← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14281–14320 · переход к 14286.

стр. 14281

يُجَلَّ عن هذا الموضع، يعني كتاب الضعفاء، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٨). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣٢١)، و (١٥٤٧)، و (٢٩٣٢). ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا) قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قد اختُلف في العهن -بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء- فقيل: هو الصوف. وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا، وزاد في "الفتح": وقيل: هو الأحمر خاصّة. قال وليّ الدين أيضًا: وقد ذكر أصحابنا الشافعيّة أن التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلّدها إما بذلك، وإما بخُرَب القِرَب -بضم الخاء المعجمة- وهي عُراها، وآذانها. وأما الإبل، والبقر، فقالوا: يستحبّ تقليدها بنعلين، من هذه النعال التي تُلبس في الرجلين في الإحرام، ويستحبّ أن يكون لها قيمة، ويتصدّق بهما عند ذبح الهدي. وقال المالكية: ولو اقتصر على التقليد بنعل واحدة جاز، والأول أفضل، وقال الشافعية: لا تقلد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل، والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تقلد الإبل، والبقر بالْخُرَب، والخيوط، بل استحبّوا أن يكون بالنعال، وسكتوا عما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية: "فتلت قلائد بُدن رسول الله ﷺ ، ثم أشعرها، وقلّدها"، ومن المعلوم أن الإشعار لا يكون في الغنم، وتناوُل لفظِ البُدن للإبل متفق عليه، وإنما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). وقال في "الفتح": وفيه -يعني قولها: "من عهن"- ردّ على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة،

стр. 14282

ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى، مع القول بجواز كونها من الصوف، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقولها: (يَأتي مَا يَأتي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ) كناية عن جماع زوجته. وقولها: (أَوْ يَأتِي مَا يَأتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، ووقع في رواية النسائيّ: "وما يأتي الرجل من أهله" فيحتمل أن يكون من عطف التفسير لقولها: "ما يأتي الحلال من أهله"، ويحتمل أن تكون "من" في الأول بمعنى "في"، أي ما يفعله الحلال، وهو في أهله، من الطيب، واللباس، وغيرهما، وعليه يكون قولها: "وما يأتي الرجل من أهله" من عطف الخاصّ على العامّ، وهو الجماع. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لًقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو

стр. 14283

عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مكثر فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤. والباقيان ذُكرا في الباب. وقولها: (مِنَ الْغَنَمِ) فيه ردّ على من نفى تقليد الغنم، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: "باب تقليد الغنم"، ثم أورد هذا الحديث؛ ردًّا على هؤلاء. قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجةً، إلا قول بعضهم: إنها تَضْعُف عن التقليد، وهي حجة ضعيفةٌ؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشْعَر؛ لأنها تضعف عنه، فتقلَّد بما لا يضعفها، والحنفية في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى. وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير إهداء الغنم بأنه ﷺ حج مرة واحدة، ولم يُهد فيها غنمًا. انتهى. قال الحافظ ﵀: وما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه ﷺ أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حَجَّته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم مَنِ الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حَجَّته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدَّم مُقَلَّدة، ولابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه، والمراد بذلك الردّ على من ادَّعَى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها، وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد، عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرُّوَاة عنها من أهل بيتها وغيرهم، قال المنذريّ وغيره: وليست هذه بعلّة؛ لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ مشروعيّة تقليد الغنم،

стр. 14284

وأنها من جملة ما يُهدى إلى الحرم؛ لصحّة هذا الحديث، وأما الذين نفوا ذلك، فأحسن الأحوال أن يُعتذر عنهم بعد ثبوت الخبر بذلك لديهم، فتبصّر. والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ اِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبت حافظ، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا).

стр. 14285

رجال هذا الإسناد: ثمانية: وهم المذكورون في السند الماضي. وقولها: (أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهبنا، ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحب، بل خَصّا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الردّ عليهما. انتهى (١). والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الباب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ، فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَىْءٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) -بضمّ الميم، ثم حاء مهملة مخفّفة- الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٥/ ٩٠١. ٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 14286

والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع عند بعض الرواة هنا وهَمٌ في هذا الإسناد، نبّه عليه الحافظ أبو عليّ الغسّاني الْجَيّانيّ ﵀، ودونك نصّه: قال مسلم: حدّثنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الصمد، قال: حدّثنا أبي إلخ، ثم قال: هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي العلاء بن ماهان، وعند أبي العبّاس الرازيّ، والكسائيّ، ووقع في بعض النُّسَخ المرويّة عن الْجُلُوديّ: حدّثنا إسحاق، نا عبد الصمد، نا محمد بن جُحادة … سقط من الإسناد ذكرُ والد عبد الصمد الراوي عن محمد بن جُحَادة، وهو خطأٌ، وعبد الصمد هو عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ التميمي مولاهم البصريّ، والساقط من الإسناد هو عبد الوارث بن سعيد أبو عُبيدة. انتهى كلام الغسّانيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقولها: (كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ) بالهمزة، وفي رواية النسائيّ: "الشاة" بالتاء، وهي واحد "الشاء"، قال الفيّوميّ ﵀: الشاة: من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاة للأنثى، وشاةٌ ذكر، وشاةٌ أنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع: شاءٌ، وشياه بالهاء رُجوعًا إلى الأصل، كما قيل: شفةٌ وشِفاهٌ، ويقال: أصلها شاهةٌ، مثلُ عاهَةٍ. انتهى (٢). وقولها: (فَنُرْسِلُ بِهَا) هكذا رواية المصنّف بنون المتكلّم، وفي رواية النسائيّ: "فيُرسل بها رسول الله ﷺ "، بالياء، وعليها فـ "رسول الله ﷺ مرفوع على الفاعليّة، فتنبّه. وقوله: (لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ منه شَىْءٌ) هذا بيان لمعنى قولها: "حلال"، وضمير "عليه" له ﷺ ، وضمير "منه" للحلال، فيكون فيه استخدام، وهو نوع من أنواع البديع، وهو أن يُذكَر لفظ له معنيان، فيراد به أحدهما، ثم يراد بالضمير الراجع إليه معناه الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد معنييه، ثم بالآخر معناه الآخر، فالأول كقوله [من الوافر]: إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا

стр. 14287

أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من "رَعَيناه" النبت، والسماء يُطلق عليهما. والثاني: كقوله [من الكامل]: فَسَقَى الْغَضَى وَالسَّاكِنِيهِ وَإنْ هُمُ … شبّوه بَيْنَ جَوَانِحِي وَضُلُوعِي أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى "الْغَضَى" وهو المجرور في "الساكنيه" المكان، وبالآخر، وهو المنصوب في "شبّوه" النار، أي أوقدوا بين جوانحي نارَ الغضى، يعني نار الهوى التي تُشبه نار الغضى، قاله الجرجانيّ (١). ومعنى الاستخدام في هذا الحديث أن قولها: "حلال" خبر قولها: "ورسولُ الله ﷺ "، فهو بمعنى غير محرم بالحجّ، أو العمرة، والضمير في قولها: "منه" راجع إلى "حلال" بمعنى ضدّ الحرام، تعني أنه ﷺ لم يحرم عليه بسبب إرسال الشاء شيء مما هو حلال له قبل ذلك، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية النسائيّ بلفظ: "كنا نقلّد الشاة، فيُرسل بها رسول الله ﷺ حلالًا، لم يُحرم من شيء"، فـ "لم يُحرِم" بضمّ حرف المضارعة، أي لم يصر ﷺ محرمًا من شيء كان حلالا له. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ابْنَ زِيادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَىَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ).

стр. 14288

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها) أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّة هى خالته، فعمرة خالة عبد الله الراوي عنها، كما قاله في "الفتح" (١). شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ) أي عبد الله بن أبي بكر (أَن ابْنَ زِيَادٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ "صحيح مسلم": "أن ابن زياد"، قال أبو علىّ الغسانيّ (٢)، والمازريّ، والقاضي عياض، وجميع المتكلمين على "صحيح مسلم": هذا غلطٌ، وصوابه: "أن زياد بن أبي سفيان"، وهو المعروف بزياد ابن أبيه، وهكذا وقع على الصواب في "صحيح البخاريّ"، و"الموطأ"، و"سنن أبي داود"، وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة، والله أعلم. انتهى. ولفظ البخاريّ: "عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سُفيان"، قال في "الفتح": قوله: "أن زياد بن أبي سفيان" كذا وقع في

стр. 14289

"الموطأ"، وكأنّ شيخ مالك حدَّث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له: إلا زياد ابن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عُبيد، وكانت أمه سُمَيّة مولاة الحارث بن كَلَدَة الثَّقَفيّ تحت عبيد المذكور، فولدت زيادًا على فراشه، فكان يُنسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شَهِدَ جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولده، فاستلحقه معاوية لذلك، وزوّج ابنه ابنته، وأَمَّر زيادًا على العراقين: البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين. انتهى (١). [تنبيه]: "ابن زياد" الذي وقع غلطًا عند مسلم هو: عبيد الله بن زياد، ولد زياد بن أبيه هذا، وهو الذي قتل الحسين بن عليّ ﵄، قاله الأبيّ ﵀ (٢). (كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتى يُنْحَرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ولفظ البخاريّ: "حتى يُنحر هديه" (وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكتُبِي إليَّ بِأَمْرِكِ) زاد الطحاويّ من رواية بن وهب، عن مالك: "أو مُرِي صاحب الهدي" أي الذي معه الهدي، أي بما يصنع (قَالَتْ عَمْرَةُ) هو موصول بالسند المذكور، وقد رَوَى الحديث المرفوع عن عائشة: القاسم، وعروة، ومسروق، كما أورد مسلم رواياتهم في هذا الباب، وقد ساق البخاريّ في "الضحايا" رواية مسروق مطولةً، ولفظه: عن مسروق أنه قال: "يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يُحِلّ الناس"، فذكر الحديث. ولفظ الطحاويّ في حديث مسروق: قال: قلت لعائشة: إن رجالًا ها هنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذي يبعثون معه بِمَعْلَم لهم يقلّدها في ذلك اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحلّ الناس … الحديث. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا محدِّث عن عائشة، وقيل لها: إن زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه المحرم، حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: أَوَ له كعبة يطوف بها؟.

стр. 14290

قال: وحدّثنا يعقوب، حدّثنا هشام، عن أبيه بلغ عائشة، أن زيادًا بعث بالهدي، وتجرد، فقالت: إن كنت لأفتل قلائد هدي النبيّ ﷺ ، ثم يبعث بها، وهو مقيم عندنا، ما يجتنب شيئًا. وروى مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدير، أنه رأى رجلًا متجردًا بالعراق، فسأل عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يُقَلَّد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير، فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة. ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم، أن ربيعة أخبره، أنه رأى ابن عباس، وهو أمير على البصرة في زمان عليّ متجردًا على منبر البصرة، فذكره، فعُرف بهذا اسمُ المبهم في رواية مالك (١). (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ﵄، فيه تعقُّب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ (أنا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ) بصيغة التثنية، ويَحْتَمِل أن يكون بصيغة الإفراد؛ لأنه مفرد مضاف، فيعمّ، وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها. (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي جعل تلك القلادة في عنقها، وإنما أنّث الضمير؛ لكون الهدي اسم جنس، واحده هدية بالتاء، كما سبق، واسم الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه، كما هو مقرّر في محلّه من كتب النحو (٢)، تقول: قام القوم، وقامت القوم، وجاء الرهط، وجاءت الرهط، والله تعالى أعلم. وقولها: (بِيَدِهِ) بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعمّ اليدين، وفي رواية البخاريّ: "بيديه" بالتثنية، قال ابن التين ﵀: يَحْتَمِل أن يكون قول عائشة ﵂: "ثم قلَّدها بيده" بيانًا لحفظها للأمر، ومعرفتها به، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت أنه ﷺ تناول ذلك بنفسه، وعَلِمَ وقت التقليد، ومع ذلك فلم

стр. 14291

يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم؛ لئلا يظنّ أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي. انتهى. (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي بتلك الهدي المقلَّدة (مَعَ أَبِي) بفتح الهمزة، وكسر الموحّدة الخفيفة، والإضافة إلى ياء المتكلم، تريد أباها أبا بكر الصدّيق ﵄، واستفيد من ذلك وقت البعث، وأنه كان في سنة تسع، عام حجّ أبو بكر بالناس. قال ابن التين ﵀: أرادت عائشة ﵂ بذلك علمها بجميع القصّة، ويَحْتَمِل أن تريد أنه آخر فعل النبيّ ﷺ لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع؛ لئلا يَظُنّ ظانّ أن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس، وأكملت ذلك بقولها: (فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) أي وانقضى أمره ولم يُحرِم ﷺ ، وتَركُ إحرامه بعد ذلك أحرى، وأولى؛ لأنه إذا انتفى في وقت الشبهة، فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى. وقولها: (حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير أبيها. قال في "الفتح": وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياسًا للتولية في أمر الهدي على المباشرة له، فبيّنت عائشة أن هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السنة الظاهرة. وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيءَ بنفسه، وإن كان له مَن يكفيه، إذا كان مما يُهْتَمّ به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع، وأمور الديانة. وفيه تعقب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ، وأن الأصل في أفعاله ﷺ التأسي به، حتى تثبت الخصوصية. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14292

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تُصَفِّقُ، وَتَقُولُ: كُنْتُ أفتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَىْءٍ، مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجلىّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ٢٢٧. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) هذا الحديث مختصر عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا في كتاب "الأضاحي"، فقال: (٥٥٦٦) - حدّثنا أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله (١)، أخبرنا إسماعيل، عن الشعبيّ، عن مسروق، أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم مُحْرِمًا حتى يَحِلَّ الناسُ، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يَحْرُم عليه مما حَلَّ للرجال من أهله، حتى يرجع الناس. انتهى.

