عباس ذلك ترغيبًا للسامع في الاعتناء بخبره، وحَثًّا له على الاستماع له، وأنه
عِلْمٌ مُحَقَّقٌ، والله تعالى أعلم.
(بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً) اختَلَفت الروايات في مقدار البُدن التي بعث بها رسول الله ﷺ ، ففي هذه الرواية أنها ست عشرة بدنة، وفي الرواية التالية: "بثمانَ عشرة بدنةً"، ويمكن الجمع بتعدد القصة، أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة، إن كانت القصة واحدةً، قاله الشوكانيّ ﵀، وقال النوويّ ﵀: يجوز أنهما قضيتان، ويجوز أن تكون قضية واحدة، والمراد ثمان عشرة، وليس في قوله: "ست عشرة" نفي الزيادة؛ لأنه مفهوم عدد، ولا عمل عليه، والله أعلم. انتهى.
وأسند الواقديّ في أول غزوة الحديبية القصة بطولها، وفيها أنه ﷺ استَعْمَل على هديه ناجية بن جندب الأسلميّ، وأمره أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدنة، قال القاري ﵀: نَقْلُ الواقديّ مخالف لرواية مسلم، اللهم إلا أن يقال: العدد المذكور في رواية مسلم مختصّ بخدمة ناجية له، والباقي لغيره من رفقائه، كما يدل عليه قوله: وأمّره فيها.
(مَعَ رَجُلٍ) قيل: هو ناجية الْخُزاعيّ، وقيل: أبو قبيصة ذؤيب، كما سيأتي في الرواية الثالثة، وهذا فيه نظر؛ لأن حديث أبي قبيصة يرويه ابن عبّاس عنه، وهذا الحديث من مسند ابن عبّاس نفسه، فتأمّل (وَأمّرَهُ فِيهَا) بتشديد الميم: أي جعله أميرًا (فيها) أي لينحرها بمكة (قَالَ) الراوي، وهو ابن عبّاس ﵄ (فَمَضَى) أي ذهب الرجل منطلقًا إلى مكة (ثُمَّ رَجَعَ) ليستفسر النبيّ ﷺ فيما يصنعه إن حدث في البدن شيء (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِع عَلَىَّ) -بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال، مبنيًّا للمفعول: أي بما حُبِس عليّ من الْكَلال (مِنْهَا؟) أي من تلك البُدن، يقال: أبدعَتِ الراحلةُ: إذا كَلّت، وأَعْيت، حتى وَقَفت من الإعياء، وأُبْدِع بالرجل على بناء المجهول: إذا انقَطَعت راحلته به لكلال، ولم يقل هنا: أُبْدِع بي؛ لأنه لم يكن هو راكبًا؛ لأنها كانت بدنة يسوقها، بل قال: "أُبْدِع عليّ"؛ لتضمين معنى الحبس، كما ذكرنا (١). (قَالَ:
стр. 14317
"انْحَرْهَا) أي البُدن التي أُبدعت، وفي حديث ذؤيب أبي قبيصة ﵁ الآتي: "إن عَطِب منها شيء، فخَشِيتَ عليه موتًا، فانحرها" (ثُمَّ اصْبُغْ) -بضم الموحدة، ويجوز فتحها، وكسرها، فهو من باب نفع، ونصر، وضرب (نَعْلَيْهَا) وفي حديث ذؤيب ﵁: "ثم اغمس نعلها" بالإفراد، ولا تَخالف بين الروايتين؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى المثنّى: أي النعل التي قلّدتها في عنقها (فِي دَمِهَا) أي دم البُدن التي نحرتها (ثُمَّ اجْعَلْهُ) ذكّر الضمير، وأفرده بتأويل المذكور، أي اجعل المذكور من النعلين المصبوغين (عَلَى صَفْحَتِهَا) -بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء، هو: الجانب من كلّ شيء، وجمعها صفحات، مثلُ سَجْدة وسجدات، ومثله الصفح بلا هاء، والمعنى: اجعل النعلين على جانب سنام البُدن، وإنما يفعل ذلك؛ ليُعْلَم أنه هديٌ عَطِبَ، فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحُكِي عن مالك أنه قال: أمره بذلك؛ ليُعْلَم أنه هدي فلا يستباح إلا على الوجه الذي ينبغي، وفي حديث ذُؤيب: "ثم اضرب به صفحتها". (وَلَا تَأكُلْ مِنْهَا أَنْتَ) للتأكيد (وَلَا أَحَدٌ) أي ولا يأكل أحد (مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ") - بضم الراء، وفتحها، وكسرها، وسكون الفاء، قال المجدّ ﵀: الرّفقة مثلثة، وكثُمَامة: جماعة تُرافقهم، جمعه ككتاب، وأصحاب، وصُرَد. انتهى (١).
وقال الشوكانيّ: الرفقة -بضم الراء وكسرها- لغتان مشهورتان، أي رفقاؤك، فـ "أهلِ" زائد، وقال البوصيري: بضم الراء وكسرها وسكون الفاء: جماعة ترافقهم في سفرك، والأهل مقحم.
وقال الطيبيّ ﵀: لا يأكل الرفقاء سواء كانوا فقراء، أو أغنياء، وإنما مُنِعوا ذلك قطعًا لأطماعهم؛ لئلا ينحرها أحد، ويتعلل بالعطب. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المُهْدِي في الأكل وغيره، دون باقي القافلة.
والثاني: وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نصّ الشافعيّ، وكلام جمهور
стр. 14318
أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة؛ لأن السبب الذي مُنعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة.
[فإن قيل]: إذا لم تُجَوِّزوا لأهل القافلة أكله، وقلتم بتركه في البرية، كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال.
[قلنا]: ليس فيه إضاعة مال، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم، يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة، ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤/ ٣٢١٧ و ٣٢١٨] (١٣٢٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٧ و ٢٤٤ و ٢٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٢٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤٢) و"المعرفة" (٤/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب بعث الهدايا إلى مكة، وإن لم يذهب بنفسه.
٢ - (ومنها): بيان جواز توكيل من يقوم ببُدنه.
٣ - (ومنها): بيان أن من بُعِث معه هدي إلى الحرم، فعَطِب في الطريق قبل بلوغ محله، أنه ينحره، ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها؛ ليَعْلَم مَن مَرّ بها أنها هدي، فينتفع بها.
٤ - (ومنها): بيان عدم جواز أكلها لأحد من أهل رفقته، قال
стр. 14319
النوويّ ﵀: إذا عَطِب الهديُ وجب ذبحه، وتخليته للمساكين، ويحرم الأكل منها عليه، وعلى رفقته الذين معه في الركب، سواء كان الرفيق مخالطًا له، أو في جملة الناس من غير مخالطة، والسبب في نهيهم قطع الذريعة؛ لئلا يَتَوَصَّل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل أوانه. انتهى (١).
٥ - (ومنها): بيان جواز أكله لسائر الناس إذا كانوا بصفة الاستحقاق؛ لقوله ﷺ : "ثم خلّ بينها وبين الناس، فليأكلوا"، رواه مالك في "الموطّإ"، والدارميّ، وابن حبّان في "صحيحه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الأكل من الهدي إذا عَطِبَ، فنَحَره:
قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في الأكل من الهدي إذا عطب، فنحره، فقال الشافعيّ: إن كان هدي تطوع، كان له أن يفعل فيه ما شاء، من بيع، وذبح، وأكل، وإطعام، وغير ذلك، وله ترْكه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه مُلْكه، وإن كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن ترَكه حتى هلك لزمه ضمانه، كما لو فَرَّط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه، غمس نعله التي قلّده إياها في دمه، وضرب بها صفحة سنامه، وترَكه موضعه؛ ليَعْلَم مَن مَرَّ به أنه هديٌ، فيأكله، ولا يجوز للمهدي، ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا؛ لأن الهدي مُسْتَحَقٌّ للمساكين، فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة، ولا يجوز لفقراء الرفقة. انتهى (٢).
وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀: إن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا، فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي، كالنذر المعيّن للمساكين، ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر.
стр. 14320
قال: (واعلم): أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه فلا يجوز إطعامه إلا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم، وكُره عندهم إطعام الذميين منه.
وأما هدي التطوع، فالظاهر أنه إن عطب في الطريق أُلقيت قلائده في دمه، وخُلِّي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مُرْسَل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه، وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه لم يتعلق بذمته، وأما مذهب الشافعيّ، وأصحابه، فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عَطِب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما يشاء، من بيع، وأكل، وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك.
وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع، إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله، فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء.
قال: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النصّ به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن يُترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى. انتهى (١).
وأما حكم الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فقال الخرقيّ ﵀: من ساق هديًا واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء، وعليه مكانه، قال ابن قدامة ﵀: الواجب من الهدي قسمان:
أحدهما: ما وجب بالنذر في ذمته، والثاني ما وجب بغيره، كدم التمتع
стр. 14321
والقران والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، وجميع ذلك ضربان: أحدهما: أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه من غير أن يعيّنه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفْعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيّب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الذي كان واجبًا.
الضرب الثاني: أن يعيّن الواجب عليه بالقول فيقول: هذا الواجب علي، فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عَطِبَ أو سُرِقَ، أو ضل، أو نحو ذلك لم يُجْزِه، وعاد الوجوب إلى ذمته، وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا.
وروي عن أحمد أنه يذبح المعيب، وما في ذمته جميعًا، ولا يرجع المعيّن إلى ملكه. انتهى.
وقال الشنقيطيّ ﵀: الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو بغيره، والواجب بالنذر إما معيّن، أو غير معيّن، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر، كهدي التمتع والقران والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته، كأن يقول: لله عليّ نذر أن أهدي هديًا؛ أن لجميع ذلك حالين:
(الأولى): أن يكون ساق ما ذُكِر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه، من غير أن يعيّنه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي.
(والحالة الثانية): هي أن بسوقه ينوي الهدي المذكور مع تعيينه بالقول، فإن نواه ولم يعيّنه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه، ولا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفْعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع؛ لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عُطب، لأنه عُطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دَين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدَّين بغير التالف لأنه تلف في ذمته، وإن تعيّب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا، ويفعل بالذي تعيّب ما شاء؛ لأنه لم يزل في ملكه
стр. 14322
وضمانه، والذي يظهر: أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب؛ لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته حتى يوصله إلى مستحقه، والظاهر أن له نماؤه. وأما الحالة الثانية وهي ما إذا نواه وعيّنه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب علي. والظاهر أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سُرق أو ضلّ أو نحو ذلك لم يُجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدي آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار، والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدي لازم في ذمته وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم؛ لأن حقهم باق في الذمة فله بيعه وأكله وكل ما شاء، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وعن مالك: يأكل ويُطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه، وسُرِق فلا شيء عليه عند أحمد، قال في "المغني": وبهذا قال الثوريّ، وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه الإعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه، ولنا: أنه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرّقه، ودليل أنه أدى الواجب: أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة، بدليل أنه لو خَلَّى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبيّ ﷺ البدنات قال: من شاء اقتطع. انتهى.
قال الشنقيطيّ ﵀: وأظهر القولين عندي أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًّا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ويقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، والآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه وبين الفقراء، يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإذن لهم في ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من عدم وجوب الإعادة عليه هو الأرجح؛ لأن معنى الإطعام المذكور في الآيتين قد بيّنه ﷺ -
стр. 14323
حيث قال بعد أن نحر خمس بدنات، أو ستًّا: "من شاء اقتطع" (١)، وهو حديث صحيح، فبيّن أن المطلوب هو النحر، ثم التخلية بينه وبين مستحقيه، لا تفريقه بينهم، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا ضل الهدي المعيّن، فذبح غيره، ثم وجد الضالّ.
قال العلّامة ابن قدامة ﵀: وإن ضلّ المعيّن، فذبح غيره، ثم وجده، أو عين غير الضالّ بدلًا عما في الذمة، ثم وجد الضالّ ذبحهما معًا، رُوي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس ﵃، وفعلته عائشة ﵂، وبه قال مالك، والشافعيّ، وإسحاق، ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما، لأنه قد ذبح ما في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعيّن، وهذا قول أصحاب الرأي.
ووجه الأول ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها أهدت هديين، فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين، فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، رواه الدارقطنيّ، وهذا منصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ (٢).
قال الشنقيطي بعد ذكره ما تقدّم: وليس في المسألة شيء مرفوع، والأحوط ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر والعلم عند الله تعالى، ثم قال: إن الهدي إن كان معيّنًا بالنذر من الأصل بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه أو معيّنًا تطوعًا، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرّط فيها حتى مات كان عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده، أما لو مات بغير تفريطه أو ضل أو سُرق فليس عليه بدل عنه؛ لأنه لم يتعلق الحق بذمته بل بعين الهدي، والأظهر عندي إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله وينحره بالحرم بدلًا عن الذي فرّط فيه، وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على
стр. 14324
مساكين الحرم فله وجه من النظر، والله أعلم، ولا نص في ذلك. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ ﵀، وهو بحثٌ جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيما يجوز الأكل منه من الهدايا إذا بلغت محلها، وما لا يجوز:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين.
وذهب أحمد في المشهور عنه إلى أنه لا يؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية.
قال في "الفتح" -عند شرح ما رواه البخاريّ عن ابن عمر معلقًا: أنه قال: لا يؤكل من جزاء الصيد، والنذر، ويؤكل من سوى ذلك-: وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك، وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن أحمد: لا يؤكل إلا من هدي التطوع، والتمتع، والقران، وهو قول الحنفية؛ بناءً على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك، لا دم جبران. انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀: المذهب أنه يأكل من هدي التمتع، والقران، دون ما سواهما، نصّ عليه أحمد، قال: وهذا قول أصحاب الرأي، وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد، ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله لله تعالى، بخلاف غيرهما.
وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمّه للمساكين، ولا مدخل للإطعام فيه، فأشبه التطوع.
وقال الشافعيّ: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه، كدم الكفارة.
قال ابن قُدامة: ولنا أن أزواج النبيّ ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع،
стр. 14325
وأدخلت عائشة الحج على العمرة، فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبيّ ﷺ البقرة، فأكلن من لحومها، قال أحمد: قد أكل من البقرة أزواج النبيّ ﷺ في حديث عائشة ﵂ خاصة.
وقال ابن عمر ﵄: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فساق الهدي من ذي الحليفة. متفق عليه.
وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعِلت في قِدْر، فأكل هو وعليّ من لحمها، وشربا من مرقها. رواه مسلم.
ولأنهما دماء نسك فأشبها التطوع، ولا يؤكل من غيرهما؛ لأنه يجب بفعل محظور، فأشبه جزاء الصيد، فأما هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، فيستحب أن يأكل منه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأن النبيّ ﷺ أكل من بُدنه، وقال جابر ﵁: كنا لا نأكل من بُدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبيّ ﷺ ، فقال: "كلوا، وتزوّدوا"، فأكلنا وتزوّدنا، رواه البخاريّ، وإن لم يأكل فلا بأس، فإن النبيّ ﷺ لما نحر البدنات الخمس قال: "من شاء اقتطع"، ولم يأكل منهن شيئًا. انتهى.
قال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ -بعد ذكر مذاهب الأئمة-: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة هو جواز الأكل من هدي التطوع، وهدي التمتع، والقران دون غير ذلك، والأكل من هدي التمتع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب الأكل منه، أو وجوبه، ومعلوم أن النبيّ ﷺ ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع أنه أهدى مائة من الإبل، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوُّع، وقد أكل منها، وشرب من مرقها جميعًا.
وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما ثبت في "الصحيحين" أن أزواج النبيّ ﷺ ذبح عنهن النبيّ ﷺ بقرة، ودُخِل عليهن بلحمه، وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذُبح عنهنّ في تمتعهن، وقرانهن بأمره ﷺ ، وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران.
стр. 14326
أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾؛ لأنه لترك واجب، أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند الله تعالى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الشيخ الشنقيطيّ ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢١٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِثَمَانَ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلىُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم أيضًا قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله.
وقوله: (بِثَمَانَ عَشْرَةَ بَدَنَةً) تقدّم الجمع بينه وبين الرواية السابقة بلفظ: "بستّ عشرة بدنة" بحمله على قضيّتين، أو بأن مفهوم العدد لا يُعتبر، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أبي التّيّاح هذه ساقها ابن الجارود ﵀ في "المنتقى" ١/ ١١٣ فقال:
(٤٢٥) - حدّثنا الحسن بن محمد الزعفرانيّ، قال: ثنا إسماعيل ابن عُليّة، عن أبي التّيّاح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ
стр. 14327
بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل، فأمره فيها بأمره، فانطلق، ثم رجع إليه، فقال: أرأيت إن أُزحف عليّ منها شيء؟ قال: "انحرها، ثم اصبغ نعلها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل رفقتها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢١٩] (١٣٢٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ذُؤيبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِس نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أنتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (سِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ) بن المحبّق، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو جبير، ويقال: أبو بشر الْهُذليّ البصريّ، ولد يوم حُنين، وله رؤية، ثقةٌ [٢].
قال وكيع عن أبيه، عن سنان: وُلدتُّ يوم حرب، كان لرسول الله ﷺ ، فسمّاني سنانًا.
رَوى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وعمر بن الخطاب، وابن عباس.
стр. 14328
وروى عنه قتادة، وقيل: لم يسمع منه، وحبيب بن عبد الله الأزدي، وسلمة بن جنادة الهذليّ، وغيرهم.
قال خليفة: ولاه زياد غزو الهند سنة خمسين، وله خبر عجيب في غزو الهند، قال إبراهيم بن الجنيد: قلت لابن معين: إن يحيى بن سعيد يزعم أن قتادة لم يسمع من سنان بن سلمة الهذليّ حديث ذؤيب الخزاعيّ في البُدن، فقال: ومن يشك في هذا، إن قتادة لم يسمع منه، ولم يلقه؟ قيل: مات في آخر أيام الحجاج.
وذكره ابن حبان في "الصحابة"، فقال: وُلد يوم حنين، وأحاديث قتادة عنه مدَلَّسة، مات في آخر ولاية الحجاج، وذكر عمرُ بن شبة أن مُعصبًا استخلفه على البصرة لما خرج لقتال عبد الملك بن مروان، وذلك سنة اثنتين وسبعين، وقال ابن أبي حاتم: روى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وقال في "المراسيل": سئل أبو زرعة هل له صحبة؟ فقال: لا، ولكن وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، وقال العجليّ: هو تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، وذكره في موضع آخر، فقال: كان معروفًا قليل الحديث.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (ذُؤيبٌ أَبُو قَبِيصَةَ) هو: ذُؤيب بن حَلْحَلة بن عمرو بن كُليب الْخُزاعيّ، والد قبيصة، رَوَى عن النبيّ ﷺ في البُدن إن عَطِب منها شيء، وعنه ابن عباس ﵄، قال ابن الْبَرْقيّ: جاء عنه حديث واحد، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: أُتِي النبيّ ﷺ بقبيصة بن ذُؤيب ليدعو له بعد وفاة أبيه، وهذا يدلّ أن ذؤيبًا مات في عهد النبيّ ﷺ ، وقد قال ابن عبد البرّ: ذؤيب بن حلحلة، ويقال: ابن حَبِيب بن حلحلة، كان صاحب بُدن النبيّ ﷺ ، وشَهِد الفتح، وكان يسكن قُدَيدًا، وعاش إلى زمن معاوية ﵁، قال: وأما أبو حاتم، ففرّق بين ذؤيب بن حلحلة، وبين ذويب بن حبيب، والصواب أنهما واحد، وكذا قال ابن سعد، وأبو القاسم البغويّ، وأنه بقي إلى زمن معاولة ﵁.
стр. 14329
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "التفرد"، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط.
و"ابن عبّاس" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: ("إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ) يقال: عَطِبَ الشيءُ، من باب تَعِبَ: هلك، والمراد هنا قرب هلاكه، بدليل قوله: "فخشيت".
وقوله: (وَلَا تَطْعَمْهَا) من باب تَعِب، وتمام شرح الحديث يُعلم مما مضى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ذؤيب بن حلحلة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الحفّاظ على مسلم ﵀، فقد انتقده الحافظ أبو عمّار الشهيد (ت ٣١٧ هـ) ﵀، فقال: ووجدت فيه -أي في "صحيح مسلم"- حديثَ سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس أن ذؤيبًا الْخُزاعي حدّث عن النبيّ ﷺ : كان يبعث معه بالبُدن … الحديث، ورواه معمر بن راشد، عن قتادة نحوه، ورواه همام، عن قتادة، عن سنان، ولم يذكر ابن عباس، وأرسله، وهذا حديث لم يسمعه قتادة من سنان بن سلمة، وسمعه من سنان أبو التيّاح الضبعيّ. حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا أبو بكر -وهو ابن أبي الأسود- قال: قال يحيى القطّان: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، وسمعت عبد الله بن موسى بن أبي عثمان البغداديّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، إنما هو مرسل، قال أبو الفضل: قلت: وقد سمع قتادة من أخيه موسى بن سلمة، وسنان وموسى أخوان. انتهى كلام الحافظ الشهيد ﵀ (١).
وانتقده أيضًا الحافظ رشيد الدين العطّار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ) ﵀، فقال في
стр. 14330
"غرر الفوائد": أخرج مسلم ﵀ في "كتاب الحج" حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه، أن رسول الله ﷺ "كان يبعث معه بالبُدن … " الحديث.
قال الرشيد: وهذا الإسناد غير متصل عند جماعة من أهل النقل، فإن قتادة لم يسمع هذا الحديث من سنان بن سلمة، قاله الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وناهيك بهما جلالةً، ومعرفة بهذا الشأن، وذكر الحافظ أبو الفضل المقدسيّ أيضًا، أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه، عمدتها ما قاله يحيى القطان وابن معين.
قال الرشيد: ومما يؤيد ذلك أن سنان بن سلمة هذا هو سنان بن سلمة بن المحبِّق معدود في الصحابة ﵃، وله أيضًا رواية عن النبي ﷺ ، وقد نصّ الإمام أبو حاتم الرازي على أن قتادة لم يَلْقَ من أصحاب النبي ﷺ إلا أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِسَ، وذكر البخاريّ في "تاريخه" أنه سمع أنسًا، وأبا الطفيل، ولم يذكر له من الصحابة غيرهما.
والعذر لمسلم ﵀ أنه إنما أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد، في الشواهد؛ ليبيّن -والله أعلم- أنه قد رُوي من غير وجه، عن ابن عباس، وإلا فقد أخرجه قبل ذلك من حديث أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس ﵄ متصلًا، فثبت اتصاله في الكتاب. انتهى كلام رشيد الدين العطّار ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ رشيد الدين العطّار ﵀ فيما أجاب به عن المصنّف ﵀، وخلاصته أن الانتقاد مدعوم بأن المصنّف إنما أورده في المتابعة، لا في الأصول؛ ليُبيّن أن الحديث مروي بُطرُق، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤/ ٣٢١٩] (١٣٢٦)، و (ابن ماجه) في
стр. 14331
"المناسك" (٣١٠٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٢٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٨٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٥) - (بَابُ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْحَائِضِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٠] (١٣٢٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ"، قَالَ زُهَيْرٌ: يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَقُلْ: في).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وستأتي تراجمهم في شرح الحديث التالي، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ﵁ تقدّم أيضًا قبل بابين.
وقوله: (يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ) أي في كل طريق بعد انقضاء أيام منى، منهم من يطوف ومنهم من لم يطف، وقال القاري: أي بعد حجهم في كل طريق طائفًا وغير طائف.
وقوله: (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ) أي النفر الأول، وهو الذي يكون في اليوم الثاني من التشريق لمن تعجل، أو النفر الثاني، وهو في اليوم الثالث لمن تأخر، أو لا يخرجن أحدٌ من مكة، والمراد به الآفاقيّ.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي) يعني أن زهير بن حرب قال في روايته: "ينصرفون كلّ وجه" بنصب "كلَّ" على الظرفيّة بدل قول سعيد: "في كلّ وجه" بـ "في" الجارّة، وهذا من ورع المصنّف واحتياطه، وتدقيق التمسّك بألفاظ الشيوخ؛ أداءً للأمانة العلميّة، ببيان
стр. 14332
اختلافهم في الألفاظ، وإن لم يختلف المعنى، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله يأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- وإنما أخّرته إليه؛ لأنه اللفظ المتّفق عليه، بخلاف هذا، فإنه من أفراد المصنّف ﵀.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢١] (١٣٢٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عَن الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكىّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقة [٥] (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٨.
٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، تقدّم قريبًا.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وأما قوله: "واللفظ لسعيد"، فأراد به اختلافهما في لفظ المتن، فلفظ سعيد هو الذي مرّ في الحديث الماضي، وأما ما هنا فهو لفظ أبي بكر، شيخه الثاني.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، سوى أبي بكر، فكوفيّ، وطاوس وابنه، فيمانيّان.
стр. 14333
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ) كذا هو في هذه الرواية بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله، والمراد به النبيّ ﷺ ، وكذا قوله: "خُفِّف"، وقد رواه سفيان أيضًا عن سليمان الأحول، عن طاوس، في الرواية السابقة، فصرّح فيه بالرفع، حيث قال ابن عباس ﵄: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت".
قال في "الفتح": وأخرجه مسلم هو، والذي قبله عن سعيد بن منصور، عن سفيان بالإسنادين فرّقهما، فكأن طاوسًا حدّث به على الوجهين، ولهذا وقع في رواية كلّ من الراويين عنه ما لم يقع في رواية الآخر. انتهى.
(أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ) أي الطواف به، كما رواه أبو داود، وقوله: "بالبيت" خبر "كان" (إِلّا أنهُ خُفِّفَ) بصيغة المجهول، من التخفيف، أي طوافُ الوداع (عَن الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) وفي معناها النفساء، وعلى هذا الاستثناء اتفاق جميع أهل العلم، واستدُلّ به على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وقد تقدم الكلام في ذلك، وصنيع البغويّ يدل على أن قوله: "إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" تتمة قوله: "لا ينفرنّ أحدكم، إلخ"، وليس كذلك، فإنه قد انتهى إلى قوله: "بالبيت"، والاستثناء المذكور إنما هو تتمة قول ابن عباس ﵄، وهو دليل على سقوط طواف الوداع عن المرأة الحائض، فلا يكون واجبًا عليها، ولا يلزمها دم بتركه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥/ ٣٢٢٠ و ٣٢٢١ و ٣٢٢٢] (١٣٢٧ و ١٣٢٨)،
стр. 14334
و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٢٩) و"الحجّ" (١٧٥٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠٠٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٦٦)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٧٠)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٣١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٩٩ و ٣٠٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٦١) و"الصغرى" (٤/ ٣٥٦) و"المعرفة" (٤/ ١٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب طواف الوداع؛ للأمر المؤكّد به في قوله ﷺ : "لا ينفرنّ"، وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلا من أمر مؤكَّد، قال النوويّ ﵀: في الحديث دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء. انتهى.
٢ - (ومنها): بيان سقوطه عن الحائض، ومثلها النفساء، ولا يلزمهما بتركه دم، قال النوويّ ﵀: الحديث دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض، وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافةً، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ أنهم أمروها بالْمُقام لطواف الوداع، دليل الجمهور هذا الحديث، وحديث صفية ﵂ المذكور بعده. انتهى، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): أنه استدلّ به من قال بوجوب الطهارة للطواف بالبيت، وهو استدلال واضح.
٤ - (ومنها): بيان أن وقت طواف الوداع هو آخر الأمر من شؤون الحجاج عند مفارقة البيت الحرام، قال ابن قُدامة ﵀: ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبيّ ﷺ : "حتى يكون آخر عهده بالبيت". انتهى.
стр. 14335
٥ - (ومنها): بيان أن قوله ﷺ : "لا ينفرنّ إلخ" فيه دلالة على أن طواف الوداع لا يجب إلا على من أراد الخروج من مكة من أهل الآفاق، فلا يجب على أهل مكة؛ لأنهم لا ينفرون، قال ابن قُدامة ﵀: ومن كان منزله في الحرم، فهو كالمكيّ لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبًا منه فظاهر كلام الخرقيّ أنه لا يخرج حتى يودّع البيت، وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي في أهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في عدم وجوب طواف الوداع.
قال: ولنا عموم قوله ﷺ : "لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، ولأنه خارج من مكة، فلزمه التوديع كالبعيد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم طواف الوداع: قال النوويّ ﵀: في الحديث دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء، منهم الحسن البصريّ، والحكم، وحمادٌ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمدُ، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. انتهى.
قال في "الفتح": والذي رأيته في "الأوسط" لابن المنذر أنه واجب؛ للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء. انتهى.
قال الشوكانيّ ﵀: قد اجتمع في طواف الوداع أمره ﷺ به ونهيه عن تركه، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب.
وقال ابن قدامة ﵀: طواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ والشافعيّ، وقال أيضًا: من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها، أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق، لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حَلّ له
стр. 14336
النفر لم يسقط عنه الطواف، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه غير مفارق، فلا يلزمه وداع، كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبيّ ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وهذا ليس بنافر.
فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يُوَدِّع البيت بطواف، وهو واجب من تركه لزمه دم، وبذلك قال الحكم، وحمادٌ، والثوريّ، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الشافعيّ في قول له: لا يجب بتركه شيء، وبه قال مالك، كما تقدم، لأنه يسقط عن الحائض، فلم يكن واجبًا.
قال: ولنا ما روى ابن عباس ﵄ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلخ". ولمسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها؛ إذ لو كان ساقطًا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من بيان أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وأدلّتهم أن الأرجح قول الجمهور، وهو وجوب طواف الوداع على الآفاقيّ، إلا الحائض والنفساء؛ لوضوح أحاديث الباب في ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهات]:
(الأول): قال ابن قُدامة ﵀: إن أخّر طواف الزيارة، فطافه عند الخروج، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمر أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شُرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد بركعتين، تجزئ عنهما المكتوبة، وعنه -أي عن الإمام أحمد- لا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنهما عبادتان واجبتان، فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى، كالصلاتين الواجبتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الرواية الأولى أرجح، لظهور
стр. 14337
حجتها، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(الثاني): إن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة، أو إقامة فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا طاف للوداع بعدما حلّ له النفر أجزأه، وإن أقام شهرًا، أو أكثر؛ لأنه طاف بعدما حل له النفر، فلم يلزمه إعادته، كما لو نفر عقيبه.
وحجة الأولين ظاهر قوله ﷺ : "لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت"، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعًا في العادة، فلم يجزئه، كما لو طافه قبل حل النفر، قاله ابن قُدامة ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الأولون أرجح؛ لظاهر الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم.
فأما إن قضى حاجةً في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه في طريقه لم يُعِده؛ لأن ذلك ليس بإقامة تُخرِج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك، والشافعي، قال ابن قُدامة: ولا نعلم مخالفًا لهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(الثالث): إن خرج قبل طواف الوداع رجع فطاف، إن كان بالقرب، وإن بَعُدَ بعث بدم، هذا قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق وأبي ثور.
قال ابن قُدامة ﵀: والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر، نَصّ عليه أحمد، وهو قول الشافعيّ، وقال الثوريّ: حدّ ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو بعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر، فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في طواف الوداع للحائض: قال الإمام ابن المنذر ﵀: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع،
стр. 14338
وكأنهم أوجبوه عليها، كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر، ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر، وتطوف بالبيت، قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر، وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة.
وأشار برجوع ابن عمر إلى ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" بعد حديث ابن عبّاس هذا عن طاوس قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعدُ: إن الله رخّص لهنّ.
وأشار برجوع زيد بن ثابت إلى ما يأتي لمسلم في الحديث التالي.
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض، فقد فرغت، إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت، وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبيّ ﷺ غيره، فروى أحمد، وأبو داود، والنسائىّ، والطحاويّ، واللفظ لأبي داود، من طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفيّ، قال: أتيت عمر، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث: كذلك أفتاني، وفي رواية أبي داود: هكذا حدثني رسول الله ﷺ .
واستدل الطحاويّ بحديث عائشة ﵂ على نسخ حديث الحارث في حق الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم ﵂ عند أبي داود الطيالسيّ أنها قالت: حِضتُ بعدما طُفت بالبيت، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنفر. انتهى (١).
وقال ابن قدامة ﵀: المرأة إذا حاضت قبل أن تُوَدِّع خرجت، ولا وداع عليها، ولا فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد رُوي عن عمر، وابنه أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع، وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه، كما روى مسلم، ورُوي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة
стр. 14339
أيضًا (١)، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية ﵂ حين قالوا: يا رسول الله إنها حائض، فقال: "أحابستنا هي؟ " قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: "فلتنفر إذًا"، ولا أمرها بفدية ولا غيرها، وفي حديث ابن عباس ﵄: "أُمِر الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفّف عن المرأة الحائض"، والحكم في النفساء كالحكم في الحائض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من بيان أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن الحائض ومثلها النفساء لا يجب عليها طواف الوداع، ويُعتذر عن عمر ﵁ بأنه لم يبلغه حديث الرخصة، وإلا لكان أولى الناس عملًا به، ورجوعًا إليه، كما فعل ابنه عبد الله، وكما فعل زيد بن ثابت ﵃، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ قَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا فَسَلْ (٢) فُلَانَةَ الْأنصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ).
стр. 14340
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله بباب.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُسٍ) أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِذْ قَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ) ﵄، و"إذ" ظرفيّة متعلّقة بـ "كنت"، أي وقت قوله (تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟) هذا الكلام استفهام إنكاريّ بتقدير همزة الاستفهام، وفي رواية النسائيّ في "الكبرى": عن طاوس قال: "كنت عند ابن عباس، فقال له زيد بن ثابت: أأنت الذي تفتي المرأة الحائض أن تنفر قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: سل فلانة الأنصارية، هل أمرها رسول الله ﷺ أن تنفر؟ فسألها، ثم رجع، وهو يضحك، فقال: الحديث كما حدثتني" (١).
وللإسماعيلي بعد قوله: "أنت الذي إلخ": "قال: نعم، قال: فلا تفت بذلك، قال: فسل فلانة"، والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن جريج قال: وقال عكرمة بن خالد، عن زيد وابن عباس نحوه، وزاد فيه: "فقال ابن عباس: سل أم سليم، وصواحبها هل أمرهن رسول الله ﷺ بذلك؟ فسألهنّ، فقلن: قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك".
قال الحافظ ﵀: وقد عُرِف برواية عكرمة الماضية، أن الأنصارية هي أم سليم، وأما صواحبها فلم أقف على تسميتهنّ. انتهى (٢).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، من طريق أيوب، عن عكرمة، أن أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄ عن امرأة طافت، ثم حاضت، قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدِموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية. رواه خالد، وقتادة، عن عكرمة. انتهى.
стр. 14341
قوله: "فكان فيمن سألوا أم سليم"، قال في "الفتح": في رواية الثقفيّ: "فسألوا أم سليم وغيرها، فذكرت صفيةَ"، كذا ذكره مختصرًا وساقه الثقفيّ بتمامه، قال: "فأخبرتهم أن عائشة قالت لصفية: أفي الخيبة أنت، إنك لحابستنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما ذاك؟ " قالت عائشة: صفية حاضت، قيل: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذًا"، فرجعوا إلى ابن عباس، فقالوا: وجدنا الحديث كما حدثتناه".
وقوله: "رواه خالد" يعني الحذاء، وقتادة عن عكرمة، أما رواية خالد فوصلها البيهقيّ من طريق معلى بن منصور، عن هشيم، عنه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "إذا طافت يوم النحر، ثم حاضت فلتنفر"، وقال زيد بن ثابت: "لا تنفر حتى تطهر، وتطوف بالبيت"، ثم أرسل زيد بعد ذلك إلى ابن عباس: إني وجدت الذي قلت كما قلت.
وأما رواية قتادة، فوصلها أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، قال: حدّثنا هشام هو الدستوائيّ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: "اختَلَف ابن عباس، وزيد بن ثابت، في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس: "تنفر إن شاءت"، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيدًا، فقال: سلوا صاحبتكم، أم سليم، يعني فسألوها، فقالت: حِضتُ بعدما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنفر، وحاضت صفية، فقالت لها عائشة: حبستنا، فأمرها النبيّ ﷺ أن تنفر"، ورواه سعيد بن أبي عروبة في "كتاب المناسك" عن قتادة، عن عكرمة نحوه، وقال فيه: "لا نتابعك إذا خالفت زيد بن ثابت"، وقال فيه: "وأنبئت أن صفية بنت حيي حاضت بعدما طافت بالبيت يوم النحر، فقالت لها عائشة: الخيبة لك، حبستنا، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ ، فأمرها أن تنفر"، وهكذا أخرجه إسحاق في "مسنده" عن عبدة، عن سعيد، وفي آخره: "وكان ذلك من شأن أم سليم أيضًا، أفاده في "الفتح" (١).
(فَقَالَ لَهُ) أي لزيد بن ثابت ﵁ (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِمَّا لَا) قال
стр. 14342
النوويّ ﵀: "إمّا لا" بكسر الهمزة، وفتح اللام، وبالإمالة الخفيفة، هذا هو الصواب المشهور، وقال القاضي عياض: ضبطه الطبريّ، والأصيليّ: "إِمّا لِي" بكسر اللام، قال: والمعروف في كلام العرب فتحها، إلا أن تكون على لغة من يميل.
وقال المازريّ: قال ابن الأنباريّ: قولهم: "افعل هذا إما لا" فمعناه: افعل كذا وكذا، إن كنت لا تفعل غيره، فدَخَلت "ما" زائدة على "إن"، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، فاكتَفَوْا بـ "لا" عن الفعل، كما تقول العرب: إن زارك فزره، وإلا فلا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: في "النهاية": "إمّا لا" هذه الكلمة تَرِد في المحاورات كثيرًا، وقد جاءت في غير موضع من الحديث، وأصلها "إن"، و"ما"، و"لا"، فأُدغمت النون في الميم، و"ما" زائدة في اللفظ، لا حكم لها، وقد أمالت العرب "لا" إمالةً خفيفةً، قال: والعوام يشبعون إمالتها، فتصير ألفها ياء، وهو خطأ، ومعناه: إن لم تفعل هذا، فليكن هذا. انتهى (٢). وقوله: (فَسَلْ) وفي نسخة: "فاسأل"، وهما فعلا أمر، قال الفيّوميّ في مادّة "سأل" ما نصّه: والأمر من سأل اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسألوا، وسَلُوا، وفيه لغة سال يسال، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنّى والمجموع: سَلَا، وسَلُوا على غير قياس - أي لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا. انتهى (٣).
وقوله: (فُلَانَةَ الْأنصَارِيَّةَ) قد تبيّن بما سبق من الروايات أنها أم سليم الأنصاريّة والدة أنس ﵂.
(هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ) أي بأن تنفر قبل أن تطوف للوداع (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ) طاوس (فَرَجَعَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ) ﵁ أي بعدما سأل فلانة الأنصاريّة (إِلَى
стр. 14343
ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (يضْحَكُ) جملة حاليّة من الفاعل (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضًا، إما متداخلة، أو مترادفة (مَا) نافية (أَرَاكَ إِلا قَدْ صَدَقْتَ) أي فيما حدّثت به أنه ﷺ أمر الحائض بأن تنفر بلا طواف الوداع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥/ ٣٢٢٢] (١٣٢٨)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٥٨ و ١٧٥٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٢٠١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٣٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٦ و ٣٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سقوط طواف الوداع عن الحائض، ومثلها النفساء.
٢ - (ومنها): أن فيه مناقشةَ العلماء لتحقيق الحقّ، وإظهار الخفيّ، لا للمجادلة، والمماراة، فإن ذلك ممنوع.
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لابن عبّاس ﵄ فى سعة علمه، فإن زيدًا ﵁ من العلماء الراسخين، وممن شهد له النبيّ ﷺ بالعلم، ولا سيّما علم الفرائض الذي يقال فيه: إنه نصف العلم، فقد قال فيه ﷺ : "أفرضكم زيد"، قال الحافظ ﵀: وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم من رواية أبي قلابة، عن أنس، وأُعِلّ بالإرسال، ورجحه الدارقطنيّ، والخطيب، وغيرهما، وله متابعات وشواهد، ذكرتها في "تخريج أحاديث الرافعيّ". انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
ومع ذلك فقد حجّه ابن عبّاس ﵄، وذلك مصداق دعائه ﷺ له - فيما
стр. 14344
أخرجه الشيخان، والإمام أحمد- بقوله: "اللهم علّمه الكتاب"، لفظ البخاريّ، ولفظ أحمد: "اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٣] (١٢١١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ بَعْدَمَا أفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أفَاضَتْ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الإفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلْتَنْفِرْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا.
والباقون كلّهم تقدّموا قبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (وَعُرْوَةَ) بن الزبير (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) -بضمّ الحاء، وكسرها، والضمّ أشهر- ابن أخطب بن سعيد بن ثعلبة بن عبيد بن كعب الإسرائيليّة، أم المؤمنين من أولاد هارون بن عمران ﵇، سباها رسول الله ﷺ عام خيبر، ثم أعتقها، ثم تزوجها، رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وروى عنها ابن أخيها، ومولياها: كنانة، ويزيد بن معتب، وعلي بن الحسين بن علي، ومسلم بن صفوان، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وذكر ابن عبد البر أن صفية التي روى عنها إسحاق غير صفية بنت حيي، وكذا قال في صفية التي روى عنها مسلم بن صفوان.
قال الواقديّ: ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين، وقال غيره: ماتت قبل ذلك سنة ست وثلاثين، حَكَى ذلك ابن حبان بعد أن قدَّم أنها ماتت في خلافة معاوية، قال الحافظ: وهو الذي لا يتجه غيره، فإن في "الصحيحين"
стр. 14345
تصريح عليّ بن الحسين بسماعه منها، وكان مولده بعد سنة ست وثلاثين قطعًا. انتهى.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في "كتاب السلام" برقم (٢١٧٥) حديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم … " الحديث.
(بَعْدَمَا أفَاضَتْ) أي طافت طواف الإفاضة، وهو الذي يُسمّى طواف الزيارة، وهو طواف الركن، وسُمّي بذلك لأن الغالب أنه يُفعل يوم النحر، يُفيض الحاجّ من منى إلى مكة، فيطوف، ثم يرجع، والإفاضة الزَّحْف، والدَّفْعُ في السير بكثرة، ومنه الإفاضة من عرفة، ولا تكون إلا عن تفرّق وجمع، وأصل الإفاضة الصبّ، فاستُعيرت للدفع في السير، وأصله: أفاض نفسَهُ، أو راحلَتَهُ، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدّي (١). (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا) بكسر الحاء المهملة: أي الحالة التي عليها من الحيض، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح الحاء، وهي المرّة من الحيض (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ") أي هل هي مانعتنا من الخروج إلى المدينة بلزوم الإقامة في مكة لأجلها إلى أن تطوف بعد فراغها من الحيض؟ ظنّ ﷺ أنها لم تطف طواف الإفاضة (قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّهَا قَدْ كَانَتْ أفَاضَتْ) أي طافت طواف الإفاضة، فقولها: (وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ) عطف تفسير (ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الإفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلْتَنْفِرْ") أي فلتُسرع الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجها، وعدم بقاء شيء عليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥/ ٣٢٢٣ و ٣٢٢٤ و ٣٢٢٥ و ٣٢٢٦ و ٣٢٢٧
стр. 14346
و ٣٢٢٨ و ٣٢٢٩ و ٣٢٣٠] (١٢١١)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٢٨) و"الحجّ" (١٧٥٧) و"المغازي" (٤٤٠١)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤٣)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٩٤) و"الكبرى" (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٧٢)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٤١٢)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٣١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٩ و ١٩٢ - ١٩٣ و ٢٠٧)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ١٨٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٥٦٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١١ - ٢١٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ١٢١ و ٨/ ٢٧٣) و"الكبير" (٢٣/ ٢٦٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٦٢) و"الصغرى" (٤/ ٣٥٧) و"المعرفة" (٤/ ١٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في "فوائده:
١ - (منها): بيان أن طواف الوداع غير واجب على الحائض، فلها النفر من غير أن تفعله، ولا دم عليها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، قال ابن عبد البرّ: هو مجمع من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء عليه، لا خلاف بينهم فيه. انتهى، وحَكَى الطحاويّ عن طائفة وجوبه عليها كغيرها، وقد تقدّم تحقيق البحث في المسألة الخامسة في شرح ثاني أحاديث الباب.
٢ - (ومنها): بيان أن طواف الإفاضة ركن لا بدّ منه؛ لقوله ﷺ لمّا لم يعلم أن صفيّة طافت للإفاضة: "أحابستنا هي؟ "، وهو كذلك بالإجماع.
٣ - (ومنها): بيان اشتراط الطهارة في صحّة الطواف، وهو كذلك عند الجمهور كما تقدّم.
٤ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين ﵀: مقتضى قوله ﷺ : "أحابستنا هي؟ " أنها لو لم تكن طافت للإفاضة لم يَرْحَل حتى تطهر من الحيض، وتغتسل، وتطوف، ثم يَحْتَمِل أن ذلك على سبيل اللزوم، وهو ظاهر التعبير
стр. 14347
بلفظ الحبس، ويَحْتَمِل أنه غير لازم، وإنما كان يفعله؛ لكونها زوجته، ولهذا احتَبَس على طلب عقد عائشة ﵂، فعلى الأول يَطّرِد ذلك في حقّ كل امرأة بهذه الصفة، ويُستنبَط منه أن على أمير الحج أن يكُفّ عن الرحيل من مكة لأجل المرأة الحائض إذا لم تطف للإفاضة، ولم تُرِد الإقامة بمكة، ثم ذكر وليّ الدين الاختلاف في المسألة، فراجع ما كتبه في "شرح التقريب" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٤] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، قَالَتْ: طَمَثَتْ صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ، زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بَعْدَمَا أفَاضَتْ طَاهِرًا. بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المعروف بابن التستريّ المصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (طَمَثَتْ) يقال: طَمَثتِ المرأةُ، من باب ضرب: إذا حاضت، وبعضهم يزيد عليه أوّلَ ما تحيض، فهي طامث بغير هاء، وطَمِثَتْ تَطْمَثُ، من باب تَعِبَ، لغةٌ (٢).
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" ٥/ ١٦٢ فقال:
стр. 14348
(٩٥٣٣) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أنبأ يونس بن يزيد، وغيره من أهل العلم، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: طَمَثت صفية بنت حُيَيّ زوج النبيّ ﷺ في حجة الوداع، بعدما أفاضت طاهرًا، وطافت بالبيت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "أحابستنا هي؟ "، فقلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت، وهي طاهرة، ثم طَمَثت بعد الإفاضة، فقال رسول الله ﷺ : "فلتنفر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثنَا أيُّوبُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ صَفِيَّةَ قَدْ حَاضَتْ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
وكلّهم ذُكروا في هذا الباب، وفي الأبواب الثلاثة الماضية، و"سفيان": هو ابن عيينة، و"عبد الوهّاب" هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ، و"أيوب" هو السختيانيّ.
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن القاسم ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" ٢/ ٤٦٥ فقال:
(٤١٩٣) - أنبأ قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: ذكرتُ لرسول الله ﷺ أن صفية بنت حيي حاضت في أيام منى، فقال: "أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت، فقال رسول الله ﷺ : "فلا إذًا". انتهى.
стр. 14349
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" ٦/ ٣٩ فقال:
(٢٤١٥٩) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا سُفْيَانُ، عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أنها قالت: حَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "أَحَابِسَتُنَا هي؟ "، قلت: إنها قد أَفَاضَتْ قبل ذلك، قال: "فَلَا". انتهى.
وأما رواية أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقد ساقها أبو عوانة ﵀، في "مسنده" ٢/ ٣٢٦ فقال:
(٣٣٠٩) - حدّثنا ابن شبابان، نا الحسن بن الحسين، أنا الثقفيّ، يعني عبد الوهاب، أنا أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن صفية بنت حيي حاضت بعدما أفاضت، فقال رسول الله ﷺ : "إنك لحابستنا"، فقالت عائشة: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أفلَحُ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَتَخَوَّفُ أَنْ تَحِيضَ صَفِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ، قَالَتْ: فَجَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَحَابِسَتُنَا صَفِيَّةُ؟ " قُلْنَا: قَدْ أفَاضَتْ، قَالَ: "فَلَا اِذَنْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم نفسه قبل هذا ببابين، ومن لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٠٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَلَا إِذَنْ) أي فلا حبس علينا حينئذ، أي إذا أفاضت فلا مانع لنا من التوجه؛ لأن الذي يجب عليها قد فعلته.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14350
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ: أنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، ألَمْ تَكُنْ قَدْ طَافَتْ مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَاخْرُجْنَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم نفسه (١) قبل الباب ببابين، و"أبو بكر" والد عبد الله هو: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَن الْأَوْزَاعِىِّ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا حَائِضٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَإِنَّهَا لَحَابِسَتُنَا؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: "فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ") (٢).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن زُهير، أبو صالح الْقَنْطريّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
стр. 14351
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٨] (ت ١٨٣) على الصحيح، وله (٨٠) سنةٍ (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قريبًا.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (مُحمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا. و"عَائِشَةُ ﵂" ذُكرت قبله.
شرح الحديث:
(عَن الْأَوْزَاعِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو (لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ، قال: وسقط عند الطبريّ قوله: "لعله قال: عن يحيى بن أبي كثير"، قال: وسقط "لعله قال" فقط لابن الحذّاء، قال القاضي: وأظن أن الاسم كله سقط من كتب بعضهم، أو شَكّ فيه، فألحقه على المحفوظ الصوابِ، ونبّه على إلحاقه بقوله: "لعله". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ المزيّ ﵀ في "التحفة": سقط: "يحيى بن أبي كثير" من بعض نسخ مسلم. انتهى.
والحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٦/ ٨٥ فقال:
(٢٤٦٠٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن مصعب، قال: ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لما أفاض رسول الله ﷺ أراد من صفية بعض ما يريد الرجل من أهله، فقيل له: إنها حائض، فقال: "عقرى، أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد طافت يوم النحر، فنفر بها رسول الله ﷺ ، قال ابن مصعب: ما سمعته يذكر
стр. 14352
-يعنى الأوزاعيّ- محمد بن إبراهيم إلا مرةً. انتهى، ومن هذا الوجه أخرجه أبو عوانة في "مسنده".
وأخرجه ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" ٤/ ٣١٠ بإسقاط يحيى بن أبي كثير، وتصريح الأوزاعيّ بتحديث محمد بن إبراهيم، فقال:
(٢٩٥٤) - ثنا الربيع، ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، حدّثني أبو سلمة، حدّثتني عائشة، قالت: أفاض رسول الله ﷺ ، ثم أراد من صفية ما يريد الرجل من أهله، فقيل: إنها حائضٌ، فقال رسول الله ﷺ : "أحابستنا هي؟ " فقالوا: إنها قد أفاضت، فنفر بها رسول الله ﷺ . انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الطريقين صحيحتان، فإن الأوزاعيّ يروي عن محمد بن إبراهيم، كما يروي عنه بواسطة يحيى بن أبي كثير، وعلى هذا فالنسختان من "صحيح مسلم" بإثبات يحيى بن أبي كثير، وإسقاطه صحيحتان، وأما إلحاق "لعله" من بعض الرواة فيُمكن أن يُحمل على ظنه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ) بنت حُيَيّ ﵂ (بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة المذكورتين: "ما يُريد الرجل من أهله"، وكذا عند البخاريّ.
قال الحافظ ﵀: وهذا مشكلٌ؛ لأنه ﷺ إن كان عَلِم أنها طافت طواف الإفاضة، فكيف يقول: "أحابستنا هي؟ "، وإن كان ما عَلِم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟.
ويجاب عنه بأنه ﷺ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة، فأذن لهنّ، فكان بانيًا على أنها قد حلّت، فلما قيل له: إنها حائض جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهنّ، فزال عنه ما خَشِيه من ذلك، والله أعلم. انتهى.
وقد سبق في كتاب الحيض من طريق عمرة عن عائشة أنه قال لهم:
стр. 14353
"لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن؟ "، قالوا: بلى. وسأذكر بقية اختلاف ألفاظ هذه القصة في آخر الباب إن شاء الله تعالى (فَقَالُوا) القائلة هي عائشة ﵂، كما بيّنه البخاريّ في "صحيحه" من رواية الأعرج، عن أبي سلمة، ولفظه: "فأراد النبيّ ﷺ منها ما يُريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض … " الحديث (إِنَّهَا حَائِضٌ) بدون هاء التأنيث؛ لأنه وصف خاصّ بالنساء، فلا يحتاج إلى فارق، وجاء أيضًا حائضة، وجمع الأول حُيّضٌ، مثلُ راكع ورُكّع، وجمع الثاني: حائضات، مثلُ قائمة وقائمات (١). (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ ("وَأِنَّهَا لَحَابِسَتُنَا؟ ") أي مانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؛ ظَنًّا منه ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك: لأنه كان لا يتركها، ويتوجه، ولا يأمرها بالتوجه معه، وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يُقيم حتى تطهر، وتطوف، وتَحِلّ الحلَّ الثاني، قاله في "الفتح" (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الكَرِيّ يُحبَس على التي حاضت، ولم تطف طوافَ الإفاضة حتى تطهر، وهو قول مالك، وقال الشافعيّ: لا يُحبس عليها الكريّ، ولْتُكْرِ جملها، أو تحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن، ووجود ذي المحرم، وأما مع الخوف، أو عدم ذي المحرم؛ فلا يُحبَس باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحدها، ويُفسخ الكراء، ولا يحبس عليها الرفقة، إلا أن يبقى لطهرها كاليوم، والله أعلم. انتهى (٣).
(فَقَالُوا) أي الحاضرون، ومنهم عائشة ﵂، وسيأتي أنه ﷺ قال لصفيّة ﵂: "إنك لحابستنا، ثم قال لها: أكنت أفضت يوم النحر؟ قالت: نعم، قال: فانفري" (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) أي أَدّت طواف الزيارة فيه، قال النوويّ ﵀: فيه دليل لمذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأهل العراق أنه لا يُكره أن يقال لطواف الإفاضة: طواف الزيارة، وقال مالك: يُكره، وليس للكراهة حجةٌ تُعْتَمَد. انتهى (٤). (قَالَ) ﷺ ("فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ") وفي
стр. 14354
نسخة: "فلتنفرّ معكنّ"، قال النوويّ ﵀: "تنفر" بكسر الفاء، وضمّها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢٩] ( … ) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَاب خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً، فَقَالَ: "عَقْرَى، حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا"، ثُمَّ قَالَ لَهَا: "أكُنتِ أفضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَانْفِرِي").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد البصريّ المعروف ببندار، ئقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ، ئقةٌ صحيح الكتاب [٩] (١٩٣) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَة) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، وقبله ببابين، و"الحكم" هو: ابن عتيبة، و"إبراهيم" هو: ابن يزيد النخعيّ، و"الأسود" هو: ابن يزيد النخعيّ عمّ إبراهيم.
стр. 14355
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ) من باب ضرب في اللغة العالية، وبها قرأ السبعة، ونفَرَ نُفُورًا من باب قَعَدَ لغةٌ، وقُرئ بمصدرها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
قال في "الفتح": قوله: "لمّا أراد أن ينفر" هذا يُشعر بأن الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقرب من وقت النفر من منى، واستشكله بعضهم (٢) بناءً على ما فهمه أن ذلك كان وقت الرحيل، وليس ذلك بلازم؛ لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقًا على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها الذي هو وقت الرحيل، بل ولو اتّحد الوقت لم يكن ذلك مانعًا من الإرادة المذكورة. انتهى (٣).
(إِذَا صَفِيَّةُ) "إذا" هي الْفُجائيَّة، أي فاجأه وجود صفية (عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً) بفتح، فكسر، يقال: كَئِبَ يَكْأَبُ، من باب تَعِبَ كآبةً بمدّ الهمزة، وكَأَبًا، وكَأبَةً، مثلُ سَبَبٍ، وتَمْرَةٍ: حَزِنَ أشدّ الحزن، فهو كَئِبٌ، وكَئِيبٌ (٤)، فقوله: (حَزِينَةً) تأكيد لمَا قبله (فَقَالَ) ﷺ ("عَقْرَى، حَلْقَى) -بالفتح فيهما، ثم السكون، وبالقصر، بغير تنوين- هكذا في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين، وصوّبه أبو عبيد؛ لأن معناه الدعاء بالعَقْر والْحَلْق، كما يقال: سَقْيًا، ورَعْيًا، ونحو ذلك من المصادر التي يُدعى بها، وعلى الأول هو نعت لا دُعاء، ثم معنى عقرى: عقرها الله، أي جرحها، وقيل: جعلها عاقرًا لا تَلِد، وقيل: عقر قومها، ومعنى حلقى: حَلَقَ شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حَلق قومها بشؤمها، أي أهلكهم، وحَكَى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتَّسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك، قال القرطبيّ