وربّ الكعبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، وابن أبي الأسود، قالا: ليس له أن يقلّد، ولا يحرم إلا إن شاء يومًا، أو يومين. (وهذا مذهب خامس).
стр. 14273
وحاصله أنه بالتقليد يجب عليه الإحرام، وله تأخيره يومًا، أو يومين، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن البصريّ أنه إن فعل في أشهر الحجّ وجب عليه الحجّ، وإن كان في غير أشهره لم يجب. (وهذا مذهب سادس).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن سعيد بن المسيب، والحسن البصريّ أن من بعث بهديه لا يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم، إلا ليلة جمع، فإنه يمسك عن النساء. (وهذا مذهب سابع).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عمر، وعلىّ، وابن عباس، وابن عمر أنه إذا أرسل بدنته، أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي. وهذا (مذهب ثامن)؛ لأنه لم يقيّد ذلك بالتقليد، ولم يقل: إنه محرم، ولا وجب عليه الإحرام، وإنما قال: يمسك عما يمسك عنه المحرم، وهو الذي في "صحيح مسلم" عن ابن عباس أنه قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاجّ حتى ينحر الهدي، وهذا أصح ما روي عن ابن عباس في هذا، والله أعلم.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن جعفر بن محمد أنه إذا أرسل بدنته واعدهم يومًا، فإذا كان ذلك اليوم الذي واعدهم أن يُشعَر أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي، وهذا مثل الذي قبله في الإمساك خاصّة، ويخالف بأنه لا يرتبه على مجرد الإرسال، بل لا بدّ معه من الإشعار، فهو (مذهب تاسع).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن محمد بن سيرين، قال: إذا بعث الرجل بالهدي أمر الذي يبعث به معه أن يقلّد يوم كذا وكذا من ذلك اليوم، ثم يمسك عن أشياء مما يمسك عنها المحرم، وهذا (مذهب عاشر)؛ لأنه لا يطّرد المنع في كلّ ما يجتنبه المحرم، بل يثبت ذلك في بعضها، دون جميعها.
واعلم أن كل من رتّب هذا الحكم على التقليد رتّبه على الإشعار أيضًا، فهو في معناه.
فهذه عشرة مذاهب شاذّة إن لم تؤول، وتردّ إلى مذهب واحد، وكلام النوويّ يقتضي التأويل، فقال في "شرح مسلم" في الكلام على هذا الحديث: فيه أن من بعث هديه لا يصير محرمًا، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على
стр. 14274
المحرم، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا رواية حكيت عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابيّ عن أصحاب الرأي أيضًا أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرمًا من غير نية الإحرام.
وقال في "شرح المهذب": إذا قلّد هديه، أو أشعره لا يصير محرمًا بذلك، وإنما يصير محرمًا بنية الإحرام، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، ونقل الشيخ أبو حامد عن ابن عباس، وابن عمر أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وهذا فيه تساهل، وإنما مذهب ابن عباس أنه إذا قلّد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يُنحَر هديُهُ، وكذا مذهب ابن عمر إن صحّ عنه في هذه المسألة شيء. انتهى، فذكر في "شرح مسلم" بعث الهدي، وفي "شرح المهذّب" تقليده. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
وقال في "الفتح" عند شرح ردّ عائشة على ابن عباس ﵄ ما نصّه: قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجّت عائشة بفعل النبيّ ﷺ ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعلّ ابن عباس رجع عنه. انتهى.
قال الحافظ: وفيه قصور، فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عليّة، عن أيوب، وابنُ المنذر من طريق ابن جريج، كلاهما عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم، إلا أنه لا يلبّي"، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيّب عنه نحو ذلك، وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عليّ بن الحسين، عن عمر، وعليّ، أنهما قالا في الرجل يُرسل ببدنته: "إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم"، وهذا منقطع، وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلىّ، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخعيّ، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسل الهدي، وأقام حَرُم عليه ما يحرم على المحرم.
стр. 14275
وقال ابن مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار.
ومن حجة الأولين ما رواه الطحاويّ، وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، فقدّ قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه، وقال: "إني أمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلّد اليوم، وتُشعَرَ على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي … " الحديث، وهذا لا حجة فيه؛ لضعف إسناده، إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرّد بذلك خطأ.
وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع، رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح.
نعم جاء عن الزهريّ ما يدلّ على أن الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عباس، ففي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عنه، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، قال: أوّل من كشف العَمَى عن الناس، وبيّن لهم السنة في ذلك عائشةُ، فذكر الحديث عن عروة، وعمرة، عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس.
وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرّد تقليده الهدي محرمًا، حكاه ابن المنذر عن الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، قال: وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي، وأمّ البيت، ثم قلّد وجب عليه الإحرام، قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء، ونقل الخطابيّ عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس، وهو خطأ عليهم، فالطحاويّ أعلم بهم منه، ولعل الخطابيّ ظنّ التسوية بين المسألتين. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أن أرجح الأقوال قول الجمهور: إن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام، ولا يُحَرِّم شيئًا، فمن بعث بالهدي، لا يلزمه إحرام، ولا اجتناب شيء مما يجتنبه
стр. 14276
المحرم؛ لحديث عائشة ﵂ المتّفق عليه الصريح في ذلك، وأما بقية الأقوال فليس عليها حجة، فلا يُلتفت إليها البتّة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"ابن شهاب" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" ٣/ ٣٩٥ فقال:
(٣٠٤٨) - ثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، أن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، فنبعث بالهدي مُقَلَّدًا، وهو مقيم بالمدينة، ثم لا يجتنب حتى يُنْحَرَ هديه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَن النَّبِيِ ﷺ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَىَّ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَحْوِهِ).
стр. 14277
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) أبو عثمان الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قريبًا.
٦ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيَّ إلخ) أي إن تلك الحال كأنها بمرأى مني الآن، لم تغب عن بصري.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" ٣/ ٣٩٥ فقال:
(٣٠٤٩) - ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي (ح) وثنا فاروق، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا الرماديّ، قالا: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: "كنت أفتل هدي رسول الله ﷺ بيديّ هاتين، ثم لا يجتنب مما يجتنبه المحرم". انتهى.
ورواية حماد بن زيد، عن هشام ساقها أبو نعيم أيضًا في "مستخرجه" ٣/ ٣٩٥ فقال:
(٣٠٥٠) - ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا الفريابيّ، ثنا قتيبة (ح) وثنا جعفر بن محمد، ثنا أبو حصين، ثنا يحيى الحِمّانيّ، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كأني أنظر إليّ، وأنا أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم لا يجتنب من شيء مما يجتنبه المحرم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14278
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كُنْتُ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَزِلُ شَيْئًا، وَلَا يَتْرُكُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٢ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
والباقون ذُكروا قبله، و"سفيان" هو: ابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح أول أحاديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثنا أفلَحُ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا، وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا) (١).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبي الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ/ مدنيّ، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عَابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
стр. 14279
٢ - (أفلَحُ) بن حُميد بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٧.
والباقيان ذُكرا قبله، و"القاسم" هو: ابن محمد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (١٩٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كَانَ لَهُ حِلًّا) وفي نسخة: "كان له حلالًا".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أيُّوبَ، عَن الْقَاسِمِ، وَأَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، أفتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ، أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٣١) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
стр. 14280
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقيان ذُكرا قبله، و"القاسم" هو: ابن محمد.
وقوله: (لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ) بضمّ حرف المضارعة، من الإمساك، يقال: أمسكت عن الشيء: إذا كففتَ عنه.
والحديث مضى البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا، يَأتِي مَا يَأتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأتي مَا يَأتي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ) بن يسار، ويقال: ابن مالك بن يسار، ويقال: ابن بشر بن مالك بن يسار النَّصْريّ، أبو عبد الله، من آل مالك بن يسار، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن ابن عون، وزيد بن أبي هاشم مولى بشر بن مالك بن يسار.
وروى عنه أحمد بن حنبل، والزعفرانيّ، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن هشام بن أبي خيرة، ونعيم بن حماد، ويحيى بن معين، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: الحسين بن الحسن من أصحاب ابن عون، من المعدودين من الثقات، دلَّهم عليه ابن مهدي، كان يحفظ عن ابن عون، وكان حسن الهيئة، ما علمته ثقة، كتبنا عنه، وقال النسائيّ: ثقة، وقال الساجيّ: ثقة صدوق مأمون تَكَلَّم فيه أزهر بن سعد، فلم يُلتَفَت إليه، ومثله
стр. 14281
يُجَلَّ عن هذا الموضع، يعني كتاب الضعفاء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٨).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣٢١)، و (١٥٤٧)، و (٢٩٣٢).
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا) قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قد اختُلف في العهن -بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء- فقيل: هو الصوف. وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا، وزاد في "الفتح": وقيل: هو الأحمر خاصّة.
قال وليّ الدين أيضًا: وقد ذكر أصحابنا الشافعيّة أن التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلّدها إما بذلك، وإما بخُرَب القِرَب -بضم الخاء المعجمة- وهي عُراها، وآذانها. وأما الإبل، والبقر، فقالوا: يستحبّ تقليدها بنعلين، من هذه النعال التي تُلبس في الرجلين في الإحرام، ويستحبّ أن يكون لها قيمة، ويتصدّق بهما عند ذبح الهدي.
وقال المالكية: ولو اقتصر على التقليد بنعل واحدة جاز، والأول أفضل، وقال الشافعية: لا تقلد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل، والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تقلد الإبل، والبقر بالْخُرَب، والخيوط، بل استحبّوا أن يكون بالنعال، وسكتوا عما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية: "فتلت قلائد بُدن رسول الله ﷺ ، ثم أشعرها، وقلّدها"، ومن المعلوم أن الإشعار لا يكون في الغنم، وتناوُل لفظِ البُدن للإبل متفق عليه، وإنما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وفيه -يعني قولها: "من عهن"- ردّ على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة،
стр. 14282
ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى، مع القول بجواز كونها من الصوف، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقولها: (يَأتي مَا يَأتي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ) كناية عن جماع زوجته.
وقولها: (أَوْ يَأتِي مَا يَأتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، ووقع في رواية النسائيّ: "وما يأتي الرجل من أهله" فيحتمل أن يكون من عطف التفسير لقولها: "ما يأتي الحلال من أهله"، ويحتمل أن تكون "من" في الأول بمعنى "في"، أي ما يفعله الحلال، وهو في أهله، من الطيب، واللباس، وغيرهما، وعليه يكون قولها: "وما يأتي الرجل من أهله" من عطف الخاصّ على العامّ، وهو الجماع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لًقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو
стр. 14283
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مكثر فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقولها: (مِنَ الْغَنَمِ) فيه ردّ على من نفى تقليد الغنم، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: "باب تقليد الغنم"، ثم أورد هذا الحديث؛ ردًّا على هؤلاء.
قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجةً، إلا قول بعضهم: إنها تَضْعُف عن التقليد، وهي حجة ضعيفةٌ؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشْعَر؛ لأنها تضعف عنه، فتقلَّد بما لا يضعفها، والحنفية في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى.
وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير إهداء الغنم بأنه ﷺ حج مرة واحدة، ولم يُهد فيها غنمًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه ﷺ أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حَجَّته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم مَنِ الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حَجَّته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدَّم مُقَلَّدة، ولابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه، والمراد بذلك الردّ على من ادَّعَى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها، وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد، عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرُّوَاة عنها من أهل بيتها وغيرهم، قال المنذريّ وغيره: وليست هذه بعلّة؛ لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ مشروعيّة تقليد الغنم،
стр. 14284
وأنها من جملة ما يُهدى إلى الحرم؛ لصحّة هذا الحديث، وأما الذين نفوا ذلك، فأحسن الأحوال أن يُعتذر عنهم بعد ثبوت الخبر بذلك لديهم، فتبصّر.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ اِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو كرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبت حافظ، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا).
стр. 14285
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وهم المذكورون في السند الماضي.
وقولها: (أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهبنا، ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحب، بل خَصّا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الردّ عليهما. انتهى (١).
والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الباب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ، فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَىْءٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) -بضمّ الميم، ثم حاء مهملة مخفّفة- الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٥/ ٩٠١.
٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.