← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

وقد تقدّم الجمع بين الروايتين في المسألة الثامنة من مسائل الحديث الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: "ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ"، فَذَهَبَ اِلَى أُمِّهِ، فَأَبتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ (١)، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِيِ، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) "تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الإمام الحجة الثقة الحافظ الثبت الفقيه، من كبار [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ) تقدّم أن اسمها سُلافةُ- بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام، وبالفاء. وقوله: (وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ) اللام هي لام القسم، والفعل مرفوع بثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتُجزم وتنصب بحذفها، والهاء هو المفعول الثاني، والأول مقدّر؛ أي: لتُعطينه إياي، وفي بعض النسخ: "لتُعطنّه" بنون التوكيد المشدّدة.

стр. 14387

وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير سفيان بن عيينة. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ١٥) فقال: (٢٣٩٦٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وهو على ناقة لأسامة بن زيد، فأناخ -يعني بالكعبة- ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب يأتيه به، فأبت أمه أن تعطيه، فقال: لتعطينه، أو يخرج بالسيف من صلبي، فدفعته إليه، ففتح الباب فدخل، ومعه بلال، وعثمان، وأسامة، فأجافوا الباب عليهم مَلِيًّا، قال ابن عمر: وكنت رجلًا شابًّا قويًّا، فبادرت الناس، فبدرتهم، فوجدت بلالًا قائمًا على الباب، فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: بين العمودين المقدَّمين، ونسيت أن أسأله كم صلى؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَمَعَهُ أُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِم الْبَابَ طَوِيلًا، ثُمَّ فُتِحَ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، فَنَسِيتُ أَنْ أَسْألهُ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) "تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد الْقَطَّانُ، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.

стр. 14388

٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) "تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٦ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفىّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩. ٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَجَافُوا عَلَيْهِم الْبَابَ) أي: أغلقوا، يقال: أجفتُ الباب: إذا رددتَهُ، قال الشاعر [من الطويل]: فَجِئْنَا مِنَ الْبَاب الْمُجَافِ تَوَاتُرًا … وَإِنْ تَقْعُدَا بِالْخَلْفِ فَالْخَلْفُ وَاسِعُ (١) (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: "صلى بين العمودين اليمانيين"، و"الْعَمُود" -بفتح العين، وضمّ الميم-: الخشبة التي يقوم عليها البيت، جمعه: أَعْمِدَةٌ، وعُمُدٌ -بضمتين-، وعَمَدٌ- بفتحتين-، ويقال له: العماد أيضًا، قاله في "اللسان"، و"المصباح". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ انْتَهَى إِلَى

стр. 14389

الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، قَالَ: فَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبيُّ ﷺ ؟ قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الجمعة" ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنِ) بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ) بكسر القاف، يقال: رَقِيتُ في السلّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِب رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقَيًا، مثل فَلْس أيضًا، وارتقيتُ، وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السطحَ والجبلَ: علَوْتُهُ، يتعدّى بنفسه، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقوله: (قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى؟) قال النوويّ ﵀: هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وظاهره أن ابن عمر سأل بلالًا وأسامة، وعثمان جميعهم، قال القاضي عياض: ولكن أهل الحديث وَهَّنُوا هذه الرواية، فقال الدارقطنيّ: وَهِمَ ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده، قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق: "فسألت بلالًا، فقال"، إلا أنه وقع في رواية حرملة، عن ابن وهب: "فأخبرني بلال، وعثمان بن طلحة، أن رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة". هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ: وعثمان بن أبي طلحة، قال: وهذا يعضد

стр. 14390

رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال برواية ذلك، والله أعلم. انتهى (١). ونصّ الدارقطنيّ ﵀: وأخرج مسلم عن حُميد بن مسعدة، عن خالد، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن أسامة وبلال، وعثمان: فسألتهم، وهذا وَهِمَ فيه ابن عون، خالفه أيوب، وعبيد الله، ومالك، وغيرهم، فأسنده، عن بلال وحده. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (٢). وقد ذكر الدارقطنيّ ﵀ ممن خالف ابن عون في هذا: أيوب السختيانيّ، وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وكلهم عند مسلم، وأشار بقوله: "وغيرهم" إلى أن هناك من خالفه أيضًا، فمنهم: فُليح بن سليمان، عند البخاريّ في "المغازي" (٣)، ويونس بن يزيد الأيليّ عند البخاريّ في "المغازي" أيضًا (٤)، كلّ هؤلاء عن نافع، فكلهم خالف ابن عون، فذكر سؤال بلال فقط. فتبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ من توهيم ابن عون في قوله: "فسألتهم" هو الظاهر. والحاصل أن المحفوظ سؤال ابن عمر بلالًا، فتكون رواية ابن عون بلفظ: "فقالوا: " "فسألتهم" شاذّة، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كنْتُ فِي أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ).

стр. 14391

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمْحٍ بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ إمام فقيه حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الفقيه المشهور، من كبار [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (وَلَجَ) بفتح الواو واللام، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره يَلِجُ، من باب وَعَد وُلُوجًا، وأولجته إيلاجًا: أدخلته (١). وقوله: (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد المعروف، على غير قياس؛ إذ القياس: يَمَنِيٌّ، وفي ياء يَمَانٍ مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يُثَقَّل؛ لئلا يجمع بين العِوَض، والْمُعَوَّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها، قاله الفيّوميّ ﵀. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14392

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قًالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) "تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد الصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ) هذه الرواية تردّ على رواية النسائيّ المتقدّمة بأن الفضل بن عبّاس- ضي الله عنهما- كان معهم، وقد تقدّم أنها رواية شاذّة، فتنبّه. وقوله: (فَأَخْبَرَني بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ فيمن أخبر ابن عمر، قال في "الفتح": ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: "فأخبرني بلالٌ، أو عثمان بن طلحة" على الشكّ، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور. انتهى (١). فتبيّن بهذا أن رواية يونس هذه بالشك شاذّة، كرواية ابن عون الماضية،

стр. 14393

والمحفوظ أن السؤال لبلال فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٨] (١٣٣٠) - (حَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: اِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، أَنَّ النَّبِي ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكعَتَيْنِ، وَقَالَ: "هَذ الْقِبْلَةُ"، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ اِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام حجة مشهور [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) "تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (عَبْدُ بْن حُمَيْدِ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عئمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجِ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليَد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، يدلّس وُيرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄، مات سنة (٥٨) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٧ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.