стр. 14293

وقوله: (تُصَفِّقُ) بضمّ أوله، وتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول: أي تضرب إحدى يديها على الأخرى تعجّبًا، أو تأسّفًا على وقوع ذلك. وقولها: (حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ) ببناء الفعل للمفعول. [تنبيه]: استَدَلّ الداوديّ بحديث عائشة ﵂ هذا على أن الحديث الذي روته أم سلمة (١) ﵂ مرفوعًا: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا بشره شيئًا"، يكون منسوخًا بحديث عائشة ﵂، أو ناسخًا. وتعقّبه ابن التين بأنه لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأن عائشة ﵂ إنما أنكرت أن يصير من يبعث هديه مُحْرمًا بمجرد بعثه، ولم تعترض على ما يُستحب في العشر خاصةً، من اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث يدلّ على ما قال الداوديّ، وقد استدلّ به الشافعيّ على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة، قال: والحديث المذكور أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي الاحتجاج نظرٌ، فإنه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي، أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدثنا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، كِلَاهُمَا عَن الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ).

стр. 14294

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن محمد بن نمير، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" ٨/ ١٢٠ فقال: (٤٦٥٨) - حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، فيبعث بها، ويقيم، فيأتي ما يأتي الحلال قبل أن يبلغ الهدي مكة. انتهى. ورواية زكرياء، عن الشعبيّ، ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في "مسنده" ٣/ ١٠١٦ فقال: (١٧٦٠) - أخبرنا محمد بن عُبيد، نا زكريا، عن الشعبيّ، حدّثني مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: فَتَلْتُ قلائد هدي رسول الله ﷺ ، فأهداها، ثم لم يُحْرِم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 14295

(٦٣) - (بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٩] (١٣٢٢) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا ويلَكَ"، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان تقدّما قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مما قيل فيه: إنه أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. ٤ - (ومنها): أنه مُسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْأَعْرَجِ) قال في "الفتح": لم تختلف الرواة عن مالك، عن أبي

стр. 14296

الزناد فيه، ورواه ابن عيينة، عن أبي الزناد، فقال: "عن الأعرج، عن أبي هريرة، أو عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة"، أخرجه سعيد بن منصور، عنه، وقد رواه الثوريّ، عن أبي الزناد بالإسنادين، مفرّقًا. انتهى. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، رَأَى رَجُلًا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه بعد طول البحث (يَسُوقُ بَدَنَةً) كذا في معظم الأحاديث، ووقع في الرواية الآتية من طريق بكير بن الأخنس، عن أنس: "مرّ ببدنة، أو هديّة"، ولأبي عوانة من هذا الوجه: "أو هدي"، وهو مما يوضّح أنه ليس المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللغويّ، وفي الرواية التالية من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد: "بينا رجل يسوق بدنة مقلّدةً"، وكذا في طريق همّام بن منبّه، عن أبي هريرة، وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة أنها كانت مُقَلَّدَةً نعلًا، وزاد النسائيّ من رواية ثابت، عن أنس: "وقد جَهَدَه المشي"، ولأبي يعلى من طريق الحسن، عن أنس: "حافيًا"، لكنها رواية ضعيفة (١). (فَقَالَ) ﷺ ("ارْكَبْهَا") أي اركب بدنتك التي تسوقها؛ لتستريح من تعبك الذي لحقك من مشقّة المشي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ) هذا ظنٌّ من الرجل أن البدنة لا تُركب. قال وليّ الدين ﵀: المراد بالبدنة هنا، الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ويقع هذا اللفظ على الذكر والأنثى بالاتفاق، كما نقله النوويّ وغيره، ونقل ابن عبد البرّ قولًا: إنها تختصّ بالأنثى، وردّه، وهل تختصّ في أصل وضعها بالإبل، أم تستعمل فيها، وفي البقر، أم فيها، وفي الغنم؟ فيه خلاف. ولو استعملت البدنة هنا في أصل مدلولها لم يحصل الجواب بقوله: "إنها بدنة"، لأن كونها من الإبل مشاهد معلوم، والذي ظنّ أنه خفي من أمرها

стр. 14297

كونها هديًا، فدلّ بقوله: "إنها بدنة"، على أنها مهداة. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). (فَقَالَ) ﷺ ("ارْكَبْهَا، ويلَكَ") هذه الكلمة أصلها أنها تقال لمن وقع في هَلَكة، فقيل: لأنه كان محتاجًا، قد وقع في تعب وجهد، وقيل: هي كلمة تجري على اللسان، وتُستعمل من غير قصد إلى ما وُضعت له أوّلًا، بل تدعّم بها العرب كلامها، كقولهم: لا أُمّ له، ولا أب له، وتربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه، وعَقْرَى، وحَلْقَى، وما أشبه ذلك، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال في "الفتح": قال القرطبيّ: قالها له تأديبًا؛ لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البرّ، وابن العربيّ، وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، قال: ولولا أنه ﷺ اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل، لا محالة، قال القرطبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة، وغيرها، فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجحه عياض، وغيره، قالوا: والأمر هنا، وإن قلنا: إنه للإرشاد، لكنه استحقّ الذمّ بتوقفه على امتثال الأمر، والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا. ويَحْتَمِل أن يكون ظنّ أنه يلزمه غُرْمٌ بركوبها، أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فتوقّف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال. وقيل: لأنه كان أشرف على هَلَكَة من الجهد، و"ويل" كلمة تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة، فاركب، فعلى هذا هي إخبار، وقيل: هي كلمة تُدَعِّم بها العرب كلامها، ولا تقصد معناها، كقوله: لا أم لك، ويقوّيه ما في بعض الروايات بلفظ: "ويحك" بدل "ويلك"، قال الهرويّ: "ويل" يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها، و"ويح" لمن وقع في هلكة لا يستحقّها. انتهى (٣). (فِي الثَّانِيَةِ) أي في المرّة الثانية (أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) أي أو قال في المرّة

стр. 14298

الثالثة، وهذا شكّ من الراوي، قال القاري: "في الثانية، أو في الثالثة" أي في إحدى المرّتين، متعلّق بـ "قال". ووقع في رواية همام الثالثة: "ويلك اركبها، ويلك اركبها". ولأحمد من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، والثوريّ، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق عجلان، عن أبي هريرة، قال: "اركبها ويحك"، قال: إنها بدنة، قال: "اركبها ويحك". زاد أبو يعلى من رواية الحسن: "فركبها"، إلا أنها ضعيفة، وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة ﵁: "فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ ﷺ ، والنعل في عنقها". قال الحافظ: وتبيّن بهذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغويّ لم يحصل الجواب بقوله: إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خَفِي كونها هديًا، فلذلك قال: إنها بدنة، والحقّ أنه لم يَخْفَ ذلك على النبىّ ﷺ لكونها كانت مقلّدةً، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: "ويلك". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣/ ٣٢٠٩ و ٣٢١٠ و ٣٢١١] (١٣٢٢)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٨٩ و ١٧٠٦) و"الوصايا" (٢٧٥٥) و"الأدب" (٦١٦٠)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٧٦) و"الكبرى" (٢/ ٣٦٤ - ٣٤٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣١٠٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٧٧)، و (الطيا لسيّ) في "مسنده" (٢٥٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٤ و ٤٨١ و ٤٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١٣)، و (ابن

стр. 14299

خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ١٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠١٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٥٠ و ٢٥٢ و ٢٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية ركوب البدنة، مطلقًا، سواء كان واجبًا، أو متطوّعًا به؛ لكونه ﷺ لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلّ على أن ذلك لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ ﵁: "أنه سئل: هل يَركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ ﷺ يمرّ بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه"، أي هدي النبيّ ﷺ ، وإسناده صالح، قاله الحافظ ﵀ (١). ٢ - (ومنها): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى الامتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه. ٣ - (ومنها): جواز مسايرة الكبار في السفر. ٤ - (ومنها): أن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير، لا يَأنَفُ عن إرشاده إليها. ٥ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استَنْبَط من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه، حيث بوّب بقوله: "باب هل يَنتفع الواقف بوقفه"، قال: وقد اشترط عُمر ﵁: لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره، قال: وكذلك من جعل بدنة، أو شيئًا لله، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره، وإن لم يشترط. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: وقد قال أصحابنا: يجوز أن ينتفع الواقف بأوقافه العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا، أو الشرب من بئر وقفها، والمطالعة في كتاب وقفه على المسلمين، والشرب من كيزان سبّلها على العموم، والطبخ في قِدر وقفها على العموم أيضًا، والمشهور عندهم منع وقف الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعيّ، ومع ذلك، فاختلفوا فيما لو

стр. 14300

شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط أجرة، هل يصحّ هذا الشرط؟ وقال النوويّ: الأرجح هنا جوازه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ويتقيد ذلك بأجرة المثل. انتهى. ٦ - (ومنها): أن فيه جواز ركوب الهدي ما لم يضرّ به الركوب؛ لحديث جابر ﵁ الآتي: "اركبها بالمعروف"، وهذا متّفق عليه بين العلماء، قال وليّ الدين: قال الشافعية، والحنفية: ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان، ومقتضى نقل ابن عبد البرّ عن مالك أنه لا يضمن. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أن ما نُقِل عن مالك هو ظاهر الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه قال الشافعية، والحنفية: كما يجوز ركوبها، يجوز الحمل عليها، ورواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، وطاوس، ومنع مالك الحمل عليها، وقال: لا يركبها بالْمِحْمَلَ، حكاه ابن المنذر، وظاهر إطلاق الحديث أن له أن يركبها كيف شاء، ما لم يضرّ بها، والحمل مقيس على الركوب. أفاده وليّ الدين ﵀. ٨ - (ومنها): ما قيل: إنه كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقامه بالعارية، وحَكَى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل الْمُعْيي، والمضطرّ على هديه، ونقل القاضي عياض الإجماع على منع إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع. ٩ - (ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها إذا احتاج إلى ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذا على مذاهب: (أحدها): الجواز مطلقًا، حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، وكذا حكاه النوويّ في "شرحي مسلم، والمهذب" عنهم، وعن مالك في رواية، وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ،

стр. 14301

والنوويّ في "الروضة" في "كتاب الضحايا". وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن الماورديّ، والقفال. (الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة، قال النوويّ في "شرح مسلم": إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في "شرح المهذّب" عن تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب "البيان"، وآخرين، قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه. وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد، وجزم المجد ابن تيمية في "المحرّر" بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها، وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. (الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ، فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوبًا، غير قادح، ولا يركبها إلا من ضرورة، وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في "الموطإ" عن عروة بن الزبير، وقال ابن المنذر في "الإشراف": وقال أصحاب الرأي: لا يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدًّا حمل عليه، وركبه، وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أَمْرٍ لا يجد منه بدًّا، وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ، وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من غير ضرورة. انتهى. (الرابع): منع ركوبها مطلقًا، قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِّيت بُدنًا ذهبت المنافع، وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بُدنًا، فإذا سميت بُدنًا فمحلها إلى البيت العتيق. (الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن

стр. 14302

بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البَحيرة، والسائبة. قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقًا تمسّك بظاهر هذا الحديث، فإنه ﷺ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة مُحْتَمِلة، وقد دلّت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجًا للركوب، أو مضطرًّا له. روى النسائيّ عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، وقد جَهَدَه المشي قال: "اركبها … " الحديث، وفي "صحيح مسلم" عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا أُلْجِئت إليها حتى تجد ظهرًا"، ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه بدون قوله: "إذا ألجئت إليها". ومن منع مطلقًا، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحدًا لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك، وإن بقيت بالارتفاق. ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجْهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وإهمالها بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه ﷺ أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف (١). وتعقّبه الحافظ ﵀ في قوله: "ولم يأمر الناس إلخ"، فقال: وفيه نظر؛ لِما تقدم من حديث عليّ ﵁، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، ورواه أبو داود في "المراسيل" عن عطاء: "كان النبيّ ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يَحْمِل عليها، ويركبها غير مُنْهِكها، قلت: ماذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها". قال: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من

стр. 14303

الهلاك. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ من وجوب الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدًّا. والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر ﵁ الآتي في الباب: "اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا"، فإن مفهومه أنه يركبها بلا إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرًّا لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها، ثم إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجبًا عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال في "الفتح": واختلف المجيزون، هل يَحْمِل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور، وهل يَحْمِل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدّم، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وقال الطحاويّ في "اختلاف العلماء": قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب منها شيئًا تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغرَم، ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنىّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.

стр. 14304

والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١١] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيلَكَ ارْكَبْهَا"، فَقَالَ: بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَيْلَكَ ارْكبْهَا، وَيْلَكَ ارْكبْهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (وَيْلَكَ ارْكَبْهَا) قال وليّ الدين العراقىّ ﵀: "ويلك" كلمة تُستعمل في التغليظ على المخاطب، وأصلها لمن وقع في هلكة، وهو يستحقها، فهي كلمة عذاب، بخلاف "ويح" فهي كلمة رحمة، وفيها هنا وجهان: [أحدهما]: أنها على بابها الأصليّ، ثم يَحْتَمِل أن يكون ذلك لأمر دنيويّ، وهو أن هذا الرجل كان محتاجًا إلى الركوب، فقد وقع في تَعَبٍ وجَهْد، ويدل لذلك قوله في رواية النسائيّ من حديث أنس ﵁: وقد جَهده المشي.

стр. 14305

ويَحْتَمِل أن يكون لأمر دينيّ، وهو مراجعته للنبيّ ﷺ ، وتأخر امتثاله أمره. [فإن قلت]: هذا الأمر إنما هو للإباحة عند الجمهور، فكيف استَحْقّ الذم بترك المباح الذي لا حرج فيه؟ [قلت]: لَمّا فَهِمَ منه من توقفه في الإباحة، حيث صار يعارض أمر النبيّ ﷺ له بالركوب بقوله: "إنها بدنة" يشير بذلك إلى أنه لا يباح ركوبها؛ لكونها هديًا. [فإن قلت]: معارضته النبيّ ﷺ في الإباحة شديدة، تؤدي إلى الكفر، فكيف مَخْلَص هذا الرجل منها؟. [قلت]: ما عارض عنادًا، بل ظَنّ أن النبيّ ﷺ . لم يعلم أنها هديٌ، فلما عَلِم النبي ﷺ ذلك، وقال له: "اركبها، وإن كانت بدنة" بادر لامتثال أمره، وركب، وقال أبو هريرة ﵁: "فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ ﷺ ، والنعل في عنقها"، رواه البخاريّ من رواية عكرمة، عن أبي هريرة ﵁. [فإن قلت]: في الرواية الأولى أنه ﷺ بدأه بقوله: "ويلك"، ثم قاله له في المرة الثانية، والثالثة، وفي الرواية الثانية أنه قال له ذلك في الثانية، أو الثالثة، فكيف الجمع بينهما؟. [قلت]: يَحْتَمِل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيويّ، وهو ما حَصَل له من الْجَهْد والمشقة بالمشي، وقال له ذلك في الثانية، أو الثالثة لأمر دينيّ، وهو مراجعته له، وتأخر امتثال أمره. [الوجه الثاني]: أنه لم يُرد بهذه اللفظة موضوعها الأصليّ، بل هي مما يجري على لسان العرب في المخاطبة، من غير قصد لمدلوله، كما قيل في قوله ﷺ : "تَرِبت يداك"، وقوله: "أفلح وأبيه، عَقْرَى حَلْقَى"، وكما تقول العرب: "لا أمّ له، لا أب له"، و"قاتله الله ما أشجعه"، ونظائر ذلك معروفة، وفي رواية ابن ماجه: "ويحك". انتهى (١).

стр. 14306

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٢] (١٣٢٣) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: وَأَظُنُّنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ أنسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: "ارْكَبْهَا" مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (حُمَيْدٌ) الطويل، تقدّم قريبًا. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٥ - (أنسٌ) بن مالك ﵁، تقدّم قريبًا. و"يحيى"، و"هُشيم" ذُكرا في الباب وفيما قبله. شرح الحديث: (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: وَأَظُنُّني قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ أنسٍ). قال النوويّ ﵀: القائل: "وأظنني قد سمعته من أنس" هو حميد، ووقع

стр. 14307

في أكثر النسخ: "وأظنني" بنونين، وفي بعضها: "وأظني" بنون واحدة، وهي لغة. انتهى (١). (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً) وفي رواية البخاريّ من طريق قتادة، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنةً" (فَقَالَ) ﷺ ("ارْكَبْهَا"، فَقَالَ) الرجل (إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ) ﷺ ("ارْكَبْهَا" مَرَّتَيْنِ) أي قال ذلك مرتين (أَوْ) أو قاله (ثَلَائًا) أي ثلاث مرّات، وفي رواية بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ التالية: مُرَّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ بِبَدَنةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: "وَإِنْ"، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ثلاثًا"، قال في "الفتح": وكذا أخرجه أبو مسلم الكجيّ في "السنن" عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاريّ فيه، ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج"، وأخرجه الإسماعيليّ عن أبي خليفة، عن مسلم كذلك، لكن قال في آخره: "ويلك" بدل "ثلاثًا"، وللترمذيّ من طريق أبي عوانة، عن قتادة: "فقال له في الثالثة، أو الرابعة: اركبها ويحك، أو ويلك"، وللنسائيّ من طريق سعيد، عن قتادة: "قال في الرابعة: اركبها ويلك". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣/ ٣٢١٢ و ٣٢١٣ و ٣٢١٤] (١٣٢٣)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٩٠) و"الوصايا" (٢٧٥٤) و"الأدب" (٦١٥٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩١١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٧٦) و"الكبرى" (٢/ ٣٦٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣١٠٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٩/ ٣٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٩٩ و ١٠٦ و ١٦٧ و ١٨٣

стр. 14308

و ٢٦١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٤٦٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٤١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبَدَنَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: "وَإِنْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله: (مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) بالبناء للمفعول. وقوله: (أَوْ هَدِيَّةٍ) "أو" للشكّ من الراوي. وقوله: (فَقَالَ: "وَإِنْ") هكذا هو في جميع النسخ، "وإن" بحذف فعل شرطها وجوابها، أي: وإن كانت بدنة، فاركبها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٤] ( … ) - (وَحَدَّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَني بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النبِيِّ ﷺ بِبَدَنَةٍ، فَذَكرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.

стр. 14309

٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن مسعر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٥] (١٣٢٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم نفسه قبل بابين. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أنه قال (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكىّ (قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، وفي الرواية التَّالية: "عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ركوب الهدي … " الحديث. فتبيّن أن السائل المبهم في هذه الرواية هو أبو الزبير نفسه (فَقَالَ) جابر ﵁ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ) أي بالخير، والرفق، والإحسان. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عنف، ولا إفحاش. انتهى (١). (إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا) بالبناء للمفعول، يقال: ألجأته إلى كذا، ولَجَّأته بالهمزة، والتضعيف: اضطررته، وأكرهته، أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: إذا اضطُرِرت

стр. 14310

إلى ركوبها (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا") قال ابن الأثير: الظهر: الإبل التي يُحمل عليها، وتركب، يقال: عند فلان ظهر: أي إبلٌ، وتُجمع على ظُهران بالضمّ. انتهى، وفي "اللسان": الظهر: الرِّكاب التي تَحْمِل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظُهُورها. انتهى. والمعنى: اركب البدنة إلى أن تجد راحلة ليست هديًا، فتركبَها بدلًا عن ركوب هديك، قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على صحة ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك، وقد روي في غير كتاب مسلم: أن النبىّ ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنةً، وقد جَهَدَه المشى، فقال: "اركبها" … الحديث (١). انتهى. قال السنديّ: وهل بعد أن ركب اضطرارًا له المداومة على الركوب، أو لابدّ من النزول إذا رأى قوّة على المشي؟ قولان، وقد يؤخذ من قوله: "حتى تجد ظهرًا" ترجيح القول الأول، وقد يُمنَعُ ذلك بأنها ليست غاية لمداومة الركوب عليها، بل هي غاية لجواز الركوب كلما أُلجئ إليه، أي له أن يركب كلما أُلجئ إلى أن يجد ظهرًا، فليتأمّل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف: ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣/ ٣٢١٥ و ٣٢١٦] (١٣٢٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٧٧)، و "الكبرى" (٢/ ٣٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٧ و ٣٢٤ و ٣٢٥ و ٣٤٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٦٣ و ٢٦٦٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٤٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٦٣)

стр. 14311

و"الصغرى" (٤/ ٤٣٩) و"المعرفة" (٤/ ٢٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، صدوق [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله العبسىّ مولاهم، أبو عبد الله الجزريّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٤) - (بَابُ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٧] (١٣٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَني مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ، قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ

стр. 14312

عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأنِهَا، إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْفَ يَأتي بِهَا؟ (١) فَقَالَ: لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ (٢)، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ، قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأنَ بَدَنَتِهِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَأمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَضَى، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَىَّ مِنْهَا؟ قَالَ: "انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأكُلْ مِنْهَا أنتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِي) يزيد بن حُميد البصريّ، ثقةٌ ثَبْتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩. ٤ - (مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِىُّ) هو: موسى بن سلمة بن الْمُحَبَّق -بوزن مُحَمَّد- الْهُذليّ البصريّ، ثقة [٤] (م د س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١/ ١٥٧٧. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، تقدّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنّاة الفوقانيّة، وتشديد التحتانيّة (الضُّبَعِىِّ) بفتح الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان،، قال السمعانيّ: نزل أكثر هذه القبيلة البصرةَ، وكانت بها محلّة تُنسب إليهم. انتهى (٣). (حَدَّثَنى مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ) بضمّ الهاء، وفتح الذال المعجمة: نسبة إلى قبيلة يقال لها: هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في

стр. 14313

"اللباب" (١). (قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الْمُحَبّق، أخو موسى، تأتي ترجمته بعد حديث -إن شاء الله تعالى- (مُعْتَمِرَيْنِ) منصوب على الحال من الفاعل (قَالَ) موسى (وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ) بفتحات: هي الناقة، أو البقرة، وقيل: هي الإبل خاصّة، وتقدّم تمام البحث فيها قريبًا، وجملة (يَسُوقُهَا) في محلّ جرّ صفة لـ "بدنة" (فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ) قال النوويّ ﵀: "أزحفت" -بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، وفتح الحاء المهملة- هذا رواية المحدثين، لا خلاف بينهم فيه، قال الخطابيّ ﵀: كذا يقوله المحدثون، قال: وصوابه، والأجود: "فَأُزْحِفَتْ" -بضم الهمزة- يقال: زَحَفَ البعيرُ: إذا قام، وأزحفه، وقال الهرويّ وغيره: يقال: أزحف البعيرُ وأزحفه السير، بالألف فيهما، وكذا قال الجوهريّ وغيره، يقال: زَحَفَ البعيرُ، وأزحف لغتان، وأزحفه السيرُ وأزحف الرجلُ: وقف بعيره، فحصل أن إنكار الخطابيّ ليس بمقبول، بل الجميع جائز، ومعنى "أزحف": وقف من الْكَلال، والإعياء. انتهى كلام النوويّ: ﵀ (٢)، وهو تعقّبٌ جيّد. وقال الفيّوميّ ﵀: زحف البعير، من باب نَفَعَ: إذا أعيا، فَجَرّ فِرْسِنَهُ، فهو زاحفةٌ، الهاء للمبالغة، والجمع زواحفُ، وأزحف بالألف لغةٌ، ومنه قيل: زَحَفَ الماشي، وأزحف أيضًا: إذا أعيا، قال أبو زيد: ويقال لكلّ مُعْيٍ سمينًا كان، أو مَهْزُولًا: زَحَفَ. انتهى (٣). (فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا) ذكر صاحب "المشارق"، و"المطالع" أنه رُوي على ثلاثة أوجه: أحدها، وهي رواية الجمهور: "فَعَيَى" بياءين، من الإعياء، وهو العجز، ومعناه: عَجَزَ عن معرفة حكمها لو عَطِبت عليه في الطريق، كيف يَعْمَل بها. والوجه الثاني: "فَعَيَّ" بياء واحدة مشددة، وهي لغة بمعنى الأولى. والوجه الثالث: "فَعُنيَ" بضم العين، وكسر النون، من العناية بالشيء، والاهتمام به. انتهى.

стр. 14314

وقال القرطبيّ ﵀: "عَيَّ"، أو "عَيِيَ" - مشددًا ومُفككًا، وهما لغتان معروفتان، وعليهما قرئ: ﴿مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. انتهى (١). (إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ) قال القرطبيّ ﵀: تُروَى "إن" بكسر الهمزة على أنها شرطيّة، وبفتحها على أنها مصدريّة معمولة لحرف جرّ محذوف، فيتعدّى إليها الفعل، وهو قوله: "عيي". انتهى. وقوله: (أُبْدِعَتْ) -بضم الهمزة، وكسر الدال، وفتح العين، وإسكان التاء- ومعناه: كَلَّت، وأعيت، ووقفت، قال أبو عبيد: قال بعض الأعراب: لا يكون الإبداع إلا بظلع. انتهى. (كَيْفَ يَأتى بِهَا؟) وقع في بعض النسخ: "لها" باللام، وفي بعضها: "بها" بالباء، وكلاهما صحيح، أي كيف يفعل بها؟ (فَقَالَ) سنان بن سلمة (لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ) وقع في معظم النسخ: "قَدِمتُ البلدَ"، وفي بعضها: "قَدِمتُ الليلةَ"، وكلاهما صحيحٌ (لَأَسْتَحْفِيَنَّ) -بالحاء المهملة، وبالفاء- ومعناه: لأسالنّ سُؤالًا بليغًا عن ذلك، يقال: أحفى في المسألة: إذا ألحّ فيها، وأكثر منها. قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال القرطبيّ ﵀: "لأستحفين عن ذلك": أي: لأكثرنَّ السؤال عنه، يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ، وألحف: إذا بالغ فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾؛ أي: كأنه أكثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها، ومنه قول الأعشى [من الطويل]: فَإنْ تَسْألِي عَنَّا فَيَا رُبَّ سائلٍ … حَفِىٍّ عَنِ الأَعْشَى به حَيْثُ أَصْعَدَا (٣) وقوله: (عَنْ ذَلِكَ) وقع في بعض النسخ: "عن ذلك" باللام، وفي بعضها: "عن ذاك" بغير لام (قَالَ: فَأَضْحَيْتُ) - بالضاد المعجمة، وبعد الحاء ياء مثناة تحتُ، قال صاحب "المطالع": معناه: صِرْتُ في وقت الضحى. انتهى. (فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ) تأنيث الأبطح، وهو كلّ مكان متّسع، فيه دُقاق الحصى (قَالَ) سنان (انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ) موسى بن

стр. 14315

سلمة (فَذَكَرَ) سنان (لَهُ) أي لابن عبّاس ﵄ (شَأنَ بَدَنَتِهِ) أي قصّتها، وما حدث بها (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) أي وقعت على الشخص الذي هو خبير بحكمها، حيث سمعه من النبيّ ﷺ ، قال في "جمهرة الأمثال": يقول: إنك سألت عن الأمر الخبيرَ به، والخبيرُ: العالم، والْخُبْر: العلم، والْخِبْرة: التجربة؛ لأن العلم يقع معها، وفي القرآن: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، والسقوط ها هنا بمعنى المصادفة، ومثله قولهم: سقط العشاء به على سرحان، أي صادف به السرحان. انتهى (١). وقال في "مجمع الأمثال": "الخبير": العالم: والْخُبْر: العلم، و"سَقَطتَ": أي عَثَرَت، عَبَّر عن العثور بالسقوط؛ لأن عادة العاثر أن يسقط على ما يَعْثُر عليه، يقال: إن المثل لمالك بن جبير العامريّ، وكان من حكماء العرب، وتمثّل به الفرزدق للحسين بن عليّ ﵄ حين أقبل يريد العراق، فلقيه، وهو يريد الحجاز، فقال له الحسين ﵁: ما وراءك؟ قال: على الخبير سقطتَ، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال الحسين ﵁: صدقتني. انتهى (٢). وقال في "المستقصى في أمثال العرب": سأل حارثةُ بن عبد العزيز العامريُّ مالك بن حنيّ العامريّ، وكانت بينهما منافرة، عن أول من قُرِعت له العصا، فقال: "على الخبير سقطتَ، وبالحليم أحطت"، وهو أول من قاله، وسأل الحسين بن عليّ ﵄ الفرزدق عن أهل الكوفة، فقال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وأسيافهم مع بني أمية، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما دَرّ على معاشهم، وإن امتخضوا قَلّ الديانون منهم، والأمر ينزل من السماء، يُضْرَب للعالم بالأمر، قال ربيعة الأسديّ [من الوافر]: وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ عَنْ أَبِيهَا … فَقُلْتُ لَهَا وَقَعْتِ عَلَى الْخَبِيرِ (٣) وفيه دليل لجواز ذكر الإنسان بعض ممادحته؛ للحاجة، وإنما ذَكَر ابن

стр. 14316

عباس ذلك ترغيبًا للسامع في الاعتناء بخبره، وحَثًّا له على الاستماع له، وأنه عِلْمٌ مُحَقَّقٌ، والله تعالى أعلم. (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً) اختَلَفت الروايات في مقدار البُدن التي بعث بها رسول الله ﷺ ، ففي هذه الرواية أنها ست عشرة بدنة، وفي الرواية التالية: "بثمانَ عشرة بدنةً"، ويمكن الجمع بتعدد القصة، أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة، إن كانت القصة واحدةً، قاله الشوكانيّ ﵀، وقال النوويّ ﵀: يجوز أنهما قضيتان، ويجوز أن تكون قضية واحدة، والمراد ثمان عشرة، وليس في قوله: "ست عشرة" نفي الزيادة؛ لأنه مفهوم عدد، ولا عمل عليه، والله أعلم. انتهى. وأسند الواقديّ في أول غزوة الحديبية القصة بطولها، وفيها أنه ﷺ استَعْمَل على هديه ناجية بن جندب الأسلميّ، وأمره أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدنة، قال القاري ﵀: نَقْلُ الواقديّ مخالف لرواية مسلم، اللهم إلا أن يقال: العدد المذكور في رواية مسلم مختصّ بخدمة ناجية له، والباقي لغيره من رفقائه، كما يدل عليه قوله: وأمّره فيها. (مَعَ رَجُلٍ) قيل: هو ناجية الْخُزاعيّ، وقيل: أبو قبيصة ذؤيب، كما سيأتي في الرواية الثالثة، وهذا فيه نظر؛ لأن حديث أبي قبيصة يرويه ابن عبّاس عنه، وهذا الحديث من مسند ابن عبّاس نفسه، فتأمّل (وَأمّرَهُ فِيهَا) بتشديد الميم: أي جعله أميرًا (فيها) أي لينحرها بمكة (قَالَ) الراوي، وهو ابن عبّاس ﵄ (فَمَضَى) أي ذهب الرجل منطلقًا إلى مكة (ثُمَّ رَجَعَ) ليستفسر النبيّ ﷺ فيما يصنعه إن حدث في البدن شيء (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِع عَلَىَّ) -بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال، مبنيًّا للمفعول: أي بما حُبِس عليّ من الْكَلال (مِنْهَا؟) أي من تلك البُدن، يقال: أبدعَتِ الراحلةُ: إذا كَلّت، وأَعْيت، حتى وَقَفت من الإعياء، وأُبْدِع بالرجل على بناء المجهول: إذا انقَطَعت راحلته به لكلال، ولم يقل هنا: أُبْدِع بي؛ لأنه لم يكن هو راكبًا؛ لأنها كانت بدنة يسوقها، بل قال: "أُبْدِع عليّ"؛ لتضمين معنى الحبس، كما ذكرنا (١). (قَالَ:

стр. 14317

"انْحَرْهَا) أي البُدن التي أُبدعت، وفي حديث ذؤيب أبي قبيصة ﵁ الآتي: "إن عَطِب منها شيء، فخَشِيتَ عليه موتًا، فانحرها" (ثُمَّ اصْبُغْ) -بضم الموحدة، ويجوز فتحها، وكسرها، فهو من باب نفع، ونصر، وضرب (نَعْلَيْهَا) وفي حديث ذؤيب ﵁: "ثم اغمس نعلها" بالإفراد، ولا تَخالف بين الروايتين؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى المثنّى: أي النعل التي قلّدتها في عنقها (فِي دَمِهَا) أي دم البُدن التي نحرتها (ثُمَّ اجْعَلْهُ) ذكّر الضمير، وأفرده بتأويل المذكور، أي اجعل المذكور من النعلين المصبوغين (عَلَى صَفْحَتِهَا) -بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء، هو: الجانب من كلّ شيء، وجمعها صفحات، مثلُ سَجْدة وسجدات، ومثله الصفح بلا هاء، والمعنى: اجعل النعلين على جانب سنام البُدن، وإنما يفعل ذلك؛ ليُعْلَم أنه هديٌ عَطِبَ، فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحُكِي عن مالك أنه قال: أمره بذلك؛ ليُعْلَم أنه هدي فلا يستباح إلا على الوجه الذي ينبغي، وفي حديث ذُؤيب: "ثم اضرب به صفحتها". (وَلَا تَأكُلْ مِنْهَا أَنْتَ) للتأكيد (وَلَا أَحَدٌ) أي ولا يأكل أحد (مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ") - بضم الراء، وفتحها، وكسرها، وسكون الفاء، قال المجدّ ﵀: الرّفقة مثلثة، وكثُمَامة: جماعة تُرافقهم، جمعه ككتاب، وأصحاب، وصُرَد. انتهى (١). وقال الشوكانيّ: الرفقة -بضم الراء وكسرها- لغتان مشهورتان، أي رفقاؤك، فـ "أهلِ" زائد، وقال البوصيري: بضم الراء وكسرها وسكون الفاء: جماعة ترافقهم في سفرك، والأهل مقحم. وقال الطيبيّ ﵀: لا يأكل الرفقاء سواء كانوا فقراء، أو أغنياء، وإنما مُنِعوا ذلك قطعًا لأطماعهم؛ لئلا ينحرها أحد، ويتعلل بالعطب. انتهى. وقال النوويّ ﵀: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المُهْدِي في الأكل وغيره، دون باقي القافلة. والثاني: وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نصّ الشافعيّ، وكلام جمهور

стр. 14318

أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة؛ لأن السبب الذي مُنعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة. [فإن قيل]: إذا لم تُجَوِّزوا لأهل القافلة أكله، وقلتم بتركه في البرية، كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال. [قلنا]: ليس فيه إضاعة مال، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم، يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة، ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤/ ٣٢١٧ و ٣٢١٨] (١٣٢٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٦٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٧ و ٢٤٤ و ٢٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٢٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤٢) و"المعرفة" (٤/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب بعث الهدايا إلى مكة، وإن لم يذهب بنفسه. ٢ - (ومنها): بيان جواز توكيل من يقوم ببُدنه. ٣ - (ومنها): بيان أن من بُعِث معه هدي إلى الحرم، فعَطِب في الطريق قبل بلوغ محله، أنه ينحره، ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها؛ ليَعْلَم مَن مَرّ بها أنها هدي، فينتفع بها. ٤ - (ومنها): بيان عدم جواز أكلها لأحد من أهل رفقته، قال

стр. 14319

النوويّ ﵀: إذا عَطِب الهديُ وجب ذبحه، وتخليته للمساكين، ويحرم الأكل منها عليه، وعلى رفقته الذين معه في الركب، سواء كان الرفيق مخالطًا له، أو في جملة الناس من غير مخالطة، والسبب في نهيهم قطع الذريعة؛ لئلا يَتَوَصَّل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل أوانه. انتهى (١). ٥ - (ومنها): بيان جواز أكله لسائر الناس إذا كانوا بصفة الاستحقاق؛ لقوله ﷺ : "ثم خلّ بينها وبين الناس، فليأكلوا"، رواه مالك في "الموطّإ"، والدارميّ، وابن حبّان في "صحيحه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الأكل من الهدي إذا عَطِبَ، فنَحَره: قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في الأكل من الهدي إذا عطب، فنحره، فقال الشافعيّ: إن كان هدي تطوع، كان له أن يفعل فيه ما شاء، من بيع، وذبح، وأكل، وإطعام، وغير ذلك، وله ترْكه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه مُلْكه، وإن كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن ترَكه حتى هلك لزمه ضمانه، كما لو فَرَّط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه، غمس نعله التي قلّده إياها في دمه، وضرب بها صفحة سنامه، وترَكه موضعه؛ ليَعْلَم مَن مَرَّ به أنه هديٌ، فيأكله، ولا يجوز للمهدي، ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا؛ لأن الهدي مُسْتَحَقٌّ للمساكين، فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة، ولا يجوز لفقراء الرفقة. انتهى (٢). وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀: إن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا، فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي، كالنذر المعيّن للمساكين، ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر.

стр. 14320

قال: (واعلم): أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه فلا يجوز إطعامه إلا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم، وكُره عندهم إطعام الذميين منه. وأما هدي التطوع، فالظاهر أنه إن عطب في الطريق أُلقيت قلائده في دمه، وخُلِّي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مُرْسَل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه، وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه لم يتعلق بذمته، وأما مذهب الشافعيّ، وأصحابه، فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عَطِب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما يشاء، من بيع، وأكل، وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك. وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع، إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله، فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. قال: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النصّ به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن يُترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى. انتهى (١). وأما حكم الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فقال الخرقيّ ﵀: من ساق هديًا واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء، وعليه مكانه، قال ابن قدامة ﵀: الواجب من الهدي قسمان: أحدهما: ما وجب بالنذر في ذمته، والثاني ما وجب بغيره، كدم التمتع
следующие страницы →