стр. 14394

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرق بينهما؛ لاختلافهما في ذلك. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من ابن جريج. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ﵄. شرح الحديث: عن ابن جريج أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباح (أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ) أي: بالبيت (وَلَمْ تؤْمَرُوا بِدُخُولهِ؟) يعني أن دخول البيت ليس من النسك، وإنما النسك هو الطواف به، وفي "مصنّف ابن أبي شيبة": قال ابن عباس ﵄: "يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء"، وسنده صحيح، قاله في "العمدة" (١). (قَالَ) عطاء (لَمْ يَكُنْ) أي: ابن عبّاس ﵄ (يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ) أي: دخول البيت؛ لأنه ﷺ دخله، ولكنه لا يراه من جملة النسك (وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ) حبّ رسول الله ﷺ ، وابن حبّه ﵄. [تنبيه]: رواية المصنّف ﵀ هذه صريحة في أن ابن عبّاس ﵄ عن أسامة، وفي رواية البخاريّ في "الصلاة"، قال: حدّثنا إسحاق بن نصر، قال: حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عبّاس قال: لَمَّا دخل النبيّ ﷺ البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يُصلِّ حتى خرج منه، فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُل الكعبة، وقال: "هذه القبلة". انتهى. فجعله من حديث ابن عبّاس ﵄ نفسه، دون واسطة أسامة ﵁، وقد رجّح في "الفتح" رواية المصنّف، ونصّه: وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، من طريق إسحاق ابن راهويه، عن عبد الرزّاق، شيخ إسحاق بن نصر فيه بإسناده هذا فجعله من رواية ابن عبّاس، عن أسامة بن زيد، وكذلك

стр. 14395

رواه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، وهو الأرجح. انتهى (١). والذي يظهر أن رواية البخاريّ فيها إرسال، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ) أي: الكعبة؛ لأنه المراد عند الإطلاق، فهو علَم عليه بالغلبة؛ لأن "أل" هنا للغلبة، كما قال في "الخلاصة": وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كـ "الْعَقَبَه" وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ (دَعَا) أي: طلب من الله حاجته (فِي نَوَاحِيهِ) جمع ناحية؛ أي: جوانب البيت، وسُمّيت الناحية؛ لأنك تنحوها؛ أي: تقصدها (كُلِّهَا) بالجرّ توكيد لما قبله، وفي رواية النسائيّ: "دخل رسول الله ﷺ الكعبة، فسبّح في نواحيها، وكبّر، ولم يُصلّ". (وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) أي: في داخل البيت، قد تقدّم في المسألة السابعة من المسائل المذكورة في شرح حديث ابن عمر ﵄ المذكور أول الباب الجمع بين نفي أسامة صلاته ﷺ في الكعبة هنا، وبين إثبات بلال ﵁ لها هناك، فراجعه تستفد علْمًا جَمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ) أي: صلّى، أي: أطلق الجزء، وأراد الكلّ (فِي قُبُلِ الْبَيْتِ) -بضم القاف، والموحدة، وقد تسكّن: أي مقابلها، أو ما استقبلك منها، وهو وجهها (رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ") الإشارة إلى "الكعبة"، قيل: المراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزمًا، بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن الذي أُمرتم باستقباله ليس هو الحرم كله، ولا مكة، ولا المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها، أو الإشارة إلى وجه الكعبة؛ أي: هذا موقف الإمام، ويؤيده ما رواه البزار من حديث عبد الله بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى باب الكعبة، وهو يقول: "أيها الناس إن الباب قبلة"، قاله في "الفتح" (٢).

стр. 14396

وقال النوويّ: قال الخطّابيّ: معناه أن أمر القبلة قد استقرّ على استقبال هذا البيت، فلا يُنسخ بعد اليوم، فصلّوا إليه أبدًا، قال: وَيحْتَمِل أنه علّمهم سنّة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها، وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. انتهى. قال النوويّ: ويَحْتَمِل معنى ثالثًا، وهو أن معناه: هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أُمرتم باستقباله، لا كلّ الحرم، ولا مكة، ولا كلّ المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها فقط. انتهى (١). وقال السنديّ: الإشارة إلى الكعبة المشرّفة، أو جهتها، وعلى الثاني الحصر واضح، وعلى الأول باعتبار من كان داخل المسجد، أو من كان بمكة. انتهى. قال ابن جريج: (قُلْتُ لَهُ) أي: لعطاء (مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟) بالفتح: جمع زاوية، وزاوية البيت اسم فاعل من زويت المشيء أزويه: إذا جمعته، وسُمّيت بذلك لأنها جمعت قُطْرًا منه (٢). (قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ)؛ أي: في كلّ جهة منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀، وأخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄ في "الصلاة" (٣٩٨) كما أسلفت بيانه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦/ ٣٢٣٨] (١٣٣٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) و"الكبرى" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٧٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٤٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠١ و ٢٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٣٢ و ٣٠٠٣)،

стр. 14397

و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٥) و (الضياء) في "المختارة" (٤/ ١٠٤ و ١٢١ و ١٢٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٥/ ١٥٨)، و"الكبير" (١١/ ٣٠٣ و ١٢/ ٢٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٥٢)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٦٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٢٨) و"الصغرى" (١/ ١٨٣) و"المعرفة" (١/ ٤٨٤ و ٢/ ١٦١ و ٧/ ٤٣٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٩] (١٣٣١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِي ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَفيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِنْدَ سَارِيَةٍ، فَدَعَا، وَلَمْ يُصَلِّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقه، وهو (٢٠١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِي ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَفيهَا سِتُّ سَوَارٍ)

стр. 14398

بالفتح: جمع سارية، كجارية، وجوارٍ، وهي الأسطوانة (١). (فَقَامَ عِنْدَ سَارِيةٍ، فَدَعَا، وَلَمْ يُصَلِّ) قال الشوكانيّ ﵀: هذا يعارضه ما تقدّم عن ابن عمر ﵄ أنه سأل بلالًا: هل صلى النبيّ ﷺ الكعبة؟ فأخبره بأنه صلى فيها، قال: ويقدّم عليه بأنه مُثبت، وهو أولى من النافي، ومن تأوّل حديث بلال بأنه أراد بالصلاة الدعاء فخروج عن الظاهر. [فإن قيل]: يُرتَكَب للجمع بين الأحاديث. [قيل]: تأويلٌ ينفيه الصريح، وهو ما في البخاريّ عن ابن عمر ﵄ قال: فسألت بلالًا: صلى النبيّ ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين على يساره، إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين. قال: لكنه معارَضٌ بما في "الصحيحين" من قول ابن عمر: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ قال: وما قد يقال: عدم سؤاله لا يستلزم عدم إخباره: ليس بشيء لمن تأمل السياق، فالأولى أن يُجمَع بينهما بأنه ﷺ دخلها يوم النحر، فلم يصلّ، ودخلها من الغد فصلى، وذلك في حجة الوداع، وهو مرويّ عن ابن عمر ﵄ بإسناد حسن، أخرجه الدارقطنيّ، فيُحْمَل حديث ابن عباس ﵄ عليه. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بإسناد حسن، هذا قاله قبله السهيليّ في "الروض الأنف"، كما عزاه إليه الزيلعيّ، لكن في تحسينه نظر؛ لأن في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه في "التقريب": صدوقٌ سيّئ الحفظ جدًّا، فتفرّده بمثل هذا الحديث مما يُحتَمَل، فالحديث ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 14399

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦/ ٣٢٣٩] (١٣٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٧ و ٣١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧/ ٤٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج-﵀-المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٠] (١٣٣٢) - (وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي خَالِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبيِ أَوْفَى، صَاحِبِ رَسُول اللهِ ﷺ : أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع) "تقدم في" المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ، مات ﵁ (٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤١/ ١٠٧٢. لطائف هذا الاسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (٢٠٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والقول. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، شَهِدَ الْحُديبية، وعُمِّر بعد النبيّ ﷺ دهرًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة ﵁.

стр. 14400

شرح الحديث: عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) واسم أبيه خالد بن علقمة بن الحارث (صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ) أي: الكعبة؛ لما سبق أنه علم بالغلبة عليها (فِي عُمْرَتِهِ؟) المراد بها عمرة القضاء التي كانت سنة سبع من الهجرة قبل فتح مكة. ولفظ البخاريّ: اعتمر رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه مَن يَستُره من الناس، فقال له رجل: أدخل رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا. (قَالَ: لَا) قال النوويّ ﵀: هذا مما اتفقوا عليه، قال العلماء: وسبب عدم دخوله ﷺ ما كان في البيت من الأصنام والصُّوَر، ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت، وصلى فيه، وأزال الصُّوَر قبل دخوله. انتهى (١). يعني ثم دخلها، فقد أخرج البخاريّ عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ لَمّا قَدِمَ أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها، فأُخرجت، فأَخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : "قاتلهم الله، أما والله لقد عَلِمُوا أنهما لم يستقسما بها قط"، فدخل البيت، فكبّر في نواحيه، ولم يصلّ فيه. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط- أي: شرط صلح الحديبية- فلو أراد دخوله لمنعوه، كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث، فلم يقصد دخوله؛ لئلا يمنعوه، وفي "السيرة" عن عليّ ﵁ أنه دخلها قبل الهجرة، فأزال شيئًا من الأصنام، وفي "الطبقات" عن عثمان بن طلحة نحو ذلك، فإن ثبت ذلك لم يُشكل على الوجه الأول؛ لأن ذلك الدخول كان لإزالة شيء من المنكرات، لا لقصد العبادة، والإزالة في الهدنة كانت غير ممكنة، بخلاف يوم الفتح. [تنبيه]: استدل المحبّ الطبريّ بهذا الحديث على أنه ﷺ دخل الكعبة

стр. 14401

في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك؛ لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦/ ٣٢٤٠] (١٣٣٢)، (والبخاريّ) في "الحجّ" (١٦٠٠)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٦)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٧/ ١٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٧) - (بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤١] (١٣٣٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 14402

٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربمّا دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. وقوله: (اسْتَقْصَرَتْ) أي: اقتصرت على هذا القدر في البناء؛ لقصور النفقة عن تمامه، وفي الأخرى: "اقتصروا عن قواعد إبراهيم"، وفي الأخرى: "فإن قريشًا اقتصرتها"، وفي الأخرى: "استقصروا من بنيان البيت"، وفي الأخرى: "قصروا في البناء"، وفي الأخرى: "قصرت بهم النفقة"، قال العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى "استقصرت": قَصَرَت عن تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر؛ لقصور النفقة بهم عن تمامها، ذكره النوويّ ﵀ (١). وقوله: (وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان اللام، وبالفاء، هذا الصحيح المشهور، والمراد به بابًا من خَلْفها، وقد جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى: "ولجعلت لها بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا"، وفي "صحيح البخاريّ": قال هشام: "خَلْفًا" يعني بابًا، وفي الرواية الأخرى لمسلم: "بابين: أحدهما يُدْخَل منه، والآخر يُخْرَج منه"، وفي رواية البخاريّ: "ولجعلت لها خَلْفين"، قال القاضي: وقد ذكر الحربيّ هذا الحديث هكذا، وضبطه "خِلْفَين" بكسر الخاء، وقال: الخالفة عَمُود في مُؤَخَّر البيت، وقال الهرويّ: "خَلْفين" بفتح الخاء، قال القاضي: وكذا ضبطناه على شيخنا أبي الحسين، قال: وذكر الهرويّ، عن ابن الأعرابيّ أن الخلف الظهرُ، وهذا يفسر أن المراد الباب، كما فسّرته الأحاديث الباقية، والله أعلم. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي فيما بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه

стр. 14403

أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيِ شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْب) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة دون واسطة [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. و"هشام" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية ابن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" مقرونًا بأبي أسامة (٦/ ٥٧) فقال: (٢٤٣٤٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نُمَير، ثنا هشام وأبو أسامة، قال: أنا هشام المعنى، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ثم جعلتها على أسّ إبراهيم ﵇، فإن قريشًا يوم بَنَتْها استَقْصَرت، ولجعلتُ لها خَلْفًا"، قال أبو أسامة: "خِلْفًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ألَمْ تَرَيْ أَن قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا

стр. 14404

رَسُولَ اللهِ، أفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ ، مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (عَبْدُ اللهُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) التيميّ المدنيّ، أخو القاسم، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عائشة في قصة بناء الكعبة، وعنه سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، قال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ورَوَى أبو داود في "الطهارة" من حديث أبي حَزْرَة يعقوب بن مجاهد: ثنا عبد الله بن محمد، أبو عتيق أخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة، فذكر حديث: "لا صلاة بحضرة طعام"، كذا في روايته، والحديث قد رواه مسلم من حديث أبي حَزْرة، عن عبد الله بن أبي عتيق، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو المحفوظ، وأبو عتيق هو محمد والد هذا، وابن عم القاسم بن محمد وأخيه، وقال مصعب الزبيريّ: أمه أم ولد، قُتِل بالحرّة، وكانت الحرّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث، وأعاده هنا بعده. والباقيان ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.

стр. 14405

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. ٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ حبيبة رسول الله ﷺ ، وبنت حبيبه ﵄، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ ﷺ إلا خديجة، ففيه خلاف، ومن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بنصب "عبد الله" على المفعولية، وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته، عن عبد الله بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن محمد، فَوَهِم، أخرجه أحمد، وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم في الرواية التالية من طريق نافع، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر (١)، عن عائشة، فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن: "ولأنفقت كنز الكعبة"، قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة. (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ألَمْ تَرَيْ) خطاب للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها

стр. 14406

بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها؛ أي: ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي: قريشًا (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ) لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةِ امرأة من قريش، أجمرتها. أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطُّفيل، قال: "كانت الكعبة في الجاهليّة مبنية بالرَّضْم، ليس فيها مَدَر، وكانت قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه الحلقة (١) فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نجّارًا، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوا في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ ﷺ يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك، وبين المبعث خمس سنين"، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: "لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالمًا تابعوه"، قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: "كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة"، وكذا رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن جبير بن مطعم بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في "مغازيه"، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء. وذكر ابن إسحاق: "أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من

стр. 14407

بنائها، وكان رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز الكعبة"، فذكر القصّة مطوّلًا في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ ﷺ ، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده، قال: "وكانت الكعبة على عهد النبيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا". ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور: باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريج مثله، قال: "وكان يتّجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا"، وروى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عمرو بن دينار؛ أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش: باقوم، وكان روميًّا، وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر، ذكره في "الفتح" (١). (اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ") ﵇، وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في "السيرة" عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبره عن عبد الله بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم -وهو جدّ جعدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب، ولا تدخلوا فيه مهر بَغِيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شَهِد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشًا تقرّبت لبناء الكعبة -أي: بالنفقة الطيبة- فعجزت، فتركوا بعض البيت في الْحِجْر، فقال عمر: صدقت. [تنبيه]: قال العلماء: بُنِي البيت خمس مرات، بَنَتْه الملائكة، ثم إبراهيم ﷺ ، ثم قريش في الجاهلية، وحضر النبيّ ﷺ هذا البناء، وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون، وفيه سقط على الأرض حين وقع

стр. 14408

إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمَرّ إلى الآن على بناء الحجاج، وقيل: بُنِي مرتين آخريين، أو ثلاثًا، قالوا: ولا يُغَيَّر عن هذا البناء، وقد ذَكَروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها، وردّها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، وبالله التوفيق. ذكره النوويّ ﵀ (١). قالت عائشة ﵂ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) ﵇ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) -بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلّثة- بمعنى الحدوث؛ أي: لولا قُرب عهد قريش (بِالْكُفْرِ) يريد أن الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا. فقوله: "حِدْثَانُ" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ أي: موجودٌ، وجواب "لولا" قوله: (لَفَعَلْتُ") أي: لهدمتها، وفي الرواية الآتية: "لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت، وأدخلت فيه من الحجر"، وفي رواية: "لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أُدخل الْجَدْر في البيت، وأن أُلزق بابه بالأرض". وفي رواية: "لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلُمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع". (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ لَمّا سمع حديث عائشة ﵄ هذا (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂، وهذا من ابن عمر ﵄ ليس شكًّا في صدق عائشة ﵂، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد: التقرير واليقين، قاله في "الفتح" (٢).

стр. 14409

وقال القاضي عياض ﵀: ليس هذا اللفظ من ابن عمر ﵄ على سبيل التضعيف لروايتها، والتشكيك في صدقها وحفظها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يُستراب في حديثها، ولا فيما تنقله، ولكن كثيرًا ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير، والمراد به اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [الأنبياء: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ الآية [سبأ: ٥٠] (١). وقال القرطبيّ ﵀: قول ابن عمر ﵄ هذا ليس شكًّا منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرًا ليتبيّن مشروطه تحقيقًا، وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ نظائر، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ومثله كثير، ولِبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر، وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب، وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ [سبأ: ٥٠]، وعلى الجملة: فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير. انتهى (٢). (سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: ما أظنّ (تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ) أي: مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، يقال: استلم؛ أي: أصاب السِّلَام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ ﵀. والمراد هنا مسح الركنين باليد؛ إذ لا يشرع التقبيل بالفم إلا للحجر الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ) أي: يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أُخرج من الكعبة سيأتي بيان مقداره قريبًا -إن شاء الله تعالى- (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء للمفعول، من التتميم، ووقع عند النسائيّ في

стр. 14410

"الكبرى" بلفظ: "لم يتم" مبنيًّا للفاعل، من التمام، أو مبنيًّا للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇؛ أي: القواعد الأصلية التي بنى إبراهيم ﵇ البيت عليها. يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ ﷺ ، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه إبراهيم ﵇ البيت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧/ ٣٢٤١ و ٣٢٤٢ و ٣٢٤٣ و ٣٢٤٤ و ٣٢٤٥ و ٣٢٤٦ و ٣٢٤٧ و ٣٢٤٨ و ٣٢٤٩ و ٣٢٥٠ و ٣٢٥١] (١٣٣٣)، و (البخاريّ) في "العلم" (١٢٦) و"الحجّ" (١٥٨٣ و ١٥٨٤ و ١٥٨٥ و ١٥٨٦) و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٦٨) و"التفسير" (٤٤٨٤) و"التمنّي" (٧٢٤٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠٢٨)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٧٥)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٩٠١ و ٢٩٠٢ و ٢٩٠٣ و ٢٩٠٤ و ٢٩١١ و ٢٩١٢ و ٢٩١٣) وفي "الكبرى" (٣٨٨٣ و ٣٨٨٤ و ٣٨٨٥ و ٣٨٩٣ و ٣٨٩٤ و ٣٨٩٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٥)، و (مالك) في "الموطإ" (٨١٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ١٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٣ و ١٧٦ و ١٧٩ و ١٨٠ و ٢٥٣ و ٢٦٢)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ١٧٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٦٨ و ١٨٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٦ و ٢٧٤١ و ٣٠٢٢ و ٣٠٢٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٦ - ٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٩) و"المعرفة" (٤/ ٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بناء الكعبة الشريفة.

стр. 14411

٢ - (ومنها): ما ترجم عليه البخاريّ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، حيث قال: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهْم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه". والمراد بالاختيار في عبارته: المستحبّ، وذلك لأن قريشًا كانت تعظّم أمر الكعبة جدًّا، فخَشِي ﷺ أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غَيَّر بناءها؛ لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. قاله في "الفتح" (١). ٣ - (ومنها): ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة. ٤ - (ومنها): ومنه ترك إنكار المنكر؛ خشيةَ الوقوع في أنكر منه. ٥ - (ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين، أو دنيا، إلا الأمور الشرعيّة؛ كأخذ الزكاة، وإقامة الحدود، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): تألُّف قلوب الرعية، وحسن حياطتهم، وأن لا يُنَفَّروا، ولا يتعرض لما يُخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكن فيه ترك أمر شرعيّ. ٧ - (ومنها): أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولًا، ما لم يكن محرَّمًا. ٨ - (ومنها): تقديم الأهمّ، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدئ بدفع المفسدة. قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة، وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبيّ ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لِمَا كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها ﷺ . انتهى (٢). ٩ - (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. ١٠ - (ومنها): حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة.

стр. 14412

١١ - (ومنها): حرص الصحابة ﵃ على امتثال أوامر النبىّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، -أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ- لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) "تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ فقيه عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ) بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وِجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينىّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) "تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٥ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم ﵀ رواية مخرمة، عن أبيه، مع أن الأئمة قالوا: إنها وجادة من كتاب أبيه؟

стр. 14413

[قلت]: إنما أخرج له في المتابعات، لا في الأصول، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع في هذا السند: "عبد الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة"، وهو عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصدّيق الذي في السند الماضي، نُسب في هذا السند إلى جدّه. وإنما نبّهت عليه؛ لئلا يلتبس بعبد الله بن أبي بكر الصدّيق، وَلَدُ أبي بكر من صلبه، شقيق أسماء بنت أبي بكر، وهو صحابيّ ﵁، وقد ثبت ذكره في "صحيح البخاريّ" في قصّة الهجرة عن عائشة ﵂، قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وهو غلام شابّ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحر، فيُصبح مع قريش، قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحُنين، والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمي بسهم، فجُرح، ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه في شوّال سنة إحدى عشرة. انتهى (١). قوله: ("لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّة … إلخ) قال القرطبيّ ﵀: فيه حجة لمالك في سد الذرائع على القول بسدِّ الذرائع. وقوله: (لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقرّ النبيّ ﷺ ذلك المال في الكعبة؛ للعلَّة التي ذَكَرَها، وهي: مخافة التنفير، وأقرّه أبو بكر ﵁، ولم يَعْرِض له، ثم إن عمر ﵁ هَمَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبيّ ﷺ وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف. قال القرطبيّ: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب والفضة، كما قد ظنَّه بعضهم، فإن ذلك ليس بصحيح؛ لأن حليتها محتبسة عليها، كحُصرها، وقناديلها، وسائر ما يُحْبَس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حُكْمُ حليّها حكم حِلْيَة سيف

стр. 14414

أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حُبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يُهدَى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبيّ ﷺ مكة خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله، كما قال، وذلك: أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألّا يتعرضوا له، فأقرّه النبيّ ﷺ على ذلك؛ لِما ذكرناه، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك، وينبغي أن يبحث عنه، قال: وسبيل الله هنا: الجهاد، وهو الظاهر من عُرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: إخراج القرطبيّ حلي الكعبة من حكم الكنز فيه نظر، لا يخفى، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: قوله: "ولأنفقت كنز الكعبة" لم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق آخر أخرجه أبو عوانة من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂. انتهى (٢). وقوله: (وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ) أي: لاصقًا بالأرض، كما قال في الرواية التالية: "لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض". وقوله: (وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ") "من" هنا للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "أدخلت من الحجر خمسة أذرُع" (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْنِي ابْنَ مِينَاءَ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي -يَعْنِي عَائِشَةَ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ

стр. 14415

لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرحمن البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) هو: "سَلِيم" -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- "ابن حيّان" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة- الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) ٢١/ ٢١٩٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) مولى الْبَخْتَريّ بن أبي ذُباب، أبو الوليد الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في "الجنائز" ٢١/ ٢٢٠٧. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، كان أول من وُلد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، قتل ﵁ في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) "تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦١٠. و"عائشة ﵂ "ذُكرت قبله. وقوله: (فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ) أي: جعلتها لاصقة بها، بحيث يكون على وجهها، غير مرتفع عنه، وكان مرتفعًا بحيث لا يُصعَد إليه إلا بالسلّم، كما يأتي التصريح بذلك. وقوله: (وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا) هذا يفسّره ما يأتي من قوله: "بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه"، فالباب الشرقيّ هو الباب الذي لها الآن، وهو الباب القديم، والباب الغربيّ هو الذي أراد النبيّ ﷺ إحداثه، ويكون من خلفه، مقابل الباب الموجود. وقوله: (سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ) هكذا وقع في هذه الرواية: "ستة أذرع" بالهاء، وفي الرواية التالية: "خمس أذرع" بحذفها، وفي الرواية التالية: "فأراها

стр. 14416

قريبًا من سبعة أذرع" بالهاء، وكلاهما صحيح، ففي الذراع لغتان مشهورتان: التأنيث، والتذكير، والتأنيث أفصح، قاله النوويّ ﵀ (١). وقوله: (حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ) "حيث" هنا بمعنى "حين" كما في الروايات الأخرى، وقد ذكر ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغنيه" أن "حيث" ترد ظرف زمان عند الأخفش (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا (٣)، ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ (٤)، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ (٥) فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَىْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ

стр. 14417

النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ"، قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسًّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَىْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٣ - (ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) هو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري في "الصحيح".

стр. 14418

٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين، سوى عطاء، فمكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّة هي خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رَبَاح ﵀ أنه (قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ) أي: البيت الحرام، أحرقه الحصين بن نُمير السكونيّ لَمّا حاصر عبد الله بن الزبير في مكة بعد وقعة الحرّة بالمدينة سنة ثلاث وستين من الهجرة بأمر يزيد بن معاوية، رموا البيت بالمنجنيق، ورموا مع الأحجار بالنار والنفط، ومُشاقات الكتان، وغير ذلك من المحرقات، فاحترق ثياب الكعبة، وأخشاب البيت، وأخذوا يرتجزون، ويقولون: خَطّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ (١) الْمُزْبِدِ … نَرْمِي بِهَا أَعْوَادَ هَذَا الْمَسْجِدِ والخطارة بتشديد الطاء: المنجنيق، وقيل في الحصين بن نمير هذا: ابْنُ نُمَيْرٍ بِئْسَمَا تَوَلَّى … قَدْ أَحْرَقَ الْمَقَامَ وَالْمُصَلَّى (زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا) أي: الكعبة بقرينة البيت (أَهْلُ الشَّامِ) أي: حين غزوا ابن الزبير بمكة، لا أن غزوهم كان لبيت الله الحرام. وسبب ذلك أن عبد الله بن الزبير ﵄ حين مات معاوية ﵁ امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأصرّ على ذلك، حتى أَغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بنَ عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الحرّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميّ حُصَين بن نُمير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوُا الكعبة بالمنجنيق، حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان، وكثير من

стр. 14419

أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير مِن قِبَل ابن الزبير بَمْرج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغلب عليها، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغَلَب المختار بن أبي عبيد على الكوفة، ففرّ منه من كان من قِبَل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحصرهم فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بِيَنْبُع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث، أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين، أو بعد ذلك، وعند الواقديّ أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزعمت الكيسانية أنه حيّ لم يمت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض في خرافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كله الحافظ في "الفتح" ملخَّصًا من طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبريّ، وغيره (١). (فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ) وللفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق أبى أويس، عن يزيد بن رومان وغيره قالوا: "لَمَّا أحرق أهل الشام الكعبةَ، ورَمَوْها بالمنجنيق، وَهَتِ الكعبة". ولابن سعد في "الطبقات" من طريق أبي الحارث بن زمعة قال: "ارتَحَلَ الحصين بن نُمير -يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قِبل يزيد بن معاوية- لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالْخِصَاص (٢) التي كانت حول الكعبة، فهُدِمت، فإذا الكعبة

стр. 14420

تنفض -أي: تتحرك- مُتَوَهِّنةً، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق". وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: "بلغني أنه لَمّا قَدِمَ جيش الحصين بن نُمير، أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظنّ الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير ليقع عليه، فتتناثر حجارته". ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحبيل: أنه حَضَر ذلك، قال: "كانت الكعبة قد وَهَتْ من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قَدِمَ الناس الموسم، يريد أن يُحَزِّبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة … " الحديث. ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة قال: "لم يَبْنِ ابن الزبير الكعبة حتى حج الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استَقْبَلَ سنة خمس وستين". وحَكَى عن الواقدي أنه رَدَّ ذلك، وقال: الأثبت عندى أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا، وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة، سنة أربع وستين. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم؛ ليراه أهل الآفاق؛ ليشنّع بذلك على بني أمية، ويؤيده أن في "تاريخ المسبحي": أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين، وزاد المحبّ الطبريّ أنه كان في شهر رجب، والله أعلم. قال: وإن لم يكن هذا الجمع مقبولًا، فالذي في "الصحيح" مُقَدَّم على غيره. انتهى (١). (تَرَكَهُ) أي: البيت؛ أي: ترك بناءه (ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (النَّاسُ الْمَوْسِمَ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين: جمعه: مواسم،

стр. 14421

وهو الوقت الذي يَجتمع فيه الحجاج كلَّ سنة، كأنه وُسِم بذلك الوسم، وهو مَفْعِلٌ منه، اسم للزمان؛ لأنه مَعْلَمٌ لهم، يقال: وَسَمَه يَسِمُهُ سِمَةً، ووَسْمًا: إذا أثّر فيه بِكَيّ، قاله ابن الأثير ﵀ (١). وقال الأبيّ ﵀: كان احتراق البيت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، والموسم هي أيام الحجّ، والتأخير إنما هو فيما بين الزمانين. انتهى. (يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ) "أو" للشكّ من الراوي، قال النوويّ ﵀: أما الحرف الأول فهو "يُجَرِّئُهُمْ" -بالجيم، والراء، بعدها همزة- من الجراءة؛ أي: يُشَجِّعهم على قتالهم بإظهار قبح فِعالهم، هذا هو المشهور في ضبطه، قال القاضي عياض ﵀: ورواه العذريّ: "يُجَرِّبُهُمْ" -بالجيم، والباء الموحدة- ومعناه: يختبرهم، وينظر ما عندهم في ذلك من حَمِيَّة، وغضب لله تعالى ولبيته. وأما الثاني، وهو قوله: "أو يُحَرِّبُهُمْ" فهو بالحاء المهملة، والراء، والباء الموحدة، وأوله مضموم، ومعناه: يُغيظهم بما يرونه قد فُعل بالبيت، من قولهم: حَرَّبتُ الأسدَ: إذا أغضبته. قال القاضي: وقد يكون معناه: يَحْمِلهم على الحرب، ويُحَرِّضهم عليها، ويؤكد عزائمهم لذلك، قال: ورواه آخرون: "يُحَزِّبُهم" بالحاء والزاي: يَشُدّ قوتهم، ويُميلهم إليه، ويَجعلهم حِزبًا له، وناصرين له على مخالفيه، وحِزْبُ الرجل من مال إليه، وتحازب القوم: تمالئوا. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: الأول من الجرأة، وهي الشجاعة، والثاني من التحزيب، وهو التجميع، هكذا لابن سعيد، والفارسيّ، وغيرهما، ومعنى ذلك أنه أراد أن يُشجّعهم، أو يُجمّعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة، وروى الْعذريّ الحرف الأول "يُجَرّبهم" -بالباء الموحّدة- من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولبيته، وقيّد كافّتهم الحرف الثاني "يُحرّبهم" - (٣) بالحاء، والراء المهملتين، والباء الموحّدة- من التحريب، وهو

стр. 14422

التغضيب، يقال: حَرّبتُ الأسدَ، وأسدٌ مُحَرَّبٌ؛ أي: أغضبته، فهو مُغْضَبٌ. انتهى (١). (فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ) أي: رجعوا من الحجّ إلى بلدانهم، وقال الأبيّ: قوله: "فلما صدر الناس" يعني انصرفوا عن الموسم، قال ذلك لأهل مكة، ويَحْتَمِل أن يعني: انصرف رعاع الناس، وبقي خواصّ أهل الموسك. انتهى. (قَالَ) ابن الزبير ﵁ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ) يقال: أشار عليّ بكذا: إذا أراه ما عنده فيه من المصلحة (٢). (أَنْقُضُهَا) وفي بعض النسخ: "أأنقضها" بهمزتين، الأولى للاستفهام (ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا) أي: أبنيها بناء جديدًا (أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟) أي: ضعُف، يقال: وَهَى الحائط وَهْيًا، من باب وَعَدَ: ضَعُفَ، واستَرْخَى، وكذلك الثوب، والْقِرْبةُ، والْحَبْلُ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهيته، ووَهَى الشئُ: إذا ضَعُفَ، أو سقط، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣). وفيه دليل لاستحباب مشاورة الإمام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا) -بضم الفاء، وكسر الراء-؛ أي: انكشَف، واتّضَح لي، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦]؛ أي: أوضحناه، وبَيّناه، وكشفنا معانيه، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصواب في ضبط هذه اللفظة، ومعناها، وهكذا ضبطه القاضي عياض، والمحققون، وقد جعله الحميديّ صاحب "الجمع بين الصحيحين" في كتابه "غريب الصحيحين": فَرِقَ بفتح الفاء: بمعنى خاف، وأنكروه عليه، وغَلَّطوا الحميديّ في ضبطه، وتفسيره. انتهى (٤). (أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ) أي: تترك (بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﷺ (لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ) هكذا هو في أكثر النسخ: "يُجِدَّه"

стр. 14423

-بضم الياء، وبدال واحدة- وفي كثير منها: "يُجَدِّده" بدالين، وهما بمعنى (١). قال الأبيّ ﵀: قوله: "لو كان أحدكم احترق بيته … إلخ" لا تتم هذه الحجة بذاتها؛ لأنه يردّه ما ذَكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد، وإنما تتمّ بانضمامها إلى حديث عائشة ﵂. انتهى (٢). (فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنَّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا) أي: طالب، وداعٍ ربّي أن يختار لي ما هو خير في هذا الأمر ثلاث مرّات (ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي) يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْمًا، من باب ضرب: عَقَدَ ضميره على فعله (٣). (فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ) أي: الليالي الثلاث (أَجْمَعَ رَأْيَهُ) أي: عزمه، يقال: أجمعتُ المسيرَ والأمرَ، وأجمعتُ عليه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا عزم عليه (٤)، وقال القرطبيّ: "أجمع رأيه" رباعيًّا: عزم، وأمضى، فأما جَمَعَ ثلاثيًّا: فضدّ التفريق. انتهى (٥). (عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا) من باب نصر (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: امتنعوا من نقض البيت خوفًا وهيبةً (أَنْ يَنْزِلَ) أي: مخافة النزول (بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ) أي: البيت (أَمْرٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ"ينزل" (مِنَ السَّمَاءِ) المراد به العذاب (حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ) وفي نسخة: "حتى صَعِدَ رجلٌ" (فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه: "تتابعوا" -بياء موحدة قبل العين- وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين، وعن أبي بحر: "تتايعوا" بمثنّاة تحتانيّة بدل الموحّدة، وهو بمعناه، إلا أن أكثر ما يُستعمل بالمثناة في الشرّ خاصّةً، وليس هذا موضعه. انتهى. وقال ابن عيينة في "جامعه" عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: "خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا، ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم"، وفي رواية أبي أويس: "ثم عَزَل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يُبنَى به،

стр. 14424

فأَمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شَقَّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعدما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر أمثال الْخَلِف (١) من الإبل، فأنفضوا له؛ أي: حركوا تلك القواعد بالْعُتُلّ، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد الله، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متصلًا، فأشهدهم على ذلك. وروى عبد الرزاق، من طريق ابن سابط، عن زيد: "أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الْخَلِفة، والحجارة مشبكة بعضها ببعض". وللفاكهي من وجه آخر، عن عطاء: "قال: كنت في الأمناء الذين جُمِعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكبّر الناس، فبنى عليه". وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: "فكشف عن ربض في الحجر، آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام؛ ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِف الإبل، وجهٌ حجر ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر" (٢). (فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ) هكذا النسخ بتشديد التاء، ولعله للمبالغة، يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْرًا، من باب قَتَلَ، ويقال لما ينصبه المصلّي قُدّامه علامة لمصلّاه، من عصًا، وتسنيم تُراب وغيره: سُترةٌ؛ لأنه يستر المارّ من المرور؛ أي: يحجبه. (عَلَيْهَا) أي: على الكعبة، والمراد: المنقوض من بنائها (السُّتُورَ) بالضمّ: جمع سِتْر بالكسر، وهو ما يُستر به، والسُّترةُ بالضمّ مثله، قال ابن

стр. 14425

فارس: السُّترةُ: ما استترت به كائنًا ما كان، والسِّتارة بالكسر مثله، والسِّتار بحذف الهاء لغةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ) قال القرطبيّ ﵀: إنما فَعَل ذلك ابن الزبير؛ لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأنّ ابن عبّاس ﵄ قال: إن كنت هادمها فلا تدع الناسَ لا قبلة لهم، وهذا يدلّ على أن بقعة البيت ما كانت تتنزّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر ﵁، وقال: صلُّوا إلى موضعها. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلّون في تلك الأيام، ويَعْرِفوا موضع الكعبة، ولم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء، وصار مشاهدًا للناس، فأزالها؛ لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة، واستدلّ القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة، قال: وقد كان ابن عباس أشار على ابن الزبير بنحو هذا، وقال له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، فقال له جابر: صَلُّوا إلى موضعها، فهي القبلة، ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة، ويجزيه ذلك بلا خلاف عنده، سواء كان بقي منها شاخص أم لا، والله أعلم. انتهى (٣). (وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﵄ (إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) قال الأبيّ ﵀: كان المناسب أن يكون هذا حين الاستشارة، وحين قال ابن عبّاس، ولكن العطف بالواو، والأظهر أن ابن عبّاس لا يخفى عليه ذلك، ولكن رأى أنه فرقٌ بين بناء رسول الله ﷺ إياها، وبناء غيره، وأنه لو بناها ﷺ لكان بناؤه أوقع في النفوس من بناءٍ أسلم الناس عليه، ورأى ابن الزبير عكس العلّة، وهو قوله: "فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس"، ولكن يردّ عليه، أعني على قوله: "أجد ما أنفق، ولا أخاف الناس" ما ذكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد. انتهى (٤). ("لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بالرفع على الفاعليّة لـ"حديث"؛ لأنه
следующие страницы